قوانين السعادة:(24)لا تكن إمعة

تاريخ الإضافة 24 أكتوبر, 2025 الزيارات : 2764

قوانين السعادة

(24)لا تكن إمعة

 

معنى الإمَّعة :
الإمَّعةُ – بكسر الهمزة وتشديد الميم -: والإمعة هو الرجل الذي لا رأْي له ولا عَزْم، فهو يتابع كلَّ أَحدٍ على رأْيِه،  يترك رأيه وشخصيته وطباعه ، وكلامه وأخلاقه، فيذوب في الأخرين، فيكون كلامهم كلامه، وأخلاقهم أخلاقه ، يغير من مبادئه لتصبح كمبادئهم إن أطاع الناس ربهم أطاع الله معهم وإن تخلى الناس عن بعض أخلاقهم تخلى مثلهم عن أخلاقه ليسايرهم ، فهو مع الناس دائماً يؤثرون عليه ولا يؤثر فيهم ، غير ثابت على مبادئه و أخلاقة ومنهجه .

ومن دلائل عظمة ديننا: أنه دين يجعل أتباعه مميزين في شخصياتهم وأفكارهم ، وحكمهم على الأشياء ،لأنهم يتميزون بأن معهم ميزان الحق، والعدل الذي لا يخطئ ؛ فيزنون الأمور بالكتاب والسنة، فلا يتبعون هوى، ولا يصغون السمع مفتونين بباطل، ولا يرضون لأنفسهم أن يكونوا ذيولا تابعين لغيرهم ، لكننا الآن في عصر أكبر ما يميزه أنه:

( عصر الفوضى )

فنحن نعاني من فوضى في التوجيه والإعلام ، وفي عصرنا حدثت طفرة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي ، والإعلام المتمثل في القنوات الفضائية التي تعمل 24 ساعة وتحاول أن تنقل كل جديد وغريب وعجيب ، ، وأغلب ما يقوم عليه الإعلام اليوم استراتيجيّة الإلهاء : المتمثلة في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة، وتشويه الحقائق، وعلى ابتكار أو افتعال الإشاعات وتفريخ الشبهات .

 ومن العجب العاجب أن تجد مسلما يهيم على وجهه في الدنيا كالريشة في مهب الريح ،لا وزن له ولا ثبات ولا قيم ولا هوية ولا مبادئ .
فالمسلم الضائع أو المائع الذي ينقاد لغيره ، ألغى شخصيته فذابت مع غيره ، واعتقد جهلا أن الكمال في تقليد الغربيين في الهوس والمجون ،لا في عملهم وإتقانهم وإبداعهم وتقدمهم وأخذهم بالأسباب وفي التفاعل مع الكون .

إن المسلم لابد وأن يوطن نفسه ويستقل بذاته عن غيره، وقد ذكر القرآن أن من ندامة أهل سقر في النار والعياذ بالله (وكنا نخوض مع الخائضين) [المدثر45]، قَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ .

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه –:  ” لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسن النَّاس أحسنَّا، وإن ظَلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إن أحسن النَّاس أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تَظْلِموا ” رواه الترمذي وقال الألباني صح موقوفا عن ابن مسعود.
وهذا
 الحديث يذمُّ ويحذِّر مِن الإمَّعة، الذي يقلِّد النَّاس بدون وعيٍ في إحسانهم وإساءتهم.

وقال أيضا رضي الله عنه أيضاً :”لا يكونن أحدكم إمعة ، قالوا: وما الإمعة ؟ قال: يجري مع كل ريح

فالإمعة دائماً هش مرن لا يثبت على ما عليه من الحق حتى الريح على رقتها تؤثر فيه وتجعله يتشكك فيما هو عليه .

يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: (اتَّبع طريق الهدى، ولا يضرُّك قلَّة السَّالكين، وإيَّاك وطرق الضَّلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين(

وعن كَمِيل بن زياد أنَّ عليًّا- رضي الله عنه- قال: يا كَمِيل: إنَّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والنَّاس ثلاثة: فعالم ربَّانيٌّ، ومتعلِّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق )

 وهنا أيضاً يؤكد على بن أبى طالب على نفس المعنى فيوضح أن الناس ثلاثة أصناف ، ثم يبين أن أسوأ هذه الأصناف هو النوع الثالث: (همج رعاع أتباع كل ناعق) وهو الإمعة الذى يظهر أنه يحمل الحق ولكنه على غير بصيرة وعلى غير ثقة، ويقين بما عليه من منهج وإيمان وأخلاق إذا واجهته شبهه أمامه أو انتقاد من الناس أو ذم انقدح، وظهر الشك في قلبه مما هو عليه من الحق فيترك ما معه من الحق ويتبع الناس.

فالخير كله في أن نعرف دين الله حقاً ونكون على بصيرة وثبات مما نحن عليه ولا يداخلنا الشك في مبادئنا وأخلاقنا فنثبت ولا نغير أنفسنا من أجل الناس .

وأذكر أن أحد المشايخ سألنا في درس له سؤالا قال :لماذا يجري اثنان وعشرون لاعبا في مباراة كرة القدم وراء الكرة هذا يضربها والآخر يركلها ؟ فذهب الناس مذاهب فمنا من قال لإحراز الهدف .. كلا للفوز بالمباراة ، لا لا لإثبات المهارة في اللعب !!

فقال : إن السبب أن هذه الكرة منفوخة على الفاضي ) منفوخة هواء (وأي واحد منفوخ هواء سهل أن يُشاط (كالكرة ( فالشخصية التافهة المائعة لا وزن لها .

فتحديد الهدف وتكوين الشخصية المتزنة القويمة أمر هام جدا لأن الذي يعرف هدفه ينطلق إليه وبسرعة كالسهم .

على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها   وتصغر في عين العظيم العظائم

 

الإمعة والتقليد الأعمى:

مما لا شك فيه أن الإنسان يتأثر بمن حوله وبما حوله من أشخاص وأحداث وأشياء .. والإنسان المتوازن يتأثر ويؤثر .. وهذا يعني أن التقليد يمكن أن يكون طبيعياً ، حيث يتأثر الإنسان بالأشخاص من حوله بأفكارهم وسلوكهم وتصرفاتهم وثيابهم وغير ذلك ، والتقليد في الخير خير ،أما التقليد في التفاهة والشر فهو شر ، وعادة يقلد الأضعف الأقوى ويتأثر به كما يقلد الصغير الكبير ، لأنه يشعر بالنقص والضعف ويتمنى أن يتخلص من ضعفه ونقصه من خلال التشبه بغيره؛ فيمضي في ركب القطيع المطيع خلف المرياع.[1]

التقليد الأعمى وقصة القرود الخمسة :

وأبلغ مثال عن التقليد الأعمى قصة القرود الخمسة حينما وضع مجموعة من العلماء خمسة قرود في قفص واحد ووضعوا في وسط القفص سلم وفي أعلى السلم وضعوا بعض الموز في كل مرة يتسلق أحد القرود لأخذ الموز يرش العلماء باقي القرود بماء شديد البرودة .
بعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يتسلق لأخذ الموز، يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يُرشون بالماء البارد ، بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الإغراءات خوفا من الضرب… بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قردا جديدا، فكان أول ما قام به القرد الجديد أنه صعد السلم ليأخذ الموز ، ولكن فورا قام الأربعة الباقون بضربه وأجبروه على النزول ….بعد عدة مرات من الضرب فهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب!!!!
قام العلماء أيضا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد ، وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملائه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرب!!!!
وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبدا
ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب ؟!!!
لو فرضاً سألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلم؟
أكيد سيكون الجواب: لا ندري ولكن وجدنا آباءنا وأجدادنا له ضاربين.

الإمعة شخص يُشترَى ويباع :
نعم الإمعة يشترَى بأبخس الأثمان ، لكن صاحب المبدأ لا يشترى ولا يباع ، لا تؤثر فيه سبائك الذهب اللامعة ولا سياط الجلادين اللاذعة ، وقد قالها النبي لعمه واضحة جلية : “والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته

لذلك من الصعب جداً أن تشتري إنساناً صاحب مبدأ ، لا يلين ، ولا يقبل بأنصاف الحلول ، ولا يباع ، ولا يشترى فرجل المبدأ إنسان عظيم ، ورجل المصلحة إنسان تافه يعبد مصلحته من دون الله ، مع هؤلاء ومع هؤلاء ، مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، هو مع مصلحته الحقيقية ، لذلك من أشد هذه الأخلاق انحطاطاً أن يكون الإنسان إمعة .

فإذا أردت أن تعيش عزيزا كريما لك شخصيتك المميزة فلا تكن إمعة.
فالمسلم دائما يعيش حرّاً عزيزا كريما، يتبع الناس في الخير وينكر عليهم إذا وقعوا في الشر إذا صلح الناس صلح، وإذا فسدوا لا يفسد.

والمسلم الحق يرضي ربه في كل شيء فلا يبيع دينه لأجل رضا الناس، بل يسعى لرضا الله وحده.

والإمعة قد يرضي الناس مؤقتاً، لكنهم في قلوبهم لا يحترمونه لأنه إنسان تافه بلا مبدأ، بينما المستقل وإن خالفهم فإنهم يحترمونه لأنه صاحب مبدأ، بل ويطمئنون عند التعامل معه لأنه رجل عند كلمته لا يغدر ولا يخون

دع المكارم ولا ترحل لبغيتها :

هل تصدقون أن شاعراً يدخل السجن ببيت قاله في إنسان ، وعدّه العرب في الجاهلية أهجا بيت قالته العرب ، ولا أبالغ إذا قلت لكم : إن هذا البيت هو اليوم شعار كل إنسان إمعة ، البيت الشعري هو:

دع المكارم ولا ترحل لبغيتها**واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي .

هذا البيت من قصيدة للحطيئة العبسي، وهو بيت مشهور، وهو يهجو (يذم) فيه الزبرقان بن بدر أحد وجهاء بني تميم، وعند ما علم الزبرقان بن بدر بهجاء الحطيئة له ، اشتكاه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،فقال عمر : ما أسمع هجاء ، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟

فقال الزبرقان : يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده ما هجي أحد بمثل ما هجيت به ، فخذ لي ممن هجاني؟

فقال عمر : علي بحسان ، فجيء به فسأله ، فقال : لم يهجه يا أمير المؤمنين ، ولكنه سلح عليه سلحا ( السلح هو الغائط ) كناية عن شدة الهجاء!!،

فأمر به عمر فحبس حتى أعلن توبته عن هجاء المسلمين.

الثبات على الحق

لا بد للمسلم في هذا الزمان أن يوطن نفسه على الثبات على الحق وتمييزه من الباطل لأن هذا العصر كثر فيه موت العلماء، واتخذ الناس رؤوسًا جُهّالاً، وفشا فيه الجهل، وقلّ فيه العلم، ونَطَق الرُّوَيْبِضَة، وصار هناك فوضى في الكلام والتوجيه، فأصبح الصَّحفي فقيهًا، والإعلاميّ مُشَرِّعًا، وقَلَّت فيه الثقة بالعلماء …. بل أصبح فيه الحديث والنطق من دَيْدن الرُّوَيْبِضَة، من التافهين والأفاكين الذين يقلِبُون الحق باطلاً، والباطل حقًّا ، والذين يُزَوِّرُون الحقائق، الذين يقولون ما لا يعْلمون ويمارون فيما يَعِلَمون .

وقد أخبر رسول الله ﷺ عن هذه النوعية من البشر فقال : “(سيأتي على أمتي سنوات خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة” قيل “وما الرويبضة ؟ ” قال: “الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة ” صححه الألباني

 وأخبر النبي ﷺ عن شيوع ذلك في آخر الزمان ففي الحديث عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال : قال النبي “ﷺ) : يذهب الصالحون الأول فالأول ، ويبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر ، لا يباليهم الله بالة) رواه البخاري


[1] المرياع هو قائد قطيع الغنم الذي يعتمد عليه الراعي في توجيه غنمه، وهو خروف كثير الصوف، يتم إخصاؤه كي لا ينشغل عن وظيفته الأساسية وهي (قيادة القطيع)، وأفراد القطيع غالبا ما يتبعونه مطأطئ الرؤوس دون الحاجة لمشاهدته ، وفي العادة يعلق جرس في رقبة المرياع يحركه فيحدث صوتا أثناء الحركة والمشي فيسمعه باقي أفراد القطيع فيستمرون في تبعيته والمشي خلفه أينما توجه ، والمراييع نوعان: مرياع الراعي وهو من يتبع الراعي، ومرياع الحمار، وهو الذي يتبع الحمار الذي يتقدم قطيع الغنم؛ فمتى تحرك الحمار تحرك المرياع وتتبعه الغنم.

Visited 61 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع