شرح الأربعون النووية

6- الحلال بين والحرام بين
الشبهات بين الحلال والحرام
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشِيْر رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَات لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاس،ِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً . أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهيَ القَلْبُ) رواه البخاري ومسلم .
شرح الحديث
قوله: (إن الحلال بين ) الحلال هو مالم يرد دليل بتحريمه ، وبين أي ظاهر وواضح مثل أكلِ ما أباح الله من الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمةِ الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباسِ ما يحتاج إليه من ملابس ….الخ.
(وإن الحرام بين) الحرام هو ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع ،أو قياس مرجح لذلك ، مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال…الخ.
( وبينهما أمور مشتبهات) ووردت مشتبهات، وهي ما ليس بواضح الحل أو الحرمة ، يعني لا يدرى حكمها أهي حلالٌ أم حرام ؟
وسبب الاشتباه فيها إما:
- الاشتباه في الدليل، هل صحّ عن النبي ﷺ أم لم يصحّ؟ وهذا عند الأصوليين يسمى تخريج المناط.
- وإما الاشتباه في انطباق الدليل على المسألة، هل يدل على هذا الحكم أو لا يدل؟ عند الأصوليين يسمى تحقيق المناط.
ما أسباب ورود الشبهة ؟
- إما جهل بالحكم : فعلاجه العلم بسؤال أهل الذكر ، كما علمنا الله سبحانه وتعالى.
- وإما أن المسألة جديدة محل اجتهاد واخذ ورد بين أهل العلم ، وعند اختلاف الفقهاء وخاصةً في المسائل الاجتهادية ينبغي علينا أن نقلد عالما نثق في علمه.[1]
- من الأمور التي اختلط فيها الحلال بالحرام.
(لا يعلمهن كثير من الناس) يعني هذه المشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ؛ إما لقلة علمهم، وإما لقلة فهمهم، وإما لتقصيرهم في المعرفة.
قال ابن رجب الحنبلي: «وفي الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالًا إلَّا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلَّا مُبيَّنًا، لكن بعضَه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانُه، واشتهرَ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة من ذلك لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإِسلام، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:
منها أنه قد يكون النصُّ عليه خفيًا لم ينقله إلا قليلٌ من النَّاس، فلم يبلغ جميع حملة العلم.
ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفةً أحدُ النصين دون الآخرين، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
ومنها ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيرًا.
ومنها ما يكون فيه أمر، أو نهي، فتختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التَّحريم أو التنزيه، وأسبابُ الاختلاف أكثرُ مما ذكرنا.
ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجورًا غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله ﷺ في المشتبهات: “لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس” فدل على أن من النَّاس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء.[2]
الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان:
الحكم الشرعي ثابت بالدليل لا يتغير، مثل: وجوب الصلاة، وتحريم الزنا، وتحريم الربا، لكن الفتوى أي: تطبيق الحكم على واقع الناس قد تختلف بسبب تغيّر:
الزمان/ المكان/ العُرف/ أحوال الناس/ ظروف الحياة/ المصالح والمفاسد
هنا ننتقل من الحكم إلى الفتوى، ما الفارق بين الأمرين ؟
الحكم نصٌ قطعيٌ في المسألة؛ كقوله تعالى “وأحل الله البيع وحرم الربا “؛ الفتوى تكون في بعض الحالات الخاصة ، وقد حدث هذا في زمان نبينا ﷺ حينما أذن لعبد الرحمن بن عوف أن يلبس الحرير حينما أصيب بالجرب كان عنده مرض جلدي لا يستطيع أن يلبس أي ملابس فأذن له النبي بلبس الحرير والحرير حرامٌ على الرجال حلالٌ للنساء ، لكن أفتى له رسول الله بأن ينتقل من الأصل الحرام إلى الجواز عند الضرورة الملجئة .
وقديماً قبل اختراع الأسنان البلاتين كان العلماء يفتون بجواز الأسنان من الذهب لأن الأسنان من معدن آخر غير الذهب والفضة كانت تحدث التهابات ونتن وصديد فكانت الفتوى باستعمال أسنان الذهب والفضة ليس ترفا ولا إسرافا إنما للضرورة الملجئة ، والآن قد صار في عصرنا بدائل صارت البدائل هي الأشيع وهي الأرخص من استعمال أسنان الذهب والفضة فلم نعد في حاجة لهذه الفتوى لأنه لا ضرورة لها الآن.
فالتغير يقع في الفتوى لا في الحكم الشرعي نفسه؛ على سبيل المثال:
ما حكم الحصول على جنسية أجنبية ؟
علماء الجزائر زمن الاحتلال الفرنسي كانوا يفتون بكفر من يحصل على الجنسية الفرنسية ،وأنه خائنٌ للوطن، وهذا كان ظرفا موجودا في واقع وتاريخ معين ومرحلة تاريخية معينة، وكان هذا بإجماع علماء الجزائر وقتها أما وقد صرنا إلى زماننا هذا فجواز السفر ما يعني إلا وسيلة من وسائل الانتقال من بلد على بلد، فلا يتعلق لا بخيانة وطن ولا برضا بمحتل ولا أي شيء من هذا القبيل.
إذن فالأمر اختلف لا يتعلق هنا بولاء وجيش وخدمة عسكرية وخيانة للوطن الأمر يتعلق بوثيقة للسفر والانتقال فالفتوى اختلفت .
مثال ثان / الزواج من الكتابية :
قال تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 5] ومعنى الآية إباحة زواج المسلم من كتابية ، لكن في وقتنا الحالي إذا حدث نزاع بينك وبين الزوجة الكتابية ما مصير الأولاد وما مصير دينهم؟
المحكمة هنا (بكندا) على سبيل المثال تقرر أنه ليس من حق أحد الوالدين أن يفرض أو يعلم أبناءه أي دين حتى يصل إلى سن البلوغ، فيما أظن خمسة عشر عاماً، يعني لا تأخذه للمسجد ، ولا تأخذه الزوجة للكنيسة ، لا تعلمهم الصلاة ولا القرآن ولا تعلمه الزوجة أي شيء من تعاليم دينها.
هذا يسمونه في الفتوى فقه المآل (ما يصير إليه الأمر مستقبلا) إذن فمن أراد أن يتزوج بكتابية فليضع نصب عينيه هذه المسألة وهذا الواقع .
مثال آخر/ لماذا لحم الدجاج حلال والبقر حرام (بكندا)؟
الفتوى المعمول بها هنا بكندا وأمريكا أن لحم الدجاج كله حلال، وأن لحم الأبقار فيه شبهة التحريم كبيرة، فالبعض يخلط ويقول لماذا قلتم عن الدجاج حلال وعن لحم الأبقار حرام؟
لأن نسبة الوفاة في الدجاج واحد في الألف ، وهذه نسبة لا تجعل الاتجاه للتحريم مطلقاً لأنها لا تكاد تذكر ، بالإضافة إلى أن القانون يفرض على المسالخ عزل الدجاجة التي ماتت قبل توزيعها للبيع.
أما بالنسبة للأبقار فالفتوى لا علاقة لها بالسؤال هل هي ذبيحة كتابي أم غير كتابي ، لو فرضنا أن الذي يذبح مسلم ما هو الذي يدور هنا؟ الذي يحدث في المسالخ التي لا تعلق لافتة حلال يضربون العجل بالخرطوش في رأسه ، هذه العملية كما يقول القائمين على هذه المسالخ (مكان الذبح) قد تؤدي إلى الوفاة بنسبة من أربعين لستين بالمائة، يعني من بين عشرة عجول أربعة إلى ستة تموت، وهذه نسبة كبيرة في التحريم، المسألة هنا ليست ذبيحة الكتابي حلال ولا حرام ، ذبيحة الكتابي حلال بنص كتاب الله ، إنما الكلام هنا علي مسألة تفرعت منها، وهي كيفية الذبح، هل تذبح وهي فيها حياة ؟ أم تذبح وقد ماتت بالفعل فتكون ميتة ؟ هذا تحرير للأمر وتوضيح.
إذن لا يكفي أن أقول : قال الله (وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌ لكم) ثم أتغافل عن أن الذابح سواء كان مسلما أو كتابيا ذبحها وهي ميتة ؛ فالحكم لن يختلف؛ لأن الميتة حرام لا يجوز أكلها .
عند اختلاط الحلال بالحرام فإن المسلم يلتزم الورع:
الورع معناه في اللغة الكف والانقباض عن الشيء .
وتعريفه عند علماء الشرع : الورع هو ترك الشبهات.
وقال بعض العلماء: الورع هو قول النبي ﷺ(دع ما يريبك الى ما لا يريبك) [3] يعني دع ما فيه ريبة ودع فيه شك إلى ما ليس فيه ريبةٌ ولا شك.
والورع المراد هنا هو أن تترك الشيء الذي لم تتضح الرؤية أو الحكم فيه حتى تتعرف على الأمر أحلال هو أم حرام؟ فإن لم تصل الى شيء فإن تركه من الورع.
والورع عن أكل الحرام وما فيه مظنة الحرام هذا هو الذي يدور حوله كلام العلماء.
ونرى في هذا نبينا المصطفى قائدنا وقدوتنا حينما أمسك حفيده الحسن بتمرة من تمر الصدقة، فقال له النبي ﷺ: بلغة الأطفال (كخ كخ) أنها لا تحل لنا أنها لا تحل لنا)[4]
وقال النَّبيُّ ﷺ: “إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجدُ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فألقيها” [5]
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النَّبيَّ ﷺ أصابه أرقٌ من الليل، فقال له بعضُ نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة. فقال: “إنِّي كنتُ أصبتُ تمرةً تحت جنبي، فأكلتُها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيتُ أن تكون منه”.[6]
وعن عبد الله بن يزيد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: “لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَّقين حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأسٌ “.[7]
وهذا الصديق أبو بكرٍ رضي الله عنه لما جاءه غلامه بطعامٍ وكان قد اشتد جوعه فأكل، وكان من عادته أن يسأل عن الطعام ما مصدره فمن شدة جوعه أكل دون أن يسأل، فقال له الغلام: لم تسألني اليوم عن مصدر هذا الطعام قال: إنما شغلني الجوع فمن اين لك بهذا الطعام؟
قال: قوم كنت قد تكهنت لهم في الجاهلية فاعطوني حلوانا (مكافأة أو هدية) يعني هو كذب على بعض الناس أو غشهم أنه يعلم الغيب أو ينفع أو يضر ففعل لهم شيئاً مما يفعله بعض الدجالين والمدعين ، فوافق ذلك قدر الله عز وجل فأعطوه حلواناً ، وهذا الحلوان مال حرام لأن النبي ﷺ نهى عن حلوان الكاهن الذي يدعي علم الغيب ويعطى على ذلك مالا.
فجعل أبو بكر رضي الله عنه يتقيأ ما في بطنه رغم أنه ما كان يعلم أنه حرام ، لكن حتى لا يكون الحرام مخالطاً بدمه ولحمه جعل يتقيأ ، والنبي ﷺ(كل لحٍم نبت من سحت فالنار أولى به.)[8] نسأل الله العافية .[9]
- ولما سأل عمر بن الخطاب الصحابة ما تقولون في الورع ؟ فبعضهم قال: الورِع هو كثير الصلاة ، كثير الصيام ، كثير الصدقة، قال : الورع ترك الحرام .
- وقال بعض السلف : لأن أترك دانقاً [10]من حرام خيرٌ من سبعين حجةً نافلة.
- وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.
- وقال الثوري: إنَّما سُموا المتقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتقى.
- وروي عن ابن عمر قال: إنِّي لأحبُّ أن أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا أخرقها.
- وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال.
- وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإِيمان حتى يجعل بينه وبينَ الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه.
ورع الكاذبين :
ومن عجائب زمننا الورع في ترك ما وسعه الله عز وجل، ثم بعد ذلك يقع فيما هو معلوم من الدين بالضرورة حرمته واشتهرت، فهناك من يذكرني بالمثل الذي ذكره ابن الجوزي حينما جاءه رجل يسأله عن أنه وقع على امرأةٍ في الحرام- زنى بها والعياذ بالله – وحملت ماذا يفعل في هذا الولد؟
يريد أن يتوب الى الله عز وجل، فقال الإمام : هلا عزلت عنها إذ ابتليت بهذا الامر؟ قال: يا إمام، ولكني بلغني أن العزل مكروه- العزل أن الرجل يعني يجامع ولا تحمل المرأة منه بوسيلة او بنحو ذلك ، فقال له : لكن بلغني أن العزل مكروه.!!!
قال: سبحان الله بلغك أن العزل مكروه ولم يبلغك أن الزنا حرام؟
- وهذا عبدالله بن عمر لما جاء رجل يسأله عن دم البعوض للمحرم، قال: من أين أنت؟ قال: من العراق.قال : تقتلون الحسين، وتأتي لتسأل عن دم البعوض؟!!!
- وسمع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه رجلاً ينادي في السوق من صاحب التمرة وجد التمر في الارض من صاحب التمرة؟ من صاحب التمرة؟ قال كلها يا صاحب الورع الباهت ، يعني الورع جاء في تمرة وأنت سبحان الله فيك ما فيك من العيوب.
الورع الكاذب كشف المرأة الخائنة والرجل السارق
عاد الرجل ذات مساء إلى بيته، فوجد زوجته جالسة عند النافذة وقد غلبتها الدموع. وقف أمامها قلقاً، ثم سألها عمّا يبكيها. مسحت دموعها بطرف ثوبها وقالت بصوت متهدّج:
إنّ العصافير التي تقف على الشجرة المطلة على نافذتنا تنظر إليّ وأنا أتنقّل في البيت بلباسي المعتاد دون حجاب، وأخشى أن أحاسب عند الله على هذا التقصير.
تأثر الرجل بكلماتها، واقترب منها يقبّل رأسها إعجاباً بعفّتها وخوفها من ربها، ثم حمل فأسا وخرج إلى الشجرة، فقطعها من أصلها ليصرف عن بيته كلّ سبب يوهم بالمعصية.
ومضت أيام قليلة، عاد خلالها مطمئناً إلى بيته وزوجته، حتى جاء يوم حضر فيه من عمله باكراً، فدخل منزله بخطوات هادئة، فإذا به يرى زوجته في أحضان رجل غريب.
ثبت مكانه لحظة، شعر بصدمة تخترق أعماقه، ثم أدرك أنّ ما رآه لا يحتمل تأويلاً. لم يصرخ، ولم يبطش؛ فقد كان عاقلاً، كظَمَ غيظه، وطلّقها، ثم حمل ما بقي له وترك المدينة كلها خلف ظهره، رافضاً أن يعيش بين طرقٍ تذكّره بخيانتها.
انتقل إلى مدينة أخرى يبتغي نسيان ما كان. وفي يوم من الأيام، كان يتجوّل في سوقها، فسمع ضجّة وصياحاً. سأل أحد الواقفين: ما الذي يحدث؟
قال الرجل: خزينة الأمير سُرقت، والجنود يفتّشون كل من يُشتبه به.
وفيما هم يتحدّثون، مرّ رجل يخطو خطوات دقيقة جداً؛ يرفع قدمه ببطء، ينظر تحتها ملياً، ثم يضعها بحذر، ويمشي على رؤوس أصابعه كمن يطأ جمراً.
سأل الغريب أحد الواقفين: وما شأن هذا الرجل؟
قال: هذا شيخنا وزاهد المدينة، من شدة ورعه يمشي هكذا خشية أن يدعس نملة فيُكتب عليه ذنب.
تأمّله الغريب نظرة طويلة، وكأن شيئاً انكشف له. ثم قال بثبات: دلّوني على قصر الأمير… فقد وجدت السارق.
دخل على الأمير وقال له: أعلم مَن سرق خزانتك.
رفع الأمير رأسه باستغراب وقال: من؟
قال: الشيخ الذي تلقّبونه بالعابد الزاهد.
احمرّ وجه الأمير غضباً: أتتّهم رجلاً اشتهرت تقواه؟
قال بثقة: إن كنت كاذباً فاضرب عنقي.
أمر الأمير الجنود بتفتيش منزل الشيخ، وما هي إلا لحظات حتى عادوا بالأموال المسروقة قد خُبِّئت في بيته. أُحضر الشيخ فاعترف بالسرقة، فسأل الأمير الرجل مندهشاً: وكيف عرفت أنه السارق؟
قال:حين يُبالغ أحدهم في ادعاء الورع، فاعلم أن وراء المبالغة ظلّ جريمة يخفيها.
(فَمَن اِتَّقَى الشُّبُهَاتِ) أي تجنبها.
(فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِيْنِهِ وَعِرْضِهِ) أي طلب البراءة لدينه بورعه لله ، ويحفظ عرضه بين الناس، فلا يقعون فيه أو يسيئون الظن به.
والعرض: هو موضعُ المدح والذمِّ من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدحُ، وبذكره بالقبيح قدحٌ، وقد يكون ذلك تارةً في نفس الإنسان، وتارةً في أهله، فمن اتَّقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ الذم وسوء الظن الداخل على من لا يجتنبها، كما قال بعض السَّلف: من عرض نفسه للتُّهم، فلا يلومنَّ من أساء به الظنَّ.
(وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فَي الحَرَامِ) وَمَنْ وَقَعَ فَي الشُّبُهَاتِ بفعلها وَقَعَ في الحَرَامِ، وهذه الجملة تحتمل معنيين:
الأول: أن ممارسة المشتبهات حرام.
الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم، وبالنظر في المثال الذي ضربه ﷺيتضح لنا أن المعنى الثاني أصح.
قال ابن رجب: قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو من لا يعلمها، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بها، واتَّبع ما دلَّه علمهُ عليها، فذلك قسمٌ ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإنَّ هذا القسم أفضلُ الأقسام الثلاثةِ؛ لأنَّه عَلِمَ حكمَ الله في هذه الأمور المشتبهة على النَّاس، واتَّبع علمَه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم الله فيها، فهم قسمان:
أحدهما من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه.
الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده، فأمَّا مَنْ أتى شيئًا مما يظنُّه الناس شبهةً، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر، فلا حَرَج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال النبيُّ ﷺ لمن رآه واقفًا مع صفية: إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيي”. [11]
(كَالرَّاعِي يرعى حول الحمى) هذا مَثَلٌ ضربه النبيُّ ﷺ لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض ، أي راعي الإبل أو البقر أو الغنم، يَرْعَى أي حول المكان المحمي، لأنه قد يُتخذ مكانٌ يُحمَى فلا يُرعَى فيه إما بحق أو بغير حق، والراعي حول هذه القطعة يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ أي يقرب أن يقع فيه، لأن البهائم إذا رأت هذه الأرض المحمية مخضرة مملوءة من العشب فسوف تدخل هذه القطعة المحمية، ويصعب منعها، كذلك المشتبهات إذا حام حولها العبد فإنه يصعب عليه أن يمنع نفسه عنها.
وبهذا المثال يقرب أن معنى قوله مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ أي أوشك أن يقع في الحرام، لأن المثال يوضح المعنى.
إذن المعنى اجعل بينك وبين ما حرم الله حاجز، حاجز يمنعك من الجرأة على الحرام؛ لا تكن جريئاً متساهلاً تقول هذا مكروه وهذا حرام سأستغفر منه وهذا وذاك فهذا سيهلكك .
(ألا وإن لكل ملك حمى ) وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أي كل ملك له حمى، ومسألة الحمى على نوعين:
- إذا حماه لنفسه وبهائمه فهو حرام.
- إذا حماه لدواب المسلمين كإبل الصدقة وإبل الجهاد فهو حلال، لأنه لم يختصه لنفسه.
(ألا وإن حمى الله محارمه) ألا وإن حمى الله محارم الله، فإياك أن تقربها، لأن محارم الله كالأرض المحمية للملك لا يدخلها أحد.
ما حكم معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط؟
هذه المسألة فيها تفصيل عند العلماء:
الأولى: أن يكون الحرام أكثر ماله ويغلب عليه فهذا مكروه قال الإمام أحمد ” ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا أو شيئا لا يعرف “. أما إذا علم تحريم شيء بعينه فيحرم عليه تناوله إجماعا كما حكاه ابن عبد البر وغيره.
الثانية: أن يكون الحلال أكثر ماله ويغلب عليه فيجوز معاملته، والأكل من ماله بلا حرج ، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في جوائز السلطان ” لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام ” وكان النبي ﷺ وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله.
الثالثة: أن يشتبه الأمر فلا يعرف أيهما أكثر الحلال أم الحرام فهذا شبهة والورع تركه قال سفيان ” لا يعجبني ذلك وتركه أعجب إلي ” وقال الزهري ” لا بأس أن يأكل منه مالم يعرف في ماله حرام بعينه ” ونص أحمد على جواز الأكل مما فيه شبهة ولا يعلم تحريمه.
[1] ونحن الآن ظهر في عصرنا ما يعرف بالمجامع الفقهية ، وهذه من الظواهر الطيبة في عصرنا لأن المسائل الاجتهادية الجديدة لا يفتي فيها عالم واحد إنما مجمع فقهي، فيه علماء الشريعة ويستدعون إليهم المتخصصين في المجالات المختلفة التي يبحثونها ويفتون فيها، فالأخذ بفتوى المجامع الفقهية في عصرنا أفضل من الأخذ بفتوى مجتهد واحد.
[2] «جامع العلوم والحكم» (1/ 196 ت الأرناؤوط)
[3] أخرجه الترمذي في سننه (كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في ترك الشبهات، حديث رقم 2518) وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (كتاب الأشربة، حديث رقم 5711) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحل لنا الصدقة، حديث رقم 1491) وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، حديث رقم 1069) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الحسن بن علي رضي الله عنهما أخذ تمرة من تمر الصدقة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كخ كخ، أما علمت أنها لا تحل لنا؟)
[5] البخاري (232)، ومسلم (1069) من حديث أبي هريرة.
[6] رواه أحمد في “مسنده” 2/ 183 و193، وسنده حسن.
[7] رواه الترمذي (2451) وفي سنده ضعف
[8] أخرجه الترمذي في سننه (كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في أكل الحرام، حديث رقم 614) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (حديث رقم 614).
[9] رواها ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج 3، ص 154) ورواها ابن أبي الدنيا في الورع، وفيها أن غلامًا لأبي بكر رضي الله عنه جاءه بطعام فأكل منه، ثم قال الغلام: كنت تكهّنت في الجاهلية لقوم فأعطوني هذا الطعام، فأدخل أبو بكر يده في فمه فجعل يتقيأ ما في بطنه وقال: لو لم تخرج إلا مع روحي لأخرجتها.
[10] الدرهم ستة دوانق ، كالجنية المصري مئة قرش ، والدولار مئة سنت … وهكذا.
[11] «جامع العلوم والحكم» (1/ 203 ت الأرناؤوط)