(3) قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ
فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه

قَالَ الشَّيْخ رحمه الله: قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه، وأَلْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فإنه خَاطب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] وذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض وَمحل قَابل وَشرط لحُصُول الْأَثر وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ.
تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى) أشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر.
وَقَوله: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ (فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 69-70] أَي حيّ الْقلب.
وَقَوله (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام.
وَقَوله (وَهُوَ شَهِيدٌ) أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب قَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه.
وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَن تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط وَهُوَ الإصغاء وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَن معنى الْخطاب وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر.
الشرح
افتتح الشيخ الكتاب بقاعدة جليلة ذكر فيها شروط الانتفاع بالقرآن، وخلاصتها أن تأثّر القلب بالقرآن لا يحصل إلا إذا تحقق أربعة أمور:
- وجود المؤثِّر.
- وجود المحلّ القابل.
- تحقّق الشرط.
- وانتفاء المانع.
والآية الكريمة جمعت هذه الأركان كلّها في كلمات قليلة: قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]
وفيما يلي شرح مبسّط لما ذكره رحمه الله:
1- المؤثّر: كلام الله تعالى:
قول ابن القيم في بداية الكلام: (وذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض) معنى تمام التأثير أن تتأثر بهذا الشيء، أي شيء سواء قرآن أو غيره، تحتاج مؤثر مُقْتَضٍ، بمعنى هل المادة مؤثرة أم لا؟ أحيانًا تقرأ في كتاب فتستغرق في هذا الكتاب ساعات دون أن تنتبه، وبعض الناس الذين عندهم نَهَم بالقراءة ممكن يجلس ثلاث ساعات وأربع ساعات لا ينتبه للوقت، لأنه انغمس في الكتاب، لأنه مؤثر جدًا، إما لموضوعه وحاجته إليه، أو اقتناعه بالـفكرة، أو أن الكاتب يكتب بطريقة احترافية إلى غير ذلك. فإذا كان هذا من كلام البشر وصناعتهم، فما بالك بكلام الله عز وجل؟ هذا هو المؤثر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي فيما في السورة (سورة ق) من ذكر وأخبار ووعد ووعيد عِظةٌ مؤثّرة، هذا هو المؤثّر؛ كلام الله الذي يهدي ويذكّر.
2- المحلّ القابل: القلب الحيّ:
المحل القابل، هو أداة الاستقبال، القلب. هل القلب حي أم ميت؟ هل القلب جاهز أن يستقبل هدايات الله أم لا؟
فمعنى قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ليس المقصود القلب العضوي، بل القلب الحيّ الواعي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي حيّ القلب، فالقلب الميت أو القاسي لا ينتفع بالقرآن مهما سمع.
3- الشرط: الإصغاء الكامل:
تحقق الشرط لحصول الأثر، يعني إذا كان عندنا مؤثر وأداة استقبال وهي القلب يحصل الأثر وهو الاستفادة أو الانتفاع بالقرآن، والشرط هو الإصغاء الكامل لكلام الله، كما في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي أعطى سمعه كلّه للقرآن، أصغى ولم يلتفت لغيره، واستمع بتركيز، فالاستماع السطحي أو مع الانشغال بشيء غير مقبول أولا يكفي ليتأثّر القلب بالوحي.
4-انتفاء المانع: حضور القلب وعدم شروده:
قوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي حاضر القلب، غير غافل ولا لاهٍ.
وانتفاء المانع الذي يمنع منه، انتفاء المانع هنا أن يكون القلب ميت، أن يكون الإنسان منشغل، أو غافل أو يتلهى بشيء آخر، أو أن يكون السمع فيه أكثر من مؤثر وهكذا.
وذكر ابن قتيبة [1]: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه.
استمع كتاب الله: أي: أصغِى إليه إصغاءً حقيقياً، مع إرادة فهمه وقصد الانتفاع به، فليس المقصود مجرد السماع فقط، بل السماع الذي يقترن بالقبول والتفكر.
وهو شاهد القلب والفهم: أي: يكون قلبك حاضرًا غير منصرف، ويكون فهمك يقظًا مشاركًا في استقبال المعاني.
فلا تكن التلاوة عادةً مجردة، بل يكون القلب حاضرًا يشهد الخطاب، كأنه يسمع كلامًا يوجَّه إليه في تلك اللحظة.
ليس بغافل ولا ساه: الغفلة: انصراف القلب عن الشيء إلى غيره.
السهو: غياب الانتباه وضعفه.
أي: يجب أن يكون السامع متحررًا من الغفلة التي تُميت القلب، ومن السهو الذي يمنعه من إدراك المعنى؛ فلا يكون ذهنه مشغولاً، ولا قلبه لاهيًا، بل يكون مستشعرًا أن القرآن يخاطبه هو مباشرة.
مثلًا: لو أن رجلا معه مسمار يحتاج إلى أن يَدُقَّه في الحائط، هذا المسمار يحتاج إلى مؤثر وهو المطرقة، والفاعل وهو الضارب الرجل الذي يميك بالمطرقة، فلو أن طفلا هو من أمسك المطرقة فلن يستطيع أنه يدق المسمار ليدخل في الحائط، ولو كان الحائط من فُولاذ من صُلب، فالمسمار لن يدخل أبدًا في هذا الحائط، للأبد أن يكون الحائط من خشب مثلًا أو ما شابه ذلك، بحيث أنه يسهل دق المسمار فيخترق الحائط، مع المؤثر الدافع وهو ضربات المطرقة على رأس المسمار.
إذًا عندنا مسمار ومطرقة وضارب والمحل وهو الحائط من خشب أو ما شابه ذلك الذي سيخترقه المسمار.
فالمانع الأكبر هو سهو القلب وانشغاله؛ فإذا شرد القلب بطل تأثير القرآن.
إذن فلا بد من تحقق أربعة أمور ليتحقق الانتفاع التام بالقرآن:
- المؤثر وهو القرآن: لكنه مع عظم تأثيره لا يعمل أثره في كل أحد تلقائيًا، بل لا بد من توفر المحل المتلقي له وهو:
- المحل القابل وهو القلب الحي: والقلب مثل الأرض إن كانت حيّة صالحة قبلت المطر وأنبتت وإن كانت ميتة أو صلبة لم تنتفع فالقلب الحي هو القلب الذي لم يمت بالمعاصي ولم يقسُ بالإعراض.
- الشرط وهو الإصغاء: أي حضور القلب والانتباه للمعنى أي أن يسمع الإنسان القرآن وهو يريد الفهم والهداية.
- انتفاء المانع فلا يسمع وهو شارد أو منشغل غير مبال.
فإذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة حصل الأثر: وهو الانتفاع بالقرآن والتأثر به والهداية، والتذكّر، وهذا يفسر لماذا قد يسمع شخص آية واحدة فتنقلب حياته ويسمع آخر القرآن كله ولا يتغير لأن المشكلة ليست في القرآن، بل في القلوب.
الفائدة الثانية
فائدة من الآية: لماذا قال: أَوْ؟ لماذا لم يقل: لمن كان له قلب وَأَلْقَى السمع؟
قال الإمام ابن القيم: فإن قيل إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في قوله: {أو ألقى السمع} والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين؟ قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة.
وهذا وصف الذين قيل فيهم ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ﴾ [سبأ: 6] وقال في حقهم ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور: 35]
فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي، وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب.
ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ أنه الحق؛ فالأول حال من رأى بعينه ما دعي إليه وأخبر به، والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في مقام الإيمان، والأول في مقام الإحسان.
هذا قد وصل إلى علم اليقين وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام.
فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة، فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين، وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار، وفي الدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين.
الشرح
سأل الإمام ابن القيم سؤالا وهو: لماذا قال: أَوْ؟ لماذا لم يقل: لمن كان له قلب وَأَلْقَى السمع؟
ما الفرق بين الاثنين؟ إذا قلنا: جاء محمد وعمرو، معناها؟ أن الاثنين جاءا، لكن إذا قلت: جاء محمد أو عمرو، معناها أن واحدا فقط جاء، واحد من الاثنين، لكن أنا شاكك من فيهم؟
ظاهر الآية يدل على أن الهداية تحصل لأحد صنفين:
- من كان له قلب.
- أو من ألقى السمع.
والسؤال: إذا كانت الهداية لا تحصل إلا باجتماع الأمرين: حياة القلب، والاستماع، فلماذا قال: أو، ولم يقل: و؟
ابن القيم أشار إلى أن أو ليست للتخيير هنا، بل هي باعتبار اختلاف أحوال الناس.
الحال الأول: صاحب القلب الحيّ الواعي
وهو من كانت فطرته سليمة، وقلبه حيّاً، وعقله صافياً.
هؤلاء ـ بمجرد أن ينظروا في القرآن بعقولهم وقلوبهم ـ يعرفون أنه حق من عند الله، حتى قبل الاستماع التفصيلي أو البحث الطويل، لأن الفطرة النقية تهتدي إلى نور الوحي بسرعة.
مثاله: من يرى بعينه نور الشمس، فيدرك مباشرة أنها شمس. لا يحتاج إلى دليل خارجي.
فالنوران يتوافقان:
- نور الفطرة: الفطرة هي الاستعداد الذي فطر الله الناس عليه لمعرفة الحق ومحبته وتعظيم الله فإذا كانت الفطرة سليمة غير ملوثة بالهوى ولا ميتة بالمعاصي كانت كالنور الداخلي.
- ونور الوحي: وهو القرآن النور المنزل من عند الله.
فإذا اجتمع النور الداخلي نور الفطرة السليمة مع النور الخارجي نور الوحي حصل أعظم الهداية وأكمل البصيرة كما قال الله نور على نور، ولهذا قال تعالى فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6]، وهؤلاء يدخلون في قوله: (نور على نور) يعني نور الفطرة الذي جعله الله في هذا القلب ونور القرآن الذي ينزله الله عز وجل.
إذًا فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي، وهذا المعنى يبين كيف أن أهل التعطيل حُرموا من هذا النور لأن قلوبهم لم تجمع بين الفطرة والوحي، وقد فصل القول في هذا الأمر في كتابه:” اجتماع الجيوش الإسلامية ” [2]
الحال الثاني: من لم تكتمل حياته القلبية: فهذا شخص:
هذا الكلام يشرح تفاوت الناس في تلقي الهداية من القرآن ويفرّق بين حالين عظيمين من أحوال الإيمان
أولًا: صاحب القلب الحي الواعي
قوله: فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن: أي لا يقرأ القرآن قراءة منفصلة عن نفسه، بل يجعل قلبه حاضرًا مع الخطاب، كأن الآيات تخاطبه هو، وتصف حاله، وتجيبه عن أسئلته، وتعالج أمراضه، فلا تكون الآيات مجرد قراءة أو اطلاع على معلومات لزيادة المعرفة، بل معايشة كاملة لآيات القرآن.
قوله فيجدها كأنها قد كتبت فيه: أي أن معاني القرآن توافق ما في فطرته
وتجيب عن حاجات قلبه، وتنزل على مواضع الألم والضعف فيه، فيشعر أن القرآن يصفه ويعرفه ويكشف ما في صدره، وكأن المعاني كانت مودعة في قلبه فجاء القرآن فأظهرها؛ فهو يقرأها عن ظهر قلب: أي أن القلب صار حافظًا للمعنى؛ مدركًا له، متشبعًا به، فإذا سمع الآية قال كأنني أعرفها قبل أن أسمعها، لأنها وافقت فطرته ونورت قلبه.
ثانيًا: من لم تكتمل حياته القلبية:
فهذا شخص فطرته غير تامة الصفاء، وقلبه ليس بقوة الأول، ونور بصيرته ضعيف، وهذا حال أكثر الناس؛ قلبه ليس ميتًا لكنه ليس كامل الحياة، ولا تام الاستعداد؛ فيحتاج إلى شاهد خارجي يميّز له الحق من الباطل، أي يحتاج إلى السماع والتفكر، والنظر في الدليل، فطريق هدايته أن يفرغ سمعه للكلام، ويجمع قلبه لتأمله، ويفكر في معانيه، ويعقل ما يسمعه، فعندئذ يصل إلى اليقين بأن هذا هو الحق، لا بالمشاهدة القلبية المباشرة، ولكن بالتصديق القائم على العلم والنظر، ثم يضرب مثالًا يوضّح الفرق بين الحالين:
الأول: كحال من رأى بعينه ما دُعي إليه وأُخبر به، فلا يحتاج إلى برهان بعد الرؤية، وهذا هو صاحب القلب الحي الذي وصل إلى علم اليقين، ثم ترقى به قلبه إلى عين اليقين أي صار الحق عنده كالمشاهد
الثاني: كحال من لم يرَ الشيء بنفسه، لكنه وثق بالمخبر وتيقّن من صدقه، فقال: يكفيني خبره، وهذا هو مقام الإيمان، تصديق جازم أخرج صاحبه من الكفر، وأدخله في الإسلام؛ لكنه لم يبلغ مقام المشاهدة القلبية الكاملة. [3]
الخلاصة
الناس في تلقي القرآن على درجتين:
- درجة الإيمان وهي التصديق الجازم المبني على السمع والنظر.
- ودرجة الإحسان وهي شهود الحق بالقلب كأنه يُرى.
- فالأول مسلم مؤمن.
- والثاني مؤمن محسن.
- وكلاهما على خير، لكن الثاني أرفع منزلة وأكمل يقينًا.
ثم بين ابن القيم – رحمه الله- معنى عين اليقين ومراتبه وبيان الفرق بين تحققه في الدنيا وتحققه في الآخرة على وجه مبسّط
فعين اليقين: هو العلم الذي يصير كالمشاهدة لا مجرد خبر أو استدلال
فهو نوعان:
الأول: عين يقين في الدنيا:
وهو ما يدركه المؤمن بقلبه وبصيرته إدراكًا قويًا حتى كأنه يراه رؤية العين
فما أخبرت به الرسل من أمور الغيب كالجنة والنار والبعث والحساب لا يراه الإنسان بعينه في الدنيا، لكن إذا صح الإيمان وقوي اليقين صار القلب يشهد هذه الحقائق شهادة داخلية ثابتة، ولهذا شبّه المؤلف حال القلب هنا بحال العين مع الشيء المشاهد، فكما أن العين إذا رأت شيئًا زال الشك عنه؛ كذلك القلب إذا بلغ عين اليقين زال عنه التردد وصار كالمعاين.
الثاني: عين يقين في الآخرة:
وهو المعاينة الحقيقية بالأبصار، فما كان في الدنيا يُرى بالبصائر يُرى في الآخرة بالأعين؛ فيرى الناس الجنة والنار والحساب رؤية مباشرة لا خبرًا ولا تصورًا
ومعنى قوله فهو عين يقين في المرتبتين: أي أن الحقيقة واحدة، لكن أداة الإدراك تختلف، في الدنيا بالبصيرة والقلب، وفي الآخرة بالبصر والعين، فكلاهما عين يقين
غير أن يقين الآخرة أكمل وأتم لأنه مشاهدة حسية بعد أن كان في الدنيا مشاهدة قلبية
الخلاصة:
أن المؤمن الكامل يعيش حقائق الغيب في الدنيا بقلبه كأنها حاضرة أمامه، ثم يراها في الآخرة رؤية العين، فلا يتغير المعلوم وإنما ينتقل من بصيرة إلى بصر ومن إيمان بالغيب إلى مشاهدة العيان.
[1] هو الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276هـ أحد أعلام القرن الثالث الهجري وأحد كبار علماء أهل السنة في اللغة والتفسير والحديث والأدب نشأ في بغداد وتلقى العلم عن كبار شيوخها فبرز في علوم العربية حتى صار من أئمة مدرسة بغداد في اللغة كما برع في التفسير وبيان مشكل القرآن ورد على أهل البدع وخاصة المعتزلة والجهمية وكان موصوفا بالديانة والعدالة والثقة قال الخطيب البغدادي كان ثقة فاضلا وقال الذهبي الإمام العلامة صاحب التصانيف وقد خلف تراثا علميا كبيرا من أشهره تأويل مشكل القرآن وغريب القرآن وأدب الكاتب وعيون الأخبار واختلاف الحديث والمعارف وظلت كتبه مصادر مهمة للعلماء لما فيها من تحقيقات لغوية وتفسيرية دقيقة وانتصار لمذهب أهل السنة وكان واسع الثقافة قوي الحجة واضح العبارة مما جعله من أوائل من جمع بين العربية والشرع في خدمة القرآن والحديث وترك أثرا باقيا في العلوم الإسلامية.( سير أعلام النبلاء – المجلد 13 –الصفحات من 292 إلى 297) تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة (1405هـ / 1985م)
[2] كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية من أفضل كتب العقيدة التي ألّفها الإمام ابن القيم رحمه الله وهو كتاب في نصرة عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات والرد على طوائف التعطيل وعلى رأسهم الجهمية ومن تأثر بهم ممن نفوا صفات الله أو أولوها تأويلًا يخرجها عن ظاهرها الذي يليق بالله عز وجل، فقام ابن القيم بتأليفه دفاعًا عن منهج السلف الصالح وبيانًا لانحراف من قدّم العقل المجرد أو الفلسفة على نصوص الوحي فكان الكتاب بمثابة تعبئة علمية وإيمانية شاملة سماها اجتماع الجيوش أي اجتماع أدلة الشرع والعقل والفطرة في مواجهة أهل التعطيل، وهو من أفضل ما كُتب في تقرير عقيدة أهل السنة بأسلوب يجمع بين البرهان النقلي والعقلي والتزكية.
[3] يقول الأستاذ سيد قطب عن تأثير القرآن الكريم (إن في هذا القرآن، سراً يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هناك عنصراً ما ينسكب في الحسن بمجرد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً، ولكنه على كل حال موجود هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعّها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميّز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللّغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود؟ ذلك سر مودع في كلّ نصّ قرآنيّ، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبّر والنّظر والتّفكير في بناء القرآن كله) في ظلال القرآن (5/3399)