8- قوله تعالى: “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”

هذا لقاؤنا الثامن مع تفسير آيات سورة ق نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السعداء بالقرآن في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وأزواجنا، وذرياتنا من أهل القرآن اللهم آمين.
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ سورة ق: 17،18]
هاتان الآيتان المباركتان مرتبطتان بقول الله تعالى قبلهما ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فالله عز وجل أخبر أنه هو الذي خلق الإنسان وأنه يعلم سره وعلانيته، وأنه من جليل علمه جل وعلا أنه يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وأنه سبحانه وتعالى أقرب إلينا من حبل الوريد.
فالمعنى: ونحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر، ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة، وتوكيدا للأمر عليه، فجعل عليه من الحافظين شهوداً يشهدون عليه كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) [سورة الانفطار:10] يحفظون عمله (كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [سورة الانفطار:11، 12].
إذن فالله تعالى ليس بحاجة إلى أعوان ليدرك أو ليعلم ما يصدر عن العباد من أقوال أو أفعال؛ فأي مسؤول في الدنيا عنده بطانة من المستشارين والأعوان يرفعون إليه التقارير، أما الله سبحانه وتعالى فقد أحاط بكل شيء علماً ، وأما الملائكة التي أوكلها الله بنا فهي لإقامة الحجة على العباد، فمن تمام عدل الله سبحانه وتعالى أنه لن يحاسبنا بعلمه المحيط بل يقيم الحجة على العباد بأن أوكل بنا ملائكة حفظة يرصدون ويكتبون كل شيء يصدر عنا.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾[ سورة ق: 17]
التلقي : أخذ الشيء من يد معطيه؛ استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس.
ومعنى التلقي هنا أن الله أوكل بهم مهمة رصد كل ما يصدر عن الإنسان وهما متلقيان أي ملكان كما ورد في التفسير عن كثير من السلف فملك عن اليمين يكتب الحسنات وملك عن الشمال يكتب السيئات.
ومعنى قعيد أي ملازم لصاحبه لا ينفك عنه كما نقول عن المشلول قعيد بسبب المرض الذي لا ينفك عنه.
فالملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي أنهما ملازمان لصاحبهما لا ينفكان عنه.
كيف قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، ولم يقل: قعيدان، وهو وصف للمَلَكَيْن اللذَيْن سبق ذكرهما بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾؟
هذا باعتبار أنه عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، حذف الأول لدلالة الثاني عليه .
وهناك بعض الخرافات أن ملك اليمين على الكتف الأيمن وملك الشمال على الكتف الأيسر وهذا لا دليل عليه فالله لم يقل “على اليمين” إنما قال “عن” التي تفيد المجاورة والمجاوزة فالملك لا يجلس فوق كتفك كما يتوهم البعض بل هو ملك عن يمينك جهة اليمين وملك عن شمالك جهة الشمال ليس لهما تعلق بمكان في جسدك وإنما يجاورونك.
ومن لطف الله جل وعلا أننا لا نشعر بهم فالإنسان لو شعر أنه مراقب لا يستطيع الحياة بحرية فلو قيل لك إن حركاتك مصورة ومسجلة ستجد الحياة صعبة لأنك مراقب في كل سكناتك وتقلباتك وجدك ومزحك فالله تعالى من لطفه أن أوكل بنا الملائكة لكننا لا نشعر بهم أبداً ولا يمثلون لنا أي عائق في مباشرة حياتنا الدنيا.
ومن أيقن هذا خاف الله -تبارك وتعالى- وكف عن كل ما لا يليق وصار عليه رقيب من نفسه؛ لأنه يعلم أنه لا يحصل له خلوة إطلاقاً، فالخلوة على هذا الاعتبار متعذرة، هي خلوة عن الناس، ولكن الله يراه والملكان معه يكتبان ويرصدان، ويرقبان وينظران.
قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) لماذا قال من قول؟ ولم يقل من قول أو فعل؟
العلماء قالوا: إن المقصود هنا التعبير بالقول لأن غالب الطاعات والسيئات تكون باللسان وهو جارحة من أخطر الجوارح وبه يتعلق الكثير من الأعمال فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
وهذا سبب من أكبر الأسباب الموجبة للنار لأنهم يتكلمون ولا يدركون خطورة ما يتكلمون به.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري]
وهذا ما نراه في وسائل التواصل اليوم حيث ينتشر المقطع الذي لا يتجاوز الدقيقة فيراه الملايين وقد يكون فيه نشر لخير، أو نشر لشر، وفضح لعورات الناس.
(رقيب) أي يراقب ويحافظ ويرصد الأعمال.
(عتيد) أي مهيأ ومعد وحاضر للكتابة فالملك عنده قدرة أقدره الله عليها أن يدرك الحسنات فيسجلها والآخر يدرك السيئات فيسجلها؛ فكلاهما حاضر مهيأ لا يغيب ولا يذهب لحاجة أو ينشغل بأكل أو شرب أو ينام أو يحصل له نعاس أو غفلة أو يتلهى بمكالمة أحد، هو يرقبه في كل لحظة لا يغيب عنه شيء من هذه التصرفات، فالمخلوق قد يرقب مخلوقاً، ولكنه ينشغل عنه، بمكالمة غيره، بنوم، ولكن هذا الملَك رقيب عتيد فهو حاضر لا يغيب بحال من الأحوال كل ما يصدر عن العبد فهو يرصده ويكتبه، ومعدٌّ لكتابته متخصص في هذا ليس عنده شغل آخر يشغله عنه.
ومشهور عند البعض أن رقيب وعتيد أسماء للملكين وهذا فهم خاطئ والصواب أن “رقيب عتيد” وصف لملك اليمين و “رقيب عتيد” وصف لملك الشمال فهذا وصف وليس اسماً لأن واو العطف تفيد المغايرة وهي غير موجودة بالآية فلو قلت جاء محمد وعلي فهما شخصان أما لو قلت جاء محمد الكريم فهو وصف لشخص واحد .
إن الله كتب الحسنات والسيئات
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كيف تكتب الملائكة الحسنات والسيئات؟
ففي الحديث :عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسناتٍ إلى سبعمائة ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ، وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئةً واحدة) رواه البخاري ومسلمٌ .
قوله : (فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً) قوله: “فلم يعملها”:لسببٍ طرأ أو لكسلٍ أو نحو ذلك؛ وكُتِبَ الهمُّ حسنة؛ لأنه سبب لعملها وسبب الخير خير”كاملة”: وُصِفَت بالكمال؛ لئلا يتوهم أن كونها مجرد همّ ينقص ثوابها.
(وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسناتٍ إلى سبعمائة ضِعفٍ) وهذا التضعيف ملازم لكل حسنة، كما دل عليه قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160] وهذا أقل ما وُعِدَ به من التضعيف، وقد تقع المضاعفة إلى ما شاء الله تعالى، كما قال في الحديث: “إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة“. كمافي قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261] فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تُضاعَف بسبعمائة ضعف.
والضعف: بكسر الضاد، يعني المثل، واستُعْمِل في المثل وما زاد عليه، وذلك بحسب إخلاص النية وصدقها.
وفي حديث أبي مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: “لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة” ( أخرجه البخاري، ومسلم ) وهذا الثواب عام في جميع الطاعات الواجبة أو المندوبة.
(إلى أضعافٍ كثيرةٍ)بحسب الزيادة في الإخلاص والصدق فيه، وبحسب فضل العمل وقوة العزيمة وحضور القلب وتعدي النفع؛ كالصدقة والعلم والسنة الحسنة، ونحو ذلك.
وإنما أُبهم التضعيف؛ لأنَّ ذكر المبهم في مقام الترغيب والترهيب أقوى في الحث.
(وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً)أي أراد فعل ذنب، وسميت سيئة؛ لأنها تسوء صاحبها في الدنيا والآخرة. وتُسمى خطيئة؛ لأن شأنها أن لا تقع من عاقل إلا على سبيل الخطأ.
“فلم يعملها”: أي تركها قولًا كانت أو فعلًا أو اعتقادًا لله تعالى، لا لنحو عجز عنها أو حياء أو خوف أو رياء.
وفي روايات الحديث: “إنما تركها من جرائي”، يعني: من أجلي.
فمن تركها لأجل الله والخوف منه، وترك الإقدام عليها، ورجع عن الهمّ بها؛ كان هذا الرجوع والترك عملًا صالحًا يُجازى عليه العبد بالحسنة.
فإذا تركها من أجل الخلق أو نحو ذلك؛ كأن يتركها خوفًا من المخلوقين أو رياء فقد قيل إنه يُعاقب على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرم، وقصد الرياء للمخلوقين حرام.
هل الملكان يكتبان كل شيء؟
قولان للعلماء:
القول الأول : كل شيء يكتب لأن رب العالمين قال ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] لأن ظاهر الآية يدل عليه لأنه قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ، ف (قول) : نكرة في سياق الشرط، وقد سبقت بمن والنكرة في سياق الشرط أو النهي أو الاستفهام تكون للعموم.
القول الثاني: الأشياء التي لا ثواب فيها ولا عقاب لا تكتب لأنها لا ينبني عليها شيء وهو الكلام المباح أو الأفعال التي لا يترتب عليها جزاء وهذا ما أرجحه لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شر ليكون عليه الجزاء فلا يكتب الحفظة إلا ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك، وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء، فيسجل كل ما يترتب عليه ثواب أو عقاب فقط.
مواقيت رفع الأعمال
وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأعمال تكتب ثم ترفع إلى رب العالمين وهناك عرض يومي ، وعرض أسبوعي، وعرض سنوي.
أولا / الرفع اليومي للأعمال.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ) :يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم-؟ كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون وأتيناهم وهو يُصلُّون).
وأخرج الإمام مسلم عن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع الله عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه)
وقوله : (يخفض القسط ويرفعه ) القسط هو الميزان؛ لما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: (وبيده الميزان يخفض ويرفع(
وسمى قسطا لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، والمراد أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة ويوزن من أرزاقهم النازلة.
وقوله : (يرفع الله عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل ) أي يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، وعملُ الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الحَفَظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل؛ ففي هذين الوقتين تُرفَع التقارير اليومية آخرَ كل يوم وليلة، فعملُ النهار يُرفَع في آخره، وعملُ الليل يُرفَع في آخره، وهكذا، وهذا الرفع يُطلَق عليه الرفع الخاص؛ أي: خاص بعمل الأيام والليالي.
ثانيا/ الرفع الأسبوعي للأعمال.
النوع الثاني :رفع الأعمال إلى الله تعالى يوم الاثنين والخميس:
أخرج الإمام أحمد في مسنده:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، فقيل له(أي سُئل عن ذلك): قال: إن الأعمال تُعرض كل اثنين وخميس فيُغْفَر لكل مسلم ـ أو لكل مؤمن ـ إلا المتهاجرين، فيقول أَخِّرهما)
وعند الترمذي بلفظ: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبُّ أن يُعْرض عملي وأنا صائم)
النوع الثالث:هو رفع الأعمال إلى الله تعالى في شعبان:
كما جاء في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الإعمال فيه إلى رب العالمين، فأحِبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني .
ورفع الأعمال إلى الله تعالى مع كونه صائماً أدعى إلى القبول عند الله تعالى ـ كما مرّ بنا ـ
وهذه التقارير تكتب في سجلات كبيرة، ثم تنشر يوم البعث والنشور: ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ [التكوير: 10]، ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾ [الإسراء: 13- 14].
مشهد نشر الصحف وسجلات الأعمال
يقول الله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29] فإذا كان يوم القيامة كان هناك تناول لصحف الأعمال كما قال تعالى: (وإذا الصحف نشرت) وهذه الصحف ليست كدفتر أو كراس أو أجندة كالتي نفتحها في الدنيا وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث البطاقة الذي جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله – تعالى – شيء) رواه الترمذي، والنسائي، وحسنه الألباني.
الأعمال عند الله مسجلة بالصوت والصورة:
ونفهم من آيات القرآن الكريم أن هذا التسجيل ليس كتابة فقط بل إنك ستقرأ وترى قال تعالى ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: 40] ونحن الآن نفتح أي صفحة إخبارية إلكترونية فنجد الخبر مكتوباً ثم المقطع المصور لهذا الخبر فأنت في صفحة واحدة إن أحببت أن تقرأ قرأت وإن أحببت أن تستوثق بالسماع كان أمامك المقطع فهكذا الأعمال يوم القيامة حيث قال تعالى ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49] أي مشاهداً أمامهم وقال سبحانه ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: 13] والآية التي في سورة البقرة ﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167] فيوم القيامة سجل الأعمال موجود بالصوت والصورة وكل شيء مسجل ومدون ولا يظلم ربك أحداً حتى يقول المجرمون يوم القيامة ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]
مكفرات الذنوب وما يمحو الخطايا
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا أسأنا أن نحسن وبين أن الحسنة تمحو السيئة فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [رواه الترمذي وقال حديث حسن]
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» [رواه مسلم]
وفي حديث ثالث:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه، بضعا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه(لا يخرجه) إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه»؛ متفق عليه
باب التوبة مفتوح
ومع أن هذه التقارير تكتب وترفع إلى رب العباد، إلا أنه – تبارك وتعالى – تواب يحب التوابين؛ ولذلك فقد جعل للتوبة بابا مفتوحا إلى أن تطلع الشمس من مغربها؛ كما جاء في حديث عن أبي موسى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن الله – عز وجل – يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم .
وهذا من كرمه – عز وجل – أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت، فإذا أذنب الإنسان ذنبا في النهار، فإن الله – تعالى – يقبل توبته ولو تاب في الليل، وإذا أذنب وتاب في النهار، فإن الله – تعالى – يقبل توبته، بل إنه – تعالى – يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن فإذا تاب العباد توبة صادقة، تاب الله عليهم، وبدل السيئات حسنات، كما أخبر بذلك في قوله: ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الفرقان: 70].
والآن أوصيك أخي وأوصي نفسي بهذه الكلمات:
- احرص أن تقدم العمل الطيب فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا
- اقرن عملك بالإخلاص فأعمالك بدونه تكون هباء منثورًا، ولن تجني منها سوى التعب.
- ليكن لك خبيئة لا تراها الأعين ولا تسمعها الآذان ولا تلتقطها العدسات .
- احذر الشحناء فإنها تمنع قبول الأعمال كما سبق بيانه في الحديث.
- داوم على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة ليُكتب لك أجرها ولعل الله يختم لك عليها.
- أكثر من الدعاء أن يتقبل الله منك وأكثر من الاستغفار .