صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 33- لو يعطى الناس بدعواهم

تاريخ الإضافة 17 مايو, 2026 الزيارات : 1080

33- لو يعطى الناس بدعواهم

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال:

“لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم،

لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر”[1]

 حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.

شرح الحديث [2]

(لو يعطى الناس) لو يعطى الناس: ما ادعوا أنه حقهم وطالبوا به.

(بدعواهم) أي بمجرد قولهم وطلبهم دون ما يثبت ذلك.

(لادعى رجال أموال قوم ودماءهم) قوله: “رجال”: جمع رجل: وهو الذكر البالغ من بني آدم، وذكر الرجال تغليبا؛ أو لأن الدعوى تصدر غالبا منهم، والمراد: “لادعى رجال ونساء”.

ولماذا قدمت الأموال على الدماء مع أن الدماء أهم وأعظم خطرا، وقد ورد أنها أول ما يقضى فيه بين الناس؟

والجواب: لأن الخصومات في الأموال أكثر؛ إذ أخذها أيسر، وامتداد الأيدي إليها أسهل، ومن ثم ترى العصاة بالتعدي عليها أضعاف العصاة بالقتل.

ويمكن أن يقال: إن العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا؛ كما في بعض روايات الحديث: “ادعى ناس دماء رجال وأموالهموالمعنى: لادعى رجال: أي لاستباح بعض الناس دماء غيرهم وأموالهم وطلبوها دون حق.

والمعنى: لو أن الإنسان كلما ادعى شيئا أعطي ما ادعاه، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، دماء رجال بأن يقول: فلان قتل ابني من أجل أن يقتل، وأموالهم بأن يقول فلان سرق مني كذا وكذا، أو استعار مني كذا، وجحده، أو ما أشبه ذلك، هذه الأموال وكذلك الحقوق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدماء والأموال لأنها الأصل والحقوق تابعة.

(لكن البينة) البينة: هي الشهود، مأخوذة من البيان وهو الكشف والإظهار، أو إقرار المدعى عليه وتصديقه للمدعي، والبينة: هي اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، فيدخل الشهود والإقرار، والقرائن الدالة، وفهم القاضي باختبار، ومعنى كون البينة على المدعي: أنه يستحق بها ما يدعيه.

(على المدعي) وهو من يدعي الحق على غيره ويطالبه به.

(واليمين على من أنكر) اليمين: الحلف على نفي ما ادعي به عليه، وقوله: على من أنكر: منكر الدعوى وهو المدعى عليه، وينبغي تذكير المدعى عليه بسوء عاقبة الحلف الكاذب فيحمله ذلك على الإقرار بالحق، وفي الحديث: “من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة “، قيل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: ” وإن كان قضيبا من أراك (عود السواك)[3]

شرح هذه القاعدة (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)

  1. إذا ادعى شخص على آخر دما أو مالا أو حقا من الحقوق فإننا نقول للمدعى عليه أولا هل تقر بهذا؟
  2. إن قال نعم فلا إشكال.
  3. وإن قال لا قلنا للمدعي ألك بينة؟
  4. إن قال نعم قلنا أحضرها.
  5. وإن قال لا قلنا للمدعى عليه احلف.
  6. فإذا حلف انتهت القضية.

 البينات لا تختص بالشهود، بل للقاضي أن يعمل بالقرائن:

ومن العمل بالقرائن قصة سليمان عليه السلام، فإن سليمان عليه السلام مرت به امرأتان معهما ولد، وكانت المرأتان قد خرجتا إلى البر، فأكل الذئب ولد الكبرى، واحتكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى داود عليه السلام بأن الولد للكبيرة اجتهادا منه، فخرجتا من عند داود عليه السلام وكأنهما والله أعلم في نزاع، فسألهما سليمان عليه السلام فأخبرتاه بالخبر، فدعا بالسكين وقال: سأشق الولد نصفين، أما الكبيرة فوافقت، وأما الصغيرة فقالت: الولد ولدها يا نبي الله، فقضى به للصغيرة) [4]

لأن هنا بينة وهي القرينة الظاهرة التي تدل على أن الولد للصغيرة لأنها أدركتها الشفقة وقالت: كونه مع كبيرة ويبقى في الحياة أحب إلى من فقده الحياة، والكبيرة لا يهمها هذا، لأن ولدها قد أكله الذئب.

كذلك قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز لما قال الحاكم: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ (يوسف: 26-28)

الفوائد من الحديث:

  1. أن الشريعة لا تقبل الدعاوى المجردة بلا دليل، لأن قبول كل دعوى يؤدي إلى ضياع الحقوق وانتشار الظلم.
  2. أن الحديث أصل عظيم من أصول القضاء وفصل الخصومات بين الناس.
  3. أن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته حتى يثبت خلاف ذلك.
  4. أن البينة تكون على المدعي؛ لأنه هو الذي يدعي خلاف الأصل.
  5. أن اليمين تكون على من أنكر؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو براءة ذمته.
  6. أن البينة لا تقتصر على الشهود فقط، بل تشمل كل وسيلة معتبرة تُظهر الحق.
  7. أن من صور البينة: الشهادة، والإقرار، والقرائن القوية، وما يظهر للقاضي من أمارات معتبرة.
  8. إذا حلف المدعى عليه على نفي الدعوى، انتهت القضية في الحكم الظاهر.
  9. أن القضاء مبني على الظاهر والأدلة، أما السرائر فإلى الله تعالى.
  10. أن الإسلام لا يحمي صاحب الحق فقط، بل يحمي أيضًا المتهم من أن يؤخذ بمجرد دعوى بلا بينة.
  11. أن هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأنه وضع ميزانًا عامًا لفصل النزاعات وحفظ الحقوق بين الناس.
  12. الأصل براءة الإنسان المسلم من كل تهمة ونقيصة حتى تثبت بينة.

[1] أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، ومسلم في صحيحه (كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، حديث رقم 1711) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظ: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» أخرجه البيهقي وغيره، وقال النووي: حديث حسن، وبعضه في الصحيحين.

[2] قال الشيخ السعدي رحمه الله: “هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقا من الحقوق فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتا عليه، فبين صلى الله عليه وسلم أصلا بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عينا من الأعيان، أو دينا، أو حقا من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر. فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق، ثبت له، وحكم له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين”. من كتاب بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، شرح الحديث الثامن والخمسين: «البينة على من ادعى»

[3] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، حديث رقم 137) من حديث أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾، حديث رقم 3427)، وأخرجه أيضًا في كتاب الفرائض (باب إذا ادعت المرأة ابنًا، حديث رقم 6769)، ومسلم في صحيحه (كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، حديث رقم 1720) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى»، والحديث متفق عليه.

Visited 429 times, 2 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 511
  • Today's page views: : 591
  • Total visitors : 65,697
  • Total page views: 72,355