تفسير سورة ق
2- قوله تعالى: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم …)

مع تفسير قوله تعالى من سورة ق: (قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ )
العقل يأتي تابعا للوحي:
الإشكال الذي وقع فيه المشركون، ويقع فيه من يُسمَّون الآن بالعقلانيين أو المدرسة العقلانية، هو مسألة الإيمان بالغيب.
لأن الإيمان أمر ينعقد في القلب، ويأتي العقل تابعًا له؛ أما العقلانيون فإنهم لا يؤمنون إلا بالشيء الذي يخضع للقوانين والتجربة المعملية، فأخضعوا كل ما في الوجود لهذا المعنى، وكل ما لا يتفق مع إدراك عقولهم فإنهم يردونه.
وهذا وهم كبير لأن معنى هذا الأمر الذي نتعامل به مع حقائق الكون أن يكون الإنسان قد بلغ من العقل والوعي والإدراك ما يستطيع معه أن يدرك كل شيء في الكون، وأن ينظم ويرتب كل قوانين الكون؛ والإنسان مخلوق ضعيف: سمعه له حد، وبصره له حد، وعقله له حد.
ولذلك رب العالمين لما تكلم عن لطيفة الروح، وأنها سر من أسرار الله في الخلق، قال:﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (سورة الإسراء: الآية 85) فمهما أوتيتم من العلم فلن تبلغوا مرحلة إدراك حقيقة الروح وما يترتب على حياة الأجساد بقدرة الله رب العالمين.
إذاً فالعقل يأتي تابعاً للوحي، وليس الوحي تابعاً للعقل.
فما جاء من ثوابت الإيمان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجب علينا الإيمان به والتصديق بما جاء في آيات ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن عجز العقل عن إدراك ذلك فإن الخلل في عقولنا، وليس في كلام الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
القدرة الإلهية المطلقة وبدء الخلق وإعادته:
قدرة الله لا تحدها حدود؛ وقدرة الله عز وجل ظاهرة في هذا الكون العظيم، ولذلك سياتي في الآيات لفت الأنظار إلى الكون وما فيه: السماء وبنيانها، والأرض وامتدادها، والمطر وما أنبت الله به من النبات والحياة على هذه الأرض؛ للدلالة على أن هذه الأمور أكبر بكثير من إعادة إنسان إلى خلقته الأولى.
والبداهة العقلية في المسألة : أن إعادة الخلق أيسر من ابتدائه؛ والله تعالى ليس عنده سهل وصعب، لكن هذا لتقريب الأمر في أذهان الخلق، ولذلك قال الله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (سورة الروم: الآية 27)
أي بمقاييسكم البشرية، إن إعادة الخلق أيسر من ابتداء الخلق؛ فالذي يخلق من العدم هو الله عز وجل؛ العدم يعني لا شيء.
توضيح قدرات المخلوقين ( الأنبياء والجن والصالحين)
لو أني صانع أو مهندس أو مخترع أو ما شابه ذلك، أحتاج إلى مواد حتى أستطيع صنع هذا الشيء منها، لأن أي شيء في الدنيا له مكونات؛ هذه المكونات منها ما يأتي من البلد الفلاني، وهذه تستورد من المكان الفلاني، وهذه تصنع في شركة كذا، حتى نستطيع تجميع الأجزاء ويصير المنتج تاما ؛ سواء كان تكنولوجيا أو أدوات منزلية فيكتمل.
أما رب العالمين جل جلاله فإنه يخلق من العدم. إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. وهذه ليست لأحد غير الله عز وجل. لا يخلق من العدم لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا مارد من الشياطين.
فالشياطين لا تخلق من العدم كما يروَّج دائماً لهذا، في القصص الخيالية وأفلام الإنمي الموجهة للأطفال؛ والشيء بالشيء يذكر عندنا في عقليات أبنائنا وخاصة في أفلام الإنمي ومثل سلسلة هاري بوتر الشهيرة عند الأطفال: مسألة الاعتماد على السحر وعلى الشياطين، وأن الشياطين عندها قدرات خارقة وكبيرة، وأن الشيطان حينما ظهر لعلاء الدين والمصباح السحري وهذه الأشياء يطلب ما يشاء فيحقق له الأمر. هذا مستحيل. لا يستطيع أي شيطان مارد أن يخلق من العدم… ليس في قدرته… والآية الواردة : (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك)[ النمل:39] عرش بلقيس موجود، سيطير بحكم قدرته العالية على السرعة والطيران ويأتي به من اليمن إلى فلسطين، إذن هو أتى بعرش موجود …هو لم يخلقه من العدم.
فالأفلام الخيالية ترسخ في اللا شعور عند أولادنا أن الشياطين توجد الأشياء من العدم، والجني قادر على أنه يفعل أشياء من الخلق وتحقيق الأمنيات، والعفريت لما ظهر حقق له ثلاثة أمنيات أو سبعة أمنيات!!! هذا كله وهم أو فنتازيا واهمة كاذبة لا أساس لها من الصحة.
ولذلك يجب أن نربي أبناءنا على أن الذي يخلق من العدم هو الله وحده، وأن الشياطين لا تستطيع أن تخلق من العدم.
الفارق بيننا نحن البشر وبين قدرات الجن هو سرعة الحركة، وقوانين الحركة تختلف من جسم الإنسان وطاقته المحدودة في الزمان والمكان، وطاقة الجن وطبيعة خلقهم وقدرتهم على الحركة.
والرسل لما أرسلهم الله تعالى أجرى على أيديهم خوارق العادات.
ما معنى خوارق العادات؟
النار بطبيعتها تحرق، وأي إنسان يتعرض للنار يُحرق. لكن الله تعالى جعل هذا القانون الكوني معطلاً مع الخليل إبراهيم لما ألقوا به في النار: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾[الانبياء:69] هذه هي المعجزة، لكن الرسول لا يخلق من العدم.
والرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الحديبية كان الصحابة في موقف صعب لأن كل الماء نفد منهم ، ونزلوا بمكان ليس فيه ماء، فشكا الصحابة للنبي قلة الماء، ومعنى هذا أن يتعرض الجيش للفناء وتموت البهائم أو الحيوانات التي تنقلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ائتوني بأزوادكم”، يعني القرب وأوعية المياه. هذا فيه قطرة، هذه فيه قطرتان، حتى امتلأت كفه صلى الله عليه وسلم بالماء. إذاً لم يخلق النبي شيئاً من العدم. امتلأ كفك بالماء، كم يروي؟ يروي شخص واحد. لكنه بقدرة الله روي 1400 شخص وهذه ولا شك معجزة.
فالنبي لم يخلق من العدم، ليس في قدراته ذلك، إنما يجري الله على يديه المعجزات والآيات فوق العادة، فوق ما اعتاده البشر؛ للدلالة على أنه رسول رب العالمين.
عند بعض الطوائف زي الصوفية مثلاً، يبرهنون على مكانة شيخهم بصلاحه وتقواه وقدراته اللامحدودة، ويذكرون الحديث المكذوب المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة: “عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون”. هذا حديث غير صحيح، لأن الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله. أما الولي، ولي الله المؤمن العارف بربه التقي ، فلا يملك أن يقول للشيء كن فيكون. ليس من قدراته أن يقول للشيء كن فيكون، إنما قد يجري الله على يديه استجابة الدعاء، بركة في استجابة الدعاء، بركة في التوفيق لعمل صالح، في هداية الخلق مثلاً، لكن أنه يخلق من العدم هذا مستحيل.
فهذا الأمر ليس لأحد إلا لله وحده .
فالذي خلق جميع الإنس والجن والملائكة وكل العوالم وهذا الكون من العدم، هل يعجزه أن يعيد الإنسان بعد موته؟
فالمسألة ليست متعلقة بمجرد إعادة الخلق على أنه خلق جديد كلا، بل سنعيد الخلقة الأولى.
الخلقة الأولى لهيئتي وهيئتك الآن والتي لا شك ستنمحي تماما بعد موتناوتحللنا في باطن الأرض، الله تعالى لن يخلقنا في صور جديدة مثلاً ؛ إنما سيعيد الخلق مرة أخرى، كما بدأنا أول خلق نعيده.
الإعجاز العلمي في إعادة الخلق (بنان الإنسان)
وبلغت الدقة في التعبير القرآني: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ (سورة ق: الآية 4). التحلل في جثة الإنسان حيناً بعد حين، زمناً بعد زمن، ذرة ذرة، كل هذا عند الله.
قد علمنا، لم يغب عن علمه جل وعلا، ما تنقص الأرض منهم.
ولذلك لما أراد الله تعالى أن يبين لعباده طلاقة قدرته في إعادة الخلق قال:﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ (سورة القيامة: الآية 4) والعلماء قديماً فسروا الآية على ظاهرها أن قدرة الله تعالى أن يعيد الخلق أو يعيد الناس إلى الخلقة الأولى، وأن كل شيء سيعاد إلى صورته وطبيعته، والبنان :الأصابع، إشارة إلى أنه إذا كان البنان سيعاد فمن باب أولى أن يعاد الكل.
لماذا قال: بنانه على وجه التحديد؟
هذا تفسير العلماء قديما أما حديثا فقد بدأ العلماء في القرن الماضي بدأوا في اكتشاف البصمة التي في أيدي كل إنسان.
هذه الخطوط التي رُسمت بشكل هندسي عجيب، اكتشف العلماء أنه ليس هناك إنسان على وجه الأرض تتشابه بصمته مع إنسان آخر.
وفي بدايات القرن العشرين بدأت الدراسات المختلفة عن البصمة ، وأكدوا أنه ليس في العالم أجمع أي تشابه بين بصمة إصبع وإصبع، وبين توأم وصاحبه، وبين أب وابنه. ليس هناك أي تشابه… كل كائن حي، كل إنسان له بصمة خاصة لا تتكرر مع غيره، فمن هنا اعتمدوا موضوع البصمة في الأدلة الجنائية والتحقيقات إلى غير ذلك.
وحصل أن إحدى عصابات المافيا لما قبض على أحد المجرمين منهم خافوا من اكتشاف بصمته في مكان الجريمة فقاموا برشوة طبيب ليكشط جلد الأصابع لهذا المتهم حتى تنمحي البصمة، وبقي ثلاثة أشهر حتى تعافى. ولما تعافى أخذوا بصمته إذا بها عادت كما كانت بعد ثلاثة أشهر وكشط تام للجلد. ظنوا أن البصمة ستتغير فعادت كما كانت.
فإذا كانت البصمة التي على الأصابع لا تتشابه بين إنسان وإنسان سيعيدها الله جل وعلا، فما بالنا بما هو أكثر من ذلك.
فالله جل في علاه ذكر هذه الآية في سورة القيامة وتلاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، حتى يأتي العلم ليفسر لنا لماذا قال “بنانه” على وجه التحديد.
والشيخ الشعراوي رحمه الله : كان يقول إن سعي أكثر العلماء في عصرناهو سعي لتفسير وتحقيق قول الله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ (سورة فصلت: الآية 53).
تكذيبهم بالحق واضطرابهم
إذاً الله تعالى أحاط علمه بكل ذرة تتحلل في باطن الأرض من أي إنسان، كل شيء تحلل من الإنسان بعد وفاته لا يغيب عن علمه، وسيعيده مرة أخرى ويبعث فيه الروح ويوقف بين يدي الله عز وجل.
(وعندنا كتاب حفيظ) حفيظ هنا إما بمعنى حافظ أي يحفظ الأعمال، وهو كتاب الأعمال الذي سجلت فيه الملائكة أعمال الخلق.
وإما أن يكون حفيظ بمعنى محفوظ، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ فلا يطلع عليه أحد إلا بإذن من الله تعالى، بمعنى أن الشياطين لا تسترق السمع ولا تنقل منه، لأن هذا محفوظ عند الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ (سورة ق: الآية 5)
والحق هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو الإسلام. فكذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج.
ومَرج الشيء يعني اضطرب واختلط، حتى أننا نقول في كلامنا: “هناك هرج ومرج” يعني أمور مختلطة ومضطربة.
ظهر فيهم رسول الله وكانوا يعرفونه جيدا فقد كان معهم أربعين سنة قبل البعثة وقبل الوحي، ويلقبونه بالصادق الأمين.
فزعموا أنه مجنون!! فلما وجدوا أن التهمة غير ثابتة وليس لها دلائل، قالوا: كلا، هو يأتي بكلام يشبه أوزان الشعر، فهو شاعر. فلما وجدوا أن القرآن لا يأتي على نسق ولا نظم ولا بحور الشعر، قالوا: آه، هذا كلام عندما يقوله محمد يتاثر به الشخص، فهو يفرق به بين العبد وسيده وبين الزوج وزوجته وبين الأب وابنه، ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ (سورة المدثر: الآية 24).
والسؤال: إذا كان النبي ساحراً لماذا سحر العبيد والنساء والأبناء ولم يسحركم أنتم؟
فهم في أمر مريج مضطرب.
قالوا نعبد هذه الأصنام المسماة آلهة وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. أين تكون الشفاعة؟
يوم القيامة. ومع هذا قالوا لا، ليس هناك يوم القيامة، نحن ننكر البعث.
إذاً فعندهم اضطراب، وهذا دائما شأن أهل الباطل.
الحجج زائفة مائعة، عندهم اضطراب وشك وتردد وحيرة وعدم ثبات.
أما الحق فإنه واضح ثابت قوي متماسك لا يتغير لا يتبدل.
فكل أهل الباطل في أمر مريج ، وأهل الحق على الحق ثابتين.
وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحقُّ أبْلَجُ والباطلُ لَجْلَجُ” أخرجه ابن حبان في صحيحه.
أبلج يعني كضوء الصبح، واضح قوي، لا فيه غبشة ولا ظلمة ولا غيم. أبلج كضوء الصبح. والباطل لجْلَج، من اللجلجة وهي الاهتزاز والارتعاش وعدم الثبات.
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ فهم في اختلاط واضطراب لا يعرفون ماذا يقولون عن محمد ولا عن الإسلام ولا يستقرون على قرار، لأنهم ليس عندهم أي رؤية واقعية حقيقية عما جاءهم به نبينا صلى الله عليه وسلم.