شرح الفوائد لابن القيم :(4) الرد على الفلاسفة في سورة ق

تاريخ الإضافة 27 ديسمبر, 2025 الزيارات : 67

(4)الرد على الفلاسفة في سورة ق

قال رحمه الله: وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي، ويشفي، ويغني عن كلام أهل الكلام، ومعقول أهل المعقول فإنها تضمنت تقرير المبدأ، والمعاد، والتوحيد، والنبوة، والإيمان بالملائكة، وانقسام الناس إلى هالك شقي، وفائز سعيد، وأوصاف هؤلاء، وهؤلاء، وتضمنت إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد كماله من النقائص، والعيوب، وذكر فيها القيامتين الصغرى، والكبرى، والعالمين الأكبر، وهو عالم الآخرة، والأصغر، وهو عالم الدنيا، وذكر فيها خلق الإنسان، ووفاته، وإعادته، وحاله عند وفاته، ويوم معاده ، وإحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه، وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها ، وأنه يوافيه يوم القيامة، ومعه سائق يسوقه إليه، وشاهد يشهد عليه فإذا أحضره السائق قال {هذا ما لدي عتيد} أي هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته فيقال عند إحضاره {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول: اذهبوا به إلى السجن، وعاقبوه بما يستحقه.

الشرح

هنا الإمام ابن القيم سيلقي نظرة عامة لأهم الموضوعات التي تناولتها سورة ق.

وليس هناك أدل على ذلك من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في العيدين ويرتلها على المنبر يوم الجمعة.

فقد ورد أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر)[1]

وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: (ما حفظت ق، إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة) [2]

قال ابن كثير رحمه الله:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب “[3]

يقول ابن القيم: وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي ويغني عن كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول.

يعني أن سورة ق اشتملت على أعظم قواعد الإيمان، بحيث تكفي المسلم في تقرير العقائد الصحيحة، وتغنيه عن الخوض في الجدل الكلامي والبراهين الفلسفية التي سلكها المتكلمون، ففيها ما يكفي المؤمن في تحقيق معرفة العقيدة الصحيحة دون حاجة إلى تتبّع كلام المتكلمين.

وفيها ما يشفي القلوب من الشبهات والاضطراب؛ لأن آياتها تأتي بعبارات واضحة، وأدلة قاطعة، وصور مؤثرة توقظ القلب وتثبّت اليقين، فهي شافية في باب الإيمان بياناً ودلالة وبرهاناً.

قوله: (عن كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول)

مراده: أن ما في هذه السورة من الحقائق والأدلة الواضحة البينة ما يغني تمامًا عن الدخول في طرق المتكلمين المعقّدة، وعن استعمال الفلسفة العقلية التي اشتغل بها بعض المتكلمين، والتي قد يكون فيها تعقيد أو انحراف أو قلة أثر في إصلاح القلب.

ليس المقصود ذم العقل، بل ذم تكلّفات الفلاسفة والمتكلمين التي بُنيت على مقدمات كلامية وفلسفية بعيدة عن أسلوب القرآن.

(أهل الكلام) ويقصد بهم: المتخصصون في علم الكلام، وهو منهج في تقرير العقيدة يقوم على الاستدلال العقلي والمنطقي، وعلى قواعد جدلية مأخوذة من الفلسفة اليونانية، وقد ظهر هذا العلم في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، وازدهر في القرون اللاحقة.
فأهل الكلام: هم العلماء الذين اشتغلوا بإثبات العقائد والردّ على الخصوم عن طريق الحجج العقلية والمقدمات المنطقية، أكثر من اعتمادهم على نصوص الكتاب والسنة بطريقة السلف، وسمّوا “متكلّمين” لأن طريقتهم تعتمد على الجدل والمناظرات،

ومن أشهر الفرق التي برزت في علم الكلام المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية.

وأهل المعقول عند ابن القيم هم: الفلاسفة وأصحاب الفكر العقلي المحض الذين اعتمدوا في بناء تصوّراتهم العقدية والكونية على المنطق والفلسفة اليونانية، أكثر من اعتمادهم على نصوص الوحي، فهم يعتمدون على العقل الفلسفي الخالص المستند إلى أرسطو والأفلاطونية وغيرها، مثل: الفارابي (ت 339هـ) وابن سينا (ت 428هـ)، وابن رشد الفيلسوف (ت 595هـ)

يقول: فإنها تضمنت تقرير المبدأ، والمعاد
أي: أصلان عظيمان من أصول العقيدة:
المبدأ: بدء الخلق وخلق الإنسان، وأن الله خالق كل شيء.
المعاد: الرجوع إلى الله يوم القيامة، وإحياء الخلق بعد موتهم للحساب.

وسورة ق مليئة بالآيات التي تبين هذين الأصلين.

(والتوحيد، والنبوة، والإيمان بالملائكة)
واشتملت السورة أيضا على:
توحيد الله: بذكر أفعاله، وعلمه، وربوبيته، وقدرته، وإحاطته.
النبوة: بذكر تكذيب الأمم للرسل، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه.
الإيمان بالملائكة: بذكر الملَكين الكاتبَيْن، والسائق، والشهيد.

(وانقسام الناس إلى هالك شقي، وفائز سعيد، وأوصاف هؤلاء، وهؤلاء)
السورة ذكرت الفريقين:
الكفار المعاندين: وما يلقونه من الوعيد.
المتقين: وما أعد لهم من الكرامة وخاصة عند قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31] وذكرت صفات كل فريق وعواقب أعماله.

(وتضمنت إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عما يضاد كماله من النقائص والعيوب)
في السورة آيات كثيرة تثبت صفات الله: مثل القدرة على البعث والنشور: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 15]، والعلم المحيط: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]، وفيها تنزيه لله عن العجز والنقص.

عندنا أجهزة الأمن والمخابرات مثلًا في العالم كله تحاول أن تستكشف الجريمة قبل وقوعها، لكن من خلال رصد ومراقبة ما تكلم به الناس، لكنها لن تستطيع أن تصل إلى إدراك ما بداخل صدور الناس، ولله المثل الأعلى: علم الله جل وعلا محيط لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم ما توسوس به نفسك-سبحانه جل شأنه-

وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى
القيامة الصغرى: هي الموت؛ وقد ذكرت في قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19]

القيامة الكبرى: هي يوم البعث والحساب؛ وقد ذكرت في قوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: 20] وما بعدها.

والعالمين الأكبر، وهو عالم الآخرة، والأصغر، وهو عالم الدنيا
ذكرت السورة:
– الدنيا: الزرع والنبات، وتقلب الأجيال، ومصارع الأمم.
– والآخرة: البعث، العرض، الحساب، الجنة والنار.

وذكر فيها خلق الإنسان، ووفاته، وإعادته، وحاله عند وفاته، ويوم معاده
سورة ق تعرض دورة الإنسان الكاملة: الخلق الأول، الموت وسكراته، البعث، الحساب، الجزاء.

وإحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه
الله محيط بالإنسان علماً وقدرة، يعلم وساوسه وخواطره: (ونعلم ما توسوس به نفسه) وهذا إثبات لكمال علمه.

وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها
أي الملائكة الكَتَبَة يكتبون كل عمل، وكل كلمة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] وهذا وصف لكل من الملكين وليس اسما لهما؛ يعني ملك يراقب وعتيد يعني حاضر، فملك اليمين رقيب عتيد، وملك الشمال رقيب عتيد، يُحصون عليه كل لفظة يتكلم بها.

وأنه يوافيه يوم القيامة، ومعه سائق يسوقه إليه، وشاهد يشهد عليه
هذان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21]
السائق: يدفعه إلى الموقف. الشهيد: يشهد على عمله.

فإذا أحضره السائق قال: {هذا ما لدي عتيد} أي هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته.
الملَك السائق يقول عند حضور العبد بين يدي الله: هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته.

فيقال عند إحضاره: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد}
هذا يقال للسائق والشهيد أو للملَكين عمومًا: خذوه وألقوه في جهنم.

(كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته، فيقول: اذهبوا به إلى السجن، وعاقبوه بما يستحقه)

هذا تشبيه من ابن القيم ليفهم السامع: عندما يأمر السلطان أو القاضي يأمر الشرطة بالقبض على الجاني وإحضاره لينال عقابه، والله سبحانه وتعالى يقيم هذه المحكمة أو هذا الفصل وهذا القضاء لإقامة عدله، ليري العباد عدله، والله قادر أنه يفصل بين الخلائق بدون محاكمة وبدون شهود وبدون إنطاق أي شيء، لكن لإقامة عدله وليشهد العباد عدله يوم القيامة يقف المؤمن والكافر، الظالم والمظلوم، الذي له الحق والذي عليه، يوقفون بين يدي الله أحكم الحاكمين، ويقيم الله تعالى بينهم عدله، وهو سبحانه لن يظلم أحدًا مثقال ذرة.

يقول ابن القيم: وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي كفرت بعينها لا أنه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم أن الله سبحانه يخلق بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من أعراض البدن[4] فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالى وهذا في الحقيقة إنكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها كيف وهم يشهدون النوع الإنساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق الله سبحانه أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عيانا وإنما تعجبوا من عودهم بأعيانهم بعد أن مزقهم البلى وصاروا عظاما ورفاتا فتعجبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا {قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} وقالوا {ذلك رجع بعيد} 

ولو كان الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه لم يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم يكن لقوله {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} كبير معنى فإنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو أنه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأنه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا، وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:

 أحدها اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص.

الثاني أن القدرة لا تتعلق بذلك.

الثالث أن ذلك أمر لا فائدة فيه أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء هكذا أبدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك.

شرح الفائدة

بعض الفلاسفة زمن ابن القيم كانوا يقولون: إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعيد الأرواح لكن ليس لنفس الأجساد، بل سيعيدها لأجساد أخرى، ويخلق روحاً جديدة، لأن الروح عندهم عرض من أعراض البدن؛ ثم يجعل العذاب والنعيم لذلك البدن الجديد والروح الجديدة، يعني نفوا البعث نهائيًا.

 فأراد ابن القيم أن يثبت المعاد الجسماني كما جاءت بها نصوص القرآن والسنة: أن الجسد نفسه الذي أطاع أو عصى في الدنيا سيُعاد بعينه، وأن الروح نفسها التي آمنت أو كفرت هي التي تُنعم أو تُعذَّب، فليس في المعاد استبدال روحٍ بأخرى، ولا استبدال جسدٍ بآخر، بل هو إعادة نفس الأعيان بعد أن كانت تراباً وعظاماً، وهذا كائن بقدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون.

لماذا يعدّ هذا القول إلغاءً للمعاد؟

يفصّل ابن القيم هنا:

  1. الكفار لا ينكرون قدرة الله على خلق أبدان جديدة؛ فهم يرون البشر يتكاثرون ويُخلقون باستمرار، فلو كان البعث مجرد خلق جسد آخر، لما كان مستغرباً ولا موضع إنكار.
  2. الذي أنكروه هو عودتهم هم أنفسهم بأعيانهم بعد أن صاروا تراباً وعظاماً.
    ولهذا قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] فهم يتعجبون من الرجوع بالأعيان، لا من خلق جسم جديد.

إذن من قال إن المعاد عبارة عن خلق أجساد جديدة لم يقل بالبعث الذي جاءت به الرسل، بل وافق الكفار في حقيقة إنكارهم.

يقول: ولو كان الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه لم يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم يكن لقوله {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} كبير معنى فإنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو أنه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأنه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا.

ابن القيم يوضح أن قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: 4] ردٌّ إلهيّ مباشر على شبهة الكفار، فكأن الكفار يقولون: كيف يعود الجسد بعد أن تمزق واختلط بالأرض وصار تراباً؟

فجاء الجواب الإلهي: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي نعلم تماماً ماذا أخذت الأرض من أجسادهم: من لحوم، وعظام، وأشعار، ودماء، وأجزاء دقيقة لا تُرى، فرب العزة علمه مُحيط بكل ذرة أخذتها الأرض من هذا الجسد، لأنه يتحلل، فإذا كان علمه مُحيط بكل شيء، أفلا يقدر سبحانه على إعادتهم وإلى إعادتهم الخلق مرة أخرى؟

ومعنى ذلك:

  1. أن الله لا يخفى عليه شيء من أجزاء الجسد وإن تفرقت.
  2. وأنه قادر على جمعها كلها وإعادتها كما كانت.
  3. وأن الإعادة تكون لهذه الأجزاء نفسها التي كانت في الدنيا.

ولذلك قال ابن القيم: كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقاً جديداً، أي يجمعها ويعيد تشكيلها كما كانت، ليعود الإنسان هو نفسه بأعضائه وأجزائه وروحه التي عاش بها في الدنيا.

ولو كان الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه كما زعموا، لم يكن ذلك بعثًا ولا رجعًا؛ فهو بعث يعني أن هذا الجسد الذي تحلل وتفتت سيعود مرة أخرى فيُسمى بعثًا ورجْعًا، يعني إرجاعًا للأجساد مرة أخرى.

ويلخّص ابن القيم الفرق: الفرق بين “الإعادة” و”الابتداء”

  • الإعادة: أن يعود الشيء هو نفسه بعد أن فُني وتفرّق.
  • الابتداء: أن يُخلق شيء جديد لم يكن موجوداً من قبل.

والمعاد الذي أخبرت به الرسل هو الإعادة وليس الابتداء، فلو كان يوم القيامة مجرد خلق روح جديدة وجسد جديد، لما سُمي بعثاً ولا رجعاً، بل هو خلق مبتدأ جديد.

إذن ابن القيم يقرر أن المعاد (البعث) حقيقي، جسماني، عينيّ، للأبدان والأنفس نفسها، ويبطل قول الذين يجعلون البعث خلقاً جديداً لا رجوعاً للأعيان، ويبين أن هذا في الحقيقة موافقة لإنكار الكفار للبعث.

لأن هذا الجسد هذه اليد هي التي أطاعت وهي التي عصت، وهذه العين هي التي أطاعت وهي التي عصت؛ فكما أطاعت هذه الجوارح ربها ينعمها، والأخرى التي عصت ربها يعاقبها؛ فكيف يخلق ربنا جسد آخر يُنَعِّم أو يُعَذِّب وهو لم يُطِع ولم يَعْصِ؟

يقول ابن القيم : وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:

أحدها اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص.

 الثاني أن القدرة لا تتعلق بذلك.

الثالث أن ذلك أمر لا فائدة فيه أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء هكذا أبدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك.

هذا المقطع يبيّن طريقة إقامة الدليل على المعاد عند ابن القيم:

 فالله سبحانه يثبت وقوع البعث والجزاء بذكر: كمال العلم وكمال القدرة وكمال الحكمة.

 كمال علمه: الله عالمٌ بكل جزء من أجزاء الخلق، بما في ذلك الأجزاء الدقيقة التي اختلطت بالأرض، فلو أراد إعادة الأعيان فمعرفة هذه الأجزاء عنده متاحة بلا شك.

كمال قدرته: العلم وحده لا يكفي مالم يكن هناك قدرة على التحقيق، فالله قادر على إعادة ما تفرّق وتغيّر.

كمال حكمته: حتى لو قيل: “لو كان الله قادراً وعالماً فلماذا يعيد بهذه الصورة؟” فالإجابة: الحكمة الإلهية تقتضي مشروعية الجزاء، وتحقيق الجزاء العادل للأفراد بناء على أعمالهم وهو ما لا يتحقق إلا بإعادة الأعيان ذاتها أو بما يوافق العدل الإلهي.

عرض ابن القيم اعتراضات المكذبين في ثلاث نقاط أساسية:

  • اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض بحيث لا يتميّز الشخص عن الآخر

ما يقصده المعترض: أَّن أجزاء وذرات الموتى ستختلط بالتراب بفعل التحلل، وبالتالي لن تتميَّز، ولن يُعرَف شخص من آخر، فقد تكون بعض المقابر جماعية مثلًا، فتكون جثة فلان مع جثة فلان، وكلها تتحلّل، فكيف نميّز بينهم؟

والجواب أن هذا قياس خاطئ لأنه قاس علم الله المحيط بعلم الإنسان المحدود فهذا بالنسبة لله ليس مستحيلًا، بل هو ممكن.

 ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يقيسون المسائل المتعلّقة بقدرة الله بقدرتهم هم!! من أنت؟  أنت إنسان ضعيف محدود العقل محدود الإرادة.

وللتوضيح: لو جئنا بطفل رضيع وقلنا له: احمل هذه الطاولة، لكان هذا هزلًا، فالرضيع لا يقف ولا يمشي، وإنما يحبو على يديه ورجليه، فكيف يقال له: احمل الطاولة؟ هذا محال بالنسبة لقدرة طفل رضيع.

 أما إذا قلت لرجل بالغ: احمل الطاولة، فهذا أمر عادي داخل في حدود قدرته، فالشيء يُقاس بمدى قدرة الإنسان عليه حسب قوته واستطاعته.

فأنا عندما آمر ابني بفعل، أعلم أنه قادر عليه، أما إذا أمرته بما يعجز عنه فهذا عبث.

فإذا نُسب الأمر إلى قدرة الله، فهل هو قادر أم لا؟

نعم، قادر جل جلاله.

 هل علمه محيط؟ نعم، بكل شيء محيط؛ حتى الأجزاء التي تحلّلت واختلطت بالتراب، فهو سبحانه قادر على إعادتها، فالله يعلم ما نقصت به الأرض من كل جسم، ويعلم خصوصيات كل فرد، لأن العلم الإلهي شامل، والقدرة على جمع الأجزاء المتفرّقة وإعادة ترتيبها متحقّقة.

فقولهم: إن اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتَميَّز كلام باطل.

  • أن القدرة لا تتعلق بذلك (أي: أن القدرة الإلهية لا تتعلق بإعادة الأعيان)

الشبهة الثانية: قالوا إن القدرة لا تتعلّق بما هو مستحيل؛ وهذا المستحيل عندهم فقط في عقولهم؛ فالإنسان إذا مات لا يمكن أن يعود إلى الحياة، لكن في باب الإيمان، فالقضايا العقدية كلها من الغيب، وأنت توقن وتؤمن بأن الله قادر على ذلك.

ولدينا قصة إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى  قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260] فقد أراد إبراهيم، كما قال العلماء، أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فأراد أن يشاهد الأمر بعينه، فقال له الله تعالى: خُذ أربعة من الطير من أنواع مختلفة، ثم اذبحها وامزج لحمها ودمها وريشها بعضها ببعض حتى تختلط تمامًا، ثم اجعل على كل جبل جزءًا منها، مع وجود مسافات وتباعد بين الجبال، ثم ادعهن، نادي عليها بأسمائها يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وهذا كله بقدرة الله عز وجل. [5]

  • القول بأن البعث لا حكمة فيه أو أن الحكمة اقتضت استمرار النوع عبر الأجيال بدل بعث جميع الأفراد دفعة واحدة.

الشبهة الثالثة قالوا فيها: إن البعث لا فائدة فيه، أو أن الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني يتعاقب شيئًا بعد شيء إلى الأبد؛ كلما مات جيل خَلَفه جيل آخر، فأما أن يُميت الله النوع الإنساني كله ثم يحييه جميعًا، فلا حكمة في ذلك.

 فنقول لهم: كلا ليس الأمر كما تتوهمون بل فيه حكمة عظيمة، وهي إظهار قدرة الله عز وجل، وقدرته سبحانه وتعالى لا يعجزها شيء.

والآن – مع الفارق طبعًا ولله المثل الأعلى – أقرّب لكم الفكرة: الشركات الكبرى التي أحدثت طفرة في عالم الإلكترونيات، إذا أمسك أحدهم هاتفًا معينًا قال: إن إمكانياته كذا وكذا… من الذي صنع هذا؟ شركة سامسونج أو آبل مثلًا.

فهل يستطيعون صناعة أقلام؟ نعم، بلا شك. فمن صنع هاتفًا معقدًا يصنع قلمًا من باب أولى. وكذلك شركة بومبارديه الشهيرة بكندا المعروفة بصناعة الطائرات؛ فهل يمكنها تصنيع دراجات للأطفال أو سيارات؟ نعم. فالقادر على الأعظم قادر على ما دونه.

وأنت تتحدث عن المنطق والعقل، فإذا كان الله قادرًا على أن يخلق من العدم، من لا شيء، فهل يعجز عن أن يعيد الناس من قبورهم؟ أهو قادر أم غير قادر؟ بل هو قادر سبحانه وتعالى. وقد قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27] وليس عند الله تعالى سهل وصعب، ولكن هذا التعبير لبيان الأمر وتقريبه إلى عقولنا القاصرة.

فإذا جئت بنجّار وقلت له: اصنع لنا منبرا، فلن يصنعه من الهواء، بل سيقول: أحضروا لي خشب من نوع كذا، وبمقاسات معينة، ومسامير وأدوات… فهو يصنع من مادة موجودة.

أما الله عز وجل فخلقنا من العدم، من لا شيء، فالذي خلق الخلق ابتداءً من غير مادة، أليس بقادر على أن يحيي الموتى؟ سبحانه وتعالى.

فإعادة الخلق من الناحية العقلية أيسر وأهون من ابتدائه من العدم.


[1] رواه مسلم (891)

[2] رواه مسلم (873)

[3] تفسير ابن كثير” (7/ 367).

[4] العَرَض المقصود أن هذا شيء عارض، يعني الروح شيء عارض وستزول، والجسد شيء عارض وسيزول، فالله سبحانه وتعالى سينشئ جسدًا آخر وروحًا أخرى ويبعث الناس على هذا الأساس- في زعمهم-

[5] مثال للتوضيح: أنت تعلم أن هناك شيئًا اسمه الكعبة؟ نعم، عندك علم يقين، فنحن نستقبلها في صلواتنا؛ لكن هل رأيتها؟ كلا، فإذا سافرتَ ورأيتها بعينيك في الحج أو العمرة صار ذلك عين يقين، فنحن جميعًا نؤمن بالبعث والنشور، وهذا هو علم اليقين، لكننا لم نره، فلا يكون عين يقين.

 

Visited 66 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع