صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 30- إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها

تاريخ الإضافة 9 مايو, 2026 الزيارات : 733

30- إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها

عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر[1] رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.[2] 

شرح الحديث

فرض فرائض” الفرائض هي الواجبات الشرعية التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها، ومنها ما يكون واجبا على كل أفراد الأمة، وهو ما يسمى بالفرائض العينية مثل الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ومالا يحصى، ومنها ما هو واجب على الكفاية أي: إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين كتغسيل المسلم وتكفينه والصلاة عليه.

  فرائض” ولا نقول: (فرائضا) لأنها اسم لا ينصرف من أجل صيغة منتهى الجموع.

فلا تضيعوها” أي تهملوها فتضيع، بل حافظوا عليها.

 “وحد حدودا فلا تعتدوها” الحد في اللغة المنع، ومنه الحد بين الأراضي لمنعه من دخول أحد الجارين على الآخر، وفي الاصطلاح قيل: إن المراد بالحدود الواجبات والمحرمات، فالواجبات حدود لا تتعدى، والمحرمات حدود لا تقرب.

وقال بعضهم: المراد بالحدود العقوبات الشرعية كعقوبة الزنا، وعقوبة السرقة وما أشبه ذلك.

“وحرم أشياء” (أشياء) منصوبة بدون تنوين لوجود ألف التأنيث الممدودة.

“فلا تنتهكوها” أي فلا تفعلوها، فدعا إلى ترك المعاصي بجميع أنواعها، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والقذف، وأشياء كثيرة لا تحصى.

وإنما عبر هنا بلفظ الانتهاك؛ ليبين ما عليه حال من يقارف المعاصي من تعد وعدوان على أحكام الله عزوجل، فأتى بهذه اللفظة للتنفير عن كل ما نهى الله عنه.

وطرق التحريم كثيرة، منها: النهي، ومنها: التصريح بالتحريم، ومنها: ذكر العقوبة على الفعل، ولإثبات التحريم طرق.

“وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها” سكت عن أشياء بمعنى لم يقل فيها شيئا، أي لم يحرمها ولم يفرضها، فإذا لم يرد نص في حكم مسألة ما، فإننا نبقى على الأصل، وهو الإباحة.

وقوله: “غير نسيان” أي أنه عز وجل لم يتركها ناسيا، ولكن رحمة بالخلق حتى لا يضيق عليهم، والنسيان مستحيل على الله، قال تعالى: (وما كان ربك نسيا) (مريم: الآية64)

فإن قال قائل: ما الجواب عن قول الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) (التوبة: الآية67) فأثبت لنفسه النسيان؟

فالجواب: أن المراد: النسيان هنا نسيان الترك، يعني تركوا الله فتركهم.

فهؤلاء تعمدوا الشرك وترك الواجب، ولم يفعلوا ذلك نسيانا.

إذا: (نسوا الله) أي تركوا دين الله (فنسيهم) أي فتركهم؛ أما النسيان الذي هو الذهول عن شيء معلوم فهذا لا يمكن أن يوصف الله عز وجل به، بل يوصف به الإنسان، لأن الإنسان ينسى، ومع ذلك لا يؤاخذ بالنسيان لأنه وقع بغير اختيار.

 “فلا تبحثوا عنها” هل هذا النهي في عهد الرسالة، أم إلى الآن؟

في هذا قولان للعلماء الراجح أن هذا خاص في عهد الرسالة، لأن ذلك عهد نزول الوحي، فقد يسأل الإنسان عن شيء لم يحرم فيحرم من أجله، أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجله.

 كما في الحديث أن النبي ﷺ قال :أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا”، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: “لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم”[3]

أما بعد عهد الرسالة فلا بأس أن يبحث طلبة العلم، لأن طالب العلم ينبغي أن يعرف كل مسألة يحتمل وقوعها حتى يعرف الجواب، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يبحث، بل يمشي على ما كان عليه الناس.

ومن ذلك: البحث عما جد من مكونات ومواد تضاف إلى الأطعمة المختلفة، وما جد من معاملات مالية في البنوك والبورصة والعملات الرقمية …الخ.

لكن مع ملاحظة ألا يكون ذلك على سبيل التكلف، فلا يسأل عن الأشياء النادرة، أو التي لا تقع، أو يبعد وقوعها جدا، أو صعاب المسائل التي يسمونها بالأغاليط، فهذا كله السؤال عنه مذموم، ولا يطلب أيضا من المسؤول أن يجيب عليه، ولا يكون ذلك من قبيل كتمان العلم.

الفوائد من هذا الحديث:

  1. أن الله تعالى فرض على عباده فرائض يجب المحافظة عليها وعدم إضاعتها.
  2. أن الفرائض تشمل الواجبات العينية التي تلزم كل مسلم، مثل الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الرحم.
  3. أن من الفرائض ما يكون فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، مثل تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه.
  4. أن قول النبي ﷺ: «فلا تضيعوها» يدل على وجوب العناية بالفرائض وعدم التهاون بها أو تأخيرها أو تركها.
  5. أن الواجب على المسلم أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه كما يحافظ على أغلى ما يملك.
  6. أن حدود الله هي الأحكام التي وضعها الله لعباده، فلا يجوز تجاوزها ولا التعدي عليها.
  7. أن الله تعالى حرّم أشياء على عباده، والواجب عليهم اجتنابها وعدم انتهاكها.
  8. أن التعبير بلفظ «فلا تنتهكوها» فيه شدة في التحذير؛ لأن فعل الحرام كأنه اعتداء على حرمة أمر الله.
  9. أن ما سكت الله عنه ولم يرد فيه نص بالوجوب أو التحريم، فالأصل فيه الإباحة.
  10. أن سكوت الشرع عن بعض الأشياء رحمة بالعباد، وليس عن نسيان أو غفلة.
  11. أن النهي عن البحث في المسكوت عنه كان آكد في زمن النبوة؛ لأن السؤال في ذلك الوقت قد يكون سببًا في نزول حكم بالتشديد أو الوجوب.
  12. أن بعد انقطاع الوحي لا حرج على طلبة العلم في البحث عن المسائل المحتمل وقوعها لمعرفة حكمها.
  13. أن البحث العلمي المطلوب هو ما تدعو إليه الحاجة أو يحتمل وقوعه، لا البحث المتكلف في المسائل النادرة أو المستحيلة.
  14. أن الشريعة مبنية على الرحمة واليسر، فالله فرض ما فيه صلاح العباد، وحرّم ما فيه فسادهم، وسكت عن أشياء رحمة بهم.
  15. إثبات أن الأمر لله عز وجل وحده، فهو الذي يفرض، وهو الذي يوجب، وهو الذي يحرم، فالأمر بيده، لا أحد يستطيع أن يوجب مالم يوجبه الله، أو يحرم مالم يحرمه الله.

[1] أبو ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر، منسوب إلى قبيلة خُشينة، وهي من قبائل قضاعة. أسلم رضي الله عنه، وصحب النبي ﷺ وهو من أهل بيعة الرضوان، وأسهم له النبي ﷺ يوم خيبر، وأرسله إلى قومه، وأخوه عمر بن جرهم أسلم على عهد النبي ﷺ.

وسكن أبو ثعلبة رضي الله عنه الشام، وذُكر أن له ذرية في داريا وقرية البلاط، وكان معروفًا بالعبادة والخشية توفي وهو ساجد في صلاته، سنة خمس وسبعين.

[2] أخرجه الدارقطني في سننه (4/183)، والحاكم في المستدرك (حديث رقم 7114)، والبيهقي في السنن الكبرى (حديث رقم 20217) وحسنه شعيب الأرناؤوط بشواهده.

[3] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم 1337).

 

Visited 233 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 576
  • Today's page views: : 701
  • Total visitors : 65,762
  • Total page views: 72,465