صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 32- لاضرر ولا ضرار

تاريخ الإضافة 17 مايو, 2026 الزيارات : 979

(32) لا ضرر ولا ضرار

عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري[1] رضي الله عنه

 أن رسول الله ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار).

حديث حسن رواه ابن ماجه والدار قطني وغيرهما[2]

شرح الحديث

قوله: (لا ضرر ولا ضرار) احتمال أن تكون لا النافية للجنس أو لا الناهية، فعلى المعنى الأول: (لا ضرر): نفي أن يكون هناك ضرر؛ يعني لا ضرر جائز ايقاعه شرعا فنفى النبي ﷺ أن يكون هناك ضرر جائز شرعا.

 وبعض العلماء قالوا: إن (لا) ناهية يعني النبي ﷺ ينهى كل مسلم أن ينشئ الضرر أو يكون سبب في الضرر؛ وكلا المعنيين جائز في اللغة.

فالنبي ﷺ نهى عن الضرر ونفاه نهائيا لا ضرر ولا ضرار.

والضرر: هو الأذى، أي لا يضر أحد أحدا فينقصه شيئا من حقه، سواء كان ماديا في النفس أو في المال أو في الولد، أو معنويا كالتجريح والسب والإهانة؛ فكل ما فيه أذى للغير ماديا أو معنويا فهو ضرر.

(ولا ضرار) لا يلحق بأخيه الضرر، والضرار هو رد الفعل المتعمد لمن يضرك.

وقوله: “لا ضرر ولا ضرار” هل هما لفظان بمعنى واحد؟

أقوال للعلماء:

  1. بعض العلماء يرى أن الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل: فمعنى “لا ضرر” أي لا يدخل أحد على أحد ضررا لم يدخله على نفسه، ومعنى “لا ضرار” لا يضار أحد بأحد. 
  2. الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة.
  3. الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك: والضرار: أن تضر من أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق.
  4. ومن أوضح ما قيل في الفرق بينهما ما قاله ابن عثيمين رحمه الله: قوله “لا ضرر” الضرر معروف، والضرر يكون في البدن ويكون في المال، ويكون في الأولاد، ويكون في المواشي وغيرها.

“ولا ضرار” أي ولا مضارة والفرق بين الضرر والضرار: أن الضرر يحصل بدون قصد، والمضارة بقصد، ولهذا جاءت بصيغة المفاعلة.
مثال ذلك: رجل له جار وعنده شجرة يسقيها كل يوم، وإذا بالماء يدخل على جاره ويفسد عليه، لكنه لم يعلم، فهذا نسميه ضررا.
مثال آخر: رجل بينه وبين جاره سوء تفاهم، فقال: لأفعلن به ما يضره، فركب موتورا له صوت كصوت الدركتر (البلدوزر)عند جدار جاره وقصده الإضرار بجاره، فهذا نقول مضار.
والمضار لا يرفع ضرره إذا تبين له بل هو قاصده، وأما الضرر فإنه إذا تبين لمن وقع منه الضرر رفعه.

تطبيقات الحديث

هذا الحديث أصل عظيم في أبواب كثيرة، ولا سيما في المعاملات: كالبيع والشراء والرهن والارتهان، وكذلك في الأنكحة يضار الرجل زوجته أو هي تضار زوجها، وكذلك في الوصايا يوصي الرجل وصية يضر بها الورثة.

فالقاعدة: متى ثبت الضرر وجب رفعه، ومتى ثبت الإضرار وجب رفعه مع عقوبة قاصد الإضرار.

من ذلك مثلا: كانوا في الجاهلية يطلق الرجل المرأة فإذا شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها ثانية فإذا شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها ثالثة ورابعة، لقصد الإضرار، فرفع الله تعالى ذلك إلى حد ثلاث طلقات فقط.

مثال آخر: رجل أوصى بعد موته بنصف ماله لرجل آخر من أجل أن ينقص سهام الورثة، فهذا محرم عليه مع أن للورثة أن يبطلوا ما زاد على الثلث.

ومن هنا ، فإن نفي الضرر يؤكد أن الدين الإسلامي يرسخ معاني الرحمة والتيسير ، وعدم تكليف الإنسان ما لا يطيق ، فلا يمكن أن تجد في أحكامه أمرا بما فيه مضرة ، أو نهيا عن شيء يحقق المصلحة الراجحة ، وإذا نظرت إلى ما جاء تحريمه في القرآن الكريم أو في السنة النبوية فلابد أن تجد فيه خبثا ومفسدة ، مصداقا لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } [الأعراف : 157]
ومن ناحية أخرى فإن كل ما ورد في الكتاب والسنة من أوامر، فالأصل أنها مقدورة، داخلة ضمن حدود الطاقة، وإذا عرض للإنسان أحوال تمنعه من إتمام الامتثال بالأمر الشرعي ، كأن يلم به مرض أو عجز أو نحوهما ، فهنا يأتي التخفيف من الله تعالى ، كما في رخصة الإفطار في نهار رمضان ، ورخصة الجمع والقصر في الصلاة ، وغير ذلك كثير.

هل نفي الضرر فيه نفي للعقوبة؟

كلا فإن المنفي هو الضرر لا العقوبة والقصاص، والمراد بالضرر في الحديث هو ما كان بغير حق، أما إدخال الأذى على أحد يستحقه – كمن تعدى حدود الله تعالى فعوقب على جريمته، أو ظلم أحدا فعومل بالعدل وعوقب على ظلمه – فهو غير مراد في الحديث لأنه قصاص شرعه الله عز وجل.

بل من نفي الضرر أن يعاقب المجرم بجرمه ويؤخذ الجاني بجنايته، لأن في ذلك دفعا لضرر خطير عن الأفراد والمجتمعات.

لا تكليف في الإسلام بما فيه ضرر، ولا نهي عما فيه نفع: إن الله تعالى لم يكلف عباده فعل ما يضرهم قط، كما أنه سبحانه لم ينههم عن شيء فيه نفع لهم، ففيما أمرهم به عين صلاحهم في دينهم ودنياهم، وفيما نهاهم عنه عين فساد معاشهم ومعادهم. قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط} [الأعراف: 29] وقال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33].

قاعدة رفع الحرج:

من نفي الضرر في الإسلام رفع الحرج عن المكلف، والتخفيف عنه عندما يوقعه ما كلف به في مشقة غير معتادة، ولا غرابة في ذلك فإن هذا الدين دين التيسير، قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]

ومن أمثلة التخفيف عن المكلف عند حصول المشقة:

  • التيمم للمريض وعند عسر الحصول على الماء.
  • الفطر للمسافر والمريض والحامل والمرضع.
  • إنظار المدين المعسر: فمن استدان في مباح لأجل ولم يتمكن من الوفاء، وجب على دائنه تأخير مطالبته إلى حال يساره، قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) [البقرة:280]

مظاهر الضرر

يتجلى قصد الضرر في نوعين من التصرفات:

النوع الأول: تصرفات ليس للمكلف فيها غرض سوى إلحاق الضرر بغيره:

وهذا النوع لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد الشرع بالنهي عن كثير من التصرفات التي لا يقصد منها غالبا إلا إلحاق الضرر منها:

المضارة في البيع: كبيع المضطر: وهو أن يكون الرجل محتاجا لسلعة ولا يجدها، فيأخذها من بائعها بزيادة فاحشة عن ثمنها المعتاد، كأن يشتريها بعشرة وهي تساوي خمسة.

أخرج أبو داود من حديث علي رضي الله عنه: أنه خطب الناس فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر.[3]

والغبن الفاحش: إذا كان المشتري لا يحسن الفصال فاشترى بغبن كثير، لم يجز للبائع ذلك. ومذهب مالك وأحمد رحمهما الله تعالى أنه يثبت له خيار الفسخ.

الوصية: والإضرار بالوصية على حالين:

الأول: أن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولذا منع الشارع من ذلك إذا لم يرض باق الورثة.

الثاني: أن يوصي لأجنبي لينقص حقوق الورثة، ولذا منع الشرع من ذلك فيما زاد عن الثلث سواء قصد المضارة أم لا، إلا إذا أجاز الورثة، قال ﷺ: ” الثلث والثلث كثير”[4]

وأجازها في حدود الثلث ليتدارك المكلف بعض ما فاته من الخيرات في حياته، وما قصر فيه عن وجوه الإنفاق، وهذا إذا لم يقصد الوصي بوصيته إدخال الضرر على الورثة، وإلا فإنه يأثم بوصيته عند الله عز وجل.

 النوع الثاني: تصرفات يكون للمكلف فيها غرض صحيح مشروع، ولكن يرافق غرضه أو يترتب عليه إلحاق ضرر بغيره:

وذلك على نوعين:

الأول: بأن يتصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره؛ بأن يحدث في ملكه ما يضر بجيرانه، من هدم أو دق أو نحوهما، أو يضع ما له رائحة خبيثة، فإنه يمنع منه.

ومن هذا الباب من يتعاطى السموم كالتدخين، ثم يقول: أنا حر! وهذا ولا شك أضر بصحته، ويضر غيره فيما يعرف بالتدخين السلبي، ويضر أطفاله، سواء في أثناء الحمل أم من خلال الاستنشاق.

ومن هذا الباب أيضا الحجر الصحي الذي سبق إليه الإسلام فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها)[5]

الثاني: أن يمنع غيره من الانتفاع بملكه، فيتضرر الممنوع بذلك، بأن يمنع جاره من الانتفاع بملكه والارتفاق به: فإن كان يضر بمن انتفع بملكه فله المنع، كمن له جدار واه، لا يحمل أكثر مما هو عليه، فله أن يمنع جاره من وضع خشبة عليه، وإن كان لا يضر به: له المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه.

هناك قواعد متفرعة ذكرها الفقهاء مثل:

  1. الضرر يزال.
  2. الضرر يدفع بقدر الإمكان.
  3. الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
  4. الضرر لا يزال بالضرر.
  5. يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.
  6. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

فوائد من الحديث:

  1. هذا الحديث يعد قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، يدخل تحتها أبواب كثيرة من الفقه والمعاملات والأنكحة والوصايا وغيرها.
  2. أن الإسلام يمنع إلحاق الأذى بالناس، سواء كان الأذى في النفس، أو المال، أو الولد، أو العرض، أو المشاعر.
  3. أن الضرر يشمل الأذى المادي والمعنوي؛ فليس الضرر محصورًا في المال أو الجسد فقط.
  4. أن من وقع منه ضرر بغير قصد، وجب عليه رفعه متى علم به.
  5. أن من قصد الإضرار بغيره فهو آثم، ويجب رفع ضرره، وقد يستحق العقوبة على قصده الفاسد.
  6. أن الضرر المنفي في الحديث هو الضرر بغير حق، أما العقوبة الشرعية والقصاص فليسا داخلين في النهي.
  7. أن الشريعة لا تأمر بما فيه مفسدة خالصة أو ضرر محض على العباد.
  8. أن كل ما أمر الله به ففيه مصلحة للناس في دينهم ودنياهم.
  9. أن كل ما حرمه الله ففيه خبث أو مفسدة، وإن خفيت على بعض الناس.
  10. أن الضرر قد يكون في تصرف له أصل مشروع، لكنه يترتب عليه أذى للآخرين، فيمنع أو يقيد بحسب الحال.
  11. أن المسلم لا يرد الضرر بضرر مثله على وجه العدوان، وإنما يطلب حقه بالطرق المشروعة.
  12. أن من كمال إيمان المسلم أن يكف أذاه عن الناس، وأن يزيل الضرر إذا صدر منه، وألا يتعمد المضارة بأحد.

[1] أبو سعيد الخدري رضي الله عنه صحابي جليل من الأنصار، واسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الخدري، من بني خدرة من الخزرج، ولذلك قيل له: الخدري. كان من صغار الصحابة، وُلِد قبل الهجرة بنحو عشر سنين، وكان أبوه مالك بن سنان رضي الله عنه من شهداء غزوة أحد، ولما أراد أبو سعيد رضي الله عنه أن يشارك في غزوة أحد وهو صغير، ردّه النبي ﷺ لصغر سنه، ثم شهد بعد ذلك غزوة الخندق وما بعدها من المشاهد، وقد لازم النبي ﷺ، وروى عنه علمًا كثيرًا، حتى عُدّ من أكثر الصحابة رواية للحديث، فروى أحاديث كثيرة في العقيدة، والعبادات، والآداب، والفتن، والزهد، والرقائق، وكان أبو سعيد رضي الله عنه من فقهاء الصحابة وعلمائهم، عُرف بالعلم، والورع، وحسن الفهم، والحرص على تبليغ سنة النبي ﷺ. عاش رضي الله عنه بعد النبي ﷺ مدة طويلة، وكان من أهل المدينة، وتوفي بها سنة 74 هـ، فرضي الله عنه وأرضاه.

[2] أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن النبي ﷺ، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عند ابن ماجه، والحديث حسن بمجموع طرقه، وصححه الألباني.

[3] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب البيوع، باب في بيع المضطر، حديث رقم 3382)، وأحمد في المسند من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي إسناده رجل مجهول، ولذلك ضعفه النووي والبغوي، وقال الخطابي: في إسناده رجل مجهول.

[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الوصايا، حديث رقم 2742)، ومسلم في صحيحه (كتاب الوصية، حديث رقم 1628) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والحديث متفق عليه.

[5] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، حديث رقم 5728)، ومسلم في صحيحه (كتاب السلام، حديث رقم 2218) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والحديث متفق عليه.

 

 

Visited 227 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 512
  • Today's page views: : 593
  • Total visitors : 65,698
  • Total page views: 72,357