تفسير سورة ق : 3- قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء)

هذا لقاؤنا الثالث مع السورة المباركة سورة ق هذه السورة التي كان كثيراً ما يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر حتى حفظها بعض الصحابة من فمه صلى الله عليه وسلم.
وقد تحدثنا عن الآيات الأولى من السورة والتي تثبت أن القرآن كلام الله عز وجل وأنه وحي منزل من الله العزيز الحميد وأن الله تعالى قادر على أن يحيي الموتى وأن يبعثهم من قبورهم.
الأدلة على عظمة الله وقدرته على البعث
وبعد أن بين سبحانه إحاطة علمه بما يتحلل من كل إنسان في الأرض من ذرة؛ دلل على عظمته وطلاق قدرته بهذا الكون المنظور أمام أعيننا فقال جل في علاه:{أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}[ق:6]
إذا فهذا هو الدليل الثاني، الدليل الأول كان موضوع الخطبة الماضية: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) فالله تعالى علمه محيط بكل شيء حتى أنه سبحانه وتعالى يعلم كل ذرة تتحلل من كل إنسان في جوف الأرض.
الدليل الثاني في هذه الآيات : أن الذي خلق هذا الخلق العظيم وهذا الكون الكبير لن يعجزه أن يعيد الإنسان مرة أخرى هذا الإنسان كم حجمه بالنسبة لهذا الكون؟ ولذلك قال جل وعلا:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[غافر:57] وقال جل في علاه:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}[يس:81]
فهذا استدلال عقلي يبصره كل عاقل أن الذي خلق هذا الكون الفسيح بعظمته وجلاله واتقانه وشموخه لن يعجزه أن يعيدك أيها الإنسان مرة أخرى ويبعثك وتمثل حياً بين يديه جل وعلا.
نوع الاستفهام في الآية
والاستفهام هنا: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ) استفهام إنكاري؛ يعني ما الذي منعهم من أن ينظروا إلى عظمة الله جل وعلا في خلق السماوات، والمشركون كانوا يوحدون الله تعالى بتوحيد الربوبية يعني يؤمنون أن الله هو الذي خلقهم وخلق كل ما في الكون ويقرون بهذا قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[العنكبوت 61]
فهم لا ينكرون هذه الحقيقة إنما كانوا إذا عبدوا توجهوا بالعبادة لآلهتهم ؛ فوحدوا الله توحيد الربوبية، وكفروا بالله في توحيد الألوهية؛ فأشركوا معه غيره في عباداتهم؛ فهم مقرون بهذه العظمة وهذا الجلال الإلهي في خلق السماوات والأرض فقال: ما الذي منعهم أن ينظروا إلى هذه السماء وخلقها للاستدلال على قدرة الله تعالى على خلقهم وبعثهم: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا)
مفهوم السماء ووصف بنيانها
وكلمة السماء تستعمل في اللغة العربية على أنها كل ما علاك هذا الذي نراه في جهة العلو جهة السماء هذا الغلاف الجوي المحيط بالأرض يسميه العلماء: السماء الدنيا يعني أقرب سماء إلينا ؛ هذه السماء واحدة من سبع سماوات طباقاً خلقها الله بعضها فوق بعض.
والله جل في علاه أحكم وأتقن بنيانها فهي عظيمة جليلة ليس فيها فطور ولا تصدع:{فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}[الملك:3]
أيّ بناء بشري بعد مدة من الزمن طالت أم قصرت يتصدع ويتشقق وتحدث فروج يعني خلاء أو فراغ بين الحيطان وبعضها هذا بفعل الزمن… هذه السماء كم عمرها الآن ؟ ملايين مليارات السنين الله أعلم، لكن لا شك أن عمرها كبير وأنها عتيقة ، ومع هذا ما ترى فيها من فروج … ما ترى فيها من خلل… ما ترى فيها من تصدع أو تشقق ؛ فالذي أحكم البناء وأتقنه قادر على أن يخلق مثلهم وأن يعيدهم مرة أخرى.
التفكر في الكون ورد على الملحدين
والله سبحانه وتعالى دعانا إلى أن نتأمل في صفحة الكون لادراك عظمه الله وجلاله حتى نستدل بالصنعة على الصانع ولذلك أبلغ دليل أو أبلغ رد على الملحدين أن نقول لهم: هذا الكون العظيم لا يعقل أنه يدار هكذا بعشوائية بمحض المصادفة هذا الاتقان الكبير العظيم يدل على إله خلاق عظيم.
الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام
والبعض يطرح هذا السؤال وهذا السؤال يردده أبناؤنا كثيراً: إذا كان الله على كل شيء قدير وفعال لما يريد ولا يعجزه شيء ويقول للشيء كُن فيكون لماذا خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ لماذا لم يخلقها بأمره أن تكون فتكون؟ لماذا هذا الوقت بالذات؟
قبل الإجابة أود أن أنبه أن ستة أيام ليست كما هو مشهور عند كثير منا أنها أيام الأسبوع، واليهود كانوايرددون أن الله عز وجل ابتدأ الخلق يوم الأحد وانتهى منه بعد العصر يوم الجمعة واستراح يوم السبت وفي السورة معنا نفي لكلامهم سورة ق:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}[ ق:38]، ما أصابه تعب جل وعلا ما احتاج إلى الراحة، لأنه لم يمسه لغوب جل في علاه.
سؤال: كيف تقدر خلق الكون بعلامة لم تكن موجودة عند خلقه؟
يعني نحن كيف نميز الليل والنهار ونقول: مر يوم وأسبوع وشهر وسنة؟
الأرض تدور حول الشمس فيحدث الليل والنهار، وتدور حول نفسها فتحدث الفصول الأربعة .
الآن لا سماوات ولا أرض ولا شمس ولا قمر كيف نقدرها بأيام الدنيا التي لم توجد بعد؟
وحدة القياس هنا منعدمة غير موجودة!!
إذا فهذه الأيام ليست السبت والأحد والإثنين ؛ وإنما هي أيام في علم الله تعالى.
هل هي كقول الله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: 47] قال بذلك بعض العلماء أنه من الممكن أن اليوم بألف سنة، وهذا اجتهاد للعلماء لكن لا شك أنها ليست كأيام الأسبوع لأنها لم تكن وجدت بعد.
قال القرطبي في تفسير الأيام: “في ستة أيام” أي من أيام الآخرة أي كل يوم ألف سنة لتفخيم خلق السماوات والأرض…. وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل، إذ هو القادر على أن يقول لها “كوني فتكون” ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور…. وحكمة أخرى من خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا… اهـ
وقال القرضاوي في هدي الإسلام : ولعل هذه الأيام عبارة عن ستة أزمنة وآماد لا يعلم مداها إلا الله تعالى يتحدد كل يوم منها بما تم فيه من عمل، أو ست دورات فلكية لا نعلمها، وهي غير أيامنا المرتبطة بالدورة الشمسية، أو ستة أطوار مرت على هذه المخلوقات؛ كل ذلك محتمل واللغة العربية تساعد عليه، والدين لا يمنع منه. اهـ .
ويقول سيد قطب في تفسير سورة يونس: وعلى كل حال فالأيام الستة غيب من غيب الله الذي لا مصدر لإدراكه إلا هذا المصدر، فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه، والمقصود بذكرها هو الإشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام الذي يسير به الكون من بدئه إلى منتهاه.
ويقول في سورة هود: الله خلق السموات والأرض في هذا الأمد لتكون صالحة مجهزة لحياة هذا الجنس البشري….
ثم يقول في سورة الفرقان: وأيام الله التي خلق فيها السموات والأرض غير أيامنا الأرضية قطعاً، فإنما أيامنا هذه ظل للنظام الشمسي، ومقياس لدورة فلكية وجدت بعد خلق السموات والأرض، وهي مقيسة بقدر دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس… ولعل هذه الأيام الستة من أيام الله التي لا يعلم مقدارها إلا هو، إنما تمت فيها أطوار متباعدة في السموات والأرض حتى انتهت على وضعها الحالي….
ثم يقول في سورة السجدة: والأيام ليست قطعاً من أيام هذه الأرض التي نعرفها، فأيام هذه الأرض مقياس زمني ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة تؤلف ليلاً ونهاراً على هذه الأرض الصغيرة الضئيلة التي لا تزيد على أن تكون هباءة منثورة في فضاء الكون الرحيب، وقد وجد هذا المقياس الزمني بعد وجود الأرض والشمس، وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة، وأما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في القرآن الكريم فعلمها عند الله تعالى، فلا سبيل إلى تحديدها وتعيين مقدارها فهي من أيام الله تعالى التي يقول عنها: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]. قد تكون ستة أطوار مرت بها السموات والأرض وما بينهما حتى انتهت إلى ما هي عليه، أو ستة مراحل في النشأة والتكوين، أو ستة أدهار لا يعلم ما بين أحدها والآخر إلا الله….
ثم يقول في تفسير سورة فصلت: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ…. وهذه الأيام الاثنان اللذان خلق الله فيهما الأرض، والاثنان اللذان خلق فيهما الرواسي وقدر فيهما الأقوات وأحل فيهما البركة فتمت بهما الأيام الأربعة….. إنها بلا شك أيام من أيام الله التي يعلم هو مداها، وليست من أيام هذه الأرض… والأيام التي خلقت فيها الأرض أولاً، ثم تكونت فيها الجبال، وقدرت فيها الأقوات، هي أيام أخرى مقيسة بمقياس آخر لا نعلمه، ولكننا نعرف أنه أطول بكثير من أيام الأرض المعروفة وأقرب ما نستطيع تصوره وفق ما وصل إليه علمنا البشري أنها الأزمان التي مرت بها الأرض طوراً بعد طور، حتى استقرت وصلبت قشرتها، وأصبحت صالحة للحياة التي نعلمها، وهذه قد استغرقت فيما تقول النظريات التي بين أيدينا -نحو ألفي مليون سنة من سنوات أرضنا. وهذه مجرد تقديرات علمية مستندة إلى دراسة الصخور وتقدير عمر الأرض بواسطتها، ونحن في دراسة القرآن الكريم لا نلجأ إلى تلك التقديرات على أنها حقائق نهائية، فهي في أصلها ليست كذلك، وما هي إلا نظريات قابلة للتعديل، فنحن لا نحمل القرآن عليها، إنما نجد أنها قد تكون صحيحة إذا رأينا بينها وبين النص القرآني تقارباً، ووجدنا أنها تصلح تفسيراً للنص القرآني بغير تمحل، فنأخذ من هذا أن هذه النظرية أو تلك أقرب إلى الصحة لأنها أقرب إلى مدلول النص القرآني. اه
وأما الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة في ما بين العصر إلى الليل.
فهذا الحديث مما اختلف فيه أهل العلم، فذهب يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري وغيرهم، إلى أنه غلط، وأنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير بأنه من كلام كعب الأحبار.
نعود إلى السؤال لماذا خلقهن في ستة أيام؟
الله تعالى يعلمنا الإحكام والإتقان في كل شيء كل شيء في الكون يسير وفق قانون ثابت مضطرد لا خلل ولا اضطراب شروق الشمس وغروبها علماء الفلك من الممكن يضبطوا الآن إلى مئات السنين مواقيت الصلاة من خلال الحسابات الفلكية، ووقت شروق الشمس ووقت الغروب ، وهناك مواقع الآن عالمية متخصصة تدخل عليها يقول لك هناك كسوف للشمس في عام 2026 يكون في المنطقة الفلانية الساعة كذا بالدقيقة كذا وسيكون الكسوف لمدة كذا كيف ضبطوا هذا؟ هل هذا سحر أو تنجيم؟ كلا هذا علم مبني على قوانين والله تعالى قال:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}[الرحمن:5]
وقال:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنينَ وَالْحِسَابَ}[يونس: 5]
إذا فكل شيء بحساب وبميزان وبقانون فيه إبداع وإتقان من الله عز وجل.
مبدأ التدرج والأسباب في الخلق
اتفقنا على هذا الأمر الثاني أن الله عز وجل جعل كل شيء بسبب في الكون الله تعالى لم يجعل الكون فيه فوضى أو فجائية أو عشوائية وهذا الذي دعا العلماء إلى استقراء الأحداث وتحليلها.
والظواهر التي تجري من حولنا تخضع للتفسير العلمي، فمهمة العلماء ليست هي صناعة القانون؛ مهمة العلماء اكتشاف القانون، وبعد اكتشاف القانون تأتي النتائج والاختراعات الاستفادة العلمية.
فإذا أنا لو احتجت أن أبني بناء هذا المسجد هل أبدأ بالسقف أم أبدأ بالأساس؟
الأساس أولاً ثم الأعمدة ثم السقف ثم الحيطان ثم النوافذ… وهكذا شيء يسلم لشيء .
فالكون بدأ بمرحلة تلو الأخرى حتى صار الكون بهذه العظمة وهذا الجلال والله تعالى ليس من صفاته العجلة إنما من صفاته الحكمة والحلم فخلق الكون في ستة أيام ليتعلم الخلق معنى النظام والترتيب وإتقان الشيء وإحكامه، وحتى يفهم البشر عظمة الله جل وعلا باكتشاف هذه القوانين التي يسعى العلماء حيناً بعد حين ووقتاً بعد وقت لتعلمها ودراستها وإخضاعها للنظريات والحقائق والتجارب حتى يصلوا إلى فهم واكتشاف القوانين هذه واحدة إذا فخلق السماوات في ستة أيام سبحانه جل شأنه حتى يجعل شيئاً مرتباً على شيء، وحتى يعلمنا قوانينه في الكون وحتى نتعلم الإتقان والإحسان في كل شيء.
تفسيرقوله “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا “
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) [الرعد:2]، وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)[لقمان :10]
أخبر سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أن من حكمته أن خلق السمواتِ، ورفعها {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، أي بناء حتى يكون قوي ومتين ونؤسس فوقه عدة طوابق يحتاج إلى أعمدة قوية متينة صلبة هل السماء لها أعمدة؟
اختلف المفسرون على قولين:
ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التأويل الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق سبحانه وتعالى وجعل كل جرم فيه بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية، والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدوران في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل.
يقول الدكتور زغلول النجار: تشير الدراسات الكونية إلى وجود قوى مستترة في اللبنات الأولية للمادة وفي كل من الذرات والجزيئات وفي كافة أجرام السماء، تحكم بناء الكون وتمسك بأطرافه إلى أن يشاء الله تعالى فيدمره، ويعيد خلق غيره من جديد، ومن القوى التي تعرف عليها العلماء في كل من الأرض والسماء أربع صور يعتقد بأنها أوجه متعددة لقوة عظمى واحدة تسري في مختلف جنبات الكون لتربطه برباط وثيق وإلا انفرط عقده وهذه القوى هي:
ـ القوة النووية الشديدة.
ـ القوة النووية الضعيفة.
ـ القوة الكهربائية / المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية.
ـ قوة الجاذبية.
وهذه القوى الأربع هي الدعائم الخفية التي يقوم عليها بناء السماوات والأرض وقد أدركها العلماء من خلال آثارها الظاهرة والخفية في كل أشياء الكون المدركة ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية أن هذه القوى الأربع لابد وأن تلتقي في شكل واحد للقوة يمثل وحدة البناء في هذا الكون، ويشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.
ما غرك بربك الكريم:
أيها الإنسان أنت تعيش على هذه الأرض التي هي إن بالغنا في القول سنقول : إنها كرأس دبوس في هذا الكون العظيم بأفلاكه ومجراته واتساعه مما لا يحيط به البشر علماً … هذه الأرض جزء من الكون لا يساوي عند الله جناح بعوضة ؛ عندها أدرك عظمة الله تعالى وجلاله حينما قال معاتباً:{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}[الانفطار: 6]
{ويقول الإنسانأَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أولا يذكر الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}[مريم:66،67]
فالذي خلقك ، وخلق هذا الكون بعظمته وجلاله واتساعه لن يعجزه إذا مات الخلق جميعاً أن يعيدهم بأمره جل وعلا مرة ثانية.
كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا؟
قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا) شكل السماء وزرقتها من المشاهد التي تسبب انشراح الصدر ومن الأشياء التي يعالج بها المريض النفسي مريض الاكتئاب أن ينظر إلى السماء سبحان الله لأنك بذلك تخرج من الضيق الذي أنت فيه إلى الكون الفسيح.
فالسماء لونها زينة زيّنها الله للناظرين، وما جعل الله فيها من النجوم زينة، وما جعل الله فيها من القمر زينة وحركة الشمس في الشروق والغروب كثير من الناس يُسرون برؤية هذا المشهد الرباني الجميل، وهذه الصفحة المنظورة من الكون العظيم زينها الله للناظرين .
وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ : الفروج جمع فُرْجَة، والفرجة هي الخلاء بين الشيئين، يعني لن ترى فيها تشقق ولا تصدع فرغم أن هذا الكون له ما له من السنين الممتدة الطويلة لكن الله عز وجل الذي أحكم وأتقن كل شيء خلقه لن تجد في خلقه أي تفاوت أو أي تصدع أو تشقق.
لماذا تتصدع جدران المساجد ولا تتصدع جدران الكنائس ؟
أختم لكم بطرفة : وهي أن أحد المشايخ أرسل لي هذه القصة ودائماً في وسائل التواصل الناس يحبون نقل الغرائب والعجائب
سئل أحد المشايخ : لماذا تتصدع جدران المساجد ولا تتصدع جدران الكنائس ؟
فأجاب الشيخ على الفور : قال تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون )- [الحشر:21]
فقلت له يا أخي هذا تنزيل للآية في غير موضعها الذي قام ببناء المسجد رجل غشاش غش في المؤن والمواد فتصدعت الجدران أما الذي بنى الكنيسة فإنه أتقن البناء ووضع المواد اللازمة بلا غش ، فنجد للأسف الشديد جدران المساجد تتصدع لأن الذي بناها غشاش، ولا تتصدع جدران الكنائس لأن أبنيتها قائمة على ماهي عليها ، فلا علاقة بأن هذا مسجد ، وهذه كنيسة ، المشكلة ترجع لمن بنى وغش، وأساء في بناء بيت الله ولم يحسن .
أسأل الله العظيم الكريم جل وعلا أن يجعلنا من المستبصرين بآياته الذين يدركون عظمه الله تعالى وجلاله ويتفكرون في خلق السماوات والأرض{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}