قوانين السعادة
(20) الحب في الله

معنى الحب في الله:
المحبةُ في الله تعالى هي أن يُحبَّ المرء ويميل إليه، لا لغَرَض؛ مِن مال أو منصب، أو جاهٍ أو مكانة، أو غير ذلك، بل مِن أجل ما يتَّصِف به من خُلُق حَسَنٍ، وطاعة لله تعالى.
فتكون المحبة صادقة خالصة، محبة نشأت لله فتدوم لوجه الله، ومن أحبك لشيء أبغضك عند فقده….فمن أحبك لدنياك كرهك لفقرك، ومن أحبك لوظيفتك فارقك لعزلك، ومن أحبك لمنصبك فارقك عند تغير أحوالك.
كيف يكون الحب في الله سببا للسعادة؟
1- الحب في الله مبني على الإيمان وصفاء القلب، لا على مصلحة دنيوية أو منفعة وقتية، هذا الصفاء يزرع راحة في القلب؛ فإذا أحببت أخاك في الله، صار بينكما ميثاق قلوب لا تفسده الدنيا.
2- والحب في الله يعين على الطاعة، فإذا كنت تحب شخصًا لله، فإنك ستدعوه للخير، وتنصحه عند الخطأ، وتفرح بطاعته، وتحزن لمعصيته، وهذا كله يقوّي الإيمان ويزيد العمل الصالح.
3- والحب في الله يجعل لك أنيسا وصاحبا يخفف عنك من الوحدة والانعزال، ويحبك ويرجو الخير لك، فإذا كنت في فرح وجدته يفرح لك من أعماق قلبه ، وإذا كنت في حزن واساك وخفف عنك، وإذا احتجت للنصيحة نصحك بلا كذب ولا مجاملة ولا نفاق، وإذا استشرته بأمر أشار عليك ، وساندك.
4- والحب في الله يزرع في القلب الطمأنينة؛ لأنك تعرف أن صاحبك لن يفشي لك سرا ولا يهتك لك سترا ولا يخونك ولا يغدر بك ، بخلاف حب الدنيا الذي قد ينقطع بخلاف أو مصلحة، فإن الحب في الله يظلّ حتى الممات.
5- وهذا الحب سبب لمحبة الله، لأن الله تعالى يحب من تحابّوا فيه، بل أعدّ لهم منازل عالية يوم القيامة، فهل هناك سعادة أعظم من أن يحبك الله ويكرمك في الآخرة؟
فضل الحب في الله:
ورد في فضل الحب في الله الكثير من الأحاديث نذكر منها:
1- مِن أحب الأعمال وأفضلِها عند الله تعالى؛ كما أخبر النبي ﷺ بقوله: (أحبُّ الأعمال إلى الله الحبُّ في الله والبُغْض في الله) أخرجه أحمد.
2- أوجب الله تعالى على نفسه محبةَ مَن تخلَّق بخُلُق المحبة للمؤمنين الطائعين؛ فعن أبي إدريس الخولاني رحمه الله قال: دخلتُ مسجد دمشق فإذا فتًى برَّاق الثنايا، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسنَدوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألتُ عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان مِن الغد هجَّرت، فوجدتُه قد سبقني بالتهجير، ووجدتُه يُصلِّي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهِه، فسلَّمت عليه، ثم قلت له: واللهِ إني لأحبُّك لله، فقال: آللهِ؟ فقلت: آلله، فقال: آللهِ؟ فقلت: آلله، فأخذ بحبوةِ ردائي فجذَبني إليه، فقال: أبشِرْ؛ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: قال الله تبارك وتعالى: وجبَت محبَّتي للمتحابِّينَ فيَّ، وللمتجالسين فيَّ، وللمتباذلين فيَّ.) رواه ابن حبان في صحيحه.
3- مِن ثمرات المحبة في الله أن يبلغ العبد كمالَ الإيمان:فعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (مَن أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) أخرجه أبو داود
4-تذوق حلاوةَ الإيمان وطمأنينتَه في القلب ؛عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار(
5- وقد أخبرنا المحبُّ المحبوبُ ﷺ بأن أصدق المتحابِّينَ في الله هو الأحب إلى الله والأفضل عنده، فقال ﷺ ) :ما تحابَّ رجلانِ في الله إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبًّا لصاحبه) أخرجه ابن حبان في صحيحه
وقال ﷺ: (خيرُ الأصحاب عند الله خيرُهم لصاحبه، وخيرُ الجيران عند الله خيرهم لجارِه) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
6- يوم القيامة يُكرِم الله المتحابين في الله بظلِّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي؟ اليوم أظلُّهم في ظلِّي، يوم لا ظل إلا ظلي)، وقال ﷺ: سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله…، ورجلانِ تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه)
كيف نقوي الحب في الله؟
أولًا: إفشاء السلام:
على مَن عرَفنا ومَن لم نعرِف من المسلمين، قال ﷺ: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَلَا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم)
ثانيًا: الهديَّة :
فهي توثِّق المحبة، وتزيل من النفوس ما علق فيها من مشاحنات؛ ولذلك أرشدنا إليها رسول الله ﷺ بقوله: (تَهادَوا تحابُّوا)
ثالثًا: الإخبار بالمحبة:
سنَّ لنا النبي ﷺ؛ ذلك لأنه يُثمِر زيادة الحب والأخوَّة في الله، وتعاوُن وتآلُف، فقال ﷺ ) إذا أحب الرجل أخاه، فليُخبِره أنه يحبه)، وعن أنس بن مالك أن رجلًا كان عند النبي ﷺ فمرَّ به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحبُّ هذا، فقال له النبي ﷺ: أعلَمْتَه؟، قال: لا، قال: أعلِمْه، قال: فلحِقه، فقال: إني أحبُّك في الله، فقال: أحبَّك الذي أحببتَني له)