صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن: 11- ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

تاريخ الإضافة 8 سبتمبر, 2026 الزيارات : 5188

11- ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾


قال تعالى﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72]

معنى الآية الكريمة

هذه الآية الكريمة من أعظم آيات القرآن بيانًا لحقيقة الإنسان ومكانته ومسؤوليته؛ فهي تكشف أن حياة الإنسان ليست عبثًا، وأن ما منحه الله من عقل وإرادة وقدرة لم يكن تشريفًا مجردًا، بل هو تشريف تصحبه مسؤولية، وحرية يعقبها حساب، واختيار تترتب عليه الجنة أو النار.

قوله: (إِنَّا) صُدِّرت الجملة بنون العظمة، تنبيهًا إلى عظمة الأمر وعظمة مَن عرض الأمانة، فليست الأمانة عقدًا بين الإنسان ومخلوق مثله، وإنما هي عهد بين العبد وربه، ولذلك كان شأنها عظيمًا وحسابها دقيقًا.

(عَرَضْنَا) العرض هو إظهار الشيء وبيانه ليُنظر فيه ويُقبل أو يُترك.

والمعنى أن الله بيّن لهذه المخلوقات شأن الأمانة وما يترتب على حملها من ثواب عند أدائها وعقاب عند تضييعها؛ فالعرض كان عرض تخيير، لا إلزام؛ ولذلك لم يكن امتناع السماوات والأرض والجبال معصية، بل كان خوفًا من عدم الوفاء بحق الأمانة.

(الْأَمَانَةَ) الأمانة ضد الخيانة، وهي ما يُؤتمن عليه الإنسان ويُطلب حفظه ورعايته وأداؤه.

والمراد بالأمانة هنا: كل ما ائتمن الله عليه الإنسان من عقيدة وعبادة وتكليف وحقوق، مع ما يترتب على أدائه من الثواب وعلى تضييعه من العقاب.

فالأمانة تشمل حقوق الله وحقوق الخلق، وتشمل أعمال الظاهر وأعمال القلوب، وتشمل ما يفعله الإنسان أمام الناس وما يفعله في خلوته.

وسمى سبحانه ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا سبحانه بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشيء منها.

قوله: (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) خصَّ الله هذه المخلوقات بالذكر لعظمها وضخامتها وشدتها، فإذا كانت هذه المخلوقات الهائلة قد خافت من حمل الأمانة، فكيف بالإنسان الضعيف؟

قوله تعالى: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الإباء هو الامتناع، وليس المراد أن السماوات والأرض والجبال عصت أمر الله؛ لأن العرض كان عرض اختيار، ولم يكن أمرًا ملزمًا؛ وإنما امتنعت خوفًا من عدم الوفاء بحقها.

فالفرق كبير بين: إباء الاستكبار والعصيان، كإباء إبليس السجود لآدم، وإباء الخوف والإشفاق، كما في هذه الآية.

فإباء هذه المخلوقات كان صادرًا عن معرفة بعظم المسؤولية، لا عن استهانة بأمر الله.

قوله تعالى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الإشفاق هو الخوف المصحوب بالحذر والعناية، فلم ترفض هذه المخلوقات الأمانة استخفافًا بها، وإنما خافت عاقبة التقصير فيها، وفي الجمع بين ﴿فَأَبَيْنَ﴾ و ﴿أَشْفَقْنَ﴾ بيان أن امتناعهن لم يكن عن كبر، وإنما كان عن خوف وتعظيم.

قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ الحمل هنا يعني القبول والالتزام والقيام بالمسؤولية.

والمراد بالإنسان يحتمل معنيين: آدم عليه السلام باعتباره أبا البشر وأول من تلقى التكليف، أو جنس الإنسان، باعتبار أن ذريته داخلة في التكليف والمسؤولية.

وحمل الإنسان للأمانة ليس ذمًّا في ذاته؛ لأن من حملها وأداها صار من المؤمنين الصالحين، وإنما الذم لمن حملها ثم خانها أو ضيعها.

هل هو عرض حقيقي أم مجازي؟ قولان للعلماء:

القول الأول / أنه عرض حقيقي:

من العلماء من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله – تعالى – قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال عرض تخيير لا تحتيم، وأن الله خاطبها: إنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب؛ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا لثقلها وضخامتها.

واستدلوا بدليلين:

الأول: أنه لا مانع أن يخلق الله في هذه المخلوقات العظيمة الإدراك لخطابه عز وجل بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11]، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو سبحانه ومما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]

الثاني: ما رواه الترمذي عن النبي، لما قرأ “يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ” قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها يوم تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول – أي الأرض -: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها)

القول الثاني أنه عرض مجازي:

قالوا إن العرض كان مجازيا لاستحالة تكليف الجماد فضلا عن مخاطبتها، وقالوا: إن العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي أن السماوات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل.

 وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21]

والراجح لدي: أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعي لصرفه عن ذلك.

ومما لا شك أن قدرة الله – تعالى – لا يعجزها أن تخلق في السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو سبحانه.

لماذا وصف الإنسان بالظلم والجهل؟

قوله: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) وصف الإنسان بالظلم والجهل بصيغة المبالغة (ظلوم وجهول)[1]

(ظلوما) أي كثير الظلم لنفسه؛ لأنه يقبل المسؤولية ثم يضيعها، ويعرف الأمر ثم يخالفه، ويستعمل نعم الله في معصيته.

وظلمه يشمل: ظلم نفسه بالمعاصي، وظلم غيره بأكل حقوقه، وظلم الأمانة بتضييعها، وأعظم الظلم: الشرك بالله.

معنى (جهولا) أي كثير الجهل: يجهل قدر الأمانة ويجهل ضعف نفسه ويجهل عاقبة الخيانة ويجهل ما يصلحه وما يضره وقد يعلم الحكم، لكنه يتصرف تصرف الجاهل حين لا يعمل بعلمه.

واجتماع الظلم والجهل أصل كثير من الانحرافات؛ فالإنسان قد يفسد بسبب شهوة تظلمه، أو شبهة تضلله.

هل كل إنسان ظلوم جهول؟

الآية تصف أصل الضعف الغالب في جنس الإنسان، وخاصة إذا تُرك لنفسه وهواه، ولا تعني أن كل فرد يبقى متصفًا بالظلم والجهل في جميع أحواله.

فالأنبياء والصديقون والمؤمنون الصالحون أدوا الأمانة بما وفقهم الله إليه.

والآية التالية استثنت المؤمنين من مآل المشركين والمنافقين، فقال تعالى:

﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فالإيمان والعلم والتقوى والتوبة تعالج ظلم النفس وجهلها.

، فالضمير في قوله: (إِنَّهُ) يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التي التزموا بحملها، وهذا لا يمنع أن من عباد الله من قام بهذه الأمانة وأداها كما أمر الله تعالى من أولياء الله المؤمنين، والقرآن يفسر بعضه بعضا فقد ورد استثناء المؤمنين واضحا في سورة العصر فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3]

فالإنسان يكون في خسر حينما ينسى لماذا خلق؟ وما هي نهايته؟ وإلى أين المصير؟ فكل الإنسان في خسران إلا هؤلاء القلة هؤلاء الذين ذكر الله صفتهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  

وأيضا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: 4-6]

ثم قال تعالى في الآية التالية: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: 73]

فالآيتان معًا تبينان أن الناس تجاه الأمانة ثلاثة أصناف:

  • منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا.
  • ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا.
  • ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا.

التفسير الإجمالي للآية

يخبر الله تعالى عن عظم شأن التكاليف والحقوق التي ائتمن عليها عباده، وأنه عرض حمل هذه الأمانة، بما فيها من مسؤولية وثواب وعقاب، على السماوات والأرض والجبال، فامتنعت عن قبولها خوفًا من التقصير في أدائها، وقبل الإنسان حملها مع ضعفه، وكان كثير الظلم لنفسه والجهل بعاقبة ما تحمله، إلا من وفقه الله للإيمان والعلم وأداء الأمانة.

الخلاصة:

  1. المقصود بالأمانة جميع ما كلّف الله به الإنسان من عقيدة وعبادة وأخلاق وحقوق وواجبات.
  2. عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال كان عرض تخيير، ولذلك لم يكن امتناعها معصية، وامتناعها خوفًا من التقصير وتعظيمًا للمسؤولية، لا استكبارًا على أمر الله.
  3. حمل الإنسان للأمانة يعني قبوله التكليف والتزامه القيام بحقوقه وتحمل نتائج اختياره.
  4. من ظلم الإنسان أن يضيّع ما تحمّله، ويستعمل نعم الله في معصيته، ويعتدي على حقوق نفسه وحقوق غيره.
  5. اجتماع الظلم والجهل أصل لكثير من الانحراف؛ فالظلم ينشأ غالبًا من الشهوة، والجهل ينشأ من الشبهة والضلال.
  6. وصف الإنسان بالظلم والجهل لا يعني أن كل إنسان يبقى كذلك، وإنما يصف الضعف الغالب في جنسه إذا لم يهتدِ بالإيمان والعلم والتقوى.
  7. الإيمان والعمل الصالح والتوبة والعلم النافع وسائل تعالج ظلم النفس وجهلها، وتعين على أداء الأمانة.
  8. الناس تجاه الأمانة ثلاثة أصناف: منافق حملها في الظاهر دون الباطن، ومشرك تركها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن قام بها ظاهرًا وباطنًا.
  9. أداء الأمانة لا يتحقق بالمظاهر وحدها، بل لا بد من صدق القلب واستقامة العمل.
  10. من ثمرات تدبر الآية أن يراقب المسلم نفسه في السر والعلن، وألا يستهين بأي حق ائتمنه الله عليه.

[1] صيغة المبالغة هي اسم مشتق من الفعل يدل على كثرة وقوع الفعل أو شدته وتكراره، فقولنا: ظالم يعني من وقع منه الظلم، أما ظلوم فمعناه كثير الظلم أو شديده، وقولنا: جاهل يعني من اتصف بالجهل، أما جهول فمعناه كثير الجهل أو شديده، ومن أشهر أوزان صيغة المبالغة: فعّال مثل غفّار، وفعول مثل شكور وظلوم، وفعيل مثل رحيم وسميع، ومِفعال مثل مِقدام، وفَعِل مثل حذِر، فمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أن الإنسان كثير الظلم وكثير الجهل إذا لم يهده الله ويوفقه.

 

 

Visited 359 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 219
  • Today's page views: : 237
  • Total visitors : 151,951
  • Total page views: 168,565