10- الصيام المستحب والمكروه

تاريخ الإضافة 9 مارس, 2024 الزيارات : 4011

(10) صيام التطوع

للعبادات المطلوبة في الإسلام مستويان:

مستوى (الفرض):

الذي يلزم به كل مكلف، ولا يقبل منه التكاسل عنه، أو التفريط فيه، فمن فعل كان مستوجبًا للذم والتأثيم في الدنيا، وللعقاب في الآخرة، وهو يمثل الحد الأدنى المطلوب من المسلم.

وذلك يتمثل في الصلوات الخمس المفروضة في كل يوم وليلة، والزكاة المفروضة على الأموال النامية بشروطها، وصوم رمضان من كل عام، وحج البيت في العمر مرة.

وهذه الفرائض يكفر من أنكر وجوبها أو استهزأ بها، ويفسق من تركها، ولم يكن له عذر يقبله الشرع.

والفرد مطالب أمام الله، وأمام المجتمع بأداء هذه الفرائض علانية، حتى يدفع التهمة عن نفسه، ويكون أسوة لغيره.

والمجتمع مسئول بالتضامن عن إقامة هذه الفرائض، فعليه أن يعلم الجاهل وينبه الغافل، ويؤدب المقصر، والله تعالى يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) (التوبة: 71).

والفرد إذا أدى الفرض – مستوفي الأركان بالشروط – فقد أبرأ ذمته، وأسقط الإثم عنه، ولم يكن لأحد عليه سبيل، وهذا ما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن طلحة بن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خمس صلوات في اليوم والليلة”، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: “لا إلا أن تطوع” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وصيام شهر رمضان”، قال : هل علي غيره، قال: “لا إلا أن تطوع”، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: “لا إلا أن تطّوع”، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفلح إن صدق” متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: “تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان” قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا” متفق عليه.

هذا هو مستوى الفرض.

والمستوى الآخر، هو:

مستوى (التطوع)، وهو ما طلبه الشرع من المكلف طلب ندب واستحباب، لا طلب إيجاب وإلزام.

وهذا التطوع المستحب – وإن لم يكن حتمًا ولا فرضًا على المسلم – له ثماره الطيبة التي يجمل به أن يحرص على اقتطافها.

فمن ثماره: أن يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من خلل وتقصير، ولهذا جاء في الحديث: إن الإنسان يحاسب على الصلاة يوم القيامة – وهي أول ما يحاسب عليه من حقوق الله – فإن وجدت صلاته كاملة فبها ونعمتْ، وإلا سئل عن تطوعه ليستكمل منه ما نقص من الفرض.

ومن ثماره: أنه (رصيد احتياطي) – إذا استخدمنا لغة المحاسبين – يواجه به المكلف (الخسائر) الناجمة من ارتكاب السيئات، والتي تكثر وتتفاقم أحيانًا حتى تكاد تأكل رأس المال.

فمن الحزم والكيس أن يواجه المسلم هذا (العجز) المتوقع بألا يكتفي بالاقتصار على الحد الأدنى المفروض، وأن يستكثر من العبادة عن طريق التطوع، أو النافلة.

ومن ثماره كذلك: أنه يهيئ المسلم للترقي في درجات (القرب) من الله تعالى، حتى يصل إلى درجة الحب من الله عز وجل، فأداء الفرائض يوصل إلى (القرب)، وأداء النوافل يوصل إلى (الحب).

وفي هذا جاء الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى: “ما تقرب إليَّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يسعى بها .. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه” (رواه البخاري عن أبي هريرة).

من أجل هذا فتح الإسلام باب التطوع لأرباب الهمم والعزائم، ليأخذ كلُّ بحظه منها، تبعًا لمدى طموحه وأشواقه إلى ما عند الله تعالى، وذلك في العبادات كلها، ومنها: الصيام.

وهنا نلقي بعض الضوء على ألوان صيام التطوع، الذي شرعه الإسلام:

صيام ستة من شوال

حث النبي صلى الله عليه وسلم على إتباع صيام رمضان، بست من شوال، فقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله” رواه مسلم

والمراد بالدهر هنا: السَّنَة، أي كأنما صام السنة كلها، فإذا حافظ على صيام ذلك طوال السنين، فكأنما صام الدهر.

وقد جاء تفسير ذلك في حديث آخر يقول: “صيام شهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام العام”.

وهل المطلوب في هذه الأيام إلحاقها برمضان مباشرة، بحيث يبدأ صومها من اليوم التالي للعيد، كما يدل عليه لفظ (أتبعه)، أم يكفي أن تكون في شوال، وشوال كله تابع لرمضان؟.

هذا ما اختلف فيه الفقهاء، ولكني أميل إلى الرأي الثاني.

كما أنه ليس من اللازم أن يصومها متتابعة، فلو فرقها فلا حرج عليه إن شاء الله.

وانفرد الإمام مالك رضي الله عنه، بالقول بكراهة صيام هذه الأيام الستة خشية أن يعتقد الناس أنها جزء من رمضان، ويلزموا بها أنفسهم، وينكروا على من تركها، فكرهها من باب سد الذرائع (ذكر الإمام الشاطبي أن بعض العجم وقعوا في مثل ذلك حيث تركوا كل مراسم رمضان ومظاهره من إضاءة المآذن ومرور المسحرين على الناس وغير ذلك إلى اليوم السابع من شوال، ولكن مثل هذا الخرف لا ترد به السنة، ويجب أن يُعلَّم الجاهل.

وذكر مالك في الموطأ: أنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها، قال الشوكاني: ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة. أهـ

فإذا صح الحديث بصومها فلا مجال للرأي هنا، وخصوصًا إذا رجحنا عدم إلصاقها برمضان مباشرة ولعل السر في استحباب صيام هذه الأيام من شوال أن يظل المسلم وصول الحبال بطاعة ربه، فلاً تفتر عزيمته بعد رمضان.

هل تصام أيام عيد الفطر الثاني والثالث أم أن من الفقه تأخيرها ؟

تفصيل رائع من الفقيه محمد بن محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله .عن صيام الست من شوال .

قال الشيخ – حفظه الله :-
الأفضل الذي تطمئن إليه النفس، أن الإنسان يترك أيام العيد للفرح والسرور .
ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أيام منى:
(إنها أيام أكل وشرب)، كما جاء في حديث عبد الله بن حذافة :
(فلا تصوموها) ، فإذا كانت أيام منى الثلاثة لقربها من يوم العيد أخذت هذا الحكم، فإن أيام الفطر لا تبعد فهي قريبة.

ولذلك تجد الناس يتضايقون إذا زارهم الإنسان في أيام العيد فعرضوا عليه ضيافتهم، وأحبوا أن يصيب من طعامهم فقال: إني صائم، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما دعاه الأنصاري لإصابة طعامه ومعه بعض أصحابه، فقام فتنحى عن القوم وقال: إني صائم، أي: نافلة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخاك قد تكلّف لك فأفطر وصم غيره).

فحينما يدخل الضيف في أيام العيد، خاصة في اليوم الثاني والثالث، فإن الإنسان يأنس ويرتاح إذا رأى ضيفه يصيب من ضيافته، كونه يبادر مباشرة في اليوم الثاني والثالث بالصيام لا يخلو من نظر .

فالأفضل والأكمل أن يطيب الإنسان خواطر الناس، وقد تقع في هذا اليوم الثاني والثالث بعض الولائم، وقد يكون صاحب الوليمة له حق على الإنسان كأعمامه وأخواله، وقد يكون هناك ضيف عليهم فيحبون أن يكون الإنسان موجوداً يشاركهم في ضيافتهم.

فمثل هذه الأمور من مراعاة صلة الرحم وإدخال السرور على القرابة لا شك أن فيها فضيلة أفضل من النافلة.والقاعدة تقول:
(أنه إذا تعارضت الفضيلتان المتساويتان وكانت إحداهما يمكن تداركها في وقت غير الوقت الذي تزاحم فيه الأخرى، أُخرت التي يمكن تداركها) .
فضلاً عن أن صلة الرحم لاشك أنها من أفضل القربات .

فصيام ست من شوال وسّع الشرع فيه على العباد، وجعله مطلقاً من شوال كله، فأي يوم من شوال يجزئ ما عدا يوم العيد.

بناءً على ذلك فلا وجه لأن يضيق الإنسان على نفسه في صلة رحمه، وإدخال السرور على قرابته ومن يزورهم في يوم العيد، فيؤخر هذه الست إلى ما بعد الأيام القريبة من العيد؛ لأن الناس تحتاجها لإدخال السرور وإكرام الضيف، ولا شك أن مراعاة ذلك لا يخلو الإنسان فيه من حصول الأجر، الذي قد يفوق بعض الطاعات كما لا يخفى.

من شرح زاد المستقنع_ باب: صوم التطوع

صيام تسع ذي الحجة ويوم عرفة

شهر ذي الحجة من الأشهر الحُرم الأربعة، ومن أشهر الحج المعلومات، وأيامه العشرة الأولى، هي أفضل أيام العام، كما صحت بذلك الأحاديث.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج الرجل بنفسه، وماله، فلا يرجع بشيء من ذلك” (رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة).

وفي لفظ: “ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير” (رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد).

وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر، اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه.

والصيام في هذه الأيام العشر من أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه، (ما عدا اليوم العاشر – يوم العيد – فهو محرم بيقين).

وأوكدها وأفضلها هو اليوم التاسع، يوم عرفة، اليوم الذي يقف فيه الحجيج شُعثًا غُبرًا، بملابس الإحرام التي تشبه أكفان الموتى، متجردين لله مُلَبِّين له، ضارعين إليه.

فالحجاج يتقربون إلى الله هناك بالإحرام والتلبية والدعاء، وغيرهم في ديار الإسلام يتقربون إلى ربهم بالصيام، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، قال: يكفِّر السنة الماضية والباقية” (رواه مسلم وغيره عن أبي قتادة). وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله تعالى أن يُكفِّر السنة التي بعده والسنة التي قبله” (هذه رواية الترمذي).

ولكن هل هذا يشمل الواقفين بعرفة أيضًا؟.

جمهور العلماء على أن استحباب الصيام إنما هو لغير الحجاج.

فعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفات (رواه أحمد وابن ماجة).

وعن أم الفضل (زوجة العباس): أنهم شكوا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب، وهو يخطب الناس بعرفة (متفق عليه).

فدل ذلك على كراهية صومه للواقفين بهذا الموقف العظيم، والحكمة فيه أن الصوم قد يضعفهم عن الذكر والدعاء، والقيام بأعمال الحج.

هذا إلى أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، كما يدل على ذلك حديث عمر في نزول قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وحديث عقبة بن عامر: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم، كما في صحيح الجامع الصغير -8192)، فالراجح هنا أن يوم عرفة ملحق بأيام العيد والتشريق بالنسبة للحجاج جمعًا بين الأدلة.

صيام يوم عرفة

يوم عرفة أفضل أيام العام، وهو من الأيام العشرة من ذي الحجة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” صيام يوم عرفة، أحتسب على الله تعالى أن يكفر ذنوب سنتين “.

فهذا يوم فضله عظيم، وفضل الصيام فيه عظيم أيضًا.

ومعلوم أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.

فعلى المسلم أن ينوي صيام هذا اليوم على الأقل، إذا لم يستطع صيام الثمانية الأيام قبله، فلكل منا ذنوبه، ولكل منا سيئاته وغفلاته وهفواته، وهذه فرص متاحة للتطهر، ليبيض الإنسان صفحته أمام الله عز وجل.

فليسارع المسلم إلى صيام يوم عرفة.

وهذا لغير الحاج .. فالحاج لا يسن له صيام يوم عرفة ليكون قويًا على الدعاء والذكر والتضرع.

صيام عاشوراء وتاسوعاء

عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم، وتاسوعاء: هو اليوم التاسع منه، ويبدو من مجموع الأخبار أن صيام يوم عاشوراء كان معروفًا عند قريش في الجاهلية، ومعروفًا عند اليهود كذلك.

قالت عائشة: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان قال: “من شاء صامه، ومن شاء تركه” (متفق عليه).

وقال ابن عباس: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم (أي المدينة) فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: “ما هذا؟”، قالوا: هذا يوم صالح، نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال: “أنا أحق بموسى منكم” فصامه وأمر بصيامه (متفق عليه).

وقد فرض النبي صلى الله عليه وسلم صيامه في أول الأمر وألزم به، حتى بعث مناديه ينادي في الناس أن يلتزموا صومه من النهار، وإن كانوا قد أكلوا.

فلما فُرض رمضان نُسخت فرضيته، وبقي مُستحب الصيام فقط.

فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صوم يوم عرفة يُكفِّر سنتين: ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية” رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على تَمَيُّز الشخصية الإسلامية في كل شيء، وأن يكون للمسلمين استقلالهم عن غيرهم، حث على صيام اليوم التاسع، أي مع العاشر، ليتميز صيامهم عن صيام أهل الكتاب.

فعن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال: “فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع” قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم وأبو داود).

ولم يرد في شأن عاشوراء شيء غير الصيام، فما أحدثه بعض الناس من التزين والاغتسال، والاكتحال والتوسعة واتخاذه موسمًا أو عيدًا تذبح فيه الذبائح ويتوسع فيه الناس – كل هذا مما لا أصل له في دين الله، ولا يدل عليه دليل صحيح.

ويبدو أن هذا كان رد فعل لسلوك الشيعة الذين اتخذوه يوم حزن وحداد عام، وضرب للصدور، ولطم للخدود، وشق للجيوب، تذكيرًا بمأساة الشهيد المظلوم الحسين بن علي رضي الله عنهما.

وكلا الفريقين على خطأ، ولا تقاوم البدعة ببدعة، ولا يعالج الانحراف بانحراف آخر، وإنما برجوع الجميع إلى ما شرعه الله ورسوله.

يقول الإمام ابن القيم: (أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء، والتزين، والتوسعة والصلاة فيه، وغير ذلك من فضائل، لا يصح منها شيء، ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، غير أحاديث صيامه، وما عداها فباطل.

وأمثل ما فيها: “من وسَّع على عياله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته”، قال الإمام أحمد: لا يصح هذا الحديث.

وأما حديث الاكتحال، والإدهان والتطيب: فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة.

وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع) ا.هـ (المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ط. دار القلم، بيروت، تحقيق أبي غدة (ص 111-113).

وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع: فهل ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وشق الجيوب، هل لذلك أصل؟ أم لا؟.

فأجاب: (الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.

ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك..

ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء، ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجودي، ورد يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النار، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك.

ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم أنه: “من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة”. ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب، ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام -229/25،300).

وذكر شيخ الإسلام: (أن الحسين رضي الله عنه، لما قتل مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه، أوجب ذلك شرًا بين الناس.

فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية تظهر موالاته، وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية.

فعارض هؤلاء قومٌ، إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته. وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال وكالاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأتراح. وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة) (المصدر السابق -307/25-310).

الإكثار من الصوم في شعبان

يستحب الصيام في شهر شعبان، استعدادًا لرمضان، واقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.

فقد قالت عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله.

وفي لفظ: ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله.

وكذلك قالت أم سلمة: لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان، يصله برمضان.

ولكن روايات أخرى دلت على أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملاً إلا رمضان.

فلعل المراد بها: أنه لم يكن يواظب على صيام شهر كامل إلا رمضان، أما غيره فربما أتمه، وربما أفطر بعضه.

والسر في اهتمامه بصيام شعبان جاء في حديث رواه النسائي عن أسامة بن زيد: قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي، وأنا صائم” (رواه النسائي).

استحباب الصوم في شعبان

شهر شعبان كان من الشهور التي يحرص النبي – صلى الله عليه وسلم – على أن يصوم فيها أكثر من غيره من الشهور. روت عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يستكمل صيام شهر قط غير رمضان، على خلاف ما يفعل بعض الناس في بعض البلاد العربية، حيث يصومون ثلاثة أشهر: رجب، شعبان، ورمضان . والأيام الستة من شوال، التي يسمونها ” البيض “، يبدأ الصيام عندهم من أول رجب إلى السابع من شوال، ما عدا يوم العيد، الأول من شوال . وهذا لم يرد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا عن الصحابة ولا عن التابعين.

كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصوم من كل شهر، وتقول عائشة: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر . ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وأحيانًا يصوم الإثنين والخميس، وأحيانًا ثلاثة أيام من كل شهر، وخاصة الأيام البيض القمرية . وأحيانًا يصوم يومًا ويفطر يومًا، كما كان يفعل داود عليه السلام ” أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا “.

وكان عليه الصلاة والسلام أكثر ما يصوم في شهر شعبان، وكأن ذلك نوع من التهيؤ والاستعداد لاستقبال رمضان. أما أن يصوم أيامًا محددة، فلم يرد قط.

وفي الشرع لا يجوز تخصيص يوم معين بالصيام، أو ليلة معينة بالقيام دون سند شرعي .. إن هذا الأمر ليس من حق أحد أيًا كان وإنما هو من حق الشارع فحسب.

تخصيص الأوقات، أو تخصيص الأماكن بالعبادات، وتحديد الصور والكيفيات، هذا من شأن الشارع ومن حقه، وليس من شأن البشر. والله تعالى أعلم.

الصيام في الأشهر الحرم

الأشهر الحرم: هي الأربعة التي عظمها الله في القرآن، حين قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) (التوبة: 36).

وسميت حُرمًا: لأن القتال مُحرم فيها، فكما منع القتال في البلد الحرام منع في الشهر الحرام.

وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب (ثلاثة سرد وواحد فرد).

وقد ورد استحباب الصيام فيها، وبخاصة المُحرَّم.

ففي حديث مُجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق، فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حالته وهيئته، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني؟ قال: “ومن أنت؟”، قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: “فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة”، قال: ما أكلت طعامًا إلا بليل منذ فارقتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم عذبت نفسك؟” ثم قال: “صم شهر الصبر، ويومًا من كل شهر”، قال: زدني، فإن بي قوة، قال: “صم يومين”، قال: زدني، قال: “صم ثلاثة أيام”، قال: زدني، قال: “صم من الحُرم واترك، صم من الحُرُم واترك صم من الحُرم واترك”. وقال بأصابعه الثلاثة، فضمها ثم أرسلها )رواه أبو داود وسنده ضعيف

قال النووي – مُعقبًا على قوله: “صم واترك” -: (إنما أمره بالترك، لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم، كما ذكره في أول الحديث، فأما من لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة) (المجموع -287/6). أ هـ.

وسيأتي أن من الأئمة من كره إفراد صيام رجب كله بالصوم.

وأولى الأشهر الحرم بالصيام هو شهر المحرم، فقد صح في الحديث: “أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل” (رواه مسلم عن أبي هريرة

وأفضل أيامه تاسوعاء، وعاشوراء، وقد تقدم الحديث عنهما.

صيام رجب

الصيام في الأشهر الحرم مقبول ومستحب، على كل حال.

ولكن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام شهرًا كله، سوى رمضان . وكان أكثر ما يصوم في شهر شعبان، ولكن لم يكن يصومه كله، وهذه هي السنة النبوية في ذلك … فإنه كان يصوم ويفطر في سائر الشهور، وكما ورد ” كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم ” رواه البخاري ومسلم

فما يفعله بعض الناس من صيام رجب كله، كما كنا نرى ذلك في الأرياف من قبل، فقد رأيت بعض الناس يصوم رجب وشعبان ورمضان والأيام الستة من شوال، ويسمونها ” الأيام البيض ” وبعد ذلك يفطر، ويكون عيده في اليوم الثامن من شوال.. وتكون حصيلة صيامه هذه الشهور الثلاثة والأيام الستة متواصلة، لا يفطر إلا يوم العيد .

وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن السلف الصالح . فالأولى صيام أيام وإفطار أيام، لا التتابع في الصيام.

وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.

فمن أراد الاتباع، وأراد الثواب الكامل، فليتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصم رجب كله ولا شعبان كله . فهذا هو الأولى . وبالله التوفيق.

صيام ثلاثة أيام من كل شهر

ومن الصيام المستحب: صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

وذلك أن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها، فثلاثة أيام من الشهر، كأنها صيام الشهر كله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها، ويحض على صيامها.

ففي الصحيحين: عن أبي هريرة: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -418).

وروى عنه أبو ذر: “من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذاك صيام الدهر” فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (الأنعام: 160). اليوم بعشرة أيام (رواه الترمذي بإسناد قوي عن أبي ذر -762).

ولكن أي ثلاثة من الشهر يصوم؟.

قال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام .رواه أبو داود

وروى أبو ذر: “من كان منكم صائمًا من الشهر ثلاثة أيام فليصم الثلاثة البيض” رواه أحمد

وعنه: أنه أمر رجلاً بصيام ثلاث عشرة، وأربع عشرة وخمس عشرة .رواه ابن خزيمة

واختلاف هذه الأحاديث في تحديد هذه الأيام يدل على أن في الأمر سعة، فلكل مسلم أن يصوم من أول الشهر أو وسطه أو آخره ما هو أيسر عليه، وأليق بظروفه.

ولهذا صح عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يبالي من أي الشهر صامها .رواه مسلم

ومن ثم قال ابن القيم في الزاد: (ولا تناقض بين هذه الآثار) (زاد المعاد -65/2).

صيام الاثنين والخميس

ومن الأيام التي يستحب صيامها من كل أسبوع: صيام الاثنين والخميس، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيامهما، كما روت ذلك عائشة وأسامة بن زيد رضي الله عنهم رواه أحمد والترمذي من حديث عائشة. ورواه النسائي من حديث أسامة بن زيد

وقد سأله أسامة عن سر الحرص على صيامهما، فقال: “ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم) رواه أبو داود

وعروض الأعمال على الله في هذين اليومين ثابت في الصحيح، فقد روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: “تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا”.

أما يوم الاثنين خاصة فقد ورد فيه حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين، فقال: “ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت – أو أنزل عليّ – فيه” (رواه مسلم).

صيام يوم وإفطار يوم

على أن أفضل الصيام، وأحبه إلى الله تعالى، لمن يطيق ولا يشق عليه، وهو صيام يوم، وفطر يوم، وهو صيام نبي الله داود عليه السلام، وهو ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو، عندما وجد عنده قوة الرغبة في الخيرات، والحرص على الزيادة من الصالحات.

روى البخاري عنه أنه قال: أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل، ما عشت! فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي (في الكلام ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم سأله، فأجابه بذلك)، قال :”فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر”، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: “فصم يومًا، وأفطر يومين”، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: “فصم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام”، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا أفضل من ذلك”، وفي رواية: “لا صوم فوق صوم داود عليه السلام، شطر الدهر” (رواه البخاري في كتاب الصوم من طرق كثيرة، ورواه مسلم وغيره).

إتمام التطوع مستحب

ويستحب ممن شرع في صيام التطوع، ألا يخرج منه بلا عذر، وأن يكمله، ولا يبطله، فإن خرج منه بلا عذر، فقد كرهه جماعة من العلماء، وقال بعضهم، هو خلاف الأولى.

فأما إن خرج منه بعذر فليس فيه أدنى كراهة.

والعذر مثل أن يكون ضيفًا، أو مُضيفًا، ويشق على مضيفه أو ضيفه ألا يأكل معه، فيستحب أن يفطر لإكرامه.

وفي الصحيح: “وإن لزورك (أي زوارك) عليك حقًا”، “ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه” متفق عليهما.

بخلاف ما إذا كان المُضيف أو الضيف لا يشق عليه أن يصوم فالأولى أن يستمر على صومه.

ومهما يكن من العذر أو عدمه، فإن المتطوع أمير نفسه، فليس عليه حرج إن هو خرج مما نواه من نفل، لم يلزمه به، ولا ألزم به هو نفسه بالنذر.

روت عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: “هل عندكم شيء؟” قلنا: لا، قال: “فإني إذن صائم”، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أُهدِيَ لنا حيس! فقال “أرنيه، فلقد أصبحت صائمًا” فأكل (رواه مسلم).

وفي رواية: فأكل، ثم قال: “قد كنت أصبحت صائمًا” (رواه مسلم).

وعن أبي سعيد قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، فلما وُضِع، قال رجل: أنا صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: “دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر، فصم مكانه إن شئت” (رواه البيهقي بإسناد قال الحافظ عنه: حسن).

وفي حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل .. الحديث (رواه البخاري والترمذي وصححه).

ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أقر سلمان على موقفه ونصحه، وقال: صدق سلمان”، ولو كان قضاء هذا اليوم عليه واجبًا لبينه له، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ولكن يستحب قضاء التطوع الذي لم يتمه، أخذًا بعموم قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (محمد: 23) وعملاً ببعض الأحاديث الواردة الآمرة بالقضاء، وإن لم تبلغ درجة الصحة، فتحمل على الندب، وخروجًا من خلاف العلماء، فقد ذهب أبو حنيفة ومالك إلى وجوب القضاء.

وهذا الحكم مطرد في كل تطوع، من صلاة أو صدقة، إلا الحج والعمرة، فإنهما يلزمان بالشروع فيهما بالإجماع.

الصيام المكروه

صوم الدهر

يكره للإنسان العادي أن يصوم الدهر، فلا يفطر.

والمراد بصيام الدهر: سرد الصوم متتابعًا في جميع الأيام، إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان وأيام التشريق.

روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا صام من صام الأبد ولا صام من صام الأبد” (متفق عليه).

وعن أبي قتادة أن عمر قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: “لا صام ولا أفطر” رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟” فقلت: بلى يا رسول الله، قال: “فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله”، فشددت فشدد عليّ، قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: “فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه” قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: “نصف الدهر”، وكان عبد الله يقول بعد ما كَبِر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه البخاري ومسلم). وفي بعض روايات الحديث وقد سبقت صوم يوم وفطر يوم: أنه قال له عن صوم داود: “و هو أفضل الصيام”، وحين قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: “لا أفضل من ذلك”.

وعن أنس في حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالُّوها (أي اعتبروها قليلة) وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ .. الحديث، وفيه :أن أحدهم قال: وأنا أصوم الدهر فلا أفطر .. كان من إنكار النبي صلى الله عليه وسلم، عليهم أن قال: “أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر … فمن رغب عن سنتي فليس مني” (رواه البخاري).

وعن سلمان وأبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فوجد أم الدرداء (وهي زوجة أبي الدرداء) مُتَبَذِّلة! فقال: ما شأنك؟! فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في شيء من الدنيا .. الحديث. وفيه: أن سلمان قال لأبي الدرداء: إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا، فصم وأفطر، وقم ونم، وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه. فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “صدق سلمان” (رواه البخاري).

وكل هذه الأحاديث دالَّة بوضوح على كراهية صوم الدهر، بل ذهب ابن حزم إلى أنه يحرم.

ووجه الدلالة من الأحاديث: أنه دعا على من صام الأبد بقوله: (لا صام) وفي هذا تغليظ.

وأخبر أنه لم يصم، ولم يفطر، ومعناه: أنه لم يُحصِّل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر، لأنه أمسك.

وأنه أمر عبد الله بن عمرو أن يصوم ويفطر، وأخبره بأن صوم يوم وفطر يوم أفضل الصيام، وأحبه إلى الله، ومعناه: أن غير ذلك مفضول. وقال له: “لا أفضل من ذلك”، وقال: “لا تزد عليه”.

وأخبر عن هديه وسنته بأنه يصوم ويفطر، ومن رَغِبَ عن سنته فليس منه.

وأقر سلمان على ما نصح به لأبي الدرداء: أن يصوم ويفطر، حتى لا يفرط في الحقوق الأخرى.

والحق أن هذا يتفق مع منهج الإسلام في ضرورة الاعتدال بين حق الرب تعالى وحظ النفس، وإقامة التوازن بين الحقوق بعضها وبعض.

كما يتفق مع منهجه العام في الرفق بالمُكلَّفين، والتيسير عليهم، وتشريع الرخص لهم، والتزام صوم الدهر ينافي ذلك، فقد تأتي على الصائم أيام شديدة الحر، أو تطرأ عليه أعباء فتقضي أن يكون قويًا على القيام بها .. إلى غير ذلك. وفي الحديث: “إن الله يحب أن تؤتى رخصه”.

ومع وضوح هذه الدلائل صحَّ عن عدد من الصحابة والتابعين ورجال السلف أنهم كانوا يصومون الدهر.

منهم: أم المؤمنين عائشة، فقد روى عروة ابن أختها: أنها كانت تصوم الدهر في السفر والحضر.

ومنهم: أبو طلحة الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة وامرأته، وعدد من التابعين، حتى إن منهم من سرد الصوم أربعين سنة (انظر: المجموع للنووي -390/6).

ومن أجل هذا ذهب الجمهور إلى جواز صوم الدهر، بل إلى استحبابه، وحملوا النهي الوارد على من صام الدهر حقيقة بأن صام العيدين وأيام التشريق. وقد روي عن عائشة وتابعها عليه خلائق من العلماء (المجموع للنووي -390/6).

نقل ابن قدامة عن أحمد قال: (إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت ألا يكون بذلك بأس). قال: (وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي).

قال ابن قدامة: (والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرمًا، وإنما كره صوم الدهر، لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه)، وذكر حديث عبد الله بن عمرو (المغني مع الشرح الكبير -99/3).

وبعضهم حمل النهي على ما إذا خاف بمتابعة الصوم ضررًا، أو فوَّت به حقًا، فإن خاف ضررًا أو فوَّت حقًا كُرِهَ (المجموع (388/6،389).

والمفروض في هذه الحالة أن يحرم، لأن الإضرار بالنفس لا يجوز، وكذلك تضييع حقوق الآخرين لا يجوز. وهذا ما قالوه في صوم المرأة تطوعًا بغير إذن زوجها، لما فيه من تفويت حقه (انظر: المجموع أيضًا -392/6).

والحق هنا: أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه بلا ريب أنه كان يصوم ويفطر، ولم يداوم على صيام شهر كامل غير رمضان وحسبنا قوله في هذا المقام: “من رغب عن سنتي فليس مني”.

وأما من اجتهد من خيار السلف فصام الدهر، فهو اجتهاد منهم، نرجو ألا يحرموا من أجره إن شاء الله.

إفراد شهر رجب بالصوم

قد تقدم أن صوم الأشهر الحرم مستحب في الجملة ورجب منها.

ولكن رأي الإمام أحمد كراهية إفراد رجب بالصيام، ما لم يفطر فيه بعض الأيام.

وروي عن عمر: أنه كان يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية.

وعن ابن عمر: أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا.

وعن ابن عباس نحوه.

إفراد يوم الجمعة

ويكره إفراد يوم الجمعة بالصيام، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه مثل من يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فيوافق صومه يوم الجمعة، ومن عادته صوم أول يوم من الشهر، أو آخره، أو يوم نصفه، ونحو ذلك، فيوافق الجمعة.

وفي الحديث: “لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده” (متفق عليه).

وقال محمد بن عباد: سألت جابرًا: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم (متفق عليه).

وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: “أصمت أمس؟”، قالت: لا، قال: “أتريدين أن تصومي غدًا؟”، قالت: لا، قال: “فأفطري” (رواه البخاري).

وهذا يدل على أن المكروه إفراده بالصوم، لأن نهيه معلل بأنها لم تصم أمس، ولا تصوم غدًا. يؤكد هذا حديث أبي هريرة: “لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يوم يصومه أحدكم” (رواه الترمذي وحسنه).

وحكمة ذلك: أن يوم الجمعة هو العيد الأسبوعي للمسلمين، فَكُرِهَ الصوم فيه، تشبيهًا بالعيد الحقيقي.

وأيضًا: فيه سد لذريعة اعتقاد وجوب صيامه إذا خُصَّ به دُووِمَ عليه.

إفراد يوم السبت

وكُرِهَ كذلك إفراد يوم السبت بالصوم، كما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم” (رواه مسلم).

وروى ابن بسر أيضًا عن أخته الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لِحاء عنبة، أو عود شجرة، فليمضغه” (رواه أبو داود).

والمكروه إنما هو إفراده، فإن صام قبله أو بعده لم يكره، لما تقدم من حديث جويرية.

وإنما كره صوم يوم السبت، لأنه عيد اليهود الأسبوعي، وهو يوم يُعَظَّمُ عندهم، فقد يوهم الصيام فيه نوع موافقة لهم في تعظيمه.

الصوم بغير صلاة

من الغرائب، التي تحدث في حياة طائفة من المسلمين، أن تجد منهم من يحرص على صوم رمضان، ولكنه – للأسف – لا يحرص على أداء الصلاة.

فلرمضان هيبة وحرمة عظيمة في أنفس الناس، توارثوها خلفًا عن سلف فلا يجرؤ على انتهاكها إلا فاجر، يوشك ألا يكون له أي حظ من الإسلام.

ولا ريب أن الصلاة أعظم في ميزان الدين من الصيام، وهي العبادة الأولى وعمود الإسلام، والفيصل بين المسلم والكافر، ولكن الجهل والغفلة، وحب الدنيا، جعل بعض الناس يغفلون عن أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، حتى إن بعضهم ليعيش عمره ولا ينحني لله يومًا راكعًا!!.

وأصبحنا في كل رمضان نواجه هذا السؤال المتكرر: ما حكم من يصوم ولا يصلي؟.

أما من يقول: إن تارك الصلاة كافر، كما هو ظاهر بعض الأحاديث، وهو مروي عن عدد من الصحابة والفقهاء مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما – ففتواه واضحة في شأنه، فهو يرى أن صومه باطل، لأنه كافر بترك الصلاة، والصوم لا يُقبل من كافر.

وأما من يرى رأي جمهور الفقهاء من السلف والخلف: بأن تارك الصلاة فاسق، غير كافر، وأن الله لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يظلم مثقال ذرة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) (الزلزلة: 7،8) فهو يرى أنه مؤاخذ بترك الصلاة، مثاب على أداء الصيام، وأن عقابه على ترك فريضة، لا يلغي ثوابه على تأدية غيرها. والله تعالى يقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء: 47).

وإذا نظرنا من الناحية العملية والتربوية، فماذا يفيدنا أن نقول للصائم بغير صلاة صومك وعدمه سواء، ولا أجر لك عليه؟ فربما دفعه هذا إلى ترك الصوم كما ترك الصلاة وبهذا ينقطع آخر خيط كان يصله بالدين من الفرائض والعبادات، وربما ذهب بسبب هذا الموقف بعيدًا عن الدين إلى غير رجعة!.

وأولى من ذلك وأنفع، أن نقول له: جزاك الله خيرًا عن صومك، وعليك أن تكمل إسلامك، بما هو أعظم من الصوم، وهو الصلاة، لقد جعت وعطشت وحرمت لمرضاة الله، فما لك تتكاسل أن تصف قدميك مع المصلين، وتركع مع الراكعين، من أجل مرضاة الله؟!.

إن إبقاء هذا الخيط يربطه بالإسلام، ولو كل عام شهرًا، خير من قطعه إلى غير بدل، والعور خير من العمى على كل حال.

 نقلا عن كتاب تيسير فقه الصيام باختصار للشيخ يوسف القرضاوي 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر مشرف الموقع

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 338 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم