صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

تفسير سورة ق : 3- قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء)

تاريخ الإضافة 2 نوفمبر, 2026 الزيارات : 510

 3- قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء)

قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 6-11]

آيات الله الكونية الدالة على قدرته

تحدثنا عن الآيات الأولى من السورة والتي تثبت أن القرآن كلام الله عز وجل وأنه وحي منزل من الله العزيز الحميد، وأن الله تعالى قادر على أن يحيي الموتى، وأن يبعثهم من قبورهم.

وكان الدليل الأول على أن الله قادر على أن يبعث الناس من قبورهم قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4] فالله تعالى علمه محيط بكل شيء يعلم كل ذرة تتحلل من كل إنسان في جوف الأرض.

قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: 6]

ثم ذكر الدليل الثاني في هذه الآيات وهو: أن الذي خلق هذا الخلق العظيم وهذا الكون الكبير لن يعجزه أن يعيد الإنسان مرة أخرى هذا الإنسان كم حجمه بالنسبة لهذا الكون؟ ولذلك قال جل وعلا: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر:57] وقال جل في علاه: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس:81]

فهذا استدلال عقلي يبصره كل عاقل أن الذي خلق هذا الكون الفسيح بعظمته وجلاله وإتقانه وشموخه لن يعجزه أن يعيدك أيها الإنسان مرة أخرى ويبعثك وتمثل حياً بين يديه جل وعلا.

والاستفهام هنا: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ) استفهام إنكاري؛ أي ما الذي منعهم من أن ينظروا إلى عظمة الله جل وعلا في خلق السماوات، والمشركون كانوا يؤمنون بأن الله هو الذي خلقهم وخلق كل ما في الكون ويقرون بهذا، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت 61]لكنهم كانوا بعد اعترافهم بأن الله خالق كل شيء يتوجهون بالعبادة لآلهتهم ؛ فوحدوا الله توحيد الربوبية، وكفروا بالله في توحيد الألوهية؛ فأشركوا معه غيره في عباداتهم.

فلأنهم مقرّون بهذه العظمة في خلق السماوات والأرض قال: ما الذي منعهم أن ينظروا إلى هذه السماء وخلقها للاستدلال على قدرة الله تعالى على خلقهم وبعثهم: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا)

مفهوم السماء ووصف بنيانها

وكلمة السماء تستعمل في اللغة العربية على أنها كل ما علاك؛ وهذا الذي نراه في جهة العلو جهة السماء نحن لا نرى السماء لكن ما نراه هو الغلاف الجوي المحيط بالأرض ويطلق عليه السماء تجوّزا الدنيا وقد تسمى السماء الدنيا من الدنو لأنها أقرب سماء إلينا؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] وهذه السماء واحدة من سبع سماوات طباقاً خلقها الله.

والله جل في علاه أحكم وأتقن بنيانها فهي عظيمة جليلة ليس فيها فطور ولا تصدع: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك:3] وأيّ بناء بشري بعد مدة من الزمن طالت أم قصرت يتصدع، ويتشقق، ويحدث فيه فروج أي خلاء أو فراغ بين الحيطان وبعضها يكون بفعل الزمن. [1]

هذه السماء كم عمرها الآن؟ ملايين مليارات السنين الله أعلم، لكن لا شك أن عمرها كبير وأنها عتيقة، ومع هذا ما ترى فيها من فروج  ولا خلل، ولا تصدع أو تشقق؛ والله سبحانه وتعالى دعانا إلى أن نتأمل في صفحة الكون لإدراك عظمة الله وجلاله حتى نستدل بالصنعة على الصانع؛ فالذي أحكم البناء وأتقنه قادر على أن يخلق مثلهم وأن يعيدهم مرة أخرى.

ولذلك فإن أبلغ رد على الملحدين أن نقول لهم: هذا الكون العظيم لا يعقل أنه يدار هكذا بعشوائية بمحض المصادفة هذا الإتقان الكبير العظيم يدل على إله خلاق عظيم.

تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)

 قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [الرعد:2] وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [لقمان :10]

أي بناء حتى يكون قويا متينا ونستطيع أن نؤسس فوقه عدة طوابق يحتاج إلى أعمدة قوية متينة صلبة فهل السماء لها أعمدة؟

أخبر سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أن من حكمته أن خلق السمواتِ، ورفعها {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، فما معنى الآيتين؟

اختلف المفسرون على قولين:

أحدهما: أنها مرفوعة بغير عمد ترونها، ويكون معنى الآية: الله الذي رفع السماوات كما ترونها، بغير عمد، وذلك بجعل جملة (ترونها) حالا من السماوات ويعود الضمير إلى السماوات.

والثاني: أنها مرفوعة بعمد، ولكنا لا تُرَى؛ فمعنى الآية: الله الذي رفع السماوات- بغير عمد مرئية- وذلك بجعل جملة (ترونها) صفة لعمد، والضمير يعود إلى عمد.

ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التأويل الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق سبحانه وتعالى وجعل كل جرم فيه بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية، والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدوران في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل.

يقول الدكتور زغلول النجار: -رحمه الله – تشير الدراسات الكونية إلى وجود قوى مستترة في اللبنات الأولية للمادة وفي كل من الذرات والجزيئات وفي كافة أجرام السماء، تحكم بناء الكون وتمسك بأطرافه إلى أن يشاء الله تعالى فيدمره، ويعيد خلق غيره من جديد.

 ومن القوى التي تعرف عليها العلماء في كل من الأرض والسماء أربع صور يعتقد بأنها أوجه متعددة لقوة عظمى واحدة تسري في مختلف جنبات الكون لتربطه برباط وثيق وإلا انفرط عقده وهذه القوى هي:

  • القوة النووية الشديدة.
  • القوة النووية الضعيفة.
  • القوة الكهربائية / المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية.
  • قوة الجاذبية.

وهذه القوى الأربع هي الدعائم الخفية التي يقوم عليها بناء السماوات والأرض وقد أدركها العلماء من خلال آثارها الظاهرة والخفية في كل أشياء الكون المدركة ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية أن هذه القوى الأربع لابد وأن تلتقي في شكل واحد للقوة يمثل وحدة البناء في هذا الكون، ويشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.[2]

يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم:

أنت تعيش على هذه الأرض التي هي إن بالغنا في القول سنقول: إنها كرأس دبوس في هذا الكون العظيم بأفلاكه ومجراته واتساعه مما لا يحيط به البشر علماً …

هذه الأرض جزء من الكون لا يساوي عند الله جناح بعوضة؛ عندها تدرك أيها الإنسان عظمة الله تعالى وجلاله حينما قال معاتباً: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] و(ويقول الإنسان أ َئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أولا يذكر الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم:66،67] فالذي خلقك، وخلق هذا الكون بعظمته وجلاله واتساعه لن يعجزه إذا مات الخلق جميعاً أن يعيدهم بأمره جل وعلا مرة ثانية.

قال تعالى: ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6]

النظر إلى السماء بسموها وصفائها وزرقتها من المشاهد التي تسبب انشراح الصدر، وقد يساهم في تحسين الحالة النفسية لمرضى الاكتئاب النظر إلى السماء؛ لأنك تخرج من الشعور بالضيق الذي أنت فيه إلى سعة الكون الفسيح.

فالسماء لونها زينة زيّنها الله للناظرين، وما جعل الله فيها من النجوم زينة، وما جعل الله فيها من القمر زينة وحركة الشمس في الشروق والغروب كثير من الناس يُسرون برؤية هذا المشهد الرباني الجميل، وهذه الصفحة المنظورة من الكون العظيم زينها الله للناظرين.

وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ: الفروج جمع فُرْجَة، والفرجة هي الخلاء بين الشيئين، أي لن ترى فيها تشقق ولا تصدع فرغم أن هذا الكون له ما له من السنين الممتدة الطويلة لكن الله عز وجل الذي أحكم وأتقن كل شيء خلقه لن تجد في خلقه أي تفاوت أو أي تصدع أو تشقق.

قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: 7]

بعد أن ذكر الله تعالى السماء وبنيانها وعظمتها أشار إلى الأرض التي نعيش عليها، ونعمة الله تعالى في بسط الأرض، وتهيئتها للحياة فيها.

والعلماء قالوا إن هذه الآية فيها إعجاز علمي في أكثر من وجه، وأنا لست من الذين يغرمون بذكر الطرائف والعجائب والغرائب إنما أنا أتكلم عن حقائق علمية ثبتت واستقرت، لكنها كانت في زمن النبي ﷺ غير معلومة، ولم يكن متاحا للبشرية من وسائل العلم وأدوات العلم ما يحققون به معرفة هذه الأمور على وجه الضبط الذي نراه في عصرنا، لكنك تعجب لدقة اللفظ القرآني المعبر عن الحقائق العلمية التي لم يتوصل لها العلماء إلا في القرن الماضي أو عبر سنوات قريبة.

نزلت هذه الآيات تنزيل من حكيم حميد على قلب النبي الأمي سيدنا محمد وتلاها على أصحابه، ثم جاء العلم ليبين لنا هذه الحقائق الكونية.

(والأرض مددناها)

 هذا اللفظ القرآني فيه دليل على أن الأرض كروية أو بالتعبير العلمي بيضاوية أي تشبه البيضة من الطرفين القطب الشمالي والجنوبي فهي كروية أو بيضاوية الشكل ومعنى “مددناها” أي أنك مهما مشيت فهي ممتدة أمامك فلو كانت مربعة الشكل أو مستطيلة لكان لها حافة أي تبدأ من هنا وتنتهي هنا، أو تبدأ من الشمال إلى الجنوب وتنتهي الأرض لكن الأرض حيثما سرت فهي ممتدة أمامك لأنها بيضاوية الشكل.

الرد على منكري كروية الأرض

على الرغم من أن كروية الأرض صارت من الحقائق العلمية الكونية إلا أن هناك بعض المتعالمين يخرجون بين الحين والآخر ويقولون: كذب إن الأرض كروية الدليل بالقرآن أن الأرض ليست كروية، وأنا لا أعجب من هذا إلا أنه مرض حب الشهرة وحب المخالفة، كهذا الذي تبول في بئر ماء زمزم فلما عاتبه الناس على ذلك قال: أردت أن أشتهر ولو باللعنات!!!  لا حول ولا قوة إلا بالله.

 الله سبحانه وتعالى جعل الأرض ممتدة فهذا دليل على كرويتها لأنك حيثما سرت ترى الأرض أمامك أيضاً عندنا الآية ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5] التكوير هو لف الشيء ودورانه ومنه قول العرب كورت العمامة أي لفها أو دور العمامة على رأسه، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير :1] أي جمعت ولفت كما تلف العمامة؛ فهذه الآية إشارة إلى حركة دوران الأرض وإشارة إلى تعاقب الليل والنهار.

فنحن هنا في هذا الجزء من الكرة الأرضية عندنا نهار وفي الطرف الثاني عندهم ليل ثم تنعكس المسألة وهذا معنى تكوير الليل على النهار والعكس.

وقوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [فاطر:13] يولج أي يدخل بحيث لا تجد فارق زمني بين الليل والنهار؛ فالليل يدخل يعقبه النهار والنهار يدخل يعقبه الليل، كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62] خلفة: أي يخلف الليل النهار ويخلف النهار الليل.

أيضاً نبي الله نوح لما ذكر قومه بنعم الله عليهم قال ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: 19] بساطاً من البسط والمد وهو معنى الآية التي معنا: (والأرض مددناها) فبسط الله الأرض ومدها وجعل عمارتها في أمانة الإنسان وتكليفه.

الذين يخرجون بهذه الأصوات النشاز يقولون إن رب العالمين قال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20] فالأرض مسطحة وليست بيضاوية ولا كروية زعموا!! 

وهذا جهل لأن الكرة الأرضية ليست مدينة صغيرة ولا قرية صغيرة الكرة الأرضية كبيرة ضخمة والعلماء يقدرون مساحة سطح الكرة الأرضية بـ 510 مليون كيلومتر مربع فأنت تراها أمامك كأنها مسطحة ممتدة لكن في الشكل العام هي بيضاوية الشكل.

قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: 7]

ثلث هذه الأرض يابسة 29% يابسة أي أرض والثلثين 71% ماء، فهي أشبه بباخرة أو سفينة كبيرة عائمة على ماء؛ ما الذي يثبتها؟ الجبال

فجعل الله تعالى الجبال رواسي، وكلمة رواسي بمعنى أنها تجعل الأرض راسية ثابتة ليست مهتزة ولا مضطربة كما في الآية الأخرى {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل:15] تميد أي تضطرب.

وقد أدركت تفسير هذه الآية في عام 2001 حينما سافرت بالباخرة لأداء العمرة، من خليج السويس إلى ميناء جدة في رحلة تستغرق ثلاثة أيام تقريباً، فكنا طوال الرحلة ونحن في الباخرة نشعر بحركة السفينة تضطرب هكذا يمينا ويسارا، لدرجة أنني بعدها بأيام كنت إذا أردت النوم على السرير أشعر كأن السرير يهتز بنفس الحركة؛ فلولا أن الله جعل الجبال رواسي لاضطربت الأرض كحركة الباخرة في الماء؛ فالله تعالى جعل الأرض رواسي تثبت الأرض حتى لا تضطرب ولا تميد.

والدكتور زغلول النجار رحمه الله عليه أشار إلى معنى دقيق عن الجبال في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7] قال: إن الوتد يعرفه العربي إذا أراد تثبيت الخيمة فلو قلنا إن طوله 50 سم فإن ثلثيه في باطن الأرض والثلث هو الذي يكون فوق الأرض، وهكذا حجم الجبل الذي تراه بعينك أضعافه في باطن الأرض فجاء التشبيه القرآني البليغ والجبال أوتاداً.

الجبال خاضعة ساجدة لله:

وأخبرنا جل في علاه أن هذه الجبال تسجد لله عز وجل قال سبحانه وتعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ  وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ  وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ  إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18]

وأخبرنا جل وعلا أن هذا القرآن العظيم لو أنزل على جبل لتصدع من خشية الله في سورة الحشر فقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ  وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]

وأخبرنا سبحانه وتعالى أن من آياته يوم القيامة أن هذه الجبال ستنهار انهياراً تاماً ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: 105-107] ولاحظوا قدرة الله كيف يجعل الجبال الصلبة القاسية الشامخة كثيباً مهيلاً أي: رمالاً مهلهلة متفرقة غير متماسكة كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: 14]

فالله سبحانه وتعالى أنعم على عباده بنعمة الأرض الممتدة وجعل فيها المعايش التي يرزقون من خلالها وجعل الجبال مثبتة لهذه الأرض حتى لا تضطرب بأهلها، وجعلها الله عز وجل أيضاً سبباً لتنزل المطر، قال العلماء لأن السحب تصطدم بقمم الجبال فينتج عن ذلك نزول المطر ولذلك قال بعدها:

قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7]

وبقدرة الله عز وجل ينتج عن هذا المطر أن ينبت النبات والثمار إلى آخره.

 وكلمة زوج هنا فسرت بتفسيرين:

الأول: الزوج بمعنى الذكر والأنثى وهذا من الحقائق العلمية أن النبات فيه ذكر وأنثى تماماً كالإنسان كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36] فكما أن من البشر ذكوراً وإناثاً كذلك الزوجية موجودة في النبات.

القول الثاني: الزوجية هنا ليست زوجية النوع ذكر وأنثى إنما هي زوجية الأصناف فهذا أبيض اللون وهذا أخضر وهذا أحمر على حسب ما نوع الله تعالى من الألوان والأطعمة، وهذا حلو وهذا حامض فنوع الله تعالى الأصناف كقول الله تعالى في سورة الواقعة {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة:7] وهم: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقين المقربين.

الشاهد هنا أن الله سبحانه وتعالى بين أن من الآيات أنه بقدرته أنزل هذا المطر من السماء فأنبت به كل زوج بهيج.

وكلمة (بهيج) من البهجة وهي السعادة فجعل الله تعالى منظر الخضرة والثمار والفاكهة سبباً لسرور الإنسان بذلك، وهذا أمر معروف عند أطباء النفس أنهم دائماً ينصحون من يعاني من الاكتئاب، ومن يعاني من الضغوط النفسية أن يخرج إلى مكان واسع فيه فاكهة وفيه الخضرة؛ فهذا مما تسر به العين، وتهدأ به النفس سبحان الله!!فالله تعالى وصف شكل النبات والفواكه والثمار بأنها فيها بهجة (من كل زوج بهيج)

هذه الآيات الكونية التي نراها في صفحة الكون المنظور ذكرها الله تعالى:

قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 8]

التبصرة بمعنى دوام النظر إلى عظمة الله وجلاله بأن تتفكر في عظمة الله في خلق السموات والأرض والجبال وإنزال المطر وإنبات النبات هذا فيه تبصرة أي تتبصر وتنتفع بهذا الأمر في الاستدلال على عظمة الله وجلاله والتزود بالإيمان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]

وذكرى أي تذكر لمن نسي، ومن نسي، وألف هذه النعم فاعتاد رؤية الشمس وهي تشرق في الصباح، واعتاد مشهد نزول المطر، فلدوام هذه النعم ينسى الإنسان شكرها، وربما يغفل عن عظمة خالقها؛ فالله تعالى يقول: رددوا وكرروا هذه الآيات وتبصروها، فإذا نسيتم فتذكروا.

التبصرة والذكرى لمن؟ لكل عبد منيب: من أناب أي رجع إلى الله العبد الذي يرجع الأمور إلى ربه ينسب النعمة إلى خالقها، فهو الذي يشكر الله على ما أنعم عليه به، وهو منيب رجاع إلى الله تعالى ليس رجوع المكره ولا المضطر إنما رجوع المحب فهو يرجع الأمر إلى الله في خلقه ويثني على الله بما خلق ويحمد الله على ما وهب، وأنعم فإذا أساء أو عصى فإنه يرجع إلى الله تائباً محباً لله وحريصاً على مرضاته جل في علاه.

قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: 9]

لما ذكر الله -تعالى- السماء وما فيها من عظمة، والجبال وما فيها من إرساء للأرض؛ حتى لا تضطرب بأهلها ذكر الأرض، والله سبحانه وتعالى جعل الصلة بين السماء والأرض بأن جعل المطر ينزل من السماء الذي هو سبب الماء فجعله رب العالمين رحمة وبركة على أهل الأرض.

والماء من أعظم نعم الله تعالى على عباده في هذه الدنيا:

  • الماء آية من آيات الله الدالّة على عظمته وقدرته، وعلى رحمته بخلقه وحكمته في تدبير شؤونهم.
  • ومع أن العلماء عرفوا التركيب الكيميائي للماء، وأمكن تحضيره بتفاعلات كيميائية، فإن ذلك لا يغني عن مصادره الطبيعية، ولا يوفّر وسيلة عملية لإنتاجه بالكميات اللازمة لحياة البشر.
  • الماء أساس الحياة؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].
  • يُنزل الله الماء من السماء، فيروي به الإنسان والحيوان، وينبت به الزرع، ويحيي به الأرض بعد جفافها.
  • وقد سمّى الله المطر غيثًا؛ لما فيه من إغاثة الخلق وتفريج كربهم، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: 28].
  • ومن آثار رحمته سبحانه إحياء الأرض بالماء؛ قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: 50].
  • وقد تحملنا الألفة بهذه النعمة وسهولة الحصول عليها على الغفلة عن قدرها؛ فنفتح صنبور الماء فيتدفّق، دون أن نتأمّل عظيم حاجتنا إليه، وما تستوجبه هذه النعمة من الشكر والمحافظة عليها.
  • وجعل الله الماء سببًا لاستقرار الإنسان وازدهار العمران؛ فقد نشأت حضارات كثيرة على ضفاف الأنهار وبالقرب من مصادر المياه.
  • فحيث يتوافر الماء تتيسّر حياة الإنسان، وتزدهر الزراعة، وتنمو المراعي، وتُربّى الماشية، وتتهيّأ أسباب الاستقرار والنماء.

هدي النبي ﷺ عند المطر

من السنة أن يعرّض المسلم بعض أعضائه للمطر النازل: قال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر -أي كشف- رسول الله ﷺ ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟! قال: “لأنه حديث عهد بربه تعالى” رواه مسلم

الدعاء عند نزول المطر:

 أما عن الدعاء عند نزول المطر، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: (صيبا نافعا) رواه البخاري

 اللهم صيبا أي اسقنا صيبا، والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.

 وقوله (نافعا) تتميم في غاية الحسن لأن صيبا مظنة للضرر والفساد، فدعا الله أن يكون نافعا. 

ومن الواجب على العبد في هذا المقام أن يعرف نعمة الله عليه، وينسب الفضل إليه، فهو سبحانه مولي النعم ومسديها، بيده العطاء والمنع، والخفض والرفع، لا رب سواه ولا إله غيره.

وقد ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل -أي على إثر مطر- فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: “هل تدرون ماذا قال ربكم؟” قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: “أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب” رواه البخاري ومسلم

(على إثر السماء): (إثر) بكسر الهمزة وسكون الثاء، وهو ما يعقب الشيء، والسماء هنا المراد بها المطر، سمي بالسماء؛ لكونه ينزل من جهة السماء، والمعنى: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح عقب مطرٍ نزل في الليل.

(مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا): النوء: هو سقوط نجم في المغرب وطلوع آخر في المشرق، وكان العرب في الجاهلية يعتقدون أنه سبب في نزول المطر، وقد نهى الرسول ﷺ عن هذه المقالة؛ فإن اعتقد أن النجم فاعل حقيقي فهو كفر، وإن قصد أنه مجرد وقت وعلامة فهو مكروه أو خلاف الأولى.

 فالقائل عند نزول المطر: مطرنا بفضل الله ورحمته، قد نسب النعمة لمعطيها، وأضاف المنة لموليها، واعتقد أن نزول هذا الفضل والخير والرحمة إنما هو محض نعمة الله وآثار رحمته سبحانه.

والأنواء ليست من الأسباب لنزول المطر، وإنما سبب نزول المطر حاجة العباد وافتقارهم إلى ربهم وسؤالهم إياه، واستغفارهم وتوبتهم إليه، ودعاؤهم إياه بلسان الحال ولسان المقال، فينزل عليهم الغيث بحكمته ورحمته، بالوقت المناسب لحاجتهم وضرورتهم، ولا يتم توحيد العبد حتى يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة عليه وعلى جميع الخلق، ويضيفها إليه، ويستعين بها على عبادته وذكره وشكره.

وكان ﷺ إذا اشتد المطر قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر) رواه البخاري
وفي حديث سهل بن سعد مرفوعا: أن النبي ﷺ قال: (ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر) رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني.

والدعاء عند النداء: أي وقت الأذان، أو بعده، وتحت المطر: أي عند نزول المطر.

هل الدعاء عند نزول الثلج مستجاب؟

 الثلج له حكم المطر لأنه ماء تجمد، والإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها) [سورة النحل 80] قال: وهذا كقوله  تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم، وسكت عن ذكر الثلج، لأنه لم يكن في بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة.

 وقد ذكرهما النبي ﷺ معا في التطهير فقال: (اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد)

 وقال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط.

الماء وعلاج الأمراض:

والله سبحانه وتعالى جعل في الماء شفاء للعديد من الأمراض وهذا ما أثبت علميا الآن، فهو يساعد على الهضم والتخلص من الفضلات، ودعم صحة المفاصل، وإنتاج اللعاب الذي يساعد في توازن المعادن بالجسم، والمساعدة في إنتاج الهرمونات، وتوصيل الأكسجين إلى جميع أنحاء الجسم، وتنظيم درجة حرارة الجسم.

 وقلة شرب الماء يؤدي إلى آلام المفاصل، والتأثير على وظائف الدماغ، وقد يؤدي عدم أخذ كمية كافية من الماء إلى انخفاض القدرة على التفكير بطريقة سليمة ومنطقية، وأيضا مشكلات البشرة لجفاف الجلد، وتكون التجاعيد المبكرة، والإمساك، ومشكلات في الكلى والمسالك البولية، وانخفاض ضغط الدم.

ولذلك علينا أن نحمد الله تعالى على هذه النعمة، فعندما يشرب أحدنا ويرتوي من الماء يحمد الله.

 يقول النبي ﷺ: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). أخرجه الإمام مسلم 

وكان النبي يقول: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين). فينسب الفضل لله سبحانه وتعالى.

قوله تعالى: {فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [سورة ق: 9].

جنات جمع جنة وتطلق عند العرب كلمة جنة على المكان الذي يمتلئ بالأشجار العالية وسميت جنة لأن من يدخلها يستتر.

الفعل جن: أي اختفى واستتر، ومنه قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل) أي أقبل بظلامه فستر كل شيء، ومنه الجن لأنهم مستترون لا نراهم، ومنه الجنين لأنه مستتر في بطن أمه، فالجن والجنين والجنة من الاستتار والاختفاء.

 فلضخامة الأشجار وعلوها تسمى جنة فأنبت الله تعالى بهذا الماء جنات.

وحب الحصيد: الحب معروف ويشمل: القمح والأرز والشعير وهذه الحبوب التي يقتات بها الإنسان.

والأشجار تؤتي ثمارها كل عام لأن الشجرة ثابتة وتثمر مرة في العام، أما الحب فإنك تحصده ثم تأكل منه جزءا وتزرع الجزء الآخر في العام التالي وتستمر هكذا دورة الحياة يثمر النبات القمح أو الأرز أو سائر الحبوب فتأكل منه وتزرع منه وتدوم الحياة.

قوله تعالى: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [سورة ق: 10].

النخل ذكره الله على اسمه كشجرة رغم أنها داخلة في جنس جنات لأن جنات اسم يطلق على الأشجار؛ لكن لماذا خص الله النخلة بالذكر ولماذا ذكرها دون ذكر الثمرة؟

خصها الله بالذكر لكثرة منافعها؛ فالنخلة من أولها لآخرها كلها منافع؛ أي أن القرآن لما تكلم عن ثمرة شجرة الكرم العنب فذكر الثمرة فقط وهي العنب لأن الانتفاع يكون من الثمرة وهي العنب فقط.

أما النخلة لم يذكر ثمرتها وهي البلح أو التمر والرطب إنما ذكرها باسمها لأن الجذع فيه فائدة؛ الليف يؤخذ من الجذوع فتحشى به أفخم المراتب والمخدات والصالونات والكراسي إلى آخره؛ والسعف له فوائد عديدة والثمرة لها فوائد كثيرة.

كل شيء في النخلة فيه منفعة وفيه فائدة فلا ترى شيئا في النخلة ليس له فائدة، فخصها الله بالذكر لبركتها وخيرها، ومنافعها الكثيرة، وأن منفعة النخلة ليست في الثمرة فقط، إنما في كل ما في النخلة فيه منفعة للبشرية.

ومعنى {والنخل باسقات} باسقة أي عالية شديدة العلو أو عظيمة الارتفاع حتى أنك لو رأيت صور الرياح العواصف تجد أن الرياح ربما تقلع الشجر من جذورها لشدتها أما النخل فغالبا يتمايل يمينا وشمالا ولا تنخلع، والله عز وجل قال: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} [سورة إبراهيم: 24]. هذه هي النخلة.

وضرب النبي المثل بالمؤمن بالنخلة وقال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟) فكان الجواب هو أنها النخلة.

فالنخلة شجرة عظيمة البركة عظيمة الفائدة؛ خلقها الله وجعل فيها منافع وبركة دلالة على عظمة الله جل وعلا في الخلق.

(لها طلع نضيد) الطلع هو أول الثمرة الباكورة ونضيد أي متراص في صورة هندسية أي كأن مهندسًا رتبه بهذا النظام، فتجد هذا التراص الهندسي بشكل منظم ومرتب ليدل على عظمة الله الخالق البديع جل جلاله فتبارك الله أحسن الخالقين.

قال تعالى: {رزقا للعباد} [سورة ق: 11]

جعل الله هذه الجنات وحب الحصيد والنخل وما فيه من منافع رزقا للعباد وهذا الرزق لجميع العباد المؤمن والكافر وسعهم الله بعطائه.

قال تعالى: {وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [سورة ق: 11].

إذن الآيات هنا ذكرت إنزال الماء {ونزلنا من السماء ماء مباركا} ثم إنبات الجنات وحب الحصيد للاستدلال على أمرين:

الأمر الأول: عظمة الله وقدرته؛ فنزول الماء آية من آيات الله عز وجل الدالة على عظمته، وهو أمر مسلّم به عند مشركي العرب الذين كانوا ينكرون وحدانية الله والبعث.

 ودورة الماء في الكون وتجدد الحياة في الكون عندما تسقط أشعة الشمس على المسطحات المائية في الكرة الأرضية ثم تتصاعد وتتكثف على شكل بخار ثم بعد ذلك تحركها الرياح فتتحول إلى سحاب ثم ينزل المطر وهكذا دورة متجددة في هذه الحياة نرى من خلالها عظمة الله تعالى، ويرينا الله كيف أن لهذا الكون إلها عظيما قادرا جل جلاله.

الأمر الثاني: آية إنزال المطر من السماء وإنبات الأرض بعد موتها دال على قدرة الله تعالى على إعادة الخلق وأن الذي أحيا الأرض بماء السماء سيحيي هذه الأجساد البالية المفتتة ويبعثها من قبورها.

أي كذلك ستبعثون من قبوركم وتخرجون وتمثلون بين يدي الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شكر نعمه علينا وأن يديم علينا النعم وأن يجعلنا من عباده الشاكرين الحامدين اللهم آمين يا رب العالمين.

الآثار الإيمانية والتربوية للآيات الكريمة

  1. عبادة التفكر في خلق الله عبادة قلبية عظيمة؛ لأنه يزيد معرفة العبد بربه، ويحيي في قلبه التعظيم والمحبة والخشية.
  2. إن الاعتياد على رؤية النعم قد يحجب الإنسان عن عظمتها؛ فهو يرى الشمس كل يوم، ويشرب الماء، ويمشي على الأرض، وينظر إلى السماء، حتى تصبح هذه الآيات العظيمة في نظره أمورًا عادية؛ فجاء القرآن ليوقظه من غفلته، وليعيد إليه الدهشة الإيمانية أمام هذا الكون البديع.
  3. الاستدلال بالخلق العظيم على قدرة الله على البعث، فإذا كان الله قد خلق هذا الكون العظيم بما فيه من السماوات والأجرام والأرض والجبال، فكيف يُستبعد عليه أن يعيد خلق الإنسان بعد موته؟
  4. حين يتأمل الإنسان اتساع الكون، ودقة نظامه، يدرك ضعف نفسه وصغر حجمه، ويزول من قلبه الكبر والغرور؛ فكيف يتكبر مخلوق يعيش فوق جزء صغير من هذا الكون، ولا يملك أن يمنع عن نفسه المرض أو الشيخوخة أو الموت؟
  5. الانتفاع بجمال الكون في تجديد النفس؛ فالخروج إلى مكان هادئ، أو الجلوس بين الأشجار، أو تأمل السماء، يجدد النفس ويخفف عنها الضغوط، إذا اقترن بالذكر والتفكر.
  6. إدراك نعمة الأرض والاستقرار عليها، وهذه النعمة تقتضي ألا يفسد الإنسان الأرض التي أصلحها الله وهيأها له؛ فالأرض ليست ملكًا لجيل واحد يفعل فيها ما يشاء، وإنما هي أمانة ينتفع بها ويحفظها لمن يأتي بعده.
  7. الإنابة إلى الله مفتاح الانتفاع بالآيات، فالمشكلة ليست دائمًا في نقص الأدلة، وإنما قد تكون في القلب الذي يستقبلها. فقد يرى شخص السماء فيزداد إيمانًا، ويراها آخر فلا تتجاوز نظرته حدود الظاهرة المادية.
  8. أن يستشعر المسلم نعمة الماء عند كل استعمال، فلا يشربه بقلب غافل، بل يحمد الله الذي سقاه، وإذا فتح الصنبور فوجد الماء متاحًا، تذكر أن أقوامًا يقطعون مسافات طويلة للحصول عليه، وأن بلادًا تصاب بالجفاف، فيعرف قدر النعمة قبل فقدها.
  9. الرزق من الله وفضله واسع لجميع العباد، وهذا يربي القلب على التعلق بالرزاق، لا بالأسباب وحدها؛ ولا يعني التوكل على الله ترك العمل؛ فالمؤمن يسعى ويجتهد، لكنه لا يتعلق قلبه بالسبب، ولا يظن أن ذكاءه وحده هو الذي رزقه، بل يقول: هذا من فضل ربي.
  10. إحياء الأرض بعد موتها يوقظ الأمل في القلوب؛ فكما يحيي الله الأرض بعد موتها، يحيي القلوب بعد قسوتها، ويهدي العاصي بعد طول غفلته، ويصلح الأحوال بعد فسادها. فلا ينبغي للإنسان أن ييأس من نفسه أو من غيره، ما دام باب التوبة مفتوحًا والهداية بيد الله.

المعنى الإجمالي للآيات:

  1. أن التأمل في آيات الله الكونية من أعظم الأدلة على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته.
  2. أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الإنسان، فمن قدر على الأكبر قدر على إعادة الأصغر وبعثه بعد الموت.
  3. أن إحكام بناء السماء وخلوها من الخلل والتصدع دليل على كمال قدرة الله وحكمته.
  4. أن الكون لم يخلق عبثًا أو مصادفة، بل هو قائم على نظام دقيق يدل على خالقه سبحانه.
  5. أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام لحكم عظيمة، منها تعليم الخلق الإتقان، والتدرج، والأخذ بالأسباب، والنظام.
  6. أن حقيقة الأيام الستة من الغيب الذي لا يعلم مقداره إلا الله، فلا يجوز الجزم بما لم يرد به دليل.
  7. أن النظر في السنن الكونية يزيد الإيمان، ويحث على البحث العلمي واكتشاف قوانين الكون التي أودعها الله فيه.
  8. أن السماء مرفوعة بقدرة الله، سواء قيل بلا عمد مطلقًا أو بعمد غير مرئية، وكل ذلك شاهد على عظمة الخالق.
  9. أن الأرض مهيأة للحياة بفضل الله، وقد بسطها ومدها وجعلها صالحة لاستقرار الإنسان ومعاشه.
  10. أن الجبال من نعم الله العظيمة، جعلها رواسي للأرض وآيةً من آيات قدرته.
  11. أن جميع المخلوقات، ومنها الجبال، خاضعة لله مسبحةٌ وساجدةٌ له على الوجه الذي يعلمه سبحانه.
  12. أن المطر نعمة مباركة، به تحيا الأرض، وتقوم الحضارات، وتستمر حياة الإنسان والحيوان والنبات.
  13. أن من السنة الدعاء عند نزول المطر، والتعرض له، وسؤال الله أن يجعله نافعًا.
  14. أن النبات والثمار والنخيل والحبوب من أعظم دلائل رحمة الله وسعة رزقه لعباده.
  15. أن تنوع النباتات والألوان والثمار شاهد على إبداع الله وحكمته في الخلق.
  16. أن إحياء الأرض بعد موتها بالمطر دليل ظاهر على إمكان بعث الأجساد بعد فنائها.
  17. أن الآيات الكونية إنما ينتفع بها أصحاب القلوب المنيبة، الذين يتفكرون في خلق الله ويزدادون إيمانًا.
  18. أن دوام النعم قد يورث الغفلة، ولذلك يحتاج المؤمن إلى التذكر الدائم وشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة.
  19. أن الواجب على المسلم أن يقرن التفكر في آيات الكون بشكر المنعم، وتسبيحه، وحمده، والرجوع إليه تائبًا منيبًا.

[1] أرسل إليَّ أحد المشايخ قصةً، ومما نلحظه في وسائل التواصل الاجتماعي شغف بعض الناس بتناقل الغرائب والعجائب دون تثبّت أو تأمّل، ومفاد القصة أن أحد المشايخ سُئل: لماذا تتصدّع جدران المساجد، ولا تتصدّع جدران الكنائس؟ فأجاب على الفور بقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21] فقلت له: يا أخي، هذا استشهاد بالآية في غير موضعها؛ فالآية لا تفسّر تصدّع جدران المساجد، ولا يصحّ أن ننسب عيوب البناء إلى خشية الله؛ إن تصدّع جدران مسجد، وسلامة جدران كنيسة، إن وقع ذلك، يُبحث عن أسبابه في التصميم والتنفيذ وجودة المواد والصيانة؛ فقد يغشّ القائم على بناء المسجد في المواد أو يقصّر في تنفيذ العمل، فتظهر الشقوق، بينما يتقن القائم على بناء الكنيسة عمله، فيكون بناؤها أكثر متانة، وقد يحدث العكس؛ فالعبرة بإتقان البناء وأمانة القائمين عليه، ولا يجوز أن نتّخذ من الآية تبريرًا للغش أو التهاون، ومن المؤسف أن يُساء بناء بيت من بيوت الله بسبب تقصير أو خيانة للأمانة، ثم يُقدَّم ذلك للناس على أنه أثر من آثار الخشوع والخشية.

[2] زغلول النجار، «من آيات الإعجاز العلمي: السماء»، ص 350

Visited 172 times, 5 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 72
  • Today's page views: : 90
  • Total visitors : 206,026
  • Total page views: 229,209