1- قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد) [ق: 1-5]

الفصل الأول
القرآن المجيد وحقيقة البعث
قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: 1-5]
مقدمة بين يدي السورة
أولا/ سبب التسمية:
سورة (ق) هي السّورة الخمسون من حيث ترتيب سور القرآن، وهي سورة مكيّة؛ وقد سُميت بهذا الاسم لأنها تبدأ بالحرف المقطّع “ق”، وهو أسلوب متبع في عدة سور قرآنية (مثل ص، طه، ويس) وسيأتي بيان معناها في التفسير بعون الله.
ثانيا/ ما ورد في فضلها:
ورد في سورة ق عدة أحاديث:
- عن أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها قالت: ما أخذتُ (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ، يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.” رواه مسلم.
- وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الفطر والأضحى؟ فقال: كان يقرأ بـ(ق والقرآن المجيد)، و(اقتربت الساعة) “ رواه مسلم
- وعن جابر بن سمرة قال: إن النبي – ﷺ – كان يقرأ في الفجر بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)وكان صلاته بعدُ تخفيفًا.) رواه مسلم.
قال ابن كثير رحمه الله:” كان رسول الله ﷺ يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب، والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب ” [1]
سورة ق بداية المفصل
وعلماء القرآن يسمون السور من أول سورة ق وحتى سورة الناس بالمفصل، وقد ورد في الحديث عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ🙂 أُعْطِيتُ مكانَ التوراةِ السبعَ الطِّوال، وأُعْطِيتُ مكانَ الزبورِ المِئين، وأُعْطِيتُ مكانَ الإنجيلِ المثاني، وفُضِّلتُ بالمُفَصَّلِ) رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة
معنى الحديث:
- السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة.
- المِئون: السور التي تقارب آياتها المائة.
- المثاني: السور التي دون المئين وفوق المفصل.
- المفصل: السور التي تبدأ – على الراجح – من سورة ق إلى سورة الناس، وسمي مفصلًا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:” أول المفصل من ق إلى آخر القرآن على الصحيح، وسمي مفصلا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح. ([2])
ثالثا/ موضوعات السورة المباركة
سورة ق فيها عدة قضايا إيمانية:
- إقامة الحجة والبرهان على قدرة الله تعالى على بعث الناس من قبورهم.
- وفيها مشهد من مشاهد يوم القيامة مشهد المجرم العاصي وقرينه.
- وفيها الرد على شبهات المشركين في إنكار النبوة وإنكار البعث، لأن المشركين لما بعث فيهم رسول الله ﷺ عمدوا إلى شبهتين غاية في الخبث هاتين الشبهتين الهدف منهما نفي أن الرسول ﷺ أرسل من عند الله.
الشبهة الأولى: شبهة إنكار الوحي:
ومعنى إنكار الوحي: زعمهم أن هذا القرآن ليس كلام الله؛ إذاً فهو كلام بشر فيسعنا أن نتبعه، أو نخالفه، وأرادوا إلحاق القرآن بكلام البشر فهو مثل قصائد الشعر، فادعوا مرة أن النبي ﷺ شاعر لأنه يقول كلاماً له وزن وفيه بلاغة فهو شعر كسائر الأشعار التي يلقيها شعراء العرب…لكن القرآن ليس على أوزان الشعر المعهودة لديهم، فاضطربوا فقالوا: بل هو كهانة لأن فيه إخباراً عن بعض الغيبيات…. لكن القرآن ليس فيه سجع كسجع الكهان ورطانتهم؟ فقالوا إنه كلام مؤثر إذا سمعه أحدنا يتأثر به فهو سحر هذا القرآن سحر، ومحمد ساحر!!!
فأرادوا بهذه الشبهات المتتالية المضطربة إنكار الوحي، وأن القرآن ليس كلام الله؛ فبالتالي يسعنا أن نخالف محمدا فيما جاء به لأن هذا كلامه الذي تعلمه.
الشبهة الثانية: إنكار البعث:
فقالوا: هذه الحياة فقط نعيشها نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24]، ومعنى ذلك أن يستوي في هذه الدنيا من آمن، ومن كفر، من ظلم، ومن عدل، من أطاع ومن فجر؛ كلهم سواء لأننا سنموت وإذا متنا فلن نبعث من قبورنا!!!
فأرادوا إنكار البعث وما يترتب عليه من الحساب والجزاء ويوم القيامة، والمثوبة للمؤمنين بالجنة والعقوبة للكفار والمعاندين بالنار؛ فجادلوا وكابروا وكذبوا.
وقد اشتملت هذه السور على الكثير من قضايا العقيدة التي تهم كل مسلم، وهذه السور كسورة ق ومثيلاتها من السور المكية تردّ على هاتين الشبهتين.
أما المسلم الذي يوقن أن القرآن كلام الله عز وجل؛ فهو مؤمن:
- أنه كلام ليس كسائر الكلام.
- وكل ما في القرآن حق وصدق.
- وهذا القرآن خطاب الله عز وجل لكل مؤمن فينبغي علينا فهم خطاب الله تعالى لنا والعمل به.
- أضف إلى هذا يقين المؤمن باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت يجعله منشغلا بهذه الدنيا لإعداد الزاد للقاء الله.
- ونعتقد جميعا أن هذه الحياة الدنيا وجودنا فيها مؤقت، فهي دار اختبار وبلاء أما دار البقاء والجزاء فهي الآخرة.
ونلاحظ أن الرسول ﷺ في عدد من الأحاديث كان يصدرها بقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) يؤمن بالله في الدنيا هذا غيب، وطالما أنك مؤمن بالله عز وجل؛ فأنت مؤمن بشرعه ومنهجه وتكليفاته وأوامره ونواهيه، ومؤمن باليوم الآخر يعني تعد العدة للقاء الله عز وجل والسؤال بين يدي الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: (ق)
افتتح الله عز وجل هذه السورة بقوله: (ق والقرآن المجيد) والراجح لديّ من كلام العلماء أن الأحرف المقطعة في فواتح السور هي إشارة إلى تكذيب ما زعمه المشركون: أن القرآن ليس كلام الله، وأن محمدا ﷺ جاء به من عند نفسه، وذلك لأن أكثر السور المفتتحة بالحروف المقطعة جاء بعدها ذكر القرآن:
- قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]
- ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 1-2]
- ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2]
- ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]
- ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]
وإذا سلمنا جدلا أنه قد جاء به من عند نفسه؛ وأن محمدا ﷺ شاعر كما تزعمون، فالشاعر يقول القصيدة، وهناك من هو أشعر منه وأبلغ وأفصح … فمن الممكن لأي شاعر منكم أن يأتي بقصيدة أخرى تفوق قصيدته، ويأتي شاعر ثالث يتفوق عليهما، فإذا كان القرآن من صنع البشر فجدير بالبشر أن يتباروا ويتنافسوا على أن يأتوا بكلام يماثله؛ فجاءهم التحدي: (فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) [البقرة:23]
فلما عجزوا عن ذلك كانت النتيجة الحتمية أن قولكم هذا قول باطل، وثبت أن القرآن ليس كلام بشر؛ إنما هو كلام الله عز وجل.
وافتُتحت سور عديدة بهذه الحروف المقطعة، وجاء في كثير منها ذكر القرآن عقبها: (الم، وطه، وطسم، ويس، وص، وق، ون) هذه حروف الهجاء، والعرب قادرون على تأليف كلامهم من هذه الحروف، لكنهم عجزوا عن الإتيان بكلام يماثل القرآن في نظمه وبلاغته وهدايته.
وكان بعض العرب يزعمون أن لكل شاعر تابعًا من الجن يلهمه الشعر، وهو اعتقاد جاهلي لا دليل على صحته.([3])
وحتى على فرض ما كان يزعمه بعضهم من استعانة الشعراء بالجن، فإن الإنس والجن جميعًا عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فلن يستطيع الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) [الإسراء :88] أي معاوناً ونصيراً.
فنزل القرآن بلسان عربي مبين؛ كلماته مكونة من هذه الأحرف: (الألف واللام والميم والصاد والطاء والياء)، فلو كان كما زعمتم أنه من صنع البشر، وكانت كلمات القرآن مكوَّنة من الحروف نفسها التي تنطقون بها في كلامكم؛ فأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24] وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: 13-14]
لماذا افتتح الله تعالى سورةً بحرف ﴿ق﴾، وأخرى بحرف ﴿ص﴾، وثالثة بـ ﴿طس﴾، ورابعة بـ ﴿طسم﴾؟ ولماذا اختيرت هذه الحروف دون غيرها؟
هذا ما يسميه العلماء بالمتشابه، وهذا من المتشابه الذي خفي علينا المراد التفصيلي منه؛ فلا نعلم على وجه القطع لماذا اختار الله تعالى هذه الحروف بعينها دون غيرها؟
فقد اختار سبحانه حرف ﴿ق﴾ فاتحةً لهذه السورة دون غيره؛ فهذا من المتشابه الذي نقول فيه: (آمنا به كل من عند ربنا) [آل عمران:7]، فالله تعالى له حكمة في ذلك ولا شك وقد يُطلع الله بعض عباده على شيء من حكمتها، وقد يستأثر بعلم حقيقتها ومراده التفصيلي منها.
قوله تعالى: (والقرآن المجيد)
أقسم الله تعالى بالقرآن المجيد، والمجيد مشتق من المجد وهو العلو والشرف؛ ويكتسب الكلام شرفه من قائله ومما يشتمل عليه من المعاني والفوائد، والقرآن الكريم كلام الله عز وجل، وليس من كلام البشر ولا من صنعة شاعر، وقد اشتمل على الخير والهدى؛ فكان قرآنًا مجيدًا، عالي القدر، عظيم الشرف على سائر الكلام.
شرف القرآن وشرف ما اتصل به:
- الشهر الذي أنزل فيه القرآن هو خير الشهور (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة:185]
- والليلة التي أنزل فيها القرآن ليلة القدر، والمراد بإنزاله فيها: ابتداء نزوله على النبي ﷺ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فشرف الله هذه الليلة فجعل العبادة فيها خيرًا من عبادة ألف شهر.
- وشرف جبريل عليه السلام، رسولِ الله من الملائكة، إذ نزل بالقرآن على قلب محمد ﷺ، رسولِ الله من البشر؛ فوصفه بالقوة والمكانة والتمكين فقال: (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين) [التكوير:19،20] أي له مكانة كبيرة عند الله.
- ونبينا محمد ﷺ الذي أنزل عليه القرآن هو خير خلق الله.
- والأمة التي أنزل عليها القرآن خير أمة أخرجت للناس.
- وإذا عملت الأمة بكتاب الله صارت من أعز الأمم قال تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك) [الزخرف :44] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي شرف لك ولقومك.
- بل إن خيارنا وأفضلنا عند الله عز وجل من أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن وتعليمه، كما قال النبي ﷺ (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)رواه البخاري.
فكل من اتصل بكتاب الله تعالى علمًا وعملًا وتعليمًا نال من الشرف والرفعة بقدر صلته به، اللهم شرفنا بشرف القرآن واجعلنا من أهل القرآن.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول النبي ﷺ: (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أبو داوود
فقوله: (والقرآن المجيد) هذا قسم من الله، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم فأقسم بالقرآن المجيد، أي: ذي الشرف والرفعة، فما هو جواب القسم؟
اختلف المفسرون في جواب القسم؛ فقيل: هو محذوف، وتقديره: لتُبعثُنَّ، ويدل عليه سياق الآيات، وقيل: تقديره: إنك لمن المنذرين، وقيل غير ذلك.
يقول تعالى: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) [ق:2]
أصابهم العجب أن قد جاءهم رسول منهم يعرفونه جيدا، فقد عاش بينهم قبل البعثة وقبل نزول الوحي عليه أربعين سنة وكانوا يعرفون نسبه وأهله، وسائر أحواله، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين، ولم يجربوا عليه كذباً قط.
فلم يكن غريبًا عنهم، ولا مجهول السيرة، بل كان واحدًا منهم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته؛ إنما هو واحد منهم، ولو كان الكذب من طبعه لعرفوا ذلك منه قبل البعثة، ولو أراد الفخر والسيادة لطلبهما بطرق كثيرة، ثم بُعث في سن الأربعين، وهي سن اكتمال العقل والنضج، فقال لهم: إني رسول الله؛ وكانت سيرته السابقة من أقوى الشواهد على صدقه، مع ما أيّده الله به من البراهين والمعجزات؛ لكنهم استغربوا ما جاء به من تصحيح عقائدهم المنحرفة ودعوتهم إلى توحيد الله؛ فقد كانوا يعبدون أصناماً من الحجارة، ويسمونها آلهة، فجاءهم النبي ﷺ يقول لهم: قولوا: ” لا إله إلا الله تفلحوا ” فجعلوا يتعجبون (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) [ص: 5]
وبين لهم رسول الله ﷺ أن الحياة الدنيا ليست النهاية؛ بل إنها دار ابتلاء واختبار، وأن الله سيبعث الناس من قبورهم فيجازيهم على أعمالهم.
وجاء أحد المشركين وهو أبي بن خلف إلى النبي ﷺ، وفي يده عظم بالٍ قديم، وهو يفتّه بيده، ويقول: يا محمّد! أتزعم أنّ الله يبعث هذا؟ فقال له رسول الله: (نعم! يميتك الله تعالى، ثمّ يبعثك، ثمّ يحشرك إلى النار)، فنزلت آيات أواخر سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 77-83]
إذاً فعجبوا أن جاءهم رسول لينذرهم ويخوفهم من عذاب الله إن بقوا على كفرهم، وشركهم فقالوا: إن ما جاء به شيء عجيب.
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3]
وقالوا متعجبين: أإذا متنا وكنا تراباً سنعود مرة أخرى؟
(ذلك رجع بعيد) رجع أي إعادة، يقصدون بذلك عودةً بعيدةَ الوقوع في زعمهم، بل مستحيلة عندهم.
وسبب هذا الزعم أنهم قاسوا قدرة رب العالمين بقدرتهم البشرية المحدودة؛ فإحياء الموتى مستحيل لا يستطيعه بشر؛ فأنَّى للبشر أن يحيوا ميتًا بعد موته؟ أما بالنظر إلى قدرة رب العالمين، فإن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
المدرسة العقلانية والإيمان بالغيب([4]):
بعض أتباع المدارس العقلانية لا يؤمنون إلا بالشيء الذي يخضع للقوانين والتجربة المعملية، فأخضعوا كل ما في الوجود لهذا المعيار، وكل ما لا يتفق مع إدراك عقولهم فإنهم يردونه.
وهذا وهم كبير لأن معنى هذا التوجه الذي نتعامل به مع حقائق الكون أن يكون الإنسان قد بلغ من العقل والإدراك مبلغًا يستطيع معه أن يدرك كل شيء في الكون، وأن ينظم ويرتب كل قوانين الكون؛ أنى لهم ذلك والإنسان مخلوق ضعيف: سمعه له حد، وبصره له حد، وعقله له حد.
ولذلك لما تكلم القرآن عن حقيقة الروح، وأنها سر من أسرار الله في الخلق، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية 85] فمهما أوتيتم من العلم فلن تبلغوا مرحلة إدراك حقيقة الروح وما يترتب على حياة الأجساد بقدرة الله رب العالمين.
إذاً فالعقل يأتي تابعاً للوحي، وليس الوحي تابعاً للعقل.
فكل ما جاء من ثوابت الإيمان في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجب علينا الإيمان به والتصديق بما جاء في آيات ربنا وسنة نبينا ﷺ. فإن عجز العقل عن إدراك ذلك فإن الخلل في عقولنا، وليس في كلام الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ.
القدرة الإلهية المطلقة وبدء الخلق وإعادته:
قدرة الله لا تحدها حدود؛ وقدرة الله عز وجل ظاهرة في هذا الكون العظيم، ولذلك سيأتي في الآيات لفت الأنظار إلى الكون وما فيه: السماء وبنيانها، والأرض وامتدادها، والمطر وما أنبت الله به من النبات والحياة على هذه الأرض؛ للدلالة على أن هذه الأمور أكبر بكثير من إعادة إنسان إلى خلقته الأولى.
ومن البدهي عقلاً في المسألة: أن إعادة الخلق أيسر من ابتدائه؛ وليس في قدرة الله تعالى سهل ولا صعب، لكن هذا لتقريب الأمر في أذهان الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27] أي بمقاييسكم البشرية، إن إعادة الخلق أيسر من ابتداء الخلق؛ فالذي يخلق من العدم هو الله عز وجل.
الله جل جلاله هو الذي يخلق من العدم:
أي عامل أو حرفي إذا أراد تصنيع شيء فإنه سيحتاج إلى مواد ليستطيع التصنيع بها، أما رب العالمين جل جلاله فإنه يخلق من العدم؛ إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وهذه القدرة ليست لأحد غير الله عز وجل؛ فلا يخلق من العدم ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا مارد من الشياطين.
والرسل لما أرسلهم الله تعالى أجرى على أيديهم خوارق العادات.
ما معنى خوارق العادات؟
خوارق العادات هي: الأمور الخارجة عن السنن الكونية المعتادة التي يجريها الله تعالى على خلاف ما ألفه الناس، فلا تقع إلا بمشيئته سبحانه.
وخوارق العادات تشمل المعجزات التي يؤيد الله بها الأنبياء، والكرامات التي يكرم بها أولياءه، وكلها واقعة بمشيئة الله وقدرته، لا بقدرة ذاتية للمخلوق.
النار بطبيعتها تحرق، وأي إنسان يتعرض للنار يُحرق، لكن الله تعالى جعل هذا القانون الكوني معطلاً مع الخليل إبراهيم لما ألقوا به في النار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:69] هذه هي المعجزة، لكن الرسول لا يخلق من العدم.
والرسول ﷺ لما كان في الحديبية كان الصحابة في موقف صعب لأن الماء نفد منهم، ونزلوا مكانا ليس فيه ماء، فكانت معجزة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ
والقصة يحكيها لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قائلا: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال جابر: كنا ألفًا وأربعمائة.) رواه البخاري.
الرَّكْوة: إناء صغير يُصنع غالبًا من الجلد، يُحفظ فيه الماء للشرب أو الوضوء، وتشبه القِربة الصغيرة.
فالنبي لم يخلق من العدم، فليس من قدراته ذلك، إنما يجري الله على يديه المعجزات والآيات فوق العادة، على خلاف ما اعتاده البشر؛ للدلالة على أنه رسول رب العالمين.
عند بعض الطوائف من الصوفية مثلاً، يبرهنون على مكانة شيخهم بصلاحه وتقواه وبما يزعمونه من قدراتٍ خارقة، ويذكرون الحديث المكذوب المنسوب إلى النبي ﷺ عن رب العزة: “عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون “هذا حديث لا أصل له، لأن الذي يقول للشيء: كن فيكون هو الله، أما ولي الله المؤمن العارف بربه التقي ، فلا يملك أن يقول للشيء كن فيكون، إنما قد يجري الله على يديه بركة في استجابة الدعاء، بركة في التوفيق لعمل صالح، في هداية الخلق مثلاً، لكن أن يخلق من العدم هذا مستحيل؛ فهذا الأمر ليس لأحد إلا لله وحده .
الشياطين لا تخلق من العدم:
لا يستطيع أي شيطان أن يوجد شيئا من العدم؛ هذا ليس في قدرته، لكن يروَّج دائماً في القصص الخيالية وأفلام الإنمي الموجهة للأطفال أن الشياطين تحقق الأمنيات؛ وفي أفلام الإنمي الموجهة للأطفال، أو أفلام الخيال كسلسلة هاري بوتر الشهيرة عند الأطفال؛ القصة كلها مبنية على تعلم السحر والاستعانة بالشياطين، وأن الشياطين عندها قدرات خارقة وكبيرة، وكذلك قصة علاء الدين والمصباح السحري والجني الذي يحقق له كل ما يطلبه.
والآية الواردة بسورة النمل: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) [النمل:39] فليس معناه أنه سيوجد العرش من العدم، إنما بحكم قدرته العالية سيطير بسرعة ويأتي لسليمان بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، إذن هو أتى بعرش موجود، ولم يوجده من العدم.
فالأفلام الخيالية ترسخ في اللاشعور عند أولادنا أن الشياطين توجد الأشياء من العدم، وأن الشياطين تقوم بتحقيق الأمنيات، هذا كله وهم أو فنتازيا واهمة كاذبة لا أساس لها من الصحة، ولذلك يجب أن نربي أبناءنا على أن الذي يخلق من العدم هو الله وحده، وأن الشياطين لا تستطيع أن تخلق من العدم.
الفارق بيننا نحن البشر وبين قدرات الجن هو سرعة الحركة، وقوانين الحركة تختلف باختلاف جسم الإنسان وطاقته المحدودة في الزمان والمكان، وطاقة الجن وطبيعة خلقهم وقدرتهم على الحركة.
فالذي خلق جميع الإنس والجن والملائكة وكل العوالم، وهذا الكون من العدم، هل يعجزه أن يعيد الإنسان بعد موته؟
فالمسألة ليست متعلقة بإعادة الخلق على أنه خلق جديد، كلا بل سنعيد الخلقة الأولى، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]

قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: 4]
قد علمنا، لم يغب عن علمه جل وعلا، ما تنقص الأرض منهم.
وهذا من بلاغة التعبير القرآني لأن التحلل في جثة الإنسان يتم حيناً بعد حين، زمناً بعد زمن، حتى يتفتت ويبلى، وعلم كل ذلك عند الله.
الإعجاز العلمي في إعادة خلق الإنسان:
ولذلك لما أراد الله تعالى أن يبين لعباده طلاقة قدرته في إعادة الخلق قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3-4]
والعلماء قديماً فسروا الآية على ظاهرها أن قدرة الله تعالى أن يعيد الخلق أو يعيد الناس إلى الخلقة الأولى، وأن كل شيء سيعاد إلى صورته وطبيعته، والبنان: الأصابع، إشارة إلى أنه إذا كان البنان سيعاد فمن باب أولى أن يعاد الكل.
لكن لماذا قال: (بنانه) على وجه التحديد؟
في القرن الماضي اكتشف العلماء بصمة الأصابع؛ هذه الخطوط التي رُسمت بشكل هندسي عجيب، اكتشف العلماء أنه ليس هناك إنسان على وجه الأرض تتشابه بصمته مع إنسان آخر.
وفي بدايات القرن العشرين بدأت الدراسات المختلفة عن البصمة، وأكدوا أنه ليس في العالم أجمع أي تشابه بين بصمة إصبع وإصبع، وبين توأم وصاحبه، وبين أب وابنه، فكل إنسان له بصمة خاصة لا تتكرر مع غيره، ولذلك اعتمدوا بعد ذلك موضوع البصمة في الأدلة الجنائية.([5])
فإذا كانت البصمة التي على الأصابع لا تتشابه بين إنسان وإنسان سيعيدها الله جل وعلا كما كانت، فما بالنا بما هو أكثر من ذلك.
فالله جل في علاه ذكر هذه الآية في سورة القيامة وتلاها نبينا ﷺ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، حتى يأتي العلم ليكشف لنا جانبًا من الحكمة لماذا قال “بنانه” على وجه التحديد؟
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: في تفسير قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] إن عطاء قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ ممتد في الزمان كله، وإن العلم يكشف للناس كل يوم جديدًا من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، بما يدل على قدرة الخالق…. ثم قال: فإنْ قلتَ: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه.
فالله تعالى أراد أنْ يظلَّ استقبال الأجيال للقرآن استقبالاً جديداً، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديماً أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يردُّ عليه ما قال.
إذاً الله تعالى أحاط علمه بكل ذرة تتحلل في باطن الأرض من أي إنسان، وهو سبحانه سيعيده ويبعثه ويوقفه بين يديه للحساب والجزاء.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4]
حفيظ هنا تفسر بمعنيين:
الأول: حفيظ بمعنى حافظ أي يحفظ الأعمال، وهو كتاب الأعمال الذي سجلت فيه الملائكة أعمال الخلق.
الثاني: حفيظ بمعنى محفوظ، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء، كما قال النبي ﷺ وهو محفوظ فلا يطلع عليه أحد إلا بإذن من الله تعالى، بمعنى أن الشياطين لا تسترق السمع ولا تنقل منه، لأن هذا محفوظ عند الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [سورة ق: الآية 5]
والحق هنا هو رسول الله ﷺ أو هو الإسلام.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق: الآية 5]
ومَرج الشيء يعني اضطرب واختلط، حتى أننا نقول في كلامنا: “هناك هرج ومرج” يعني أمور مختلطة ومضطربة.
ظهر فيهم رسول الله وكانوا يعرفونه جيدا فقد كان معهم أربعين سنة قبل البعثة وقبل الوحي، ويلقبونه بالصادق الأمين.
فزعموا أنه مجنون!! فلما وجدوا أن التهمة غير ثابتة وليس لها دلائل، قالوا: كلا، هو يأتي بكلام يشبه أوزان الشعر، فهو شاعر.
فلما وجدوا أن القرآن لا يأتي على نسق ولا نظم ولا بحور الشعر، قالوا: هذا كلام عندما يقوله محمد يتأثر به من يسمعه فيؤمن بمحمد، إذن محمد يفرق بالقرآن بين العبد وسيده وبين الزوج وزوجته وبين الأب وابنه، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (سورة المدثر: الآية 24).
والسؤال: إذا كان النبي ساحراً لماذا سحر العبيد والنساء والأبناء ولم يسحركم أنتم؟
(فهم في أمر مريج) مضطرب قالوا نعبد هذه الأصنام المسماة آلهة وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ أين تكون الشفاعة؟
يوم القيامة!!! ومع هذا قالوا لا، ليس هناك يوم القيامة، نحن ننكر البعث.
إذاً فعندهم اضطراب، وهذا دائما شأن أهل الباطل.
الحجج زائفة مائعة، عندهم اضطراب وشك وتردد وحيرة وعدم ثبات.
أما الحق فإنه واضح ثابت قوي متماسك لا يتغير لا يتبدل.
فكل أهل الباطل في أمر مريج، وأهل الحق دائما ثابتين على الحق قائمين.
وهذا معنى قول رسول الله ﷺ: “الحقُّ أبْلَجُ والباطلُ لَجْلَجُ” أخرجه ابن حبان في صحيحه.
أبلج يعني كضوء الصبح، واضح قوي، لا فيه غبش ولا ظلمة ولا غيم؛ أبلج كضوء الصبح.
والباطل لجْلَج، من اللجلجة وهي الاهتزاز والارتعاش وعدم الثبات.
الخلاصة: فهم في اختلاط واضطراب لا يعرفون ماذا يقولون عن محمد ولا عن الإسلام ولا يستقرون على قرار، لأنهم ليس عندهم أي رؤية صحيحة عما جاءهم به نبينا ﷺ.
من هداية الآيات:
- كان النبي ﷺ يكثر من قراءة سورة ق في المجامع الكبرى لاشتمالها على أصول الإيمان الكبرى: بدء الخلق، والبعث، والحساب، والجنة والنار، والترغيب والترهيب.
- من أبرز مقاصد السورة إثبات البعث وإقامة البراهين على قدرة الله تعالى على إحياء الناس بعد موتهم.
- الحروف المقطعة تشير إلى إعجاز القرآن؛ فهو مكوّن من الحروف العربية التي يعرفها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
- القرآن مجيد؛ أي عظيم الشرف، رفيع القدر، لأنه كلام الله تعالى، ومشتمل على أعظم الهداية والخير.
- ينال العبد من الشرف بقدر صلته بالقرآن علمًا وتلاوةً وعملًا وتعليمًا.
- كل ما اتصل بالقرآن نال شرفًا؛ فشرف شهر رمضان، وليلة القدر، وجبريل، والنبي ﷺ، والأمة، وأهل القرآن، إنما كان لاتصالهم به.
- العقل الصحيح لا يعارض الوحي الصحيح، والعقل محدود، فلا يجوز ردّ حقائق الغيب لمجرد عدم إدراك كيفية وقوعها.
- العقل تابع للوحي وليس حاكمًا عليه؛ فما ثبت في القرآن والسنة وجب الإيمان به، وإن خفيت حقيقته أو كيفيته.
- قدرة الله مطلقة، والذي بدأ الخلق من العدم قادر على إعادته بعد الموت، بل إن الإعادة في إدراك البشر أيسر من الابتداء.
- الخلق من العدم خاص بالله وحده، فلا يملكه نبي ولا ملك ولا ولي ولا شيطان.
- ينبغي حماية عقيدة الأطفال من التصورات الخيالية التي توهم أن الجن أو السحرة يخلقون الأشياء أو يحققون الأمنيات بقدرة مستقلة.
- الله يعلم ما تأكله الأرض من أجساد الموتى، ولا يضيع من خلق الإنسان شيء عن علمه سبحانه.
- قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ دليل على دقة الإعادة؛ فالله يعيد الإنسان كاملًا حتى أدق التفاصيل كبصمة أصابعه.
- التكذيب بالحق يؤدي إلى الاضطراب والحيرة؛ ولذلك وصف الله المشركين بأنهم ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.
- شأن الباطل التناقض وعدم الثبات، أما الحق فواضح ثابت متماسك، لا تضطرب حججه ولا تتناقض أصوله.
- الإيمان باليوم الآخر يغيّر حياة المسلم؛ فينظر إلى الدنيا باعتبارها دار اختبار، ويستعد بالعمل الصالح للقاء الله.
- الغاية العملية من السورة تعظيم القرآن، واليقين بالبعث، والثبات على الحق، وعدم الاغترار بالشبهات المتناقضة، والاستعداد للحساب والجزاء.
[1] “تفسير ابن كثير” (7/ 367).
([2]) باختصار يسير من “فتح الباري” (2/259)
([3]) وذكر مصطفى صادق الرافعي في تاريخ آداب العرب (3/41) أن أصل هذا الاعتقاد يُحتمل أن يكون مأخوذًا من الكهانة؛ إذ كان لكل كاهن في زعمهم «رئي» أو تابع، ثم نُقلت الفكرة إلى الشعراء، وربما كان ذكر «شيطان الشاعر» أحيانًا مثلًا أو كناية عن قوة القريحة والغضب والفطنة، لا إخبارًا حقيقيًا عن جنيّ معين.
([4]) المدرسة العقلانية اسم يُطلق على اتجاهات مختلفة يجمعها تقديم العقل بوصفه أداة أساسية في معرفة الحقائق والحكم على الأفكار، فالعقل عندهم مصدر رئيس للمعرفة، والإسلام لا يرفض العقل؛ بل يدعو إلى النظر والتفكر والاستدلال، لكنه يجعل النقل الصحيح والعقل الصحيح متوافقين، ولا يجعل العقل البشري المحدود حاكمًا مطلقًا على الوحي، إنما يأتي العقل مستنيرا بنور الوحي.
([5]) وحصل أن إحدى عصابات المافيا لما قبض على أحد المجرمين منهم خافوا من اكتشاف بصمته في مكان الجريمة فقاموا برشوة طبيب ليكشط جلد الأصابع لهذا المتهم حتى تنمحي البصمة، وبقي ثلاثة أشهر حتى تعافى، ولما تعافى أخذوا بصمته فإذا بها عادت كما كانت بعد ثلاثة أشهر وكشط تام للجلد.


د.خالد الطويل
جزاك الله خير الجزلء معالي الدكتور الحبيب