قوانين السعادة
(21) (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)

قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]
هذه آية لها أثرٌ بالغ في حياة المؤمنين إذا وعوها، واهتدوا بهداها، ولها صلة بأحد أركان الإيمان : ألا وهو (الإيمان بالقضاء والقدر)، وهذا الخير ، فسَّره قوله تعالى في سورة النساء -في سياق الحديث عن مفارقة النساء، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]
معنى الآية الكريمة:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾أي : فرض عليكم القتال وفيه مشقة عليكم ، لأن المقاتل إما أن يقتل أو يجرح أو يؤسر، مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء .
“كَره” بفتح الكاف: هو الشيء المكروه الذي تُحمل وتُكْرَهُ على فعله.
أما “الكُره” بضم الكاف فهو الشيء الشاق، وقد يكون الشيء مكروها وهو غير شاق، وقد يكون شاقاً ولكن غير مكروه.
وقوله: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ أي أنه قد يقع للإنسان شيء من الأقدار المؤلمة، التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية على آماله وحياته، فإذا بذلك المقدور يصبح خيرًا على الإنسان من حيث لا يدري.
والعكس صحيح: كم من إنسان سعى في شيءٍ ظاهره خيرٌ، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على عكس ما يريد.
وإذا تأملنا الآيتين الكريمتين ، وجدت أن الآية الأولى- التي تحدثت عن فرض القتال – تتحدث عن عبادة من العبادات وعن ألم بدني وجسميٍّ قد يلحق المجاهدين في سبيل الله، وإذا تأملت الآية الثانية -وهي آية مفارقة النساء- وجدتها تتحدث عن علاقات دنيوية فهي تتحدث عن ألم نفسي يلحق أحد الزوجين بسب فراقه لزوجه!
إذن فالآية الكريمة تناولت أحوالًا شتى: دينية ودنيوية، وبدنية ونفسية ،وهي أحوال لا يكاد ينفك عنها أحد في هذه الحياة.
ثم قال تعالى : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي : هو أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم .
قال ابن القيم -رحمه الله-: فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب. . . ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة، فإنه لا يزال راضياً عن ربه، والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين، فإنه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً. [الفوائد لابن القيم ص: 91]
ولله در الشاعر (مصطفى حمام) حينما قال:
علمتني الحيـــــــــاة أن أتلقى كــــــل ألوانها رضـــاً وقبولا
ورأيت الرضـــــا يخفف أثقالي ويلقى على المآسي ســدولا
والذى ألهم الرضــــا لا تراه أبد الدهر حاســــــداً أو عذولا
أنا راض بكـــــل ما كتب الله ومُــــــزْجٍ إليه حمـــــداً جزيلاً
ضل من يحسب الرضا عن هوان أو يراه على النفاق دليلا
فالرضـــا نعمة من الله لم يسعد بها في العـــــباد إلا القليلا
والرضـــــــــا آية البراءة والإيمان بالله ناصــــــراً ووكيلاً
ما أثر فهم هذه الآية في السعادة؟
1- طمأنينة القلب عند البلاء
الإنسان يواجه في حياته مواقف يكرهها: مرض، خسارة، فشل، أو تأخر في تحقيق هدف، لكن تذكّر أن وراءها حكمة وخير قد لا يراه الآن يجعل قلبه مطمئنًا ويبعد عنه القلق والحزن.
2- الرضا بقضاء الله
حين يدرك المؤمن أن كل ما يجري له هو بعلم الله وحكمته، يرضى ويستسلم، فلا يعيش مرارة التذمر والاعتراض، بل يعيش لذة التسليم لله، وهذا من أعظم أسباب السعادة.
3- التفاؤل بالمستقبل
هذه الآية تزرع في النفس الأمل، فحتى ما يبدو شرًا، أو نقصًا؛ قد يكون بابًا لخير أعظم؛ وبذلك يعيش المؤمن بروح إيجابية، يواجه الحياة برجاء وثقة بدل التشاؤم واليأس.
4- تربية على حسن الظن بالله
الفهم العميق للآية يجعل المسلم يحسن الظن بربه في كل حال، فلا يحبطه التأخر ولا ييأس من المصاعب، وحسن الظن بالله من أعظم مفاتيح السعادة في الدنيا والآخرة.
ولو قلبنا قصص القرآن، وصفحات التاريخ، أو نظرنا في الواقع؛ لوجدنا من ذلك عبرًا وشواهدَ كثيرة، لعلنا نُذَكِّر ببعض منها، عسى أن يكون في ذلك سلوةً لكل محزون، وعبرةً لكل مهموم:
1- قصة إلقاء أم موسى لولدها في البحر!
ظاهر القصة الشر المحض؛ فإلقاء موسى في البحر معناه الهلاك المتحقق، ولولا أن الله ربط على قلبها لما ألقته، فلم تكن تعلم ماذا ينطوي وراء ذلك الإلقاء من الخير للأمة في زمنها، التقطه آل فرعون الذين إن وجدوه سيقتلونه، وكأنه تحد من الله لهم، فألقى الله محبة عليه؛ فكل من رآه أحبه وتعلق قلبه به؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾[طه:39]، فعاش وتربى في قصر فرعون الذي أراد قتله؛ فعندئذ يتضح لنا معنى قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[النساء:19]، وصدق ربنا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:216].
2- قصة يوسف عليه السلام:
لو تأملنا قصة يوسف لرأينا أن هذه الآية منطبقةٌ تمام الانطباق على ما جرى ليوسف، وأبيه يعقوب -عليهما الصلاة والسلام–فقد قدر الله على يوسف الإلقاء في الجب وأن يباع عبدا لعزيز مصر، ويسجن، ثم يرى الملك تلك الرؤيا التي أخرجت يوسف، وأنقذ الله الناس ببركة يوسف من خطر المجاعة، وكيف رد الله والدي يوسف له وإخوانه، مقرين بفضله ومكانته، وصدق الله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:216].
3- قصة الغلام الذي قتله الخضر
وتأملوا قصة الغلام الذي قتله ؛ فإنه علل قتله بقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ) [الكهف:80-81].
إذا رزقت بالولد، ذكرا أو أنثى فالله هو المقدر للخير لك، وهو أعلم بما ينفعك وما يضرك؛ فلا تكره الذكر أو الانثى؛ بل احمد الله على العطية، وقل الخيرة فيما اختار الله، وحتى لو لم ترزق بذرية وكنت عقيما فاحمد الله، وقل: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]﴾ وكما قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49]
4- موت زوج أم سلمة:
لما مات زوج أم سلمة أبو سلمة -رضي الله عنهما-، تقول أم سلمة -رضي الله عنها-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها؛ إلا أخلف الله له خيرا منها”.
قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟
أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ
5- فاتته الطائرة فكانت المفاجأة:
وحكى الشيخ علي الطنطاوي أن رجلًا قدم إلى المطار، وكان مجهدًا بعض الشيء، فأخذته نومةٌ ترتب عليها أن أقلعت الطائرة، وفيها ركاب كثيرون يزيدون على ثلاثمائة راكب، فلم أفاق، وإذا بالطائرة قد أقلعت قبل قليل ،وفاتته الرحلة، فضاق صدره، وندم ندمًا شديدًا، ولم تمض دقائق على هذه الحال التي هو عليها حتى أُعلن عن سقوط تلك الطائرة، واحتراق من فيها بالكامل!
والسؤال: ألم يكن فوات الرحلة خيرًا لهذا الرجل؟! ولكن أين المعتبرون والمتعظون؟
6- رب ضارة نافعة
سمعت الدكتور راتب النابلسي يحكى هذه القصة يقول : كان عندنا بدمشق طالب بكلية الطب وكان نحيفا ضعيف البنية ، ركب سيارة أجرة ليذهب للجامعة ، وبعد مرحلة من الطريق استوقف السيارة أحد الشبيحة رجل طويل عريض ضخم البنية ، سأل السائق هل عندك مكان خالي ؟ قال :لا ، ففتح باب السيارة الخلفي فوقع بصره على هذا الشاب فاستضعفه وأمسكه من ثيابه فحمله وألقى به خارج السيارة ،وركب هو !!! وبكى الشاب بكاء مريرا لشعوره بالقهر والظلم أمام هذا الرجل الظالم ، وبعد ربع ساعة مرت سيارة أخرى فركبها ، وكانت المفاجأة بعد 5 كم رأى السيارة الأولى التي كان يركبها وقد وقع لها حادث تصادم على الطريق، وانقلبت بمن فيها ، والركاب ما بين قتيل وجريح !! فكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يري هذا الشاب آية أن هذا الرجل الظالم الذي انتزعه من السيارة بقوته فعل به خيرا ولم يفعل به شرا ، وأن هذا الظالم الذي استغل قوته في إخراج هذا الشاب من السيارة استعجل قدره الواقع به، أو قل انتقام الله منه لظلمه للعباد ، سبحان الله العظيم !!!
فهذه الأمور الأنسان لا يفهمها عندما تقع ، لكن يظهر الله سبحانه وتعالى حكمته بعد ذلك وأنت لا تدري ماذا برحم الغيب ، فلا تحزن إذا تعطلت سيارتك ، أو جرى لك حادث صغير ، إذا تعطلت عن عملك ، أو تأخرت عن سفرك ، فاعلم أن لله سبحانه وتعالى حكمة من وراء كل ذلك .
ليس شيء عند الله اسمه صدفة بمعنى حدوثه عشوائيا ، أو بدون ترتيب قال تعالى : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) [القمر/49] فقد يجعل الله تعالى في الشر خيرا كامنا .
7– احترق الكوخ لينجو من كربته
وهناك قصة لرجل كان في سفينة وهـبت عاصفة شديدة عليها في عرض البحر فأغرقتها .. ونجا بعض الركاب .. منهم رجل أخذت الأمواج تتلاعب به حتى ألقت به على شاطئ جزيرة مهجورة وعندما أفاق الرجل من إغمائه جثـا على ركبتـيه، وطلب من الله المعونة، وسأله أن ينقذه من هذا الوضع الألــيم.
مرت أيام والرجل يقتات خلالها من ثمار الشجر وما يصطاده من الأسماك، وينام في كوخ صغير بناه من أعواد الشجر ليحتمي فيه من برد الليل وحر النهار.
وذات يوم ، والرجل قد أشعل النار لينضج طعامه فجأة هبت الريح الشديدة واشتعلت النار وتطاير شررها والتهمت كل ما حولها حتى الكوخ الذي كان بأوي إليه احترق … فأخذ يصرخ قائلاً :لم يتبقَ لي شيء في هذه الدنيا وأنا غريب في هذه المكان ، والآن أيضـاً يحترق الكوخ الذي أنام فيه .. لماذا كل هذه المصائب تأتي علي!! فنام الرجل من الحزن وهو يتضور جوعاً ، وفي الصباح كانت المفاجأة ، إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة وتنزل منها قـارباً صغيراً لإنقاذه، فلما صعد على سطح السفينة أخذ يسألـهم كـيف وجدوا مـكانه فأجـــابوه: لقد رأينا دخـاناً كبيرا ، فعرفنـا أن شخـصاً ما يطلب الإنقاذ !! فسبحان من علم بحــاله ورأى مكانه.. سبحانه مدبّر الأمور كلهـا من حيث لا نـدري ولا نحتسب…فهذا شر كمن فيه خير لولا أن الله قدر أن تهب الريح بشدتها وتشتعل ألسنة اللهب في كل شيء حوله ما نجا ولا علم بوجوده أحد .
والخلاصة:
1- على المرء أن يسعى إلى الخير جهده أخذا بالأسباب وليس عليه إدراك المقاصد، فإذا وقع شيءٌ على خلاف ما يحب، فليتذكر هذه الآية المباركة.
2- من خلال هذه الآية يتبين للمرء أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأن الأمر بيد الله؛ فكان لزاما على العبد أن يتعلق بربه، ولا يعتمد على نفسه الضعيفة التي لا تعلم شيئا.
3- ومن ألطاف الله العظيمة: أنه لم يجعل حياة الناس وسعادتهم مرتبطة ارتباطًا تامًا إلا به سبحانه وتعالى.
4- الرضا بالله وعن الله ومعناه يجمع أمرين: الرضا بقضاء الله وقدره، والرضا بشرعه وأمره ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -“ﷺ-، يَقُولُ: ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ). رواه مسلم
5- التفويض إلى الله في جميع الأمور كما قال العبد الصالح: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [غافر: 44] وعلمنا النبي ﷺ أن نستخير الله في جميع أمورنا، فلرُبَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أَمْر تُحِبّهُ فيه ضررك وهلاكك، لذلك صدق من قال: مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنْ اسْتَشَارَ.
6- ففوِّض أمرك إلى الله في كل ما يَجري حولك، فكل شيء يسير وَفْقَ تقديره – عز وجل – وهو يعلم ونحن لا نعلم.