38- من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن عادى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.) رواه البخاري
شرح الحديث
(مَن عادى لي وَلِيًّا) المعاداة: ضد الموالاة والمصادقة، والعدو ضد الولي. وعاداه: أي: آذاه وأغضبه وأهانه بالقول أو بالفعل، وعاداه اتخذه عدوا.
(وليا): الولي: مأخوذ من الولي بسكون اللام، وهو القرب والدنو، ومنه حديث: “وكل مما يليك” والولي: فعيل إما بمعنى فاعل؛ لأنه والى الله تعالى بالطاعة والتقوى من غير تخلل عصيان، وإما بمعنى مفعول: لأن الله والاه بالحفظ ومزيد الإمداد، ولم يكله إلى نفسه طرفة عين.
والولي في الاصطلاح: له معنيان عام و خاص:
فالعام: هو المؤمن؛ قال تعالى: ( الله ولي الذين امنوا ) [البقرة: 207].
وبالمعنى الخاص: فهو المؤمن المواظب على فعل الطاعات واجتناب المنهيات، وهو الولي الكامل المذكور في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [يونس:12]
والمعنى المراد في الحديث: هو الخاص؛ يعني: تحرم أذية المؤمن المواظب على فعل الطاعات واجتناب المنهيات.
وقيل: المراد من ذلك هو المعنى العام؛ يعني: عموم المؤمن، فكل مؤمن تحرم أذيته بالقول أو الفعل.
ولا مانع من اعتبار المعنيين، على حسب درجات الإيذاء وأشكاله، وأحوال الأشخاص، فيدخل فيه جواز إيذاء عموم المؤمن في نحو حق، كما لا يمتنع إيذاء خواص المؤمنين المواظبين على الطاعات واجتناب المنهيات في نحو ذلك، خاصة وأنه لا عصمة لأحد عن اقتراف بعض المزجورات وإن كان من أصلح الخلق.
(فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْب) آذنته: بالمد؛ أي: أعلمته، والإيذان: الإعلام، والأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة.
والمعنى: أعلمه أني محارب له، ومن حاربه الله تعالى لا يفلح أبدا، وويل لمن كان الله تعالى خصمه فهذا غاية الوعيد والتهديد؛ لأن فيه أعظم الهلاك، قال الحسن: ابن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة؟
وإذا كان في معاداة الولي عظيم الوعيد والتهديد والإهلاك. فليعلم أنه في موالاته عظيم الثواب، فأولياء الله تعالى تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم.
مسألة: المحاربة مفاعلة بين جانبين، فكيف تتحقق والمخلوق في أسر خالقه تعالى وفي قبضته؟
والجواب:
المقصود من المحاربة هو لازمها، وهو الإهلاك، فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك، والله تعالى لا يغلبه غالب، فهذا من المجاز المرسل حيث أُطلق الحرب وأُريد لازمها.
وقد نص الله تعالى على تحريم الأمرين السابقين، واعتبر أكلة الربا وقاطعي الطريق محاربين لله تعالى لعظيم ظلمهم لعباده وسعيهم في الفساد في أرضه، فهذا كله محاربة لله، ولن تجد لمن حارب الله ناصرًا ولا معينًا، فالأرض والسماء ومن فيهما ملك لله، ولا مفرّ منه إلا إليه، ولا نجاة إلا به.
ولما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له؛ ذكر بعد ذلك وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم، وتجب موالاتهم فذكر ما يتقرب به إليه تعالى فقال:
(وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ) وما تقرب”: أي: طلب القرب من رحمتي ورضاي وثوابي الجزيل، بشيء: الباء للسببية؛ أي: بسبب شيء.
أنواع القرب من الله:
قرب خاص: وهو قرب اللطف والنصر والتأييد، وهذا قرب خاصة عباده وصفوة أوليائه، وقرب عام: وهو قرب لسائر عباده بالعلم والقدرة.
(أحَبَّ إلَيَّ ممّا افْتَرَضْتُ عليه) تشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده، أي: ما نال عبدي ثوابي وما حل له رضاي بمثل أداء الفرائض.
هل الفرض أفضل أم النفل؟
من كثرة كلام مشايخنا عن أحاديث الفضائل يظن البعض أن النوافل أفضل من الفرائض وهذا خطأ، لأن الفرض أفضل من النفل؛ وذلك لما ثبت من تعلق النجاة بفعل الفرائض؛ كما ورد في الحديث: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال: “نعم” قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا. ( [1]
ولأن الفرائض هي أركان الإسلام، والأمر بها جازم، فالثواب على فعلها والعقاب على تركها، بخلاف النوافل فالثواب على فعلها فقط، والفرض أفضل من النفل من حيث الثواب، فالفرض کالأصل والأساس والنفل کالفرع.
وقال عمر: “أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيها عند الله “.
ومن أعظم الأدلة على ذلك: هذا الحديث؛ حيث قدم الفرض فيه على النفل.
فائدة: وفي قوله في الفرائض: “أحب إلى” إشارة إلى أن من غايات المولى من فرض الفرائض: فتح الطريق أمام الناس للتقرب إليه بمحبوباته، فالله ما افترض الفرائض إلا ليقرب عباده منه، ويوجب للناس رضوانه ورحمته.
(وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتّى أُحِبَّهُ)
النوافل لغة: جمع نافلة وهي الزيادة.
واصطلاحا: ما رجح الشرع فعله وجوز ترکه، ولا فرق بين النوافل الظاهرة: كتلاوة القرآن والذكر، والباطنة: كالزهد والورع، والنوافل أبواب كثيرة من سائر العبادات: كالصلاة بالليل، والصدقات، والإصلاح بين الناس، وإعانة المسلمين، والتيسير على معسرهم، وهكذا، فمن أحبه الله رزقه محبته وطاعته فاستحق القرب منه جل وعلا.
وقوله: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه” ثم قوله: “ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه”:
أفاد هذا أن أولياء الله على قسمين:
أصحاب اليمين: وهم من تقربوا إليه بأداء الفرائض، وهذا يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات.
السابقون المقربون: وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات والالتفات عن دقائق المكروهات من خلال الورع الذي يحجبهم عن الشبهات.
وعلى المعنى الأول: يكون قوله: “من عادى لي وليا” يقصد به المؤمن المؤدي للفرائض.
ومن هنا يعلم أن طريق الولاية يمر بأداء الفرائض أولا، ثم يترقى بأداء النوافل ثانيا، ثم يصل إلى الإحسان في ذلك كله، ودعوى الولاية بغير هذين دعوی كاذبة، فأولياء الله هم الطائعون له على بصيرة واهتداء.
والطاعة يشترط فيها شرطان:
- الإخلاص.
- المتابعة: والمتابعة مفتقرة إلى العلم بالشرع وكيفية أداء العبادة على وجه صحيح.
تنبیه: علم مما تقرر أن المراد من التقرب بالنوافل: أن تقع مع أداء الفرائض، لا مع الإخلال بالفرائض؛ فمن أقام النفل وأخل بالفرض، أو من شغله النفل عن الفرض فهو مغرور، ومن أقام الفرض وأخل بالنفل فهو معذور.
قال سلمان: الذي يكثر الفضائل، ولا يكمل الفرائض کمثل تاجر خسر رأس ماله، وهو يطلب الربح.
وقال الغزالي رحمه الله تعالى: (المصلي لا تقبل له نافلة حتى يؤدي الفريضة.)
فالفرض هو الأساس والأصل، والنفل هو الفرع وباقي البناء، ولهذا تقدم الأصل في الذكر على الفرع.
قوله: “حتى أحبه”:”حتى”: إما أن تكون للغاية فهي بمعنى ” إلى أن أحبه”. وإما أن تكون للتعليل فهي بمعنى “كي أحبه”. والمراد أعلى درجات المحبة وأرفعها لا أصلها؛ لأن حصول أصلها لا يتوقف على الاستكثار من النوافل بل بفعل الفرائض أولا۔
من ثمرات الولاية تسديد الله لوليه:
(فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به) والمعنى هنا على تقدير مضاف محذوف؛ أي: کنت حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصره فلا ينظر إلا إلى ما يحل نظره، وهكذا.
أو أن هذا مجاز عن نصرة الله لعبده المتقرب إليه بها وتأييده وإعانته وتوليه في جميع أموره، والمجاز هنا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
(وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها) فالله يسدد هذا العبد في سمعه وبصره ويده ورجله، فيوفق العبد فلا يسمع إلا ما أذن الشرع بسماعه، ولا يبصر إلا ما أذن الشرع بإبصاره، ولا يمد يده إلى شيء لم يأذن الشرع به، ولا يسعى برجله إلا إلى ما أذن الشرع فيه.
والمعنى أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل؛ قربه إليه، ورفعه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيعبد الله تعالى على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة، فيسدده الله في سمعه وبصره ويده ورجله، ويكون المعنى أن يوفق هذا الإنسان فيما يسمع ويبصر ويمشي ويبطش.
ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له بسماعه، ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ، ولا يمد يده إلى شيء ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه ، ولا يسعی برجل إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه، ولا شك أنه إذا وصل إلى هذه المرتبة فإن الله تعالى يسدده في جميع حواسه، فلا ينظر إلا إلى ما يحب الله، ولا يستمع إلا إلى ما يحب الله، ولا يمشي إلا إلى ما يحب الله، من جلسة ذكر، أو حلقة علم، أو مكان وعظ، أو صلة رحم، أو حج أو عمرة، ونحو ذلك من أنواع المماشي التي هي في طاعة الله عز وجل، وكذلك لا يبطش إلا في مرضاة الله؛ من إزالة منكر، أو نصرة مظلوم ونحو ذلك، وكذلك يستمع إلى ما يحب الله؛ من كتابه وذكره، وسنة رسوله، وعلم شريعته ونحو ذلك، والنظر في المصحف من العبادات، وكذلك النظر في الأمانات لتمييزها لأصحابها، والنظر في كتب العلم والفقه ونحو ذلك من أنواع النظر الذي هو من العبادات.
ولا يزال هذا الحب يزيد ويقوي حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيره، فلا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم.
ومن هذا المعنى قول علي: “إن كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة”.
استجابة الدعاء لأولياء الله:
(وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ) لأعطينه أي: ما سأل من أمور الدنيا والآخرة جلبا أو دفعا.
قوله: (ولئن استعاذني لأعيذنه): أي: طلب الإعاذة مني والحفظ مما يضره في دنياه، أو آخرته، أو يضر غيره، وحذف المستعاذ منه ليعم كل مستعاذ منه، واللام في قوله: (لأعيذنه) للتأكيد
وأعاده بعد قوله: ” ولئن سألني” مع أن السؤال يشمل الاستعاذة: من باب ذكر الخاص بعد العام؛ اهتماما به؛ لأن الاستعاذة لدفع المضار، ولأن المقام مقام ترغيب وامتنان وهو يناسبه التفصيل.
وسنة الله مع أوليائه أن يعيذهم، وأن يحفظهم من كل مكروه، وأن يجيب دعاءهم، ويحقق سؤالهم، وهذا واقع بكثرة في السلف والخلف من أولياء الله تعالى، حتى كان علامة أولياء الله تعالى إجابة الدعاء، وإبرارهم في أيمانهم.
أمثلة لأولياء الله من مستجابي الدعاء:
- في الصحيحين” أن الربيع بنت النضر کسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش(التعويض)، فأبوا، فطلبوا منهم العفو فأبوا، فقضى بينهم رسول الله بالقصاص، فقال: أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تخسر ثنيتها، فرضي القوم وأخذوا الأرش. فقال: ” إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره “[2]
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كم من ضعيف متضعف ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبر قسمه، منهم البراء بن مالك) وكان البراء بن مالك في زحف أمام المشركين فقيل له: أقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحهم أكتافهم، ثم التقوا مرة أخرى فقالوا: أقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء.[3]
- وعن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد رضي الله عنه، أن عبد الله بن جحش قال له يوم أُحد: ألا ندعو الله؟ فخلا كلٌّ منهما ناحية، فدعا سعد، ثم دعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب، إذا لقيت العدو غدًا فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حَرَدُه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: يا عبد الله، من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط..[4]
شديدًا حَرَدُه أي شديد غضبه وغيظه، وفيجدع أنفي وأذني، أي يقطعهما.
- وكان سعد بن أبي وقاص مجاب الدعوة، دعا على رجل كان قد طعن فيه بالباطل، فقال: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رباء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن.[5]
- وكان سعید بن زید مجاب الدعوة، فقد دعا على امرأة ادعت عليه أنه أخذ شيئا من أرضها، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. متفق عليه، وفي رواية لمسلم عن محمد بن زید بن عبد الله بن عمر بمعناه، وأنه رآها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها فوقعت فيها وكانت قبرها.[6]
- ومنهم من كانوا لا يسألون الله الدنيا، وكانوا كثيرا ما يصبرون على البلاء، مثل سعد بن أبي وقاص لما عمي بصره في آخر عمره قيل له: لو دعوت الله لبصرك؟ فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري.
مسألة: فإن قيل: إن كثيرا من العباد والصلحاء سألوا ولم يعطوا؟ واستعاذوا ولم يعاذوا؟ فكيف بقوله: “ولئن سألني…” إلخ؟
فالجواب عن ذلك من وجوه:
- ربما دعا المؤمن مجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره فلا يجيبه إلى سؤاله، ويعوضه عنه ما هو خير له، إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
- أن قوله: “ولئن سألني لأعطينه…” خبر كبقية الأخبار مقيد في الوقوع بمشيئة الله تعالى. قال جل وعلا: “فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ” [الأنعام:41]، ومثل هذا قول النبي سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث ثوبان رضي الله عنه بمعناه، وفيه: وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم… وسألته ألا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها).[7]
- وقد يكون السبب في عدم إجابة الدعاء: وجود موانع أو فقد شرط من شروط إجابة الدعاء.
- والإجابة تتنوع، فتارة تقع بعين المطلوب على الفور، وتارة بعينه على التراخي؛ لحكمة فيه، وتارة تقع بغيره حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة، وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها.
(وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ)
سميت كراهته تعالى أذى المؤمن ومساءته ترددا في حق قبض عبده المؤمن، ولا يلزم من ذلك أن يكون الله جاهلا بعواقب الأمور-حاشاه تبارك وتعالى- كما هو سبب ترددنا في كثير من الأحيان تعالى الله عن ذلك، وما وصف الله به نفسه حق لكن لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا.
ولما كان موت المؤمن مرادا لله تعالى من وجه ومكروها له من وجه كان ذلك ترددا فإن حقيقة التردد أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته.[8]
فوائد من الحديث:
- هذا الحديث أصل عظيم في بيان منزلة أولياء الله، وخطورة معاداتهم أو إيذائهم بالقول أو الفعل.
- الولي هو المؤمن المواظب على الطاعة، المجتنب للمعصية، الملازم للتقوى.
- معاداة أولياء الله من أعظم أسباب الخذلان والهلاك؛ لأن الله تعالى أعلن الحرب على من عاداهم.
- قوله: (فقد آذنته بالحرب) يدل على شدة الوعيد، وأن من خاصمه الله فلا ناصر له ولا معين.
- موالاة أولياء الله واجبة، ومعاداتهم محرمة، كما أن معاداة أعداء الله مشروعة بقدرها الشرعي.
- طريق الولاية ليس بالدعوى ولا بالخوارق، بل يبدأ بالإيمان، ثم أداء الفرائض، ثم الترقي في النوافل.
- أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله هو أداء الفرائض؛ والفرائض تشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، فترك الحرام عبادة عظيمة كفعل الواجب.
- من الخطأ الانشغال بالنوافل مع التقصير في الفرائض؛ فالفرض أصل، والنفل فرع وتكميل.
- من أقام النفل وأخل بالفرض فهو مغرور، ومن حافظ على الفرض وقصّر في بعض النفل فهو معذور من حيث الأصل.
- النوافل سبب لزيادة محبة الله للعبد بعد قيامه بالفرائض.
- من ثمرات الولاية أن يوفق الله العبد في أقواله وأفعاله وحركاته، وانقادت جوارحه للطاعة، وضعفت دواعي المعصية.
- من علامات ولاية الله إجابة الدعاء، لكن ذلك يكون وفق حكمة الله ومشيئته، لا وفق رغبة العبد المجردة.
- إجابة الدعاء قد تكون بإعطاء عين المطلوب، أو تأخيره، أو صرف سوء، أو ادخار خير أعظم في الآخرة.
- عدم حصول المطلوب لا يعني رد الدعاء؛ فقد يعلم الله أن الخير في غير ما سأل العبد.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة، حديث رقم 15) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع، منها: كتاب الصلح، باب الصلح في الدية، حديث رقم 2703، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها، حديث رقم 1675
[3] أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر شهادة البراء بن مالك، وقال الحاكم عقبها: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة البراء بن مالك رضي الله عنه.
[4] أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/108)
[5] أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع، منها كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، حديث رقم 755 أو 756 بحسب اختلاف الترقيم، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، حديث رقم 453.
[6] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، ضمن حديث: (من ظلم من الأرض شيئًا طُوِّقه من سبع أرضين)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث رقم 1610
[7] أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم 2890
[8] انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (18/ 130،131).

