39- إن الله تجاوز لي عن أمتي

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
(إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.[1]
شرح الحديث
من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن عفا عن إثم الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
والمؤاخذة على الأفعال مشروطة بقصدها، وفي هذا الحديث فضل لهذه الأمة على سواها من الأمم، وفضل لنبينا على غيره من النبيين.
(إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي) وفي بعض الروايات: “وضع”، والمعنى: عفا، أو رفع.
(عَنْ أُمَّتِي) أي لأجل كرامتي عليه، وزيادةً في اعتنائه “عن أمتي”: أي دون الأمم السابقة، فكانوا يُؤاخذون بالخطأ والنسيان والإكراه.
والمقصود أن الله تجاوز لي عن أمتي إثم أو عقاب أو حكم الخطأ أو النسيان أو ما استكرهوا عليه.
ورفع الإثم في الآخرة لا يعني رفع الحكم في الدنيا كضمان المتلفات، كما لا يمنع بقاء ذات الخطأ والنسيان والاستكراه
(الْخَطَأَ) الخطأ في اللغة يُطلق على معانٍ:
- ضد الصواب، وليس مرادًا هنا.
- ضد العمد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا﴾ [النساء: 92]. وهذا هو المعنى المقصود في الحديث.
- كما يُطلق الخطأ على الذنب أيضًا؛ كما في كلام إخوة يوسف: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 97]، وقولهم: ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91].
وقيل: الخاطئ مَن فعل ما لا ينبغي، والمخطئ مَن أراد الصواب فصار إلى غيره. وقيل: خَطِئ وأَخْطَأَ كلاهما بمعنى واحد.
ويمتنع أن يكون المراد من الحديث المعنى الثالث؛ لأن معناه إسقاط الشريعة ورفع التكليف، وهو مخالف لكثير من النصوص ويؤدي إلى الاستهتار بالشرع ونصوصه.
معنى الخطأ اصطلاحًا هو الزلل عن الحق عن غير تعمد.
والخطأ من عوارض الأهلية المكتسبة؛ لأنه لا يخل بأسس الأهلية وقواعدها، وهي الحياة والعقل والتمييز.
أقسام الخطأ:
- خطأ في الفعل: وهو أن يقع من المكلَّف فعل لم يكن قاصدًا إليه أصلاً.
ومن أمثلته: ما لو رمى شيئًا فأصاب إنسانًا أو حيوانًا، أو كما لو حفر حفرة بإذن ولي الأمر لغرض مشروع فسقط فيها إنسان.
- خطأ في القصد: وهو أن يقصد إلى الفعل فيخطئ في محله، كمن رمى إنسانًا يظنه طيرًا، أو يقصد إلى هدف يحسبه مرمىً فظهر إنسانًا.
- خطأ في التقدير: كما في حالة الأطباء حين يبذلون أقصى الجهد في التعرف على الداء وعلاجه، فيقع الخطأ الذي ينشأ عنه الضرر، أو يؤدي إلى قطع عضو أو طرف لا حاجة إلى قطعه، والخطأ الفاحش في التقدير يكون معه إهمال.
أثر الخطأ على حقوق الله والعباد
فيما يتعلق بحقوق الله:
فالأصل أنه لا مُؤَاخَذَة؛ للآية والحديث. وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
أما في حق العباد فعلى أحوال:
الأول: ما يعتبر فيه الخطأ سببًا في التخفيف: كما لو قتل غيره خطأً، فتجب الدية على عاقلته في ثلاث سنين، أي إذا قتل شخصٌ غيره خطأً، فإن الدية لا يدفعها القاتل وحده من ماله، بل تتحملها عاقلته.
والعاقلة هم: عصبة الرجل من جهة أبيه، كالأبناء، والإخوة، والأعمام، وأبناء الأعمام، ونحوهم من قرابته الذكور، وسُمّوا عاقلة لأنهم كانوا يعقلون الإبل، أي يجمعونها ويدفعونها ديةً عن قريبهم.
مثال:رجل يقود سيارة فأخطأ بغير قصد، فصدم إنسانًا فمات. هذا قتل خطأ. هنا تجب الكفارة (صيام شهرين متتابعين) على القاتل نفسه، وتجب الدية لأهل المقتول، لكن الدية في الأصل تكون على العاقلة، لا على القاتل وحده.
والفرق بين القتل العمد والخطأ:
- 1. العمد: الدية أو القصاص على الجاني نفسه، ولا تتحملها العاقلة.
- 2. الخطأ: الدية على العاقلة، والكفارة على القاتل نفسه.
الثاني: ما لا يعتبر فيه الخطأ عذرًا: كما لو أخذ مال غيره يظنه ماله.
(وَالنِّسْيَانَ) النسيان لغةً: بكسر النون ضد الذكر والحفظ.
- عدم استحضار الشيء وقت الحاجة إليه.
- وقد يُطلق على الترك؛ ومنه: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
وعليه، يكون النسيان في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]؛ أي تركنا شيئًا من طاعتك عن غفلة منا.
والأصل أن النسيان عذر يرفع الإثم والمؤاخذة بالنسبة لحق الله تعالى للآية والحديث، وذلك لأن مناط العقوبة هو القصد، وهو غير متحقق في الناسي، تيسيرًا من الله تعالى على عباده ورفعًا للحرج والمشقة عنهم بالنسبة لأعمال الآخرة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28].
أثر النسيان على الأحكام المتعلقة بحقوق العباد
الأصل أن النسيان لا يُعتبر عذرًا شرعيًا فيما يتعلق بحقوق العباد فإذا نسي الإنسان ديناً عليه لأخيه، أو نسي أمانةً استودعها إياه، فبمجرد تذكره يجب عليه رد الحق فوراً.
الفرق بين الجاهل والمخطئ والناسي
الجاهل: من لم يعلم الحكم الشرعي أو غاب عنه.
المخطئ: من علم الحكم لكنه ارتكب الخطأ عن غير قصد.
الناسي: من غاب عنه الفعل أو نسي الحكم الشرعي وقت القيام به.
في أفعال الجاهل والناسي
من يرى أن جميع المحرمات في العبادات وغير العبادات، إذا فعلها الإنسان جاهلًا أو ناسيًا أو مكرَهًا، فلا شيء عليه فيما يتعلق بحق الله.
أما حق الآدمي فلا يُعفي عنه من حيث الضمان، وإن كان يُعفي عنه من حيث الإثم. فجميع المحرمات يرفع حكمها بهذه الأعذار، أما المأمورات فإنها لا تسقط أداؤها أو قضاؤها ويُعفي فقط عن الإثم في تأخيرها بعذر.
أمثلة على ذلك
الصلاة: رجل تكلم في الصلاة يظن أن الكلام جائز، فلا تبطل صلاته؛ لأنه جاهل، وقد ثبت في حديث معاوية بن الحكم – رضي الله عنه – أنه تكلم في الصلاة، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
الصيام: لو أكل الصائم يظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، فلا يُؤمر بالقضاء، كما ثبت عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها – أنهم أفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولم يؤمروا بالقضاء.
(وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) “ما” هنا تعم القول والفعل، إلا أنه يباح عند الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) لمن أُكره على أي قول أن يقوله؛ لأنه إذا رُخص في كلمة الكفر، فما دونه من باب أولى.
وأما في الأفعال، ففيها خلاف وتفصيل، وعند الجمهور أنه فيما دون القتل والزنا يجوز للمكره الفعل، وأما القتل فلا يجوز بأي حال من الأحوال، وكذلك لا يجوز عند الحنابلة أن يزني الرجل لو أُكره على ذلك بأي حال من الأحوال.
وقال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه خلافًا لمن ألزمه بذلك.
ومعنى “اسْتَكْرِهُوا”: أي حُمِلُوا عليه قهرًا بإكراه أو إلجاء.
والإكراه لغة: حمل الغير على ما لا يرضاه.
والمُكروه: ما يكرهه الإنسان ويشق عليه ويُجمَعُ على مكاره.
والكُره ضد الحب، وكَرِهَ الشيء: كُرهًا وكراهة وكراهية.
الإكراه اصطلاحًا: حمل الغير على أمر يكرهه ولا يريد مباشرته بالوعيد الشديد، وهذا يشمل الإكراه على الأقوال والأفعال، ولا يُتصور الإكراه على شيء من أفعال القلوب.
شروط الإكراه وأركانه
ومن التعريف يمكن استفادة شروط الإكراه المعتبر وأركانه التي يتحقق شرعًا بها:
- أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما هدد به، إما بولاية أو تغلّب أو فرط هجوم، فإن لم يكن قادرًا لم يتحقق الإكراه.
- أن يكون المُكرَه عاجزًا عن أن يدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة.
- أن يكون التهديد بأمر يتضمن إتلاف نفس أو عضو أو بما دون ذلك كالحبس أو القيد.
وإذا ظهر من المُكرَه ما يدل على رضاه بما يُكره عليه، ووجدت رغبة لديه فيه، فإنه يصح منه ما يوقعه من العقود وغيرها، ولا يُعتد بالإكراه ولو كان قائمًا، لصحة قصده لما يصدر عنه من تصرف.
أقسام الإكراه
أ. إكراه بحق: كالحاكم يُكره الغاصب على ردّ ما اغتصبه، أو يُكره المدين الموسر على سداد دينه، فهذا الإكراه لا يرفع الحكم عن المكلف، بل يكون الفعل من المكلف معتبرًا شرعًا.
ب – الإكراه بغير حق
هذا محل الخلاف بين العلماء، ولهم في ذلك تفاصيل:
أولًا: باعتبار الفعل المهدد به من قتل أو إتلاف عضو أو دون ذلك.
ثانيًا: باعتبار المكرَه عليه من قتل أو زنا أو دون ذلك.
وقد ذهبوا إلى أن الإكراه على القتل لا يحصل إلا بالتهديد به، أما إذا كان الإكراه على ما دون القتل، كشرب خمر أو إتلاف مال مسلم أو ترك واجب كالصلاة ونحوها؛ فقد اختلفوا في حصول الإكراه في هذه الحالات.
وسائل الإكراه:
واختلف العلماء في وسائل الإكراه كما يلي:
- الإكراه لا يحصل إلا بالقتل فقط؛ فإن كان بما دونه فلا يُعتد به.
- يحصل الإكراه بالقتل وبقطع الأعضاء أو الضرب الذي يُخاف معه الهلاك.
- يتحقق الإكراه بما يسلب الاختيار ويجعل المكرَه كالهارب من الأسد يدخل في النار ولا يبالي، ويمشي على الشوك ولا يدري.
- يحصل الإكراه بعقوبة بدنية تتعلق بها القصاص كقطع أو جرح.
- يحصل بعقوبة بدنية شديدة كالحبس الطويل، لا مجرد الحبس أو الحبس المطلق.
- يحصل الإكراه بما ذُكر جميعًا، أو بأخذ مال المكرَه أو إتلافه.
وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأفعال المكرَه عليها، والشيء الذي يُخوَّف به. فالإكراه على الطلاق، مثلًا، يحصل بالتخويف بالقتل وقطع العضو والحبس الطويل والضرب الكثير أو المتوسط لمن لا يحتمله ولم يُعَدَّ له.
وكذلك يحصل الإكراه بالتخويف بالصفع والإهانة لذوي المروءات في الملأ، وتشويه الوجه، ونحو ذلك، كما يحصل بقتل الوالد وإن علا، والولد وإن سفل على الصحيح.
أما بالنسبة للإكراه على القتل، فإن التخويف بالحبس أو قتل الولد لا يُعتبر إكراهًا، بينما يُعتبر كل ما ذُكر إكراهًا فيما يتعلق بإتلاف المال.
حكم عقود المكرَه وفسوخه وأيمانه
الطلاق، والخلع، والبيع، والحلف، وسائر الأقوال يُتصوّر فيها الإكراه. سواء في العقود كالبيع والنكاح، أو الفسوخ كالخلع والطلاق، وكذلك الأيمان والنذور.
فإذا تحقق الإكراه بشروطه، وانتفت موانعه، فلا يترتب عليه حكم من الأحكام في الدنيا ولا يُؤاخذ به في الآخرة. وهذا رأي جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد.
وقد ورد عن ابن عباس قوله فيمن يُكرهه اللصوص فيطلق: “ليس بشيء”. ورُوي نحوه عن ابن عمر وغيره من الصحابة، وبه قال الشعبي والحسن.
وقال أبو حنيفة: “طلاق المكرَه يلزم”؛ لأنه يفتقد الرضا فقط، وليس وجود الرضا شرطًا في الطلاق كالهازل. بينما قال القرطبي إن هذا قياس باطل، فالهازل قاصد للإيقاع بخلاف المكرَه.
فوائد الحديث
- الحديث يدل على سعة رحمة الله تعالى بهذه الأمة، إذ رفع عنها الإثم في الخطأ والنسيان والإكراه.
- قول النبي ﷺ: تجاوز لي يدل على كرامة النبي ﷺ عند ربه، وفضل أمته بسبب شفاعته ومكانته.
- رفع الإثم لا يعني سقوط حقوق العباد؛ فمن أتلف مال غيره خطأً أو نسيانًا وجب عليه الضمان.
- في حقوق الله الأصل أن الخطأ يرفع الإثم، وفي حقوق العباد لا يكفي رفع الإثم، بل يبقى الضمان المالي أو رد الحق.
- النسيان عذر يرفع الإثم في حقوق الله تعالى؛ لكنه لا يسقط حقوق العباد؛ فمن نسي دينًا أو أمانة وجب عليه الأداء عند التذكر.
- الإكراه عذر شرعي إذا تحققت شروطه، لأنه يسلب الاختيار أو يضعفه بشدة.
- ليس كل تهديد يُعد إكراهًا؛ بل لا بد أن يكون المكرِه قادرًا، والمكرَه عاجزًا عن الدفع، والضرر المهدد به معتبرًا.
- جمهور العلماء يرون أن تصرفات المكره لا يترتب عليها حكم إذا تحقق الإكراه بشروطه.
[1] أخرجه ابن ماجه في سننه (كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، حديث رقم 2045) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.

