الورع وترك الشبهات (خطبة مكتوبة)

تاريخ الإضافة 7 أغسطس, 2020 الزيارات : 177

الورع وترك الشبهات

 هذا لقاؤنا الثالث مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما أمور مشبهات ،  فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن  لكل ملكٍ حمى، ألا وإن  حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب).

 وقلنا إن الله تعالى جعل الحلال واضحاً بينا، وجعل الحرام واضحاً بينا ، لكن قد يقع الناس فيما لا يبدو عليه أهو حلالٌ أم حرام ، وهي الشبهات فسميت شبهات لأن فيها شبهٌ من الحلال أو من الحرام، فالإنسان منا لن يسأل عن حكم شرب الماء لأنه بينٌ في حله، ولن يسأل عن حكم شرب الخمر لأنه بينٌ في حرمته، لكن يسأل عما جد من قضايا عن الأمور التي تداخلت في بعضها .

وقلنا في الأسبوع الماضي أن هناك شبهات علاجها العلم أن نسأل أهل الذكر كما علمنا الله (فاسألوا اهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) ، ومن الشبهات ما يكون دواؤها الورع، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.)

 ما هو الورع الذي يتكلم عنه الرسول في هذا الحديث؟

الورع معناه الكف و الانقباض عن الشيء .

وتعريفه عند علماء الشرع : الورع هو ترك الشبهات، الورع هو قول النبي صلى الله عليه وسلم (دع ما يريبك الى ما لا يريبك) يعني دع ما فيه ريبة ودع فيه شك إلى ما ليس فيه ريبةٌ ولا شك، الورع هو أن تترك الشيء الذي لم تتضح الرؤية أو الحكم فيه حتى تتعرف على الأمر أحلال هو أم حرام؟ فإن لم تصل الى شيء فإن تركه من الورع.

الورع ليس في الفرائض ولا المستحبات ، الورع في الحلال والحرام، الورع في المحرمات، الورع عن أكل الحرام هذا هو الذي يدور حوله كلام العلماء.

التشدد ليس من الورع في الدين :

والورع يحتاج إلى العلم فليس من الورع التشدد في الدين، وليس من الورع أن تحرم الحلال، وليس من الورع أن تضيق على الناس معايشهم بتحريم كل شيء ؛ إنما الورع يبنى على العلم الشرعي ، وهذا معنى كلام لابن تيمية رحمة الله عليه أن يعلم الورع او أن يعلم المسلم خيرالخيرين وشر الشرين؛ فإن الشريعة تقوم على توسيع دائرة المصالح والمنافع وتضييق دائرة المضار والمحرمات.

فلا يعقل أن يكون في الشريعة كل شيء حرام حرام حرام ،ثم نقول هذا هو الدين !!!

لا هذا الأمر يبنى على العلم وليس على الجهل.

ولذلك لما جاء بعض الصحابة يريدون تقييد  المباح ، أو ظنوا أن الورع في ترك هذا المباح ، وهو قول بعضهم : أما أنا فأصوم فلا أفطر ،  وقال الثاني : وأما أنا فأقوم فلا أرقد، وقال الثالث : وأما أنا فلا أتزوج النساء!! ماذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؟

 قال : (أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية) فعد النبي صلى الله عليه وسلم قولهم هذا لا علاقة له بالشرع ولا بالورع.

رغم أن ما يريدونه هو صيام دائم، قيام دائم، اعتزال للنساء ،لا يتزوج حتى لا ينشغل بزوجة ولا أولاد ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه يصوم ويفطر ويقوم ويرقد ويتزوج النساء، وهو اتقانا وأخشانا لله عز وجل فنفي  النبي صلى الله عليه وسلم الورع بتحريم المباح .

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قائماً في الشمس والناس حوله قال : من هذا؟ قالوا هذا أبو إسرائيل (كنيته) نذر أن يصوم فلا يفطر وأن يقوم في الشمس فلا يقعد ، ولا يستظل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن الله غنيٌ عن تعذيب هذا لنفسه مروه فليقعد وليستظل وإن شاء صام وإن شاء أفطر”  لأنه كان صيام تطوع فنفى النبي صلى الله عليه وسلم الورع عن هذا الشكل من التدين الذي فيه غلو ، يريد صياما قائماً في الشمس ، لا يتكلم ، ولا يقعد ، ولا يستظل. قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله غنيٌ عن تعذيب هذا لنفسه.

وما رأيت أحداً يتنطع في هذا الباب ويلتصق به إلا ووجدت له خبيئةً من عملٍ فاسد، فسبحان الله هذا الورع الكاذب حينما ترى التدقيق في الأمور التي أباحها الله ، والتضييق على خلق الله عز وجل ، بدعوى التدين ترى أن لهذا والعياذ بالله عورة كبيرة وانغماسٌ في الحرام والعياذ بالله.

اتق المحارم تكن أعبد الناس:

ولذلك كان السلف يقولون :إن الورع ليس في كثرة الصلاة ولا الصيام ،إنما الكف عن الحرام وهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة حينما علمه قائلا :  (اتق المحارم تكن أعبد الناس) كف عن المحارم تكن أعبد الناس.

ولما سأل عمر بن الخطاب الصحابة ما تقولون في الورع ؟ فبعضهم قال: الورِع هو كثير الصلاة ، كثير الصيام ، كثير الصدقة، قال : الورع ترك الحرام  .

هذا هو الورع الحقيقي فليس الورع في كثرة العمرة والحج والصيام والتطوع والصدقة ، وهو ظالمٌ لعباد الله ، وهو اكلٌ لحقوقهم إنما الورع في ترك الحرام.

وقال بعض السلف : لأن أترك دانقاً من حرام خيرٌ من سبعين حجةً نافلة .

ما هو الدانق ، الدرهم ستة دوانق مثل السنت والدولار هنا (بكندا)

والمقصود شيء بخس،  شيء لا يذكر يقول لأن أترك دانقا من حرام مال لا يلتفت إليه ولا يعبأ به أحد أحب إلي من سبعين حجةٍ نافلة .

ورأى بعض العلماء وهو حذيفة بن قتادة التجار في السوق يحرصون على الصلاة والصف الأول فسر بهم وقال: خيرٌ من حرصكم على الصف الأول أن تتقوا الله في تجارتكم فلا تغشوا ولا تخدعوا الناس وصلوا في الصف الأخير، فهذا خير مقاما لكم عند الله أن تأتوا متزاحمين على الصف الأول وقد أكلتم حراما أو غششتم الناس في تجارتكم .

وهذا النوع من الورع من أصعب أنواع الورع ،الورع عن الحرام الورع عن الشبهات ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه .

وأنا أعجب أن أرى في دنيانا من أفلح في الصلاة والصيام والعبادة ، ثم في معاملاته لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني يأكل اموال الناس، يستحل أموال الناس، يأكل حقوق الناس ولا يجد في ذلك حرجاً.

سورة الطلاق عن أي شيء تتحدث ؟

كما نقول : الجواب يظهر من عنوانه تتحدث عن الطلاق وأحكام الطلاق،  تأملوا كيف أن الله تعالى كرر فيها الأمر بالتقوى في أول السورة (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)  بعدها (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا.) ثم بعدها ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا )  لماذا تكرار الأمر بالتقوى؟

لبيان معنى من المعاني : وهو أن التقوى ليست عبادة شعائرية صلاة وصيام فقط ؛ بل من التقوى أن تعطي المرأة حقها بلا ظلمٍ ولا غشٍ ولا مضارة ،  كرر الأمر  بالتقوى رغم أن كثير من مشايخنا يستدلون بهذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا في ترك الحرام نعم لكن هذا هو موضعها الأصلي في القرآن ،  أن من يتق الله بألا يأكل حق امرأته إذا طلقها يجعل الله له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب يعوض عليه لأنه أدى حق مطلقته أدى حق أولاده أدى الحقوق لأهلها .

ونرى في هذا نبينا المصطفى قائدنا وقدوتنا حينما أمسك حفيده الحسن بتمرة من تمر الصدقة، نعلم أن الصدقة لا تحل للنبي ولا لآله فلما أمسك الحسن بتمرة من تمر الصدقة قال له النبي صلى الله عليه وسلم : بلغة الأطفال (كخ كخ) أنها لا تحل لنا أنها لا تحل لنا .

ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم  رأى يوماً تمرةً على فراشه فرفعها إلى فمه قال فخشيت أن تكون من تمر الصدقة ،  خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلها حتى لا تكون من تمر الصدقة فلم يأكلها صلى الله عليه وسلم .

وهذا الصديق أبو بكرٍ رضي الله عنه لما جاءه غلامه بطعامٍ وكان قد اشتد جوعه فأكل وكان من عادته أن يسأل عن الطعام ما مصدره فسبحان الله من شدة جوعه أكل دون أن يسأل، فقال له الغلام: لم تسألني اليوم عن مصدر هذا الطعام قال: إنما شغلني الجوع فمن اين لك بهذا الطعام؟ قال:قوم كنت قد تكهنت لهم في الجاهلية فاعطوني حلوانا (مكافأة أوهدية)

 يعني هو كذب على بعض الناس أو غشهم أنه يعلم الغيب أو ينفع أو يضر ففعل لهم شيئاً مما يفعله بعض الدجالين والمدعين ، فوافق ذلك قدر الله عز وجل فأعطوه حلواناً يعني أجرة او هدية على هذا الأمرطبعاً هذا حرام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن حلوان الكاهن من يدعي علم الغيب ويعطى على ذلك ، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يتقيأ ما في بطنه رغم أنه  ما كان يعلم أنه حرام ، لكن حتى لا يكون الحرام مخالطاً بدمه ولحمه جعل يتقيأ ، ويذكر حديث النبي  صلى الله عليه وسلم (كل لحٍم نبت من حرام فالنار أولى به.) نسأل الله العافية .

 الورع الحقيقى هو الورع في حقوق الناس :

الورع في الميراث ، الورع عند طلاق المرأة ، الورع عند فض الشركة ، الورع عندما تخطئ في حق غيرك، الورع عندما تظلم غيرك ترد له مظلمته ، هذا هو الورع الحقيقي.

ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض هؤلاء الأصناف الذين يتدينون التدين الشخصي يعني التدين على المزاج ، قال أتدرون من المفلس؟ 

الكل يعرف ما هو المفلس من لا درهم له ولا متاع، قال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. يعمل أعمال صالحة ما شاء الله ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا!!!

أين حقوق الناس ضاعت عندهم  ما شاء الله الحاج راح، الحاج جاء، الحاج يتوضأ، الحج ماسك المسبحة ،الحاج طاهر، الحاج صلى الحاج في الصف أين الحاج؟ بطنه كلها حرام … بطنه ممتلئة من حقوق الناس بالحرام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وضرب هذا ، وسفك دم هذا ….

هذا المشهد يذكرني  بقصة رواها أحد الإخوة أنه كان في مصلحة من المصالح بمصر فطلب الموظف رشوة ، وقال هذه المعاملة أو الأوراق وقفت عندي ، ما في حل أنك تدفع كذا…. (يطلب رشوة) يقول فأخرجت الفلوس ومع الفلوس طلعت قطعة شيكولا فقلت : يلا بالمرة خذ حاجة حلوة ،  قال أنا صايم النهاردة !!! نعم !!! أنا صايم النهاردة !!!

طب سبحان الله صائم ليتك ما صمت وليتك ما قمت وليتك تعففت عن الحرام .

بعض الناس والله يكسب قدر ما يكسب من حرام ، ويروح يعمل عمرة واتنين وثلاثه وحج وكذا…

ياخي وماذا عن الحرام الذي يسري في دمك،أين ما في بطنك من حقوق الناس  ،لا إله إلا الله، ليتك لا حججت، ولا اعتمرت وأديت للناس حقوقهم، أعطِ الناس حقوقهم……..

لا إله إلا الله ، فالرسول يقول :عن المفلس يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا ، أين حسناته ، كلها تؤخذ لفض هذه المظالم فيأخذ هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ، فطرحت عليه، ثم يلقي به في النار -والعياذ بالله نسأل الله عافيته-

 الورع في اللسان :

اذا كنا نذكر الورع عن الحرام وحقوق الناس ، فإن الورع في اللسان بالإمساك عن الخوض في أعراض الناس، النبي صلى الله وسلم قال : ( كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه)

وتعجب الإمام ابن القيم في كتابه (الداء والدواء) أنه قد رأى من الناس من يتورع عن شرب الخمر والزنا والسرقة ، ولا يتورع عن الخوض في أعراض الناس، تجد الرجل ما شاء الله عليه ثم إذا جاءت سيرة فلان أو علان خاض في عرضه بما لا يحل له. رضي الله عن زينب بنت جحش زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم لما سألها عن كلام المنافقين عن عائشه  الصديقة بنت الصديق قالت يا رسول الله أحمِي سمعي وبصري ، والله ما علمت عنها إلا خيرا ، اسمعوا يا إخواني حينما تأتي سيرة فلان نقول اه فلأن ده سامعين عنه كذا وكذا ، وكذا ويقولون……

يا أخي اتق الله فإن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نقبله إذا كان السند فيه راوٍ واحد منقطع، أنت تحكي قصة مجاهيل سمعنا من أين لك هذا؟ اين سمعت؟ ومن الذي اخبرك ؟ وهل هو صادق أم كاذب وهل ما تخوضه في عرض أخيك أو عرض امرأة مسلمة يعني هل هذا حق وصدق؟

وهل أنت مطالب أن تتبع عورات الناس و تفشي أسرارهم وتهتك أستارهم ؟

بعض الناس يعدون هذا من الشطارة يقول:اسألني أنا عارف أنا عارف كل شيء ،أنا عندي كل الخبايا يا أخي والله والله ما تفعله سيكون وباله عليك ، حتى وإن كنت محقاً فإنا معاشر المسلمين لا نتجسس ولا نتتبع العورات ولا نخوض في الأعراض كما تدين تدان كما تدين تدان

هذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فيتتبع الله عوراتكم فإن من تتبع الله عورته يفضحه في قعر بيته )نسأل الله ستره وعافيته.

فهناك من يتعفف عن شرب الخمر ولا يتعفف عن أن يخوض في عرض مسلمة أو مسلم ، وأن ينال منه ، ولذلك قال عبدالله بن المبارك أشد الورع في اللسان ، الورع في اللسان ، أمسك لسانك، كلمة واحدة لا تلقي لها بالاً، والله قد تخرب بيتاً، وتهدم اسرة، قد تدمر بلداً باكمله، قد تشعل حرباً ، كلمة واحدة لا تلقي لها بالاً ، سبحان الله ، نسأل الله العافية .

ورع الكاذبين :

ومن عجائب زمننا الورع في ترك ما وسعه الله عز وجل، ثم بعد ذلك يقع فيما هو معلوم من الدين  بالضروره حرمته واشتهرت، فهناك من يذكرني بالمثل الذي ذكره ابن الجوزي حينما جاءه رجل يسأله عن أنه وقع على امرأةٍ في الحرام- زنى بها والعياذ بالله – وحملت ماذا يفعل في هذا الولد؟

يريد أن يتوب الى الله عز وجل، فقال الإمام : هلا عزلت عنها إذ ابتليت بهذا الامر؟ قال: يا إمام، ولكني بلغني أن العزل مكروه- العزل أن الرجل يعني يجامع ولاتحمل المرأة منه بوسيلة او بنحو ذلك ، فقال له : لكن بلغني أن العزل مكروه.!!!

قال: سبحان الله بلغك أن العزل مكروه ولم يبلغك أن الزنا حرام؟

هذا كصاحبنا الذي صام ويأخذ الرشوة، بلغك أن صيام التطوع له أجر وفضيلة، ولم يبلغك أن أكل الرشوة وأكل اموال الناس بالباطل حرام؟

وهذا عبدالله بن عمر لما جاء رجل يسأله عن دم البعوض للمحرم، لو ناموسة قرصتك وأصابت  ثيابك وأنت محرم، قال: من اين أنت؟ قال: من العراق.

قال : تقتلون الحسين، وتأتي لتسأل عن دم  البعوض؟!!!

 المقصود هنا أنه لا تتمحك فيما وسعه الله، لا تضيق ما وسعه الله ، لا تضيقها على نفسك ، ثم تقول :هذا هو الورع هذا هو الأحوط هذا هو الأروع.

بعض الناس يتورع فيما تعاهده الناس من أعراف لا علاقة لها بالشرع، ونحن نقول أنه لا يجب شيء الا ما اوجبه الله، ولا يحرم شيء الا ما حرمه الله عز وجل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً ينادي في السوق من صاحب التمرة وجد التمر في الارض من صاحب التمرة؟من صاحب التمرة؟ قال كلها يا صاحب الورع الباهت ، يعني الورع جاء في تمرة وأنت سبحان الله فيك ما فيك من العيوب.

الورع والوسوسة :

ايضا ليس من الورع أن تضيق علي نفسك فيما عفا الله عنه ، في أمور يشق علي الأنسأن أن يتبعها خاصه  في مسألة الطهارة والصلاة وما شابه ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فما كأن من خطأٍ أو نسيان او إكراهٍ فإنه مما عفا الله تعالى عنه، فلا ينبغي ابداً أن تشغل نفسك بورعٍ باهت هو ليس بورع، بل وسوسة في مسألة الطهارة، وتقضي عمراً في الحمام أو في الوضوء، هذا من مداخل الشيطان  يريد بها أن يفسد عليك صلاتك ويفسد عليك طهارتك ، ويبغض اليك الامر.

ذكر الإمام ابن قدامة في كتاب ذم الموسوسين أن علي زين العابدين كان كلما قضى حاجته غير ثيابه لما يدخل الحمام أعزكم الله يغير ثيابه، فشق عليه ذلك فقال لابنه: يا بني أرى الذباب يقف على القذر ثم يقف على ثيابي، ثم قال أما كأن يحدث لهم ذلك؟  يقصد الصحابة ومن سبقه أما كأن يحدث لهم ذلك؟ ألم يسعهم أن يسكتوا؟ فتركها .

فلا ينبغي ابداً أن تعد هذا من الورع حتى يطول بك المقام، وأنا قلت هذا الكلام في خطبة اخرى أن من كأن عنده وسواس في هذه المسألة إما مريض يذهب للعلاج وهو صاحب ضرورة يتوضأ لكل فرد ، وأما موسوس فافضل علاجٍ للوسوسة تركها ومخالفتها ، لأن الوسواس من الشيطان والشيطان لن يأتيك ناصحاً ابدا.

الوسوسة في مخارج الحروف:

ومما رأيناه بعض الناس يتورع في مخارج الحروف في القرآن إلى درجة التقعر، ويشدد علي نفسه ، ومن حوله  فتجده إذا قرأ الفاتحة تشدق بها  كأنه يتقيأ ويحشر الحروف في فمه حشرا وكأنه هكذا من أشد الناس حرصا علي الاتقان، يا أخي الاتقان هو الصواب ، وليس الاتقان بأن تضيق أمرا وسعه الله عز وجل.

وبعض الناس إذا قرأ الفاتحة وسمعتها منه يعني سبحان الله هذا شيء عجيب. تدقيق وتشديق وتشبيب بالحروف إلى أمرٍ لم يشرعه الله ولا يحبه الله ورسوله

اقرأ الفاتحة كما قرأها الرسول والصحابة والعلماء والقراء، أما هذا التقعر فلا علاقة له بدين الله عز وجل.

التقعر في مخارج الحروف، والتقعر في طريقة التلاوة التمطيط في الكلام، هذا ليس من الورع في شيء.

الرسول علمنا أن هناك ماهر، وهناك متعتع الماهر بالقرأن الذي يقرأ القرأن كما أنزله الله ، ممكن ندقق للتعليم لكن أن يبقى هذا ديدنه يتقعر ويتشدق في الحروف ويعيد الآية تلو الآية !!

أنا رأيت بعض الناس وجاءني أيضا من شكا إلي أنه غير قادر على نفسه في أنه ربما يصلي بالفاتحة خمس مرات وست مرات يكررها لأنه يشك في حرف الطاء هل خرج من مخرجه ام لا، وحرف الطاء  كان يشبه الطاء  ام لا؟  وهل حرف السين خرج كحرف الصاد ؟ وهل وهل…..

وهكذا يعيد ويعيد ويعيد، هذا ليس ورع يأ اخي هذا من تضييق  ماوسعه الله هذا تشدق في دين لا ينبغي أبدا أن يكون.

فالماهر يقرأ القرأن كما أنزله الله أما المتتعتع فهو يتعلم ، يتعلم ويتعلم ويتعلم، لكن اذا تعلم صار ماهراً، لا يظل هكذا في قصة التقعر في الحرف والتمطيط في المخرج فهذا كله خلاف ماعليه علماؤنا الأجلاء.

فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه :

أختم بتوضيح لمعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقول فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، يعني طلب البراءة لدينه، أن يكون دينه سالماً من الوقوع في الحرام ، وعرضه من أن يناله الناس بأنه يفعل كذا ،أو يقول كذا …..

ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام:

ما معنى هذا الكلام؟

هي شبهة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول وقع في الحرام، كأن معنى الكلام أن من يتجرأ على الشبهات سيتجرأ على الحرام، يقول هذه مكروهة، وهذه اختلف فيها العلماء وهذه ما فيها مشكلة ، وهذه سأفعلها  ثم أقول أستغفر الله العظيم، وهذه…….يتجرأ ويتجرأ ….  لما هانت عليك الشبهة هان عليك الحرام .

وشبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بمثل أن الملوك كانوا في القديم يجعلون سياجا أو  حمى هذا الحمى خاص بالملك محدد بسور أو ببناء يمنع أي أحد من مجاوزته، فجاء راعٍ بغنمه فرعى حول الحمى ، هذه الغنم بهيمة ، لا تميز بين أرض حرة أو مطلقة وأرض الملك أو حمي الملك.

فيوشك أن ترتع فيه  يعني هذه البهائم اوشكت على أن تدخل إلى حمى الملك فترتع في هذا المكان ، فيوقع نفسه في العقوبة، ويوقع نفسه في العدوان على أرض الملك.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا وإن لكل ملكٍ حمى ألا وإن حمى الله محارمه.

فالمعنى اجعل بينك وبين ما حرم الله حاجز.

حاجز يمنعك من الجرأة على الحرام.

لا تكن جريئاً متساهلاً تقول هذا مكروه وهذا حرام سأستغفر منه وهذا وهذا…. فهذا سيهلكك قال تعالى  (تلك حدود الله فلا تقربوها )

فلا تقربوها لأن من يقترب يوشك أن يقع في الحرام.

هذا معني قول النبي صلى الله عليه وسلم أن من تجرأ على الشبهات فمآل ذلك أن يقع في الحرام.

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 5
  • 2٬849
  • 2٬316
  • 3٬853
  • 3٬050
  • 3٬337٬606
  • 300٬130
  • 177
  • 2