(3) قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه

قَالَ الشَّيْخ رحمه الله: قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه، وأَلْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فإنه خَاطب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله، قَالَ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] وذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض وَمحل قَابل وَشرط لحُصُول الْأَثر وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ .
تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى) أشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر.
وَقَوله: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ (فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 69-70] أَي حيّ الْقلب.
وَقَوله (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام.
وَقَوله (وَهُوَ شَهِيدٌ) أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب قَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه.
وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَن تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط وَهُوَ الإصغاء وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَن معنى الْخطاب وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر.
شرح الفائدة الأولى
افتتح الشيخ الكتاب بقاعدة جليلة ذكر فيها شروط الانتفاع بالقرآن، وخلاصتها أن تأثّر القلب بالقرآن لا يحصل إلا إذا تحقق أربعة أمور:
- وجود المؤثِّر.
- وجود المحلّ القابل.
- تحقّق الشرط.
- وانتفاء المانع.
والآية الكريمة جمعت هذه الأركان كلّها في كلمات قليلة: قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]
وفيما يلي شرح مبسّط لما ذكره رحمه الله:
1- المؤثّر: كلام الله تعالى:
قول ابن القيم في بداية الكلام: (وذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض) معنى تمام التأثير أن تتأثر بهذا الشيء، أي شيء سواء قرآن أو غيره، تحتاج مؤثر مُقْتَضٍ، بمعنى هل المادة مؤثرة أم لا؟ أحيانًا تقرأ في كتاب فتستغرق في هذا الكتاب ساعات دون أن تنتبه، وبعض الناس الذين عندهم نَهَم بالقراءة ممكن يجلس ثلاث ساعات وأربع ساعات لا ينتبه للوقت، لأنه انغمس في الكتاب، لأنه مؤثر جدًا، إما لموضوعه وحاجته إليه، أو اقتناعه بالـفكرة، أو أن الكاتب يكتب بطريقة احترافية إلى غير ذلك. فإذا كان هذا من كلام البشر وصناعتهم، فما بالك بكلام الله عز وجل؟ هذا هو المؤثر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي فيما في السورة (سورة ق) من ذكر وأخبار ووعد ووعيد عِظةٌ مؤثّرة، هذا هو المؤثّر؛ كلام الله الذي يهدي ويذكّر.
2- المحلّ القابل: القلب الحيّ:
المحل القابل، هو أداة الاستقبال، القلب، هل القلب حي أم ميت؟ هل القلب جاهز أن يستقبل هدايات الله أم لا؟
فمعنى قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ليس المقصود القلب العضوي، بل القلب الحيّ الواعي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي حيّ القلب، فالقلب الميت أو القاسي لا ينتفع بالقرآن مهما سمع.
3- الشرط: الإصغاء الكامل:
تحقق الشرط لحصول الأثر، يعني إذا كان عندنا مؤثر وأداة استقبال وهي القلب يحصل الأثر وهو الاستفادة أو الانتفاع بالقرآن، والشرط هو الإصغاء الكامل لكلام الله، كما في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي أعطى سمعه كلّه للقرآن، أصغى ولم يلتفت لغيره، واستمع بتركيز، فالاستماع السطحي أو مع الانشغال بشيء غير مقبول أولا يكفي ليتأثّر القلب بالوحي.
4- انتفاء المانع: حضور القلب وعدم شروده:
قوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي حاضر القلب، غير غافل ولا لاهٍ.
وانتفاء المانع الذي يمنع منه، انتفاء المانع هنا أن يكون القلب ميت، أن يكون الإنسان منشغل، أو غافل أو يتلهى بشيء آخر، أو أن يكون السمع فيه أكثر من مؤثر وهكذا.
وذكر ابن قتيبة [1]: “استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه“.
استمع كتاب الله: أي: أصغِى إليه إصغاءً حقيقياً، مع إرادة فهمه وقصد الانتفاع به، فليس المقصود مجرد السماع فقط، بل السماع الذي يقترن بالقبول والتفكر.
وهو شاهد القلب والفهم: أي: يكون قلبك حاضرًا غير منصرف، ويكون فهمك يقظًا مشاركًا في استقبال المعاني.
فلا تكن التلاوة عادةً مجردة، بل يكون القلب حاضرًا يشهد الخطاب، كأنه يسمع كلامًا يوجَّه إليه في تلك اللحظة.
ليس بغافل ولا ساه: الغفلة: انصراف القلب عن الشيء إلى غيره.
السهو: غياب الانتباه وضعفه.
أي: يجب أن يكون السامع متحررًا من الغفلة التي تُميت القلب، ومن السهو الذي يمنعه من إدراك المعنى؛ فلا يكون ذهنه مشغولاً، ولا قلبه لاهيًا، بل يكون مستشعرًا أن القرآن يخاطبه هو مباشرة .
مثلًا: لو أن رجلا معه مسمار يحتاج إلى أن يَدُقَّه في الحائط، هذا المسمار يحتاج إلى مؤثر وهو المطرقة، والفاعل وهو الضارب الرجل الذي يميك بالمطرقة، فلو أن طفلا هو من أمسك المطرقة فلن يستطيع أنه يدق المسمار ليدخل في الحائط، ولو كان الحائط من فُولاذ من صُلب، فالمسمار لن يدخل أبدًا في هذا الحائط، للابد أن يكون الحائط من خشب مثلًا أو ما شابه ذلك، بحيث أنه يسهل دق المسمار فيخترق الحائط، مع المؤثر الدافع وهو ضربات المطرقة على رأس المسمار.
إذًا عندنا مسمار ومطرقة وضارب والمحل وهو الحائط من خشب أو ما شابه ذلك الذي سيخترقه المسمار.
فالمانع الأكبر هو سهو القلب وانشغاله؛ فإذا شرد القلب بطل تأثير القرآن.
فإذا اجتمع: القرآن المؤثّر، والقلب الحيّ القابل، والإصغاء الكامل، وحضور القلب، حصل الأثر: الانتفاع بالقرآن والتذكّر.
هذه القاعدة تعلّمنا أن تأثير القرآن ليس آليًا، بل هو مرتبط باستعداد القلب، وحضور الحواس، ونقاء الذهن من الموانع.
إذن المؤثر: القرآن الكريم.
محل الاستقبال: القلب الحي الذي يعقل عن الله عز وجل.
بشرط الإصغاء الكامل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، وهذا شرط التأثر بالكلام.
﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يعني شاهد القلب، غير غائب، يعني القلب منتبه وحاضر.
فائدة من الآية: لماذا قال: أَوْ؟ لماذا لم يقل: لمن كان له قلب وَأَلْقَى السمع؟
قال الإمام ابن القيم: فإن قيل إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في قوله: {أو ألقى السمع} والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين؟
قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف الذين قيل فيهم ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ﴾ [سبأ: 6] وقال في حقهم ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور: 35] فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي.
قال ابن القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب.
ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ أنه الحق.
فالأول حال من رأى بعينه ما دعي إليه وأخبر به.
والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في مقام الإيمان. والأول في مقام الإحسان.
هذا قد وصل إلى علم اليقين وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام.
فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة، فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين، وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار، وفي الدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين.
شرح الفائدة
سأل الإمام ابن القيم سؤالا وهو: لماذا قال: أَوْ؟ لماذا لم يقل: لمن كان له قلب وَأَلْقَى السمع؟
ما الفرق بين الاثنين؟ إذا قلنا: جاء محمد وعمرو، معناها؟ أن الاثنين جاءا، لكن إذا قلت: جاء محمد أو عمرو، معناها أن واحدا فقط جاء، واحد من الاثنين، لكن أنا شاكك من فيهم؟
ظاهر الآية يدل على أن الهداية تحصل لأحد صنفين:
- من كان له قلب.
- أو من ألقى السمع.
والسؤال: إذا كانت الهداية لا تحصل إلا باجتماع الأمرين: حياة القلب، والاستماع، فلماذا قال: أو، ولم يقل: و؟ لأن المقام مقام جمع، لا مقام تخيير.
ابن القيم: “أو” باعتبار اختلاف حال المدعو.
ابن القيم أشار إلى أن “أو” ليست للتخيير هنا، بل هي باعتبار اختلاف أحوال الناس.
الحال الأول: صاحب القلب الحيّ الواعي، وهو من كانت فطرته سليمة، وقلبه حيّاً، وعقله صافياً.
هؤلاء ـ بمجرد أن ينظروا في القرآن بعقولهم وقلوبهم ـ يعرفون أنه حق من عند الله، حتى قبل الاستماع التفصيلي أو البحث الطويل، لأن الفطرة النقية تهتدي إلى نور الوحي بسرعة.
مثاله: من يرى بعينه نور الشمس، فيدرك مباشرة أنها شمس. لا يحتاج إلى دليل خارجي. فالنوران يتوافقان:
- نور الفطرة
- ونور الوحي
ولهذا قال تعالى فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6]، وهؤلاء يدخلون في قوله: (نور على نور) يعني نور الفطرة الذي جعله الله في هذا القلب ونور القرآن الذي ينزله الله عز وجل.
إذًا فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي.
ويمثل ابن القيم لهؤلاء بأنهم أصحاب “القلب” في الآية، أي الذي يكفيه قلبه بمجرد أن يواجه القرآن.
ويقول إنهم يجدون معاني القرآن كأنها مكتوبة في قلوبهم، يقرأونها من داخلهم قبل أن يقرؤوها في المصحف، لأن الفطرة موافقة للوحي تماماً.
الحال الثاني: من لم تكتمل حياته القلبية: فهذا شخص:
- فطرته غير تامة الصفاء
- قلبه ليس بقوة الأول
- نور بصيرته ضعيف
- يحتاج إلى منبه خارجي ومفتاح يفتح له الباب
فطريق هدايته ليست كطريق الأول، بل لابد له من:
- إفراغ السمع للقرآن
- وتفريغ القلب للتفكير والتأمل
- وتعقّل المعاني
فإذا فعل ذلك، أدرك الحق، لأن القرآن نور يهدي من أنصت له وتدبره.
هذا الصنف هو الذي عناه قوله: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي منصتٌ حاضر القلب بصير بالمعاني.
وبعض العلماء قالوا: إن من قلبه حي هو المؤمن، ومن قلبه غير حي هو غير المؤمن أعني الكافر.
هل ممكن أن يسمع كافر القرآن ويستفيد؟
أي نعم، لو سمعه وأصغى إليه يستفيد منه. وهناك حالات عِدَّة ثبتت أن بعض الأطباء المسلمين من النفسيين كانوا يعالجون مرضاهم بسماع القرآن الكريم، وقد سمعت الدكتور زغلول النجار -رحمه الله- يحكي أن دكتورا مصريا في أمريكا بولاية كاليفورنيا كان يعالج مرضاه بسماع القرآن الكريم، يشغل القرآن بصوت من الأصوات الحسنة ويطلب من المريض النفسي أن يجلس ليسمع القرآن الكريم، فكانوا يتغيرون بصورة كبيرة جدًا.
وهناك طبيب آخر في ألمانيا كان يعالج مرضاه بسماع صوت الأذان، يسمعهم صوت الأذان.
وهذا يحدث لأن هناك مستقبلات في جسم الإنسان، هكذا خلقه الله عز وجل، يسمع ويتأثر حتى وإن لم يدرك معنى ما يسمع.
إذًا فهنا قلب حي هذا قلب المؤمن. وهنا الانتفاع الثاني لِمَن ألقى السمع وهو شهيد، يعني وهو حاضر لا يغيب.
يبقى إذًا الأول حال من رأى بعينه ما دُعي إليه وأُخبِر به، والثاني من علم صدق المخبر وتيقنه.
فالمقام الأول مقام الإيمان، والمقام الثاني مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الفرق بين المقامين: الإحسان والإيمان
ابن القيم يقول: صاحب القلب الحي حاله كحال من يرى بعينه صدق ما دعي إليه،وهذا مقام الإحسان، وهو أرفع.
وصاحب الاستماع والتلقي حاله كحال من يعلم صدق المخبر ويثق به دون أن يرى بعينه، وهذا مقام الإيمان، وهو دون الأول.
ولهذا كان:
- الأول عين اليقين
- والثاني علم اليقين
رابعاً: مراتب اليقين
ابن القيم يشير إلى تقسيمه المعروف لليقين:
- علم اليقين: أن تعلم الشيء بدليل وخبر.
- عين اليقين: أن تراه بعينك.
ويقول: عين اليقين نوعان:
- عين يقين في الدنيا: وهو ما تعاينه القلوب بالبصائر (كأن الحق حاضر فيها)
- عين يقين في الآخرة: وذلك برؤية ما أخبرت به الرسل رؤيةً بالبصر.
فالذي يهتدي بالفطرة والوحي يصل إلى عين اليقين القلبي في الدنيا.
أما الذي يهتدي بمجرد الاستماع فيحصل له علم اليقين، وهو كافٍ لدخول الإسلام والخروج من الكفر.
[1] هو الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276هـ أحد أعلام القرن الثالث الهجري وأحد كبار علماء أهل السنة في اللغة والتفسير والحديث والأدب نشأ في بغداد وتلقى العلم عن كبار شيوخها فبرز في علوم العربية حتى صار من أئمة مدرسة بغداد في اللغة كما برع في التفسير وبيان مشكل القرآن ورد على أهل البدع وخاصة المعتزلة والجهمية وكان موصوفا بالديانة والعدالة والثقة قال الخطيب البغدادي كان ثقة فاضلا وقال الذهبي الإمام العلامة صاحب التصانيف وقد خلف تراثا علميا كبيرا من أشهره تأويل مشكل القرآن وغريب القرآن وأدب الكاتب وعيون الأخبار واختلاف الحديث والمعارف وظلت كتبه مصادر مهمة للعلماء لما فيها من تحقيقات لغوية وتفسيرية دقيقة وانتصار لمذهب أهل السنة وكان واسع الثقافة قوي الحجة واضح العبارة مما جعله من أوائل من جمع بين العربية والشرع في خدمة القرآن والحديث وترك أثرا باقيا في العلوم الإسلامية.( سير أعلام النبلاء – المجلد 13 –الصفحات من 292 إلى 297) تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة (1405هـ / 1985م)