صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

كتاب الأنفاس الزكية في شرح الأربعين النووية

تاريخ الإضافة 18 يوليو, 2026 الزيارات : 9

الأنفاس الزكية في شرح الأربعين النووية

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مدبر أمر الخلائق أجمعين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين، وجعل سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بيانًا للكتاب، وتفصيلًا لمجمل الخطاب، وهدايةً للقلوب، ونورًا للسالكين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد

 فإن الاشتغال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشرف العلوم قدرًا، وأعظمها نفعًا، وأجلّها أثرًا في إصلاح القلوب والأعمال؛ إذ به تُعرف معالم الدين، وتُفهم مقاصد الشريعة، وتستقيم العبادة، وتتهذب الأخلاق، وتُضبط المعاملات، ويُميز العبد بين ما يحبه الله ويرضاه، وما يبغضه وينهى عنه.

وليس علم الحديث مجرد رواية ألفاظ تحفظ، أو نصوص تردد، بل هو حياة للقلوب، وتربية للنفوس على التسليم لله ورسوله، والفهم الصحيح للدين القويم.

ومن أجلّ الكتب التي كتب الله لها القبول والانتشار بين الخاصة والعامة كتاب الإمام النووي رحمه الله المعروف بـ الأربعين النووية، وهو مع صغر حجمه، وقلة عدد أحاديثه، يعد من الكتب الجامعة التي اشتملت على أصول عظيمة من أصول الدين، وقواعد كلية من قواعد الشريعة، حتى صار محل عناية العلماء وطلبة العلم في الحفظ والشرح والتدريس، والتعليق، واستخراج الفوائد، والأحكام.

 ولا يكاد طالب علم يبدأ طريقه في الحديث إلا ويكون لهذا الكتاب نصيب من بدايته، ولا يكاد مسجد أو معهد أو حلقة علمية تخلو من مدارسته؛ لما جمعه الله فيه من البركة وحسن الاختيار وعموم النفع.

وقد اعتنى الإمام النووي رحمه الله في كتابه هذا باختيار أحاديث جامعة، ليست مقصورة على باب واحد من أبواب العلم، بل تتناول العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات وتزكية النفس وآداب السلوك ومقامات الإحسان.

ففيه حديث النية الذي هو ميزان الأعمال الباطنة، وحديث جبريل الذي جمع مراتب الدين، وحديث الحلال والحرام الذي يربي المسلم على الورع، وحديث «لا ضرر ولا ضرار» الذي تقررت به قاعدة عظيمة في أبواب الفقه، وحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» الذي يربي المسلم على الورع وترك الشبهات، وحديث «البينة على المدعي» الذي يقرر أصلًا مهمًا في القضاء والحقوق…. وهكذا يجد القارئ أن كل حديث من أحاديث هذا الكتاب يفتح له بابًا من أبواب الدين، ويضع بين يديه أصلًا يرجع إليه في فهم الشريعة والعمل بها.

ومن أسباب أهمية هذا الكتاب أيضًا أن الإمام النووي رحمه الله لم يقصد به مجرد جمع أربعين حديثًا على عادة من صنف في هذا الباب، بل قصد أن تكون هذه الأحاديث مشتملة على مهمات الدين، وأن يكون كل حديث منها قاعدة عظيمة أو أصلًا جامعًا، ولذلك كتب الله لهذا المختصر قبولًا عظيمًا، حتى شرحه العلماء قديمًا وحديثًا، ودرّسه المشايخ، وحفظه الطلاب، وتناقله الناس جيلًا بعد جيل.

ومن هنا جاء هذا الشرح الموسوم بـ

(الأنفاس الزكية في شرح الأربعين النووية([1]))

 رغبة في تقريب معاني هذه الأحاديث المباركة، وربطها بحياة المسلم وواقعه، وإبراز ما فيها من هدايات تربوية، وإيمانية، وفقهية، وسلوكية؛ فليست الغاية من الشرح أن تُذكر المعاني اللغوية وحدها، ولا أن تُسرد الأقوال دون روح، بل المقصود أن يخرج القارئ من كل حديث بفهم أوضح، وعمل أصلح، وبصيرة أتم في دين الله عز وجل.

وقد روعي في هذا الشرح أن يكون قريب العبارة، واضح المعنى، بعيدًا عن التعقيد والتكلف، مع المحافظة على التأصيل العلمي؛ فربما احتاج القارئ إلى بيان لفظ غريب، أو توضيح تركيب لغوي، أو شرح قاعدة أصولية، أو ذكر فائدة تربوية، أو تنزيل المعنى على واقع الناس، فجاء الشرح جامعًا بين البيان العلمي والتوجيه العملي، حتى ينتفع به طالب العلم المبتدئ، ويستفيد منه الخطيب والمعلم، ويجد فيه عامة القراء ما يقربهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحببهم في العمل بها.

ومن منهج هذا الشرح أنه يبدأ غالبًا ببيان تخريج الحديث ودرجته، وذكر موضعه في كتب السنة، ثم ينتقل إلى شرح ألفاظه ومعانيه، وبيان ما فيه من قواعد وفوائد.

كما يعتني بذكر ما يحتاج إليه القارئ من تراجم مختصرة لبعض الصحابة والرواة، لأن معرفة حال الصحابي أو الراوي تزيد النص حياة وقربًا من القلب، ويعتني الشرح كذلك بذكر اللطائف اللغوية والبلاغية حيث يكون في ذكرها نفع في فهم الحديث، دون إطالة تخرج القارئ عن المقصود.

ومن مميزات هذا الشرح عنايته بالجانب التربوي والإيماني في الحديث، فليس المقصود أن يعرف القارئ معنى الحديث فقط، بل أن يعرف كيف يربيه الحديث، وكيف يغير نظرته إلى نفسه، وربه، ودنياه، وآخرته.

فإذا مر بحديث النية علم أن صلاح العمل يبدأ من صلاح القلب، وإذا مر بحديث الإحسان علم أن الله مطلع عليه في سره وعلنه، وإذا مر بحديث الحلال والحرام أدرك خطورة الشبهات، وإذا مر بأحاديث التوبة والرجاء امتلأ قلبه حسن ظن بالله دون أن يتجرأ على المعصية.

ومن مميزاته أيضًا أنه يجمع بين الترغيب والترهيب في اعتدال، فلا يغلق باب الرجاء في وجوه العصاة، ولا يفتح باب التهاون والتسويف، بل يسلك مسلك أهل السنة في الجمع بين الخوف والرجاء، وبين العمل وحسن الظن، وبين التوحيد والمسؤولية.

فالعبد مأمور أن يرجو رحمة الله، وأن يخاف ذنبه، وأن يعمل بطاعة مولاه، وأن يبادر بالتوبة، وأن يعلم أن رحمة الله واسعة، لكنها ليست ذريعة للإصرار على المعصية، كما أن الخوف من الله ليس بابًا للقنوط واليأس.

كما حرص هذا الشرح على معالجة بعض الإشكالات التي ترد في أذهان الناس عند قراءة الأحاديث، سواء كانت إشكالات عقدية أو فقهية أو تربوية، مع تقريب الجواب بعبارة سهلة وأمثلة واضحة.

 فالعلوم الشرعية ليست بعيدة عن حياة الناس، بل هي التي تهديهم في عباداتهم، وتقوم معاملاتهم، وتصحح تصوراتهم، وتربطهم بالله عز وجل في أحوالهم كلها. ومن هنا كان من المهم ألا يكون شرح الحديث معزولًا عن واقع المسلم، بل موصولًا بقلبه، وسلوكه، وأسرته، ومجتمعه.

ومما يميز هذا العمل كذلك أنه ينتفع بكلام أهل العلم، ويستحضر شروحهم وفوائدهم، مع صياغة ذلك بأسلوب معاصر قريب من الأفهام، وليس المقصود جمع الأقوال لمجرد الجمع، وإنما المقصود انتخاب ما يعين على فهم الحديث، ويقرب مراد النبي صلى الله عليه وسلم، ويفتح للقارئ باب التدبر والعمل.

وقد جاء اسم هذا الشرح الأنفاس الزكية إشارة إلى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم حياة للقلوب، وأن مدارسة حديثه أنفاس طيبة مباركة، تزكي النفس، وتطهر القصد، وتبعث في القلب نور الإيمان.

فما أحوج المسلم في زمن كثرت فيه الشبهات والشهوات، وتزاحمت فيه المشاغل والملهيات، إلى أن يعود إلى هذه الأحاديث الجامعة، فيقرأها قراءة من يريد النجاة، ويتدبرها تدبر من يطلب الهداية، ويعمل بها عمل من علم أن العلم حجة له أو عليه.

وليس هذا الشرح بديلًا عن شروح العلماء الكبار، ولا دعوى للاستغناء عن كتب الأئمة المحققين، وإنما هو محاولة في تقريب هذا الكتاب المبارك، وتيسير الانتفاع به، وربط فوائده بواقع الدرس، والخطبة، والموعظة، والتربية.

 فمن وجد فيه صوابًا فذلك من فضل الله وتوفيقه، ومن وجد فيه خطأ أو تقصيرًا فالنقص من طبيعة البشر، والكمال لله وحده، والعصمة لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلّغ عن ربه.

والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لكاتبه وقارئه وسامعه، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والقلب الخاشع، واللسان الذاكر، وأن يجعلنا من أهل حديث نبيه صلى الله عليه وسلم رواية ودراية واتباعًا، وأن يحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وأسأل الله لوالديّ ولمشايخي الرحمة والمغفرة، ولإخواني من الأئمة والدعاة الهداية والتوفيق، ولأبنائنا، وذرياتنا الهداية، والصلاح، والعفاف.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه

د. حسين عامر
لافال -كندا

غرة شهر محرم 1448

 

لتحميل الكتاب اضغط هنا
الأنفاس الزكية في شرح الأربعون النووية


 ([1]) فائدة: هل نقول: ” شرح الأربعين النووية ” أم ” شرح الأربعون النووية”؟ من حيث الأصل الإعرابي: الصواب “شرح الأربعين”، وقد يجوز الوجه الثاني على سبيل الحكاية، فتصح إن كنت تحكي عنوانًا أو لفظًا ورد بهذه الصيغة، مثل أن تقول: هل قرأتَ كتاب شرح الأربعون النووية؟ والحكاية في النحو تعني نقل اللفظ كما هو دون تغييره، بغضّ النظر عن موقعه الإعراب.
فمثلاً: نقول: قرأت سورة المؤمنون، على الحكاية؛ أي حُكيَ الاسم كما ورد في المصحف، لأن اسم السورة في القرآن هو “المؤمنون”مرفوعا، ولو أعربناها دون حكاية لقلنا “قرأت سورة المؤمنين ” لأنها مضاف إليه مجرور، وعلى هذا فكلاهما صحيح: “سورة المؤمنين” إعرابًا، و “سورة المؤمنون” حكايةً، ومثله قول: ” شرح الأربعين النووية ” أو ” شرح الأربعون النووية”

 

Visited 7 times, 7 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 814
  • Today's page views: : 918
  • Total visitors : 92,774
  • Total page views: 102,869