2- قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد) [ق: 1-5]

القرآن المجيد وحقيقة البعث
قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: 1-5]
لما بعث اللهُ رسولَه ﷺ، عمد المشركون إلى إثارة شبهتين بالغتي الخبث، أرادوا بهما الطعن في أصل الرسالة ونقض ما جاء به النبي ﷺ؛ حتى إذا نُفيت رسالته من عند الله، سقط في زعمهم وجوب الإيمان بالقرآن وما تضمَّنه من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، كما يسقط التصديق بما أخبر به من البعث والحساب والجزاء.
الشبهة الأولى: شبهة إنكار الوحي:
ومعنى إنكارهم للوحي: زعمهم أن هذا القرآن ليس كلام الله تعالى، وإنما هو كلام بشر؛ ليترتب على ذلك ـ في زعمهم ـ أنه لا يلزمهم اتباعه، وأن لهم أن يقبلوا منه ما شاءوا ويردوا ما شاءوا.
ولهذا حاولوا إلحاق القرآن بأجناس كلام البشر التي يعرفونها؛ فقالوا تارة: إن محمدا ﷺ شاعر، وإن ما جاء به شعر لما رأوا فيه من قوة البيان وجمال الأسلوب وعظيم التأثير، فلما كان القرآن مباينا لأوزان الشعر وبحوره المعهودة عند العرب فلما كان القرآن لا يجري على أوزان الشعر وبحوره المعروفة عند العرب، ظهر بطلان دعواهم أنه شعر. [1]
فانتقلوا إلى دعوى أخرى، فقالوا: بل هو كهانة؛ لما اشتمل عليه من الإخبار ببعض المغيبات. غير أن القرآن مباين كذلك لكلام الكهان وأسجاعهم المتكلفة.
ثم لما عجزوا عن تصنيفه ضمن كلام البشر، ورأوا ما يحدثه سماعه من أثر عظيم في النفوس والقلوب، قالوا: إنما هو سحر، وإن محمدًا ﷺ ساحر.
وهكذا تنقل المشركون بين دعاوى متناقضة مضطربة: شعر، وكهانة، وسحر، يجمعها مقصد واحد، وهو إنكار أن القرآن وحي من عند الله تعالى؛ ليصلوا من وراء ذلك إلى إسقاط حجيته، والتملص من وجوب اتباع النبي ﷺ فيما جاء به من عند ربه.
الشبهة الثانية: إنكار البعث:
أما الشبهة الثانية التي أثارها المشركون فهي إنكار البعث بعد الموت؛ فقد زعموا أن حياة الإنسان تنتهي بموته، وأنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا بعث ولا نشور، فقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24]
ومقتضى هذا الاعتقاد الفاسد أن تنتهي حياة الناس جميعًا بالموت دون حساب أو جزاء؛ فلا فرق في العاقبة بين مؤمن وكافر، ولا بين مطيع وعاصٍ، ولا بين ظالم وعادل؛ إذ الجميع ـ بزعمهم ـ يموتون ثم لا يبعثون من قبورهم.
ومن هنا كان إنكار البعث بابًا إلى إنكار ما يترتب عليه من الحشر والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، والجنة والنار. ولذلك جادل المشركون في البعث، واستبعدوا إحياء الأجساد بعد أن تصير ترابًا، وكابروا ما جاءت به الرسل من الإخبار باليوم الآخر.
أما المؤمن الذي أيقن أن القرآن كلام الله تعالى، فإنه ينطلق من أصول راسخة:
- يؤمن بأن القرآن كلام الله تعالى، وليس كسائر كلام البشر.
- ويوقن بأن كل ما أخبر الله به في كتابه حق وصدق لا مرية فيه.
- ويستشعر أن القرآن خطاب من الله لعباده؛ فيحرص على فهمه وتدبره والعمل بما أمر الله به فيه.
- ويوقن بالبعث بعد الموت والوقوف بين يدي الله للحساب والجزاء؛ فيحمله هذا اليقين على اغتنام حياته والاستعداد للقاء ربه.
- ويعلم أن الحياة الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الإقامة فيها مؤقتة، أما الآخرة فهي دار البقاء والجزاء.
ومن هنا تظهر خطورة إنكار البعث؛ فالإيمان باليوم الآخر ليس مجرد قضية عقدية نظرية، وإنما هو حقيقة كبرى تضبط نظرة الإنسان إلى الحياة كلها؛ فمن أيقن أنه سيقف بين يدي الله ويحاسب على عمله، عاش في الدنيا مستعدًا للآخرة، وجعلها مزرعة يتزود منها للقاء ربه.
قوله تعالى: (ق)
افتتح الله عز وجل هذه السورة بقوله: (ق والقرآن المجيد) والراجح لديّ من كلام العلماء أن الأحرف المقطعة في فواتح السور هي إشارة إلى تكذيب ما زعمه المشركون: أن القرآن ليس كلام الله، وأن محمدا ﷺ جاء به من عند نفسه، وذلك لأن أكثر السور المفتتحة بالحروف المقطعة جاء بعدها ذكر القرآن:
- قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]
- ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 1-2]
- ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2]
- ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]
- ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]
وإذا سلمنا جدلا أنه قد جاء به من عند نفسه؛ وأن محمدا ﷺ شاعر كما تزعمون، فالشاعر يقول القصيدة، وهناك من هو أشعر منه وأبلغ وأفصح … فمن الممكن لأي شاعر منكم أن يأتي بقصيدة أخرى تفوق قصيدته، ويأتي شاعر ثالث يتفوق عليهما، فإذا كان القرآن من صنع البشر فجدير بالبشر أن يتباروا ويتنافسوا على أن يأتوا بكلام يماثله؛ فجاءهم التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]
فلما عجزوا عن ذلك كانت النتيجة الحتمية أن قولكم هذا قول باطل، وثبت أن القرآن ليس كلام بشر؛ إنما هو كلام الله عز وجل.
وافتُتحت سور عديدة بهذه الحروف المقطعة، وجاء في كثير منها ذكر القرآن عقبها: (الم، وطه، وطسم، ويس، وص، وق، ون) هذه حروف الهجاء، والعرب قادرون على تأليف كلامهم من هذه الحروف، لكنهم عجزوا عن الإتيان بكلام يماثل القرآن في نظمه وبلاغته وهدايته.
وكان بعض العرب يزعمون أن لكل شاعر تابعًا من الجن يلهمه الشعر، وهو اعتقاد جاهلي لا دليل على صحته.([2])
وعلى فرض ما كان يزعمه بعضهم من استعانة الشعراء بالجن، فإن الإنس والجن جميعًا عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فلن يستطيع الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88] أي معاوناً ونصيراً.
فنزل القرآن بلسان عربي مبين؛ كلماته مكونة من هذه الأحرف: (الألف واللام والميم والصاد والطاء والياء)، فلو كان كما زعمتم أنه من صنع البشر، وكانت كلمات القرآن مكوَّنة من الحروف نفسها التي تنطقون بها في كلامكم؛ فأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24]
لماذا افتتح الله تعالى سورةً بحرف ﴿ق﴾، وأخرى بحرف ﴿ص﴾، وثالثة بـ ﴿طس﴾، ورابعة بـ ﴿طسم﴾؟ ولماذا اختيرت هذه الحروف دون غيرها؟
هذا ما يسميه العلماء بالمتشابه، وهذا من المتشابه الذي خفي علينا المراد التفصيلي منه؛ فلا نعلم على وجه القطع لماذا اختار الله تعالى هذه الحروف بعينها دون غيرها؟
فقد اختار سبحانه حرف ﴿ق﴾ فاتحةً لهذه السورة دون غيره؛ فهذا من المتشابه الذي نقول فيه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] فالله تعالى له حكمة في ذلك ولا شك وقد يُطلع الله بعض عباده على شيء من حكمتها، وقد يستأثر بعلم حقيقتها ومراده التفصيلي منها.
قوله تعالى: (والقرآن المجيد)
أقسم الله تعالى بالقرآن المجيد، والمجيد مشتق من المجد وهو العلو والشرف؛ ويكتسب الكلام شرفه من قائله ومما يشتمل عليه من المعاني والفوائد، والقرآن الكريم كلام الله عز وجل، وليس من كلام البشر ولا من صنعة شاعر، وقد اشتمل على الخير والهدى؛ فكان قرآنًا مجيدًا، عالي القدر، عظيم الشرف على سائر الكلام.
شرف القرآن وشرف ما اتصل به:
- الشهر الذي أنزل فيه القرآن هو خير الشهور ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]
- والليلة التي أنزل فيها القرآن ليلة القدر، والمراد بإنزاله فيها: ابتداء نزوله على النبي ﷺ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] فشرف الله هذه الليلة فجعل العبادة فيها خيرًا من عبادة ألف شهر.
- وشرف جبريل عليه السلام، رسولِ الله من الملائكة، إذ نزل بالقرآن على قلب محمد ﷺ، رسولِ الله من البشر؛ فوصفه بالقوة والمكانة والتمكين فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: 19-20] أي له مكانة كبيرة عند الله.
- ونبينا محمد ﷺ الذي أنزل عليه القرآن هو خير خلق الله.
- والأمة التي أنزل عليها القرآن خير أمة أخرجت للناس.
- وإذا عملت الأمة بكتاب الله صارت من أعز الأمم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي شرف لك ولقومك.
- بل إن خيارنا وأفضلنا عند الله عز وجل من أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن وتعليمه، كما قال النبي ﷺ (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)رواه البخاري.
فكل من اتصل بكتاب الله تعالى علمًا وعملًا وتعليمًا نال من الشرف والرفعة بقدر صلته به، اللهم شرفنا بشرف القرآن واجعلنا من أهل القرآن.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول النبي ﷺ: (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أبو داوود
فقوله: (والقرآن المجيد) هذا قسم من الله، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم فأقسم بالقرآن المجيد، أي: ذي الشرف والرفعة، فما هو جواب القسم؟
اختلف المفسرون في جواب القسم؛ فقيل: هو محذوف، وتقديره: لتُبعثُنَّ، ويدل عليه سياق الآيات، وقيل: تقديره: إنك لمن المنذرين، وقيل غير ذلك.
يقول تعالى: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) [ق:2]
أصابهم العجب أن قد جاءهم رسول منهم يعرفونه جيدا، فقد عاش بينهم قبل البعثة وقبل نزول الوحي عليه أربعين سنة وكانوا يعرفون نسبه وأهله، وسائر أحواله، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين، ولم يجربوا عليه كذباً قط.
فلم يكن غريبًا عنهم، ولا مجهول السيرة، بل كان واحدًا منهم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته؛ إنما هو واحد منهم، ولو كان الكذب من طبعه لعرفوا ذلك منه قبل البعثة، ولو أراد الفخر والسيادة لطلبهما بطرق كثيرة، ثم بُعث في سن الأربعين، وهي سن اكتمال العقل والنضج، فقال لهم: إني رسول الله؛ وكانت سيرته السابقة من أقوى الشواهد على صدقه، مع ما أيّده الله به من البراهين والمعجزات؛ لكنهم استغربوا ما جاء به من تصحيح عقائدهم المنحرفة ودعوتهم إلى توحيد الله؛ فقد كانوا يعبدون أصناماً من الحجارة، ويسمونها آلهة، فجاءهم النبي ﷺ يقول لهم: قولوا: ” لا إله إلا الله تفلحوا ” فجعلوا يتعجبون (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) [ص: 5]
وبين لهم رسول الله ﷺ أن الحياة الدنيا ليست النهاية؛ بل إنها دار ابتلاء واختبار، وأن الله سيبعث الناس من قبورهم فيجازيهم على أعمالهم.
وجاء أحد المشركين وهو أبي بن خلف إلى النبي ﷺ، وفي يده عظم بالٍ قديم، وهو يفتّه بيده، ويقول: يا محمّد! أتزعم أنّ الله يبعث هذا؟ فقال له رسول الله: (نعم! يميتك الله تعالى، ثمّ يبعثك، ثمّ يحشرك إلى النار)، فنزلت آيات أواخر سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 77-83]
إذاً فعجبوا أن جاءهم رسول لينذرهم ويخوفهم من عذاب الله إن بقوا على كفرهم، وشركهم فقالوا: إن ما جاء به شيء عجيب.
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3]
وقالوا متعجبين: أإذا متنا وكنا تراباً سنعود مرة أخرى؟
(ذلك رجع بعيد) رجع أي إعادة، يقصدون بذلك عودةً بعيدةَ الوقوع في زعمهم، بل مستحيلة عندهم.
وسبب هذا الزعم أنهم قاسوا قدرة رب العالمين بقدرتهم البشرية المحدودة؛ فإحياء الموتى مستحيل لا يستطيعه بشر؛ فأنَّى للبشر أن يحيوا ميتًا بعد موته؟ أما بالنظر إلى قدرة رب العالمين، فإن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
المدرسة العقلانية والإيمان بالغيب([3]):
بعض أتباع المدارس العقلانية لا يؤمنون إلا بالشيء الذي يخضع للقوانين والتجربة المعملية، فأخضعوا كل ما في الوجود لهذا المعيار، وكل ما لا يتفق مع إدراك عقولهم فإنهم يردونه.
وهذا وهم كبير لأن معنى هذا التوجه الذي نتعامل به مع حقائق الكون أن يكون الإنسان قد بلغ من العقل والإدراك مبلغًا يستطيع معه أن يدرك كل شيء في الكون، وأن ينظم ويرتب كل قوانين الكون؛ أنى لهم ذلك والإنسان مخلوق ضعيف: سمعه له حد، وبصره له حد، وعقله له حد.
ولذلك لما تكلم القرآن عن حقيقة الروح، وأنها سر من أسرار الله في الخلق، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85] فمهما أوتيتم من العلم فلن تبلغوا مرحلة إدراك حقيقة الروح وما يترتب على حياة الأجساد بقدرة الله رب العالمين.
إذاً فالعقل يأتي تابعاً للوحي، وليس الوحي تابعاً للعقل.
فكل ما جاء من ثوابت الإيمان في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجب علينا الإيمان به والتصديق بما جاء في آيات ربنا وسنة نبينا ﷺ. فإن عجز العقل عن إدراك ذلك فإن الخلل في عقولنا، وليس في كلام الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ.
القدرة الإلهية المطلقة وبدء الخلق وإعادته:
قدرة الله لا تحدها حدود؛ وقدرة الله عز وجل ظاهرة في هذا الكون العظيم، ولذلك سيأتي في الآيات لفت الأنظار إلى الكون وما فيه: السماء وبنيانها، والأرض وامتدادها، والمطر وما أنبت الله به من النبات والحياة على هذه الأرض؛ للدلالة على أن هذه الأمور أكبر بكثير من إعادة إنسان إلى خلقته الأولى.
ومن البدهي عقلاً في المسألة: أن إعادة الخلق أيسر من ابتدائه؛ وليس في قدرة الله تعالى سهل ولا صعب، لكن هذا لتقريب الأمر في أذهان الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27] أي بمقاييسكم البشرية، إن إعادة الخلق أيسر من ابتداء الخلق؛ فالذي يخلق من العدم هو الله عز وجل.
الله جل جلاله هو الذي يخلق من العدم:
أي عامل أو حرفي إذا أراد تصنيع شيء فإنه سيحتاج إلى مواد ليستطيع التصنيع بها، أما رب العالمين جل جلاله فإنه يخلق من العدم؛ إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وهذه القدرة ليست لأحد غير الله عز وجل؛ فلا يخلق من العدم ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا مارد من الشياطين.
والرسل لما أرسلهم الله تعالى أجرى على أيديهم خوارق العادات.
ما معنى خوارق العادات؟
خوارق العادات هي: الأمور الخارجة عن السنن الكونية المعتادة التي يجريها الله تعالى على خلاف ما ألفه الناس، فلا تقع إلا بمشيئته سبحانه.
وخوارق العادات تشمل المعجزات التي يؤيد الله بها الأنبياء، والكرامات التي يكرم بها أولياءه، وكلها واقعة بمشيئة الله وقدرته، لا بقدرة ذاتية للمخلوق.
النار بطبيعتها تحرق، وأي إنسان يتعرض للنار يُحرق، لكن الله تعالى جعل هذا القانون الكوني معطلاً مع الخليل إبراهيم لما ألقوا به في النار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69] هذه هي المعجزة، لكن الرسول لا يخلق من العدم.
والرسول ﷺ لما كان في الحديبية كان الصحابة في موقف صعب لأن الماء نفد منهم، ونزلوا مكانا ليس فيه ماء، فكانت معجزة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ
والقصة يحكيها لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قائلا: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال جابر: كنا ألفًا وأربعمائة.) رواه البخاري.
الرَّكْوة: إناء صغير يُصنع غالبًا من الجلد، يُحفظ فيه الماء للشرب أو الوضوء، وتشبه القِربة الصغيرة.
فالنبي لم يخلق من العدم، فليس من قدراته ذلك، إنما يجري الله على يديه المعجزات والآيات فوق العادة، على خلاف ما اعتاده البشر؛ للدلالة على أنه رسول رب العالمين.
عند بعض الطوائف من الصوفية مثلاً، يبرهنون على مكانة شيخهم بصلاحه وتقواه وبما يزعمونه من قدراتٍ خارقة، ويذكرون الحديث المكذوب المنسوب إلى النبي ﷺ عن رب العزة: “عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون “هذا حديث لا أصل له، لأن الذي يقول للشيء: كن فيكون هو الله، أما ولي الله المؤمن العارف بربه التقي ، فلا يملك أن يقول للشيء كن فيكون، إنما قد يجري الله على يديه بركة في استجابة الدعاء، بركة في التوفيق لعمل صالح، في هداية الخلق مثلاً، لكن أن يخلق من العدم هذا مستحيل؛ فهذا الأمر ليس لأحد إلا لله وحده .
الشياطين لا تخلق من العدم:
لا يستطيع أي شيطان أن يوجد شيئا من العدم؛ هذا ليس في قدرته، لكن يروَّج دائماً في القصص الخيالية وأفلام الإنمي الموجهة للأطفال أن الشياطين تحقق الأمنيات؛ وفي أفلام الخيال كسلسلة هاري بوتر الشهيرة عند الأطفال؛ القصة كلها مبنية على تعلم السحر والاستعانة بالشياطين، وأن الشياطين عندها قدرات خارقة وكبيرة، وكذلك قصة علاء الدين والمصباح السحري والجني الذي يحقق له كل ما يطلبه.
والآية الواردة بسورة النمل: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39] فليس معناه أنه سيوجد العرش من العدم، إنما بحكم قدرته العالية سيطير بسرعة ويأتي لسليمان بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، إذن هو أتى بعرش موجود، ولم يوجده من العدم.
فالأفلام الخيالية ترسخ في اللاشعور عند أولادنا أن الشياطين توجد الأشياء من العدم، وأن الشياطين تقوم بتحقيق الأمنيات، هذا كله وهم أو فنتازيا واهمة كاذبة لا أساس لها من الصحة، ولذلك يجب أن نربي أبناءنا على أن الذي يخلق من العدم هو الله وحده، وأن الشياطين لا تستطيع أن تخلق من العدم.
الفارق بيننا نحن البشر وبين قدرات الجن هو سرعة الحركة، وقوانين الحركة تختلف باختلاف جسم الإنسان وطاقته المحدودة في الزمان والمكان، وطاقة الجن وطبيعة خلقهم وقدرتهم على الحركة.
فالذي خلق جميع الإنس والجن والملائكة وكل العوالم، وهذا الكون من العدم، هل يعجزه أن يعيد الإنسان بعد موته؟
فالمسألة ليست متعلقة بإعادة الخلق على أنه خلق جديد، كلا بل سنعيد الخلقة الأولى، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]
قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: 4]
قد علمنا، لم يغب عن علمه جل وعلا، ما تنقص الأرض منهم.
وهذا من بلاغة التعبير القرآني لأن التحلل في جثة الإنسان يتم حيناً بعد حين، زمناً بعد زمن، حتى يتفتت ويبلى، وعلم كل ذلك عند الله.
الإعجاز العلمي في إعادة خلق الإنسان:
ولذلك لما أراد الله تعالى أن يبين لعباده طلاقة قدرته في إعادة الخلق قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3-4]
والعلماء قديماً فسروا الآية على ظاهرها أن قدرة الله تعالى أن يعيد الخلق أو يعيد الناس إلى الخلقة الأولى، وأن كل شيء سيعاد إلى صورته وطبيعته، والبنان: الأصابع، إشارة إلى أنه إذا كان البنان سيعاد فمن باب أولى أن يعاد الكل.
لكن لماذا قال: (بنانه) على وجه التحديد؟
في القرن الماضي اكتشف العلماء بصمة الأصابع؛ هذه الخطوط التي رُسمت بشكل هندسي عجيب، اكتشف العلماء أنه ليس هناك إنسان على وجه الأرض تتشابه بصمته مع إنسان آخر.
وفي بدايات القرن العشرين بدأت الدراسات المختلفة عن البصمة، وأكدوا أنه ليس في العالم أجمع أي تشابه بين بصمة إصبع وإصبع، وبين توأم وصاحبه، وبين أب وابنه، فكل إنسان له بصمة خاصة لا تتكرر مع غيره، ولذلك اعتمدوا بعد ذلك موضوع البصمة في الأدلة الجنائية.([4])
فإذا كانت البصمة التي على الأصابع لا تتشابه بين إنسان وإنسان سيعيدها الله جل وعلا كما كانت، فما بالنا بما هو أكثر من ذلك.
فالله جل في علاه ذكر هذه الآية في سورة القيامة وتلاها نبينا ﷺ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، حتى يأتي العلم ليكشف لنا جانبًا من الحكمة لماذا قال “بنانه” على وجه التحديد؟
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: في تفسير قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] إن عطاء قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ ممتد في الزمان كله، وإن العلم يكشف للناس كل يوم جديدًا من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، بما يدل على قدرة الخالق…. ثم قال: فإنْ قلتَ: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي ﷺ وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه.
فالله تعالى أراد أنْ يظلَّ استقبال الأجيال للقرآن استقبالاً جديداً، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديماً أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يردُّ عليه ما قال.
إذاً الله تعالى أحاط علمه بكل ذرة تتحلل في باطن الأرض من أي إنسان، وهو سبحانه سيعيده ويبعثه ويوقفه بين يديه للحساب والجزاء.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4]
حفيظ هنا تفسر بمعنيين:
الأول: حفيظ بمعنى حافظ أي يحفظ الأعمال، وهو كتاب الأعمال الذي سجلت فيه الملائكة أعمال الخلق.
الثاني: حفيظ بمعنى محفوظ، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء، كما قال النبي ﷺ وهو محفوظ فلا يطلع عليه أحد إلا بإذن من الله تعالى، بمعنى أن الشياطين لا تسترق السمع ولا تنقل منه، لأن هذا محفوظ عند الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [سورة ق: الآية 5]
والحق هنا هو رسول الله ﷺ أو هو الإسلام.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق: الآية 5]
ومَرج الشيء أي اضطرب واختلط، حتى أننا نقول في كلامنا: “هناك هرج ومرج” أي أمور مختلطة ومضطربة.
ظهر فيهم رسول الله وكانوا يعرفونه جيدا فقد كان معهم أربعين سنة قبل البعثة وقبل الوحي، ويلقبونه بالصادق الأمين.
فزعموا أنه مجنون!! فلما وجدوا أن التهمة غير ثابتة وليس لها دلائل، قالوا: كلا، هو يأتي بكلام يشبه أوزان الشعر، فهو شاعر.
فلما وجدوا أن القرآن لا يأتي على نسق ولا نظم ولا بحور الشعر، قالوا: هذا كلام عندما يقوله محمد يتأثر به من يسمعه فيؤمن بمحمد، إذن محمد يفرق بالقرآن بين العبد وسيده وبين الزوج وزوجته وبين الأب وابنه، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: 24]
والسؤال: إذا كان النبي ساحراً لماذا سحر العبيد والنساء والأبناء ولم يسحركم أنتم؟
(فهم في أمر مريج) مضطرب قالوا نعبد هذه الأصنام المسماة آلهة وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ أين تكون الشفاعة؟ يوم القيامة!!!
ومع هذا قالوا لا، ليس هناك يوم القيامة، نحن ننكر البعث.
إذاً فعندهم اضطراب، وهذا دائما شأن أهل الباطل.
الحجج زائفة مائعة، عندهم اضطراب وشك وتردد وحيرة وعدم ثبات.
أما الحق فإنه واضح ثابت قوي متماسك لا يتغير لا يتبدل.
فكل أهل الباطل في أمر مريج، وأهل الحق دائما ثابتين على الحق قائمين.
وهذا معنى قول رسول الله ﷺ: “الحقُّ أبْلَجُ والباطلُ لَجْلَجُ” أخرجه ابن حبان في صحيحه.
الحق أبلج أي كضوء الصبح، واضح قوي، لا فيه غبش ولا ظلمة؛ أبلج كضوء الصبح، والباطل لجْلَج، من اللجلجة وهي الاهتزاز والارتعاش وعدم الثبات.
الخلاصة: فهم في اختلاط واضطراب لا يعرفون ماذا يقولون عن محمد ولا عن الإسلام ولا يستقرون على قرار، لأنهم ليس عندهم أي رؤية صحيحة عما جاءهم به نبينا ﷺ.
الآثار الإيمانية والتربوية للآيات الكريمة
- تعظيم القرآن واستشعار أنه كلام الله، وإذا أيقن العبد أن القرآن كلام ربه، تغيرت علاقته به؛ فلا يمر على آياته مرورًا سريعًا من غير تدبر، ولا يقرأه لمجرد تحصيل الأجر من غير اهتمام بفهم مراد الله، بل يستشعر عند قراءته أن الله يخاطبه ويوجهه ويعلمه ويحذره ويبشره، فإذا قرأ أمرًا سأل نفسه: هل امتثلت هذا الأمر؟ وإذا قرأ نهيًا نظر: هل اجتنبت ما نهاني الله عنه؟ وإذا قرأ وعدًا رجاه، وإذا قرأ وعيدًا خافه، وإذا قرأ خبرًا صدّقه من غير تردد.
- ومن تعظيم القرآن ألا يجعل المسلم رأيه أو ثقافة عصره حاكمة على كلام الله، فيقبل من القرآن ما وافق هواه، ويتكلف رد ما لم يوافقه؛ وإنما يجعل القرآن هو الحاكم على أفكاره وأقواله وسلوكه.
- أن يعلم المسلم أن معرفة الحق لا تكفي وحدها ما لم يصحبها تجرد من الهوى واستعداد للانقياد؛ فقد يعرف الإنسان صدق المتكلم، وتظهر له قوة الدليل، ثم يرفض الحق لأنه يخالف شهوة في نفسه أو عادة نشأ عليها أو مصلحة يخشى فقدها.
- عدم جعل العقل البشري المحدود حاكمًا على الوحي؛ لأن قدرة المخلوق محدودة، أما قدرة الخالق فلا يعجزها شيء.
- أن يعرف المسلم قدر عقله وحدوده؛ فالإسلام لا يلغي العقل، بل يدعوه إلى النظر والتفكر والاستدلال، ولكنه لا يجعله محيطًا بكل شيء، ولا يجيز له رد الخبر الصادق لمجرد أنه لم يدرك كيفيته.
- اليقين بالبعث يغير نظرة الإنسان إلى الحياة، فمن أيقن أنه سيُبعث بعد موته، ويقف بين يدي الله، ويحاسب على أعماله، لم ينظر إلى الدنيا على أنها الغاية الأخيرة، ولم يجعل اللذة العاجلة أكبر همه.
- يمنح الإيمان بالبعث حياة المؤمن معنى واضحًا؛ فهو يعلم من أين جاء، ولماذا يعيش، وإلى أين يصير؛ فلا يعيش تائهًا تحكمه الشهوات المتقلبة، بل يجعل لحياته غاية كبرى هي عبادة الله والاستعداد للقائه، ويصبح عمره رأس مال يتزود منه، ويدرك أن كل يوم يمضي يقربه من الآخرة.
- التأمل في الخلق الأول يقوي اليقين بالإعادة؛ فالذي خلق الإنسان أول مرة من العدم، ويعلم ما تأكل الأرض من جسده، قادر على أن يعيده مرة أخرى.
- الاستدلال بآيات الله المشاهدة على ما أخبر به من أمور الغيب، فإذا نظر إلى خروج النبات من الأرض الميتة، وإلى إحياء الأرض بالمطر، وإلى بناء السماوات والأرض، علم أن إعادة الإنسان بعد موته ليست مستحيلة على الله.
- استحضار علم الله الشامل، وهذا المعنى يربي المسلم على الإخلاص؛ فلا يؤدي العبادة من أجل ثناء الناس، ولا يتركها إذا غابوا، لأن الله الذي يعلم علانيته يعلم سره؛ كما يمنعه من الخيانة والغش والظلم، ولو أمن العقوبة الدنيوية؛ لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأن شيئًا من عمله لن يضيع.
- التكذيب بالحق يورث الاضطراب والحيرة؛ فالباطل لا يستقر على حال؛ لأنه لا يقوم على أصل ثابت، فإذا سقطت حجة انتقل أصحاب الباطل إلى غيرها، أما الحق فمتماسك، يصدق بعضه بعضًا، ولا يحتاج صاحبه إلى تغيير أصوله كلما واجه سؤالًا جديدًا.
- الحذر من الكبر الذي يمنع قبول الحق؛ ومن علامات التواضع للحق أن يقبله الإنسان ممن جاء به، وألا يحمل النصيحة على الإهانة، فالحق لا تقل قيمته لأن قائله صغير أو فقير أو مخالف لنا في بعض الأمور، والباطل لا يتحول إلى حق لأن قائله عظيم المكانة.
المعنى الإجمالي للآيات:
- كان النبي ﷺ يكثر من قراءة سورة ق في المجامع الكبرى لاشتمالها على أصول الإيمان الكبرى: بدء الخلق، والبعث، والحساب، والجنة والنار، والترغيب والترهيب.
- من أبرز مقاصد السورة إثبات البعث وإقامة البراهين على قدرة الله تعالى على إحياء الناس بعد موتهم.
- الحروف المقطعة تشير إلى إعجاز القرآن؛ فهو مكوّن من الحروف العربية التي يعرفها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
- القرآن مجيد؛ أي عظيم الشرف، رفيع القدر، لأنه كلام الله تعالى، ومشتمل على أعظم الهداية والخير.
- ينال العبد من الشرف بقدر صلته بالقرآن علمًا وتلاوةً وعملًا وتعليمًا.
- كل ما اتصل بالقرآن نال شرفًا؛ فشرف شهر رمضان، وليلة القدر، وجبريل، والنبي ﷺ، والأمة، وأهل القرآن، إنما كان لاتصالهم به.
- العقل الصحيح لا يعارض الوحي الصحيح، والعقل محدود، فلا يجوز ردّ حقائق الغيب لمجرد عدم إدراك كيفية وقوعها.
- العقل تابع للوحي وليس حاكمًا عليه؛ فما ثبت في القرآن والسنة وجب الإيمان به، وإن خفيت حقيقته أو كيفيته.
- قدرة الله مطلقة، والذي بدأ الخلق من العدم قادر على إعادته بعد الموت، بل إن الإعادة في إدراك البشر أيسر من الابتداء.
- الله يعلم ما تأكله الأرض من أجساد الموتى، ولا يضيع من خلق الإنسان شيء عن علمه سبحانه.
- التكذيب بالحق يؤدي إلى الاضطراب والحيرة؛ ولذلك وصف الله المشركين بأنهم ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.
- شأن الباطل التناقض وعدم الثبات، أما الحق فواضح ثابت متماسك، لا تضطرب حججه ولا تتناقض أصوله.
- الإيمان باليوم الآخر يغيّر حياة المسلم؛ فينظر إلى الدنيا باعتبارها دار اختبار، ويستعد بالعمل الصالح للقاء الله.
- الغاية العملية من السورة تعظيم القرآن، واليقين بالبعث، والثبات على الحق، وعدم الاغترار بالشبهات المتناقضة، والاستعداد للحساب والجزاء.
[1] بحور الشعر هي الأوزان والقوالب الإيقاعية التي نظم عليها العرب أشعارهم، ولكل بحر وزن محدد وتفعيلات منتظمة يسير عليها البيت الشعري، ومن أشهرها: الطويل، والبسيط، والكامل، والوافر، والرجز، والمتقارب وغيرها؛ فمثلًا عندما نقول: القرآن ليس على بحور الشعر؛ فالمعنى أن القرآن، مع ما فيه من عظمة البلاغة وجمال الإيقاع، لا يجري على الأوزان الشعرية المنتظمة التي عرفها العرب ونظموا عليها أشعارهم.
([2]) وذكر مصطفى صادق الرافعي في تاريخ آداب العرب (3/41) أن أصل هذا الاعتقاد يُحتمل أن يكون مأخوذًا من الكهانة؛ إذ كان لكل كاهن في زعمهم «رئي» أو تابع، ثم نُقلت الفكرة إلى الشعراء، وربما كان ذكر «شيطان الشاعر» أحيانًا مثلًا أو كناية عن قوة القريحة والغضب والفطنة، لا إخبارًا حقيقيًا عن جنيّ معين.
([3]) المدرسة العقلانية اسم يُطلق على اتجاهات مختلفة يجمعها تقديم العقل بوصفه أداة أساسية في معرفة الحقائق والحكم على الأفكار، فالعقل عندهم مصدر رئيس للمعرفة، والإسلام لا يرفض العقل؛ بل يدعو إلى النظر والتفكر والاستدلال، لكنه يجعل النقل الصحيح والعقل الصحيح متوافقين، ولا يجعل العقل البشري المحدود حاكمًا مطلقًا على الوحي، إنما يأتي العقل مستنيرا بنور الوحي.
([4]) وحصل أن إحدى عصابات المافيا لما قبض على أحد المجرمين منهم خافوا من اكتشاف بصمته في مكان الجريمة فقاموا برشوة طبيب ليكشط جلد الأصابع لهذا المتهم حتى تنمحي البصمة، وبقي ثلاثة أشهر حتى تعافى، ولما تعافى أخذوا بصمته فإذا بها عادت كما كانت بعد ثلاثة أشهر وكشط تام للجلد.


د.خالد الطويل
جزاك الله خير الجزلء معالي الدكتور الحبيب