(10)مع قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ…﴾

يقول ابن القيم رحمه الله: ثمَّ خوَّفهم بِأَن يصيبهم من الْهَلَاك مَا أصَاب من قبلهم وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَشد مِنْهُم بطشا وَلم يدْفع عَنْهُم الْهَلَاك شدّة بطشهم وَلَهُم عِنْد الْهَلَاك تقلّبوا وطافوا فِي الْبِلَاد وَهل يَجدونَ محيصا ومنجى من عَذَاب الله قَالَ قَتَادَة حَاص أَعدَاء الله فوجدوا أَمر الله لَهُم مدْركا وَقَالَ الزّجاج[1] : طوّفوا وفتشوا فَلم يرو محيصا من الْمَوْت وَحَقِيقَة ذَلِك أَنهم طلبُوا الْمَهْرَب من الْمَوْت فَلم يجدوه.
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن فِي هَذَا الذي ذكر ذكرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
ثمَّ أخبر أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي ستّة أيّام وَلم يمسهُ من تَعب وَلَا إعياء تَكْذِيب لأعدائه من الْيَهُود حَيْثُ قَالُوا أَنه استراح فِي الْيَوْم السَّابِع.
ثمَّ أَمر نبيه بالتأسي بِهِ سُبْحَانَهُ فِي الصَّبْر على مَا يَقُول أعداؤه فِيهِ كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ صَبر على قَول الْيَهُود أَنه استراح وَلَا أحد أَصْبِر على أَذَى يسمعهُ مِنْهُ ثمَّ أمره بِمَا يَسْتَعِين بِهِ على الصَّبْر وَهُوَ التَّسْبِيح بِحَمْد ربه قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وبالليل وأدبار السُّجُود فَقيل هُوَ الْوتر وَقيل الركعتان بعد الْمغرب وَالْأول قَول ابْن عَبَّاس وَالثَّانِي قَول عمر وَعلي وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس وَعَن ابْن عَبَّاس رِوَايَة ثَالِثَة أَنه التَّسْبِيح بِاللِّسَانِ أدبار الصَّلَاة المكتوبات.
ثمَّ ختم السُّورَة بِذكر الْمعَاد ونداء الْمُنَادِي بِرُجُوع الْأَرْوَاح إِلَى أجسادها للحشر وَأخْبر أَن هَذَا النداء من مَكَان قريب يسمعهُ كل أحد يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَق
بِالْبَعْثِ ولقاء الله يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ كَمَا تشقق عَن النَّبَات فَيخْرجُونَ سرَاعًا من غير مهلة وَلَا بطء ذَلِك حشر يسير عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ.
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه عَالم بِمَا يَقُول أعداؤه وَذَلِكَ يتضمّن مجازاته لَهُم بقَوْلهمْ إِذْ لم يخف عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يذكر علمه وَقدرته لتحقيق الْجَزَاء.
ثمَّ أخبرهُ أَنه لَيْسَ بمسلط عَلَيْهِم وَلَا قهّار وَلم يبْعَث ليجبرهم على الْإِسْلَام ويكرههم عَلَيْهِ وَأمره أَن يذكر بِكَلَامِهِ من يخَاف وعيده فَهُوَ الَّذِي ينْتَفع بالتذكير وَأما من لَا يُؤمن بلقائه وَلَا يخَاف وعيده وَلَا يَرْجُو ثَوَابه فَلَا ينْتَفع بالتذكير.
الشرح
هذه هي الخاطرة الأخيرة من خواطر الإمام ابن القيم رحمه الله حول سورة “ق”.
يشير هنا إلى قوله تعالى ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق: 36]
و(كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، أي كثيراً ما أهلكنا قبل قومك قريش.
(مِّن قَرْنٍ) هم الجماعة الذين عاشوا في زمن محدود، وقدَّروه بمائة عام
غالبا.
( هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً )البطش: السطوة والأخذ بشدة. أى: أهلكنا كثيرا من القرون الماضية التي كذبت رسلها، كقوم نوح وعاد وثمود، وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر جمعا، وما دام الأمر كما ذكرنا لك، فلا تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين لك، فنحن في قدرتنا أن ندمرهم تدميرا.
والضمير في قوله تعالى: ( فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ) يعود إلى أهل تلك القرون المهلكة الماضية، والتنقيب: السير في الأرض، والطواف فيها، والبحث بين أرجائها، يقال: نقب فلان في الأرض، إذا ذهب فيها وأصل النَّقْب: الخرق والدخول في الشيء، ومنه قولهم: نقب فلان الجدار، إذا أحدث فيه خرقا، والمراد به هنا: السير في الأرض، والتفتيش فيها..
قوله: (هَلْ مِن مَّحِيصٍ) المحيص: المهرَب أو الملجأ، أى: أن هؤلاء المكذبين السابقين، كانوا أشد من مشركي قريش قوة وأكثر جميعا، وكانوا أكثر ضربا في الأرض وسيرا فيها فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب والفرار، فلم يجدوا مكانا يهربون فيه، بل نزل بهم عذابنا فدمرناهم تدميرا، فعليكم – أيها المشركون – أن تعتبروا بهم، حتى لا يصيبكم ما أصابهم.
وهذه الآية وردت لتسلية الرسول والتخفيف عنه لما يلاقيه من عنت قومه وعنادهم، كأنه تعالى يقول لنبيه: لا تحزن يا محمد وخُذْ أسوة بإخوانك من الرسل السابقين، فلن يعجز الله سبحانه جل وعلا هؤلاء المشركين الذين كفروا بك وبالقران المنزل عليك.
القلب الحي وحسن الاستماع
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]
(إن في ذلك) أي فيما ذكرنا في هذه السورة أو في القرآن كله (لذكرى)؛ والذكرى موضع عظة وعبرة.
ومعنى ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي قلب حي؛ لأن هناك قلب لكنه ميت. والفرق بينهما أن القلب الحي هو الذي تؤثر فيه المواعظ، وتؤثر فيه الكلمات، وتتنزل آيات الله عليه فيخشع ويخضع، أما القلب الميت فهو كالأرض البور حين ينزل عليها المطر لا يفيدها بشيء، بخلاف الأرض الخصبة الصالحة التي تنبت وتأتي بالخير.
ومعنى ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي أصغى بسمعه، وصار منتبهاً لكل ما يتلى من آيات الله عز وجل.
و(هو شهيد) أي حاضر القلب، لم يغب ذهنه عما يتلى من آيات الله، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب.
خلق السماوات وتكذيب اليهود
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه تعب ولا إعياء، تكذيباً لليهود حيث قالوا إنه استراح في اليوم السابع، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]
يزعم اليهود -وهذا موجود في التوراة المحرفة أن الله تعالى انتهى من خلق الخلق يوم الجمعة، ثم استراح يوم السبت ووضع قدماً على الأخرى (حاشاه سبحانه). وكلمة “السبت” من الثبات وهو عدم الحركة، فالله جل جلاله لم يعي بخلق السماوات والأرض، وما أصابه تعب ولا إعياء، ولا أراد أن يستريح، فهو منزه عن ذلك، وقد خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، والراجح من كلام العلماء أنها ليست كأيام الدنيا، والله قادر أن يخلقها في لحظة، ولكن لحكمة الترتيب؛ فلا يعقل خلق البحار قبل الأرض، ولا الشجر قبل الأرض، فالكون مرتب ومحكم.
الأمر بالصبر والتسبيح
ثم أمره نبيه بالتأسي به سبحانه وتعالى في الصبر على ما يقول أعداؤه فيه، كما أنه سبحانه صبر على قول اليهود إنه استراح: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 39-40]
يقول الله لنبيه: يا محمد، إن كانوا قالوا عنك مجنون وساحر، فاصبر، فإنهم قالوا عن الله إنه تعب واستراح، فلا يحزنك قولهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.
ثم أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ربه:
- قبل طلوع الشمس: بعد صلاه الفجر (أذكار الصباح).
- قبل الغروب: بعد صلاة العصر (أذكار المساء).
- من الليل: وهذا يشمل كل الليل.
- أدبار السجود: أى: وفى أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه – عز وجل – وتقديسه.
وذكر ابن القيم أقوالا منها: قال ابن عباس: هو الوتر، وقيل: الركعتان بعد المغرب (قول عمر وعلي وأبو هريرة)، والرواية الثالثة عن ابن عباس: التسبيح باللسان أدبار الصلوات المكتوبات، وهذا هو الراجح، بدليل الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: «جاء فقراءُ المهاجرين إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالوا: ذهب أهلُ الدُّثورِ بالأجورِ، يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصومُ، ولهم فضولُ أموالٍ يتصدَّقون بها ولا نتصدَّقُ، ويعتقون ولا نعتقُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: ألا أعلِّمُكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثلَ ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرةً (وفي رواية مسلم تكملة المئة: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ).[2]
مشهد البعث:
ثم ختم السورة بذكر المعاد، ومشهد البعث في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: 41-42]
المنادي هو إسرافيل عليه السلام، ينفخ في الصور نفخة واحدة، وهي صيحة الحق لأنها يوم البعث ولقاء الله.
والنداء من مكان قريب يسمعه الجميع، فيفزع الناس جميعاً إيذاناً ببداية يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 43-44]
أى: إنا بقدرتنا وإرادتنا نحيى ونميت من نشاء إحياءه أو إماتته، وإلينا وحدنا مرجع العباد ومصيرهم.
وأصل (تشقق): (تتشقق)، حذفت التاء الأولى تخفيفاً، فتخرج الأجساد سراعاً كالنبات، وهذا حشر يسير على الله.
ثم أخبر سبحانه أنه عالم بما يقول أعداؤه، وذلك في قوله تعالى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]
أي: لا يخفى علينا كلامهم، وليس عندك سلطان لتقهرهم على الإيمان، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، فلا إكراه في الدين، ولو أراد الله لأخضع الناس جميعاً بآية، كما يخضعهم البرد لتغطية أجسادهم. فليس من حق أحد أن يحاسب أحداً على معتقده في الدنيا، إنما الحساب والجزاء عند الله يوم القيامة.
يقول ابن القيم: “ثم أخبره أنه ليس بمسلط عليهم ولا قهار، ولم يبعث ليجبرهم على الإسلام ويكرههم عليه، وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو الذي ينتفع بالتذكير، فمن يخاف وعيد الله ويرجو ثوابه هو الذي ينتفع.
نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه وأن يجعلنا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
[1] الإمام الزجّاج هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق، أحد كبار أئمة النحو واللغة والتفسير في القرن الثالث الهجري، وُلِدَ نحو سنة 241 هـ وتوفي سنة 311 هـ تقريبًا، وعاش في بغداد في زمن ازدهار العلوم، ولقِّب بالزجّاج لأنه كان يعمل بالزجاج في صغره ثم انصرف إلى طلب العلم حتى صار من أئمته، وهو من أعلام المدرسة البصرية في النحو، أخذ العلم عن المبرِّد وتأثر بمنهج سيبويه، وبرع في النحو واللغة والقراءات وتفسير القرآن، واشتهر بدقة الفهم وقوة الاستدلال وربط الإعراب بالمعنى، ومن أشهر تلاميذه أبو علي الفارسي، وأشهر كتبه كتاب معاني القرآن الذي يُعد من أعظم كتب التفسير اللغوي حيث يفسر الآيات من جهة اللغة والنحو والإعراب مع تعظيم النص الشرعي والبعد عن التكلف، وكان سني المعتقد حسن المنهج، وقد أثنى عليه العلماء وعدّوه مرجعًا في العربية وفهم القرآن.
[2] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأذان باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم 843) ومسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الذكر بعد الصلاة حديث رقم 595)