تفسير سورة ق : 5- قوله تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركا…)

تاريخ الإضافة 6 يناير, 2026 الزيارات : 31

5- قوله تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركا…)

ما زلنا في رحاب سورة ق سائلين الله عز وجل أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وأن يسعدنا به في الدنيا والآخرة وأن يرفعنا به في الدنيا والآخرة اللهم آمين.

وقد بلغنا إلى قول الحق تبارك وتعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [سورة ق: 9].

نعمة الماء وسر الحياة

لما ذكر الله تعالى السماء وما فيها من عظمة والجبال وما فيها من إرساء للأرض حتى لا تضطرب بأهلها ذكر الأرض، والله سبحانه وتعالى جعل الصلة بين السماء والأرض بأن جعل الرزق ينزل من السماء، وجعل المطر الذي هو سبب الماء جعله رب العالمين رحمة وبركة على أهل الأرض. {ونزلنا من السماء ماء مباركا} [سورة ق: 9].

  • والماء من أعظم نعم الله تعالى على عباده في هذه الدنيا.
  • الماء دليل من أدلة عظمة الله جل وعلا على الخلق.
  • الماء وإن توصل العلماء إلى تركيبته الكيميائية إلا أنهم إلى الآن لا يستطيعون تصنيعه.
  • الماء سر الحياة {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [سورة الأنبياء: 30].
  • الماء ينزله الله تعالى فيجعله ريا وحياة للإنسان والحيوان والنبات وسائر الكائنات.
  •  سماه الله تعالى غيثا ، والغيث يعني ما يغاث به الناس {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} [سورة الشورى: 28].
  • وسماه الله رحمة قال: {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها} [سورة الروم: 50].
  • ربما نحن لألف النعمة نعمة الماء تفتح الحنفية فينزل منها الماء لا ندرك قيمة وعظمة هذه النعمة.
  • نعمة الماء جعلها الله سببا للعمران وسببا للحضارات.
  • أغلب الحضارات تاريخيا قامت على الماء .
  • معنى وجود الماء معناه حياة الإنسان  ووجود الزراعة ووجود الحيوان وتربيته.

هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند المطر

من السنة أن يعرض بعض أعضائه للمطر النازل: قال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، قال: فحسر -أي كشف- رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟! قال: «لأنه حديث عهد بربه تعالى» رواه مسلم

الدعاء عند نزول المطر:

 أما عن الدعاء عند نزول المطر، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: (صيبا نافعا) رواه البخاري

 اللهم صيبا أي اسقنا صيبا، والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع،وقوله (نافعا) تتميم في غاية الحسن لأن صيبا مظنة للضرر والفساد. 

ومن الواجب على العبد في هذا المقام أن يعرف نعمة الله عليه، وينسب الفضل إليه، فهو سبحانه مولي النعم ومسديها، بيده العطاء والمنع، والخفض والرفع، لا رب سواه ولا إله غيره.

وقد ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل -أي على إثر مطر- فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» رواه البخاري ومسلم

 فالقائل عند نزول المطر: مطرنا بفضل الله ورحمته، قد نسب النعمة لمعطيها، وأضاف المنة لموليها، واعتقد أن نزول هذا الفضل والخير والرحمة إنما هو محض نعمة الله وآثار رحمته سبحانه.

وأما القائل عند نزول المطر: مطرنا بنوء كذا وكذا، فلا يخلو من أمرين:

إما أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، وهذا كفر ظاهر ناقل من ملة الإسلام، أو يعتقد أن المنزل للمطر هو الله، والنوء سبب، فيضيف النعمة إلى ما يراه سببا في نزولها، وهذا من كفر النعمة وهو من الشرك الخفي.

والأنواء ليست من الأسباب لنزول المطر، وإنما سبب نزول المطر حاجة العباد وافتقارهم إلى ربهم وسؤالهم إياه، واستغفارهم وتوبتهم إليه، ودعاؤهم إياه بلسان الحال ولسان المقال، فينزل عليهم الغيث بحكمته ورحمته، بالوقت المناسب لحاجتهم وضرورتهم، ولا يتم توحيد العبد حتى يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة عليه وعلى جميع الخلق، ويضيفها إليه، ويستعين بها على عبادته وذكره وشكره.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد المطر قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر) رواه البخاري
وفي حديث سهل بن سعد مرفوعا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر) رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني.

والدعاء عند النداء: أي وقت الأذان، أو بعده.
وتحت المطر: أي عند نزول المطر.

هل الدعاء عند نزول الثلج مستجاب؟

 الثلج له حكم المطر لأنه ماء تجمد، والإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها) [سورة النحل 80] قال: وهذا كقوله – تعالى –: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم، وسكت عن ذكر الثلج، لأنه لم يكن في بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة، وقد ذكرهما النبي – صلى الله عليه وسلم – معا في التطهير فقال: اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد، قال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط.

الماء وعلاج الأمراض:

والله سبحانه وتعالى جعل في الماء شفاء للعديد من الأمراض وهذا ما أثبت علميا الآن، فهو يساعد على الهضم والتخلص من الفضلات، ودعم صحة المفاصل، وإنتاج اللعاب الذي يساعد في توازن المعادن بالجسم، والمساعدة في إنتاج الهرمونات، وتوصيل الأكسجين إلى جميع أنحاء الجسم، وتنظيم درجة حرارة الجسم.

 وقلة شرب الماء يؤدي إلى آلام المفاصل، والتأثير على وظائف الدماغ، وقد يؤدي عدم أخذ كمية كافية من الماء إلى انخفاض القدرة على التفكير بطريقة سليمة ومنطقية،  وأيضا مشكلات البشرة لجفاف الجلد، وتكون التجاعيد المبكرة، والإمساك ، ومشكلات في الكلى والمسالك البولية، وانخفاض ضغط الدم.

ولذلك أذكركم بأن نحمد الله تعالى على هذه النعمة، فعندما تشرب وترتوي من الماء تحمد الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). أخرجه الإمام مسلم 

وكان النبي يقول: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين). فينسب الفضل لله سبحانه وتعالى.

معاني الجنات وحب الحصيد

{ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [سورة ق: 9].

جنات جمع جنة وتطلق عند العرب كلمة جنة على المكان الذي يمتلئ بالأشجار العالية وسميت جنة لأن من يدخلها يستتر.

الفعل جن: يعني اختفى واستتر. فلما جن عليه الليل أي أقبل بظلامه فستر كل شيء. ومنه الجن لأنهم مستترون لا نراهم. ومنه الجنين لأنه مستتر في بطن أمه. فالجن والجنين والجنة من الاستتار والاختفاء فلضخامة الأشجار وعلوها تسمى جنة فأنبت الله تعالى بهذا الماء جنات.

وحب الحصيد: الحب معروف القمح والأرز والشعير وهذه الحبوب التي يقتات بها الإنسان.

الأشجار تؤتي ثمارها كل عام لأن الشجرة ثابتة وتثمر مرة في العام، أما الحب فإنك تحصده ثم تأكل منه جزءا وتزرع الجزء الآخر في العام التالي وتستمر هكذا دورة الحياة يثمر النبات القمح أو الأرز أو سائر الحبوب فتأكل منه وتزرع منه وتدوم الحياة {فأنبتنا به جنات وحب الحصيد}.

{والنخل باسقات لها طلع نضيد} [سورة ق: 10].

النخل ذكره الله على اسمه كشجرة رغم أنها داخلة في جنس جنات لأن جنات اسم يطلق على الأشجار.

 لماذا خص الله النخلة بالذكر ولماذا ذكرها دون ذكر الثمرة؟

خصها الله بالذكر لكثرة منافعها؛ فالنخلة من أولها لآخرها كلها منافع. يعني القرآن لما تكلم عن ثمرة شجرة الكرم العنب فذكر الثمرة فقط وهي العنب لأن الانتفاع يكون من الثمرة العنب فقط.

أما النخلة لم يذكر ثمرتها وهي البلح أو التمر والرطب إنما ذكرها باسمها لأن الجذع فيه فائدة؛ الليف يؤخذ من الجذوع فتحشى به أفخم المراتب والمخدات والصالونات والكراسي إلى آخره؛ والسعف له فوائد عديدة والثمرة لها فوائد كثيرة.

كل شيء في النخلة فيه منفعة وفيه فائدة فلا ترى شيئا في النخلة ليس له فائدة سبحان الله العظيم، فخصها الله بالذكر لبركتها وخيرها ومنافعها الكثيرة وأن منفعة النخلة ليست في الثمرة فقط إنما في كل ما في النخلة فيه منفعة للبشرية.

ومعنى {والنخل باسقات} باسقة يعني عالية شديدة العلو أو عظيمة الارتفاع حتى أنك لو رأيت صور الرياح العواصف تجد أن الرياح ربما تقلع الشجر من جذورها لشدتها أما النخل فغالبا ما يتمايل يمينا وشمالا ولا تنخلع، والله عز وجل قال: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} [سورة إبراهيم: 24]. هذه هي النخلة.

وضرب النبي المثل بالمؤمن بالنخلة وقال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟) فكان الجواب هو أنها النخلة.

فالنخلة شجرة عظيمة البركة عظيمة الفائدة خلقها وما فيها منافع وبركة من دلالات عظمة الله جل وعلا في الخلق.

{والنخل باسقات لها طلع نضيد} الطلع الذي هو أول الثمرة الباكورة ونضيد يعني متراص في صورة هندسية يعني كأن مهندسا قام  فهندس الشكل بهذه الصورة المتناسقة تجد هذا التراص الهندسي بشكل منظم ومرتب ليدل على عظمة الله الخالق البديع جل جلاله فتبارك الله أحسن الخالقين. {والنخل باسقات لها طلع نضيد} فهذا كله من آيات الله عز وجل.

الرزق والبعث والنشور

{رزقا للعباد} [سورة ق: 11]

جعل الله هذه الجنات وحب الحصيد والنخل وما فيه من منافع رزقا للعباد وهذا الرزق لجميع العباد المؤمن والكافر وسعهم الله بعطائه.

{رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [سورة ق: 11].

إذن الآيات هنا ذكرت إنزال الماء {ونزلنا من السماء ماء مباركا} ثم إنبات الجنات وحب الحصيد  للاستدلال على أمرين:

الأمر الأول: الأمر الأول عظمة الله وقدرته فنزول الماء آية من آيات الله عز وجل دالة على عظمته، وهو مسلم به عند مشركي العرب الذين كانوا ينكرون وحدانية الله والبعث، دورة الماء في الكون وتجدد الحياة في الكون لما تسقط أشعة الشمس على المسطحات المائية في الكرة الأرضية ثم تتصاعد وتتكثف على شكل بخار ثم بعد ذلك الرياح تحركها فتتحول إلى سحاب ثم ينزل المطر وهكذا دورة متجددة في هذه الحياة يرينا عظمة الله تعالى ويرينا كيف أن لهذا الكون إلها عظيما قادرا جل جلاله.

الأمر الثاني:  آية إنزال المطر من السماء وإنبات الأرض بعد موتها دال على قدرة الله تعالى على إعادة الخلق وأن الذي أحيا الأرض بماء السماء سيحيي هذه الأجساد البالية المفتتة ويبعثها من قبورها.

يعني كذلك ستبعثون من قبوركم وتخرجون وتمثلون بين يدي الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شكر نعمه علينا وأن يديم علينا النعم وأن يجعلنا من عباده الشاكرين الحامدين اللهم آمين يا رب العالمين.

Visited 34 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع