تفسير سورة ق : 7- قوله تعالى: (أفعيينا بالخلق الأول…)

لماذا لم يفسر النبي القرآن؟
هذا لقاؤنا السابع مع آيات السورة المباركة، ولا أكتمكم سراً إن قلت لكم إني حينما اخترت الحديث عن هذه السورة المباركة كان في ذهني أن نأخذ ثلاث خطب على أكثر تقدير، لكن سبحان الله أراد الله عز وجل أن نغوص في هذه المعاني المباركة للآيات ونتدبرها وننتفع بها.
وهذا هو السر في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر آيات القرآن الكريم تفسيراً كاملاً، فقد نقل عنه تفسير لبعض الآيات لكن لم ينقل التفسير كاملاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟
لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر القرآن كاملاً لأغلق باب الاجتهاد؛ فمن سيجتهد أو من سيقول قولا بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأراد الله تعالى أن يبقى القرآن كتاباً كله عطاء لمن يلتمس ويبحث ويتأمل ويتدبر.
ولذلك تفتح كتب التفسير في آية واحدة فتجد هذا يفسرها وهذا يتدبرها وهذا يزيل فيها استشكالاً وهذا يعربها وهذا يذكر أوجه القراءات وهذا يأتي بالأحكام الفقهية، فسبحان الله تجد القرآن كتاب عطاء لا ينقطع إلى الآن.
ومن أيام الرسول والصحابة إلى يومنا هذا لا تزال هناك تفسيرات وكتب تصدر عن العلماء في تفسير آيات وسور من القرآن الكريم لأن هذا العطاء لن ينقطع أبداً، فيبقى القرآن متجدداً ويبقى عطاء القرآن متجدداً على مر الزمان.
إثبات البعث والقدرة الإلهية
نأتي إلى الآيات وقول الحق تبارك وتعالى:
{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]. الإعياء يعني التعب والتعب يأتي عن العمل الكثير وبذل الجهد كما هو حال الكثير منا في نهاية يوم عمل شاق متعب يصيبه الإعياء ويحتاج إلى الراحة بعد بذله للجهد، فالذي أصابه الإعياء لا يستطيع أن يقوم بعمل آخر ويحتاج إلى الراحة.
الله سبحانه وتعالى يقول لنا: إنه لم يصبه إعياء بأن خلق الخلق من العدم؛ فقد خلق السماوات وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق هذه الكائنات كلها سبحانه جل شانه ولم يعي بخلقهن، لم يصبه جهد ولا تعب ولا احتياج إلى الراحة، لأنه سبحانه وتعالى منزه عن كل ما يصيب بني الإنسان.
فالسؤال هنا للتقرير كما تقول لابنك: ألست أنا أبوك؟ ألست ابني؟ هذا سؤال للتقرير لما سيأتي بعد.
فهنا الله تعالى يقول: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ}. كلا يا رب لم تعي ولم يصبك إعياء.
قوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}.
اللبس هو الحيرة والشك والتردد؛ هم متحيرون لقيايهم مسألة البعث وفق القوانين البشرية ويتساءلون: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [الصافات: 16] ولو نحن سنصدق هذا في أنفسنا؟ هل نصدقه في آبائنا الأولين؟ يعني الآباء والأجداد ممن مضى عليه آلاف السنين؟ هل سنصدق هذا؟ فالله تعالى يقول إنهم كما ذكر في أول السورة {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [ق: 5].
وهم هنا في حيرة وتردد، فالمشركون منهم من ينكر البعث بصفة كاملة ومنهم من كان يتخبط ويتردد فليس عنده استقرار على شيء: إما ينكر وإما يتشكك وإما يتردد.
{بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}. فمعنى الآية المباركة كما يقول الفقهاء في أصول الفقه قياس الأولى؛ يعني إذا كان الله عز وجل لم يصبه إعياء ولا تعب حينما خلق الخلق الأول من العدم أفسيعييه سبحانه وتعالى أن يعيده مرة أخرى؟
علم الله المحيط :
وبين الله جل وعلا علمه المحيط فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنحنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].
الذي أوجدنا من العدم هو الله والذي يعلم خافية الصدور عندنا هو الله جل جلاله، فإذا كان الله يعلم ما لا يدركه حس إنسان عن غيره يعني ما بداخلي أنتم لا تعرفونه لأنه لا يرى ولا يسمع ولا يشم ولا يلمس… شيء بداخلي الله يعلم ما الذي أفكر فيه الآن، ويعلم ما الذي تفكر فيه أنت الآن.
وعلمه جل وعلا علم إحاطة لايسبقه جهلولا يلحقه نسيان؛ إنما يعلمه جل وعلا فهو بكل شيء عليم.
وهذا معنى (عليم بذات الصدور) الصدر هو محل المشاعر كالحب والكراهية والنفور والإقبال. فما بداخلك حتى من المشاعر يعلمه الله.
فإذا كانت مشاعر الحب والبغض والكره وكل هذه المشاعر يعلمها الله عز وجل فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى؛ إذا كان يعلم هذه الدقائق أيعجزه أن يوجدك مرة أخرى؟
{وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16]
والوسوسة هي الصوت الخفي بداخلك، وقد تكون الوسوسة من النفس وقد تكون من الشيطان.
هنا في هذه الآية الوسوسة من النفس ، ويقصد بها ما نعرفه نحن بحديث النفس، وهذا يحدث عندما يشغلني شيء فأتكلم وأرد على نفسي أو أفكر في موضوع ؛ فهذا اسمه حديث نفس.
هذا الحديث إما أن يكون حديثاً عادياً أو حديثاً فيه وسوسة بالشر ، أو نفس لوامة تلوم صاحبها على ما قصر أو تشجعه على فعل الخير.
وهذا يختلف باختلاف النفس وهذا الحديث الداخلي لا يغيب عن الله عز وجل.
ما الفرق بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان؟
النفس تتوقف عند معصية بعينها، فتجد شخصا نفسه متعلقة بمعصية معينة فهو حريص على أن يسلك الطرق لهذه المعصية: كيف يجلب هذه المعصية؟ وكيف يصل لهذه المعصية؟ فهو متوقف عند شيء واحد مما تشتهيه نفسه وتصر عليه.
الأمر الثاني وسوسة الشيطان: الشيطان يريدك أن تعصي الله بأي شكل، فإذا وسوس لك بمعصية ولم تفعلها زين لك أخرى وثالثة ورابعة، لا يمل هو يريدك أن تعصي الله فقط، فتجد أنك واقع إن استجبت له في هذه المعاصي.
ولذلك العلماء قالوا إن وسوسة النفس أشد من وسوسة الشيطان لماذا؟
لأن وسوسة النفس تلازمك، أما الشيطان فتقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فيذهب… تقرأ آية الكرسي وتتعوذ بالمعوذات فيفر…. أما نفسك فعلاجها التزكية.
تزكية النفس
مرة أحد الشباب سألني عن كلمة أبي بكر الصديق لما قال لعمر أحذرك نفسك التي بين جنبيك. فقال: كيف يحذره من نفسه التي هي ذاته؟ هذا أليس تناقضاً؟
كلا هذا ليس تناقضاً، أنت عندك غرائز أو نوازع تحركك للخير أو الشر، وهذا ما قاله الله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7-8]. ما في إنسان خلقه الله على الخير فقط كالملائكة، ولا على الشر فقط كالشياطين. إنما خلق الله فينا الاستعداد للأمرين، والإلهام هنا إلهام الفطرة إنك كإنسان خلقه الله عندك استعداد للخير وعندك استعداد للشر.
ما العلاج؟
العلاج بتزكية النفس وتذكيرها بالله رب العالمين، وقد شرع الله لنا الاجتماع لصلاة الجمعة والاستماع للخطبة لنزكي أنفسنا، فنحن نحتاج أن يكون المنبر وخطبة الجمعة زاداً إيمانياً وروحياً للأسبوع كله، وهذا العدد لن يجتمع في درس من الدروس مثلاً .
وتزكية النفوس إحدى مهام الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صلوات ربي وتسليماته عليه يزكي الناس. {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164]. فالتزكية هي تطهير النفس وتنقية النفس وتربية النفس، فتطهر نفسك من الأخلاق الرذيلة والسيئة وتتصف بالصفات الطيبة.
وهذه التزكية هي ثمرة العبادات؛ لماذا نصلي خمس صلوات في اليوم؟ تزكية للنفس. لماذا نخرج الزكاة؟ تزكية للنفس. الصيام والحج تجد العبادات فيها معنى كيف تتحول من نوازع الشرـ والميل إلى الشر إلى نفس مطمئنة أو نفس لوامة تميل إلى الخير وتنزع إليه وتحاول أن تواظب عليه.
تقلب النفس بين أحوالها
فالنفس هي أشق شيء وأصعب شيء، ولو قرأنا آيات القرآن الكريم تجد فيها كثيراً من هذه الأمور التي فيها تفصيل وتوضيح للمعاملة مع النفس. قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} [يوسف: 18]. {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1-2]. {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53]. {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27].
وليس المقصود من هذه الآيات أنها نفس واحدة تثبت على نوع واحد دائما… فقد يتوهم البعض فيقول الله خلقني نفسي أمارة بالسوء فتظل أمارة بالسوء أو نفسي لوامة فتظل لوامة؟
كلا. الإنسان يتقلب ؛ أحياناً ينزع إلى الشر وتكون نفسه أمارة بالسوء، أحياناً يصيبه الغضب مثلاً فتجده يفكر تفكيراً كله عدواني وكله شر، وأحياناً تتملكه الشهوة فيفكر تفكيراً فيه معصية وفيه اعوجاج ويذهب عقله سبحان الله.
وأحياناً تكون نفسه لوامة يعاتب نفسه: ما الذي دفعني لهذا؟ لماذا قلت هذه الكلمة؟ لماذا خسرت زوجتي في موقف غضب؟ لماذا خسرت صاحبي بسبة ما كان لها أي داعٍ؟ يلوم نفسه ويعاتبها ويراجعها سبحان الله العظيم. وأحياناً تكون نفسه مطمئنة يجد نفسه طيبة مقبلة على الطاعة كارهة للمعصية تسعد بطاعة الله ويزين الله الإيمان في قلبه ويحببه إليه.
إذاً فالإنسان يتقلب في هذه الأنواع كلها ولذلك العبادة لا تنقطع أبدا، ولا يعقل أن أحداً سياتي ويقول أنا بلغت مرحلة اليقين!! لست محتاجاً للعبادة؟
بعض الصوفية زعم هذا وكانوا يقولون إن شيخنا لا يصلي لأنه بلغ مرحلة اليقين وهذا جهل كبير لأن اليقين كما ذكر الله هو الموت: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] فلو أن شيخهم ترك الصلاة لأنه بلغ مرحلة اليقين فمعنى ذلك أنه تفوق على رسول الله -استغفر الله-
رسول الله حتى وهو في مرض موته كان يصلي وكان يصيبه الإغماء صلوات ربي وسلامه عليه وعلى الرغم من هذا كان يصلي؛ فاليقين هو الموت فمعنى ذلك أنك مداوم على تزكية نفسك وعلى تهذيبها وعلى تربيتها وتعاهدها حتى تطهر وحتى تزكو.
فكل العبادات وهذه الخطب والمواعظ والمواقف التي يتقلب فيها الإنسان هي لتزكي نفسه وتطهرها.
وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم في خطبته يقول:“إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ” أخرجه مسلم في صحيحه
فكان يتعوذ بالله من شر نفسه بمعنى أن تدفعه نوازع نفسه وغرائزه وشهواته التي جبل عليها إلى معصية الله ومخالفة أمره.
إذاً حتى نفهم هذه النقطة أنا عندي ملكات وخصائص وميزات موجودة عندي أن أعمل خيراً وأن أعمل شراً، أن أؤذي وأظلم وأن أساعد وأعين، أن أقول كلمة طيبة وأن أقول كلمة خبيثة.
أنا إنسان خلقه الله عندي شهوة وميل للنساء أو النساء لها ميل للرجال وهذه فطرة، فأوجهها إلى الزواج وإلى الطريق الحلال المشروع أو أني أوجهها والعياذ بالله إلى العلاقات المحرمة والزنا.
عندي مثلاً شهوة حب المال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]. هذه شهوة موجودة في النفس. فهل أتعب وأعرق وأكسب مكسباً حلالاً أم أسلك الطريق الحرام السهل أو النصب على الناس؟
إذاً أنت عندك الجاهزية للأمرين الخير والشر.
فالذي يدفعك بقوة لأن تقول للحرام لا هي نفس ذكية طيبة، والذي يدفع الآخر إلى أن يقع في الحرام والعياذ بالله هي نفسه الخبيثة.
إذن أنا كمسلم أحتاج دائماً إلى تزكية نفسي وتطهير نفسي، ولذلك تجد الدعاء بالمغفرة كثيراً جداً في هديه صلى الله عليه وسلم:
- تتوضأ تقول بسم الله اللهم اغفر لي ذنبي. لماذا؟ أريد أن أطهر نفسي أولاً بأول وأعمل عملية تطهير لأن الذنوب إذا زادت فإن الإنسان ينزلق. هو منزلق سبحان الله فإذا انزلقت إلى المعصية لا تستطيع أن تعود بسهولة.
- ويدعو في الصلاة بالمغفرة: “اللهمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وبينَ خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ” [أخرجه البخاري ومسلم].
- ويركع ويسجد ويقول: “سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي” [أخرجه البخاري ومسلم].
- وكان في سجوده يقول: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وجِلَّهُ” [أخرجه مسلم].
- وبعد الصلاة يستغفر مرة أخرى: استغفر الله استغفر الله استغفر الله.
لماذا؟
لأن النفس إذا تراكمت عليها الذنوب وتساهل العبد بالذنب فإنه ينغمس في المعصية ويتحول إلى الإقبال على ما يغضب الله والعياذ بالله.
ولذلك رب العالمين سمى من ينغمس في المعصية بأنه واقع في الغفلة قال: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7-8].
أما أهل الإيمان: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9].
وما من حسنة إلا ولها أخوات وما من سيئة إلا ولها أخوات كما قال السلف.
أنت جئت هنا إلى صلاة الجمعة وهذه حسنة لها أخوات:
- فسعيك إلى المسجد حسنات.
- وإلقاء السلام على إخوانك حسنات.
- ووضوؤك للصلاة حسنات .
- وتعطرك للصلاة حسنات.
- وتبسمك في وجه أخيك صدقة وحسنات.
- وسماعك للخطبة حسنات.
- وأداؤك للسنة بعد صلاة الفريضة حسنات وهكذا.
ولو أن رجلا جلس في مجلس معصية ستجد شرباً محرماً وأكلاً محرماً وكلاماً محرماً وسلوكاً محرماً وشياطين من الإنس والجن في المكان تتفق على ما يغضب الله من كذب ولغو وقول زور وبهتان سبحان الله. وما من سيئة إلا ولها أخوات.
إذاً النفس لها وسوسة وتحتاج إلى تزكية وتطهير واهتمام دائم متجدد بتجديد العهد مع الله عز وجل.
الله أقرب إلينا من حبل الوريد
لماذا قال الله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}. تفسير هذه الآية في الآية الأخرى لما قال المشركون: تعالوا نسرّ الحديث حتى لا يسمع إله محمد فيخبره. فالله تعالى قال: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13-14].
السر والعلانية عند الله سواء. إذا كان- ولله المثل الأعلى- الهاتف الذي معنا الآن (smart phone) إذا أدخلت كلمة السر أو المرور خطأ بعد خمس محاولات يتجمد الجهاز!! كيف تتحكم الشركة في الجهاز إلى هذا الحد؟ شركة أبل مثلاً على سبيل المثال في قضايا مرفوعة عليها أن الموديلات القديمة تجمدها عن العمل أو تعطلها أو تبطئها حتى تضطرك إلى شراء موديلات جديدة.
فإذا كان هذا جهاز في جيبك معك صار في ملكيتك لكن الشركة تتحكم فيه وهو في جيبك، وهذا فعل الإنسان؟
أليس هذا يقرب لنا الصورة أن الله الذي خلق لا يخفى عليه شيء عن عبده الذي خلق؟ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
فالذي خلقك من العدم والذي يعلم ما بداخلك والذي هو عليم بذات الصدور لا يخفى عليه شيء من أمرك؛ هل يعجزه أن يبعث الناس من قبورهم مرة أخرى؟
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}.
حبل الوريد هما العرقان في جانبي الرقبة ؛ إذا قطع هذا الحبل أو هذين العرقين يموت الإنسان، وفي المبالغات في اللغة العربية يقولون: ذبحوه من الوريد إلى الوريد.
فمعنى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد هنا بيان لمدى قدرة الله تعالى عليه وأنه ليس هناك إنس ولا جن ولا أي مخلوق يعجز الله عز وجل.
فالله تعالى كما أن علمه محيط فقدرته شاملة لا يعجزه شيء.
فإذا ظن هؤلاء الكفار بإعراضهم وتكذيبهم وصدهم عن سبيل الله أنهم سيعجزون الله فالله أقرب إليهم من حبل الوريد، وهو قادر على أن يسلبهم الحياة وقادر على أن يجعلهم عدماً أمواتاً وأن يفاجئهم بعذابه.
وفي الحديث بقية إن شاء الله. أسأل الله العظيم الكريم جل وعلا أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه وأن يثبتنا على الحق إلى أن نلقاه.