14- قوله تعالى: ” وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد”

نعود إلى استراحة إيمانية في ظلال سورة «ق»، نعود إلى واحة القرآن؛ ونسأل الله أن يسعدنا بالقرآن في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من التالين له، العاملين به، اللهم آمين يا رب العالمين.
والأيات السابقة ذكر الله تعالى فيها مشهدًا من مشاهد يوم القيامة؛ مشهد عرض العبد المكذب للحساب والبعث والنشور بين يدي الله عز وجل، وتبرؤ القرين منه، وأخذهم في التلاوم فيما بينهما.
والقرآن الكريم يكثر من المقابلات؛ فيذكر حال أهل السعادة وحال أهل الشقاء، يذكر الجنة ويذكر النار، وهذا ليتبين لكل مؤمن منا البصيرة في الأمور والتمييز بين الأشياء، فعقب الله تعالى بذكر الآيات عن أهل الجنة وصفاتهم، وهذه الآيات موضوع خطبتنا اليوم.
يقول الحق جل وعلا: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}. سورة ق: 31-33.
«أزلفت»؛ يعني قُرِّبت، الزلفى هي القربة، والمعنى هنا أنها صارت مرئية قريبة للمؤمنين بعد أن كانوا في أرض المحشر، وبعد أن كان هناك مراحل قد مروا بها من البعث والنشور، ثم الحساب والعرض على الله ، ثم القصاص ثم والصراط، الآن صارت الجنة قريبة منهم.
وقول الله تعالى {غَيْرَ بَعِيدٍ} تأكيد لـ «أزلفت»، أي أنها صارت مرئية قريبة ليدخلوها.
«هذا ما توعدون»؛ على ألسنة الرسل بما جاءكم في آيات القرآن الكريم.
الصفات الأربع لأهل الجنة:
يقول الحق جل وعلا: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}. سورة ق: 32-33.
هنا ذكر الله أربع صفات لأهل الجنة:
- الأولى: أواب.
- الثانية:حفيظ.
- الثالثة:يخشى الرحمن بالغيب.
- الرابعة:قلبه منيب.
الصفة الأولى : العبد الأواب:
الأواب هو العبد الكثير الرجوع إلى الله عز وجل، كلما أذنب تاب إلى الله، كلما بَعُدَ رجع إلى الله سبحانه وتعالى.
والإنسان منا أحيانًا يدخل له الشيطان من هذا المدخل، يقول له: أنت تذنب، ثم تتوب، ثم تعود؟! إذن توبتك الآن غير صحيحة وغير مقبولة، كلا فإن أهل الجنة من صفاتهم التوبة، قال تعالى في سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. سورة آل عمران: 133-135.
فالعبد الأواب هو الكثير الرجوع إلى الله عز وجل، هذا التفسير الأول.
وبعض المفسرين قال: إن الأواب الذي يردد التسبيح والذكر لله في خلوته، أخذوها من قول الله تعالى في قصة داوود: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}[سبأ :10]، فقالوا: «أواب» يقصد بها من يُكثِر التسبيح والذكر لله تعالى في الخلوة، فهو أواب أي كثير الذكر لله تعالى.
الصفة الثانية: حفيظ
ومعنى «حفيظ» يعني يحفظ أوامر الله، فيفعل ما أمر الله تعالى به، ويجتنب ما نهى الله عنه.
الصفة الثالثة: يخشى الرحمن بالغيب:
ثم قال جل وعلا: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}، ما معنى يخشى الرحمن بالغيب؟ يعني أنه يطبق أوامر الله ويلتزم هداية الله وإن لم يره جل وعلا، فهو يخشى الرحمن بالغيب؛ ولم يرَ الله عز وجل، ولم يمت ولم يرَ الجنة ولا النار ولا البعث ولا النشور ولا هذه الأمور الغيبية، فهو يخشى الرحمن بالغيب، وهذا من أعلى درجات الإيمان، في حديث جبريل عليه السلام، سأل جبريل النبي عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فأعلى مراتب الإيمان الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». (رواه مسلم).
الصفة الرابعة : ذو القلب المنيب:
قال تعالى: «وجاء بقلب منيب»، القلب المنيب هو القلب السليم الراجع إلى الله سبحانه وتعالى.
«أواب» يتوب إلى الله كثيرًا، القلب المنيب الذي يرد الأمور كلها إلى الله، من «أناب» إذا رجع، فهو إذا بَعُدَ عاد ليقترب، إذا فتر عاد لينشط، إذا تكاسل عاد ليكون أكثر همة ومسارعة بالخيرات، دائمًا عنده قلب معلق بالله عز وجل.
فقلب منيب يعني قلبه معلق بالله دائمًا، يعود إلى الله مهما بَعُدَ، مهما فتر، مهما ضعف، مهما كثرت الفتن، هو قلب رجاع إلى الله سبحانه وتعالى.
والله عز وجل ذكر الإنابة من صفات أنبيائه: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}[سورة ص، الآية 24.] و {إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب}[سورة هود، الآية 75.]، و {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[سورة هود، الآية 88] إلى غيرها من الآيات المباركة التي تبين أن الأنبياء وهم خيرة خلق الله كانت قلوبهم تنيب إلى الله، أي ترد الأمور إلى الله ، فأنا كمؤمن أحيل الأمور كلها إلى الله، وأربط الأمور كلها بالله، وأعلم يقينًا أن كل شيء يحدث في هذا الكون هو من تقدير الله وتدبيره، وأن أفعال الله وأقدار الله لا تخلو من حكمة، فأنا قلبي منيب معلق بالله عز وجل.
وهذا معنى قول الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». (رواه مسلم).
الغين هو السحاب الخفيف، النبي يقصد أنه قد يحدث له انشغال بأمور الدنيا بزوجاته بمعاشه بالدنيا وما فيها فقد ينشغل بذلك عن ذكرالله وعن طاعة الله، فقال إنه ليغان على قلبي، فيكون حاله صلى الله عليه وسلم هو حال من يمسح مرآة قلبه لتعود طاهرة نقية بيضاء لا شيء يؤثر فيها، فهنا يأتي نور البصيرة: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ}[سورة غافر، الآية 13.]
الدخول إلى الجنة
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ}، ادخلوا الجنة بسلام، وهذه الكلمة ما أطيبها من كلمة حينما تكون من رب العالمين بأن يدخل عباده إلى الجنة، إنها وعد الله عباده بالغيب أن يدخلوا الجنة دار النعيم، دار السلام.
والملائكة تستقبلهم بحفاوة وترحاب: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[سورة الرعد، الآية 24.] ادخلوها بسلام؛ فهي دار لا شقاء فيها ولا تعب ولا مرض ولا هم ولا غم، إنها دار السلام بجوار رب العالمين.
{ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}، وهذا من أعظم النعيم إذ أن نعيم الجنة لا يزول، ولا ينتهي ولا ينقطع، قال تعالى: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}[سورة الحجر، الآية 48.]
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا كما في الحديث الصحيح: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ… ثُمَّ يُنَادَى: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». (متفق عليه).
رؤية وجه الله الكريم
واعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا معنى قول الله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}. ما هو المزيد؟
ما هو الأمر الذي هو أعلى من نعيم أهل الجنة؟ أن تزور رب العالمين الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، الذي خلق الإنس والجن والملائكة، الذي هيأ دار الكرامة من فضله سبحانه وتعالى جائزة لعباده المتقين.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ». (متفق عليه). ومعنى الحديث أنه ليس المقصود تشبيه الله بالقمر حاشاه جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى الآية:11]، إنما كما أنك ترى القمر في السماء بدون ازدحام سترى الله عز وجل، فالنبي أراد أن يشبه إمكانية الرؤية برؤيانا للقمر بلا ازدحام؛ فقال: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»، يقصد صلاتي الصبح والعصر. (متفق عليه).
وقد جاء هذا الأمر في عدة آيات من القرآن: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (سورة القيامة: 22-23)، وقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (سورة يونس: 26)، فإذا علمت أن أهل الجنة لا يعطون شيئاً فيها أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم جل وعلا تبين لك مدى الحرمان، وعظيم الخسران، الذي ينتظر المجرمين الذين توعدهم الله بقوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) المطففين/15 نسأل الله السلامة والعافية.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الجنة، العاملين بعمل أهلها،
الراغبين إلى الله تعالى فيها بالعمل الصالح والتوبة الصادقة النصوح،
وأن يجعلنا وأهلنا وأحبابنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر،
اللهم آمين آمين.

