فضل الله على المؤمنين ببعثة رسوله

تاريخ الإضافة 24 أغسطس, 2025 الزيارات : 10516

فضل الله على المؤمنين ببعثة رسوله

 

تمهيد:

نعيش في هذا اللقاء مع قول الحق جل وعلا ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

هذه منة الله عز وجل على عباده المؤمنين بنعمة إرسال نبي الرحمة محمد ﷺ الذي جعله الله للقرآن تاليا ، وللأنفس مذكيا ، وهذه الآية فيها الكثير من الفوائد والفرائد [1] ، فتعالوا بنا نتوقف عندها في هذا اللقاء .

عناصر الخطبة:

أولا/ معنى منّة الله على المؤمنين

ثانيا/ (رسولا من أنفسهم)

ثالثا/ (يتلو عليهم آياته ويزكيهم)

رابعا/ ( ويعلمهم الكتاب والحكمة )

خامسا/ ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )

أولا/ معنى منّة الله على المؤمنين

قال تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين ) منّ هذا الفعل أصله في اللغة بمعنى قطع وفي القرآن قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) [فصلت/8] أي غير مقطوع ، فمن أعطى الفقير حتى يغنيه نقول أنه منّ عليه أي قطع حاجته ، وهذا المنّ لا يليق إلا بالله جل وعلا، لأني كبشر عطائي محدود ، وأغلب من يعطي يعطي بمقابل فأنا أعطيك اليوم لتعطيني غدا ، أو من أجل صداقة أو محبة أو قرابة ، حتى من يعطي لله عز وجل فإنما يعطي ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى – وهو عطاء محدود ولا يكفي لسد كل حاجات الإنسان ؛ لكن الله الكريم جل وعلا إذا أعطى أعطى بلا مقابل وإذا أعطى أغنى فيقطع عن الإنسان حاجته وفقره ، ولذلك فإن المنة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى – ومن أسمائه سبحانه وتعالى:

المنان: الذي يمن على عباده بالعطايا والنعم قال تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) [النحل/53]

وقد نهانا الله عز وجل أن نمن على أحد بعطاء أعطيناه حتى لا يكون بذلك أذى له ، لأنك إذا مننت فإنما تمن بما ليس لك تمن بما أعطاك الله ، وتؤذي بما تمن لمن أحسنت إليه قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) [البقرة/264]

وقد فقه الأعرابي حينما سألوه لمن هذه الغنم ؟قال هي لله في يدي .

فالمالك لكل شيء هو الله ، والله مالك كل شيء وما ملك، فلله المنة وله الفضل في كل عطاء وفي كل نعمة ، قال تعالى : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]

فالمنان جل وعلا عطاؤه بلا مقابل ، وبلا حدود ، عطاء يغني ، عطاء لا ينقطع منه سبحانه وتعالى –

ومن منن الله العظيمة النعمة التي أكرمنا بها ألا وهي بعثة النبي محمد ﷺ، ومنّ الله علينا بأن جعلنا من هذه الأمة ومن اتباع الصادق المعصوم ﷺ

ثانيا/ رسولا من أنفسهم: [2]

من أنفسهم بشرا مثلهم تتحقق به القدوة الكاملة ، لم يأت رسول الله ﷺ من السماء ملكا رسولا ولم يسقط على الناس من كوكب آخر، إنما هو رسول يعرفهم ويعرفونه ،عاش بينهم أربعين سنة قبل البعثة يلقبونه بالصادق الأمين ، لم ينقبوا في تاريخه، أو لم يبذلوا جهدا كبيرا لتفحص سيرته قبل الأربعين؛ قبل أن يوحى إليه؛ إنما هو من أنفسهم، ولذلك كانت عبارة القرآن في العديد من المواضع ( وما صاحبكم بمجنون ) [التكوير/22] و ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) [النجم/2]

فلقب النبي ﷺ بالصاحب ، فهو صاحبهم الذي طالت حياته فيكم وصحبته لكم تعرفونه وتعرفون أهله وأصله فهو من أنفسهم، بشر تقتدون به ليس ملكا معصوما، أو له قدرات ملائكية ،لا يستطيع البشر أن يقتدوا به ، فالملائكة منهم من هو قائم يسبح الله ومنهم من هو راكع ومنهم من هو ساجد ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [الأنبياء/20]

أما النبي ﷺ فإنه بشر مثلنا يصيبه ما يصيب البشر من العوارض البشرية.

زيد بن حارثة :

واعجبوا معي لهذه القصة زيد بن حارثة دائما ما نقرأ في تعريفه مولى رسول الله ﷺ[3] ، كان حرا في ديار قومه بني كلب أحد بطون قضاعة فذهبت أمه لزيارة لأهلها فأغارت قبيلة على أهلها وأخذ زيد أسيرا فباعوه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام ثم أهداه لعمته خديجة بنت خويلد ، فلما تزوجها النبي ﷺ وهبته له.

ثم مر زمن، وحج أناس من قبيلته كلب، فرأوه فعرفهم وعرفوه، ثم عادوا وأخبروا أباه بمكانه، فخرج أبوه وعمه يفتدونه، والتقوا بالنبي ﷺ وطلبوا فدائه، فدعاهما إلى تخيير زيد نفسه إن شاء بقي، وإن شاء عاد مع أهله دون مقابل.

ثم دعاه النبي ﷺ ، وخيره فقال زيد: «ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والأم»

فتعجّب أبوه وعمه وقالا: «ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟!»

 قال: «نعم. إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي اختار عليه أحدًا أبدًا»

 فلما رأي النبي ﷺ منه ذلك، خرج به إلى الحجر عند الكعبة، وقال: «يا معشر قريش اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني»

 فصار زيد يُدعي «زيد بن محمد “ثم حرم التبني كما نعلم فيما بعد .

وصف خديجة لأخلاق النبي قبل البعثة:

وانظروا لأخلاق النبي قبل البعثة لما أوحى الله تعالى إليه، ورأى النبي جبريل أول مرة لم يكن يدري ما جبريل ولا الوحي ولا الرسالة ، فذهب فزعا إلى خديجة رضي الله عنها فأخبَرَها الخبر وقال: (لقد خشيتُ على نفسي!)، والإنسان لو تجمل على الدنيا كلها لا يستطيع أن يتجمل على زوجته فهي أدرى وأخبر الناس بحاله.

 فقالت له رضي الله عنها: “كلَّا! والله لن يخزيك الله أبدا وتروى لن يحزنك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق””

تَحمِل الكَلَّ: أي تتحمَّل مؤونة الكَلِّ، وهو الضعيف واليتيم وذو العيال، فتُنفِق عليه، وتقوم على حاجته.
تَكسِب المعدوم: أي تكسب المالَ وتبذُل من هذا المال للمحتاج أو المعدوم (المعدم).
تقري الضيف: والقِرى هو ما يُقدَّم للضيف من طعام وشراب، أي: أنت تكرم الضيف.
تعين على نوائب الحق: النوائب جمع نائبة، وهي الحادثة أو المصيبة، أي تُعين الناس فيما يصيبهم من خير أو شر.
فهي رأت من زوجها هذه الأخلاق الكريمة ، وهذا كله قبل البعثة تدري من هو محمد وما أخلاقه فقالت مقسمة : كلَّا! والله لن يخزيك الله أبدًا ، وخديجة رضي الله عنها كانت أول من آمن به ﷺ

والنبي لما وقف على جبل أبي قبيس ليجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية قال: يا معشر قريش ، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟

قالوا : نعم ؟ ما جربنا عليك كذبا قط . هذا كلامهم ما جربنا عليك كذبا قط .

أبو سفيان وملك الروم:

وفي حديث طويل لأبي سفيان في حوار له مع هرقل عظيم الروم لما أرسل النبي له رسالة يدعوه فيها للإسلام سأل هرقل أبا سفيان عدة أسئلة منها :قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب‏.

قال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا‏.

فقال هرقل لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله .

ولما قالوا للصديق يريدون تشكيكه في حادث الإسراء إن صاحبك يزعم كذا وكذا قال أبو بكر : إن كان قال فقد صدق !! لماذا؟ لأنه ما جربنا على رسول الله ﷺ كذبا أبدا .

بعد سنوات لما رجع النبي إلى مكة وفتحها ، وأصبح أهل مكة بين يديه بإشارة واحدة منه يقتل من يقتل ممن يستحق القتل من هؤلاء …

 قال لهم ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم !!!

هؤلاء هم الذين كانوا من عدة سنوات يقولون ساحر وكاهن وشاعر ، فهم يعرفون النبي ويعرفون أصله وفصله .

الشاهد : أن الرسول ﷺ كانوا يعرفونه ويعرفون أخلاقه والإنسان فينا ربما يتجمل أمام الناس بطريقة كلامه بأفعاله ، لكن لن يستطيع أن يتماسك أربعين سنة في وسط أهله بين زوجته بين خدمه ، سبحان الله العظيم!!! فهذا كلام زوجته ثم كلام صاحبه ثم كلام خادمه فهو من أنفسكم تعرفونه وتعرفون أخلاقه .

ثالثا/ يتلو عليهم آياته ويزكيهم

هذه مهام الرسول ﷺ مع أمته:

المهمة الأولى: (  يتلو عليهم آياته ) 

التلاوة قراءة القرآن وتسمى القراءة تلاوة لأنها آية تتبعها آية ، وهكذا فلتتابع وتوالي القراءة سميت قراءة القرآن تلاوة فهو أول مهامه أن يتلو آيات الله المنزلة عليه .

المهمة الثانية ( ويزكيهم )

ما معنى التزكية ؟
التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه، ولها معنيان:

المعنى الأول : التطهير.
والمعنى الثاني : هو الزيادة، والنماء.

 فتزكية النفس شاملة لأمرين :
أ – تطهيرها من الصفات القبيحة.

ب – تنميتها بالأوصاف الحميدة.

فمعنى ويزكيهم أنه ﷺ قام بهدم بناء الجاهلية في النفوس وتربيتها على أخلاق الإسلام ، هدم النبي ﷺ بناء الجاهلية في النفوس والمجتمع من حوله حجرا حجرا وهذا أصعب ما يكون ، ثم أقام بناء الإسلام وربى رجالا .

والنبي ﷺ لم يثبت أنه ألف كتبا؛ إنما ربى رجالا؛ وجعل منهجه منهجا متحركا متجسدا في صحابته الكرام الذين نشرف بذكر سيرهم ، واتباع آثارهم وحبهم ، ربى النبي ﷺ رجالا غاية في المثالية حتى يكونوا قدوات حتى لا يأتي أحد ليقول: إن منهج محمد مستحيل التحقق، هذا رسول الله جاء قدوة فاقتدى به أصحابه، وورثوا المنهج لمن بعدهم، وورثه التابعون إلى من بعدهم، وهكذا إلى يومنا هذا، وما زال ميراث وتربية رسول الله تتوارث جيلا بعد جيل.

ولذلك من الخطأ البين الخوض في صحابة رسول الله ﷺ أو استباحة سبهم أو لعنهم أو انتقاصهم لأن في ذلك معنى أن رسول الله ﷺ لم يحسن تربية أصحابه ، وأنه لم يحسن الاختيار أو كان حوله مجموعة كذا وكذا ….

وحاش لله أن يحيط الله نبيه بما زعموا في صحابته ، إنما كانوا رضوان الله عليهم أطهر قلوبا وأبر أعمالا ، وفي هذا الوقت وهذا الزمان اصطفاهم الله تعالى وجعلهم وزراء نبيه .

لا تسبوا أصحابي:

خالد بن الوليد صحابي أسلم سنة 7 هـ حصل شيء مما يكون بين الناس، بين الصحابيين الجليلين: عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وكان عبد الرحمن بن عوف ممن أسلم قبل صلح الحديبية، وخالد بن الوليد ممن أسلم بعده، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)

المُد هو ملء كفي الرجل المعتدل من طعام ، والنصيف يعني النصف، والمعنى: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مُدًّا ولا نصف مُدّ.

وفي ذلك إشارة لسبقهم ودرجتهم ومكانتهم وفضلهم عند الله سبحانه وتعالى ، فجعل الله لنبينا تزكية للأنفس بما يتلو من آيات فطهر الأنفس من العادات الجاهلية ، كان عندهم الكبر والظلم والقهر والاعتداء والإغارة وقطع الأرحام واستذلال الضعيف ووأد البنات وشرب الخمر …..الخ

صفات جاهلية كثيرة كل هذا هدم وانتهى إلى غير رجعة وأقام النبي ﷺ بناء الإسلام وكان يربي ويعلم ويراجع.

أبو ذر لما قال لأحد الصحابة في ساعة غضب يا ابن السوداء نبهه قائلا إنك امرؤ فيك جاهلية ، فرجع عنها رضي الله عنه.

وقد بلغ الأمر أن المجتمع لما استقام استقامت الأمور كلها واستقامت الموازين فرأينا عمر رضي الله عنه يقول عن بلال مولى أبي بكر : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا ، يقصد بلالا رضي الله عنه.

فكان رسول الله ﷺ يتلو آيات الله، ويزكي الأنفس : يربيها وينقيها، ومع هذا تجد هذا الخير الكثير الذي جعله الله بركة على العالمين.

وصحابة رسول الله ﷺ انطلقوا في الأرض كلها كان الرجل منهم بأمة ، زكى النبي وربى وعلم؛ حتى رأينا هذا الإسلام الذي انتشر في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها ، بفضل الله سبحانه وتعالى – ثم بجهود هؤلاء الأطهار الأبرار.

والمنهج باق للتزكية ، القرآن الكريم معنا بين أيدينا نتزكى بتلاوته ونتزكى بفهمه ونتزكى بالعمل به.

وكان من دعاء النبي ﷺ :” اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها “

خير احتفال بالنبي ﷺ في ذكراه:

وهنا أقول : إن خير احتفال بالنبي ﷺ في ذكراه أن تزكي نفسك ، ماذا فيّ من الصفات السيئة والرديئة ؟

فحبا في رسول الله ﷺ سأحاول أن أدفع عن نفسي هذه الصفة السيئة .

هل كان رسول الله ﷺ يحب الغضبان الشديد الغضب ؟ كلا ، إذن فحبي لرسول الله سيدفعني أن أترك الغضب .

 يأتيه رجل فيقول أوصني ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا ، كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ فَيَقُولُ : لاَ تَغْضَبْ، حتى قال له أما تفقه لا تغضب ولك الجنة .

هذه تزكية ،أنت عيبك الوحيد الغضب اترك الغضب ستترك الكثير من الصفات السيئة ، وفي رواية : قال الرجل ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.

شخص آخر يقول: أنا عندي مسألة الغيبة لا أستطيع أن أمسك لساني لما تأتي سيرة شخص أقع في الغيبة فحبا في رسول الله سأنقي نفسي من هذه الصفة السيئة .

شخص آخر يقول: أنا فيّ بعض الكبر سأحاول أن أنقي نفسي من هذه الصفة السيئة ، أنا متكاسل عن صلاة الفجر !!!عن تلاوة القرآن !!!عن كذا وكذا

زكِ نفسك ، نقها ، نمها ، قال تعالى : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [الشمس9 /10]

فهذا خير احتفال برسول الله ﷺ قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) [آل عمران/31]

فكان من مهام رسول الله تزكية الأنفس.

رابعا/ ( ويعلمهم الكتاب والحكمة )

المهمة الثالثة : تعليم الكتاب والحكمة:

الكتاب هو القرآن ، والحكمة السنة.

لكن ما الفرق بين التلاوة والتعليم ؟

التلاوة قراءة القرآن ، والتعليم أن يتلو ويفهّم المعاني وكيف يطبقونها، من الممكن أن يكون القرآن نصا يتبرك الناس به كما يفعل كثير من المسلمين ، ولا علاقة لهم بالقرآن تطبيقا وعملا .

 فالنبي تلا القرآن وعلّمهم كيف يطبق هذا الأمر:

  • رآه الصحابة وهو يطبق ( كتب عليكم الصيام ) [البقرة/183]
  • ورأوه وهو يطبق ( وأقيموا الصلاة ) [البقرة/43]
  • وقال لهم ( صلوا كما رأيتموني أصلي )
  • ورأوه وهو يطبق ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [البقرة/196]
  • وكان يقول : (خذوا عن مناسككم )

إذن فهي تلاوة وتعليم كيف تطبق آيات القرآن الكريم .

ما هي الحكمة ؟

الحكمة هي سنة رسول الله ﷺ .

ومن الأمور العجيبة في زماننا أنه يأتي من يقول: نؤمن بالقرآن ولا نؤمن بالسنة !!!

  • فمن أين لك أو كيف علمت بالصلوات الخمس ؟ الصبح ركعتان، والظهر والعصر أربع، والمغرب ثلاثة ، والعشاء أربع؟
  • من أين علمت تفاصيل مقادير الزكاة وأنصبتها ؟
  • ومن أين علمت تفاصيل الحج ومناسكه ؟

فلا ينبغي لأحد أبدا أن يقول أنا آخذ بالقرآن وادع السنة لأن هذا كفر بهذه الآية ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) [آل عمران/164]

وقال تعالى لزوجات نبينا : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) [الأحزاب/34]

فالحكمة هي السنة التي أوحى الله تعالى بها لنبينا ﷺ وأخبر النبي بما علمه ربه ولذلك عندنا الاستدلال الشرعي لأي حكم يكون من النبعين الصافيين : الكتاب والسنة .
والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما ذكر حديث رسول الله ﷺ ( لعن الله النامصة والمتنمصة….)

بلغ ذلك امرأة يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت النامصة والمتنمصة ؟

فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ؟ وهو في كتاب الله

فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته؟

فقال: لئن كنت قرأته لوجذتيه، قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7]

خامسا/ ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )

أي من قبل بعثته ﷺ كانوا في ضلال واضح ، لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما زين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين.

وهو ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة فقال : 

أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ؛ فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ؛ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ” . .

فوائد من الآية الكريمة :

  1. إثبات صفة المنّة لله تعالى وحده: لا يليق المنّ الحقيقي إلا بالله لأنه عطاء بلا حدود ولا مقابل، بخلاف البشر.
  2. عِظم منّة الله على المؤمنين: إرسال النبي ﷺ أعظم نعمة، فهي منحة ربانية لا مقابل لها، ولا يقدر عليها إلا المنّان جل وعلا.
  3. كون الرسول بشرًا من جنس البشر يجعله قدوة كاملة يمكن الاقتداء بها؛ فلم يكن ملكًا ذا قدرات خارقة، بل كان إنسانًا يعيش بين قومه، ويعرفونه بصدقه وأمانته منذ صغره، مما جعل دعوته مقنعة ومستقرة في النفوس. 
  4. لبعثة النبي ﷺ ثلاثة أهداف رئيسية تتكامل مع بعضها البعض:
  5. تلاوة آيات الله: وهي قراءة القرآن الكريم على الناس.
  6. التزكية: وهي عملية تطهير النفوس من الأخلاق السيئة مثل الكبر والظلم، وتنميتها بالأخلاق الفاضلة كصدق الحديث وصلة الرحم.
  7. تعليم الكتاب والحكمة : وهذا يشمل تعليم القرآن وتوضيح كيفية تطبيقه عمليًا في الحياة، وهو ما جسدته سنة النبي ﷺ.
  8. أن الناس قبل بعثة الرسول كانوا في ضلال مبين، أي في جهل واضح بالأخلاق الحميدة والطريق الصحيح إلى الله.
  9. أفضل احتفال بالنبي ﷺ من خلال محاولة تزكية النفس وتطهيرها من العيوب حبًا فيه واتباعًا لسنته، مثل ترك الغضب أو الغيبة.
  10. وجوب شكر نعمة الله على مَنْ مَنَّ الله عليه بالإيمان؛ لأن المراد بهذا الخبر هو شكر نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه المنة.
  11. اللجوء إلى الله عز وجل بأنْ يثبِّتك على الإيمان؛ لأنه إذا كان هو المانُّ به فهو الذي يملك ثبوته وزواله.
  12. فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفضل الله علينا أن جعلنا من أمته.

فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت به نبيا عن أمته

ورسولا عن دعوته ورسالته.

اللهم أحينا على ملته وأمتنا على سنته

وانفعنا يوم القيامة بشفاعته واحشرنا إلى الجنة في زمرته.

اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله

مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


[1] الفرائد هي الجواهر النفيسة

[2] ذكر الإمام القرطبي قراءة من أنفسهم بفتح الفاء لكنها شاذة ، ومعناها من أشرافهم ، من أشراف قريش .

[3] وكلمة مولى في اللغة من ألفاظ الأضداد تطلق على السيد وعلى العبد ،لأن العبد يخدم سيده والسيد مسؤول عن عبده ، فيسمى السيد مولى ويسمى العبد مولى

 

Visited 712 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع