7- ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
معنى الآية الكريمة
قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ) ما هي الأمانة؟ أرجح الأقوال في المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التي كلف الله – تعالى – بها عباده، من إخلاص في العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.
وسمى سبحانه ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا سبحانه بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشيء منها.
قوله: (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا)
هل هو عرض حقيقي أم مجازي؟
قولان للعلماء:
القول الأول / أنه عرض حقيقي:
من العلماء من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله – تعالى – قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال عرض تخيير لا تحتيم، وأن الله خاطبها: إنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب؛ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا لثقلها وضخامتها.
(وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) أي: خوفًا ألا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه أي: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير في أداء ما كلفن بأدائه.
قوله: (وحملها الإنسان) وعرضها اللّه على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل.
أي: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.
والمراد بالإِنسان: آدم – عليه السلام – أو جنس الإِنسان وهذا هو الراجح.
والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهي مع ثقلتها وضخامتها.
واستدلوا بدليلين:
الأول: أنه لا مانع أن يخلق الله في هذه المخلوقات العظيمة الإدراك لخطابه عز وجل بدليل قوله تعالى “: ثُمَّ استوى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين “ [فصلت: 111]، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو – سبحانه – ومما يشهد لذلك قوله – تعالى – : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) [الإسراء 44]
الثاني: ما رواه الترمذي عن النبي، لما قرأ “يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ” قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها يوم تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول – أي الأرض -: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها)
القول الثاني أنه عرض مجازي:
قالوا إن العرض كان مجازيا لاستحالة تكليف الجماد فضلا عن مخاطبتها، وقالوا: إن العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل.
وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]
والراجح لدي: أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.
ومما لا شك أن قدرة الله – تعالى – لا يعجزها أن تخلق في السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو سبحانه.
لماذا وصف الإنسان بالظلم والجهل؟
قوله: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) وصف الإنسان بالظلم والجهل بصيغة المبالغة (ظلوم وجهول)[1] يقصد منها إنه كان مفرطا في ظلمه لنفسه ، ومبالغة في جهله بحق ربه ، فالضمير في قوله: ( إِنَّهُ ) يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان ، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التي التزموا بحملها ، وهذا لا يمنع أن من عباد الله من قام بهذه الأمانة وأداها كما أمر الله تعالى من أولياء الله المؤمنين ،والقرآن يفسر بعضه بعضا فقد ورد استثناء المؤمنين واضحا في سورة العصر فقال تعالى : ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]
فالإنسان يكون في خسر حينما ينسى لماذا خلق؟ وما هي نهايته؟ وإلى أين المصير؟ فكل الإنسان في خسران إلا هؤلاء القلة هؤلاء الذين ذكر الله صفتهم “إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ “
وأيضا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 4-6]
فانقسم الناس -بحسب قيامهم بالأمانة وعدمه- إلى ثلاثة أقسام:
- منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا.
- ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا.
- ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا.
قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 73]
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بنواصينا للخير، وأن يثبتنا على الحق وأن يتوفنا وهو راض عنا اللهم آمين.
[1] صيغة المبالغة هي اسم مشتق من الفعل يدل على كثرة وقوع الفعل أو شدته وتكراره، فقولنا: ظالم يعني من وقع منه الظلم، أما ظلوم فمعناه كثير الظلم أو شديده، وقولنا: جاهل يعني من اتصف بالجهل، أما جهول فمعناه كثير الجهل أو شديده، ومن أشهر أوزان صيغة المبالغة: فعّال مثل غفّار، وفعول مثل شكور وظلوم، وفعيل مثل رحيم وسميع، ومِفعال مثل مِقدام، وفَعِل مثل حذِر، فمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أن الإنسان كثير الظلم وكثير الجهل إذا لم يهده الله ويوفقه.

