صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن: 7- (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورا)

تاريخ الإضافة 7 سبتمبر, 2026 الزيارات : 2930

(7)(وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورا)

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ  وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا [الإسراء: 100]

معنى الآية الكريمة

قَوْلُهُ تَعَالَى﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ المقصود بخزائن رحمته: أرزاقه التي وزعها على عباده، ونعمه التي أنعم بها عليهم، فالله جل جلاله هو الغني الذي له الغنى التام المطلق، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، فجميع الخلق مُفتَقِرون إليه، في طلب مصالحهم، ودفْع مضارِّهم، في أمور دينهم ودنياهم.

 قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21]، وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ  وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ  وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 96]

والله سبحانه من واسع رزقه تكفل برزق جميع الخلق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين وكافرين، إنسًا وجنا، طيرًا وحيوانا، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود: 6]

 وكلمة (الدابة) جاءت نكرة لتفيد الشمول، لتشمل هذه الكلمة كل شيء يدب على وجه الأرض، و(مِن) تفيد استغراق أفراد النوع.

 وفي الصحيحين: (يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)

 يَدُ اللهِ مَلأى: كثيرة الامتِلاء بالخَير

لا تَغِيضُها: لا تَنقُصُها نفَقةٌ. 

سحاء الليل والنهار: كثيرة العطاء في الليل وفي النهار.

أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض: يعني أخبروني ماذا أنفق منذ خلق السماوات والأرض، ولا يستطيع أحد إحصاء ما أنفقه الله سبحانه.

 فإنه لم يغض[1] ما في يده: يعني لم ينقص ومنه قوله تعالى: (وغيض الماء) يعني نقص.
وجاء في حديث أبي ذر عن النبي ﷺ عن ربه قال: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) أخرجه مسلم

 إذا غُمس المخيط في البحر ثم نُزع ماذا ينقص من البحر؟ لا شيء يعني لا ينقص من ذلك شيئاً.

قال ابن القيم: “فالله سبحانه غني حميد كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا وجودا محضا؛ فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد لذاته كريم لذاته؛ كما أنه غني لذاته قادر لذاته حي لذاته؛ فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك كما أن قدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم” [2]

قوله: (إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) إذا لبخلتم وأمسكتم في توزيعها عليهم، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم في العطاء، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدا، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك.

والْمَعْنَى لَوْ مَلَكَ أَحَدُ الْمَخْلُوقِينَ خَزَائِنَ اللَّهِ لَمَا جَادَ بِهَا كَجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَمْرَيْنِ:

الأول: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهَا لِنَفَقَتِهِ ونفقة أهله وعياله، ويدخر منها لمستقبله.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَخَافُ الْفَقْرَ بسبب نقص المال وَيَخْشَى الْعَدَمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى فِي جُودِهِ عَنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ.

قوله: (وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً) قتورا من التقتير بمعنى البخل، والقتور هو الذي يبخل بالنفقة حتى على نفسه فضلا عن بذل المال لغيره، وهو خُلُق مذموم، وتشتد شناعته حين يضيّق الإنسان به حتى على نفسه، فقد يقبل أن يُضَيِّق الإنسانُ على الغير، أما أنْ يُضيق على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوّره؛ لذلك يقول الشاعر في التندُّر على هؤلاء:

يُقتِّر عِيسَى عَلَى نَفْسِه *** وَلَيْسَ بِبَاقٍ وَلاَ خَالِد

فَلَوْ يستطيعُ لتَقتِيرِه *** تنفَّسَ مِنْ مَنْخرٍ وَاحِدِ

وبعد بيان المعنى الإجمالي للآية، يحسن الوقوف على حقيقة البخل وأسبابه وسبل علاجه:

تعريف البخل:

البخل هو: منع الإنسان ما يجب عليه أو يُستحب له بذله من مالٍ أو نفع، مع قدرته على ذلك؛ حرصًا على ما في يده وخوفًا من نقصانه.

ومن صوره:

  • الامتناع عن الحقوق الواجبة، كالزكاة والنفقة على الزوجة والأولاد، وهذا بخل محرّم.
  • ترك الإحسان والصدقة مع القدرة، وهذا بخل مذموم، ولا يكون محرّمًا إذا لم تعلق به حق واجب.
  • التضييق على النفس والأهل في الحاجات المشروعة مع سعة المال.

والبخل غير الاقتصاد؛ فـالاقتصاد إنفاق معتدل بلا إسراف ولا تقتير، أما البخل فهو منع الحق أو التضييق المذموم.

ما الفرق بين البخل والشح؟ للعلماء عدة أقوال:

  1. البخيل هو من يبخل بما في اليد من مال، فيمتنع أن ينفق على غيره، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [النساء: 53]أَيْ: لَوْ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا فِي مُلْكِ اللَّهِ لَمَا أَعْطَوْا أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا مِقْدَارَ نَقِيرٍ.
  2. البخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك،أما الشحُّ: فهو الحرص على تحصيل ما ليس عندك.
  3. البخل هو نفس المنع، والشحُّ الحالة النفسية التي تقتضي ذلك المنع.
  4. الشحَّ هو البخل مع زيادة الحرص، وهو الصحيح لحديث جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ قال: (اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتَّقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم) رواه مسلم.

 ويؤيد هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدًا، ولا يجتمع شحٌّ وإيمان في قلب رجل مسلم أبدًا) رواه النسائي

فالإنسان يبخل على الناس ويُقتِّر علَى نفسه؛ لأنه جُبِل علَى البخل مخافة الفقر، وإنْ أُوتِي خزائن السماوات والأرض.

  1. ويرى ابن القيم أنَّ (الفرق بين الشحِّ والبخل: أنَّ الشحَّ هو: شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه، وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشحِّ، والشحُّ يدعو إلى البخل، والشحُّ كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحَّه، ومن لم يبخل فقد عصى شحَّه ووقي شرَّه، وذلك هو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9][3]

فائدة لغوية:

ضد التقتير: الإسراف، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]

وضد البخل: الكرم، وضد الشح: الإيثار، قال تعالى في شأن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9]

إذن المعنى :  لو أنكم تملكون التصرف في خزائن رزق الله لأمسكتم عن الإنفاقِ منها ولَبَخِلْتُمْ بها فلم تُعطوا أَحدًا شيئًا مخافة نفادها، مع أَنها لا تنفَد ولا تفرغ أبدًا؛ ولكن في النفس البشرية استعداد للشح والخوف من الفقر، إلا من زكاه الله بالإيمان واليقين والمجاهدة؛ وَاللَّهُ تَعَالَى يَصِفُ الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَهَدَاهُ؛ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجَزَعَ وَالْهَلَعَ صِفَةٌ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج: 19-21]

وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى كَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ.

أسباب مرض البخل

1- حب الدنيا ببريقها وزخارفها، وزينتها:

وهذا من الأسباب المؤدية إلى الشُّح، حيث يتوهم من ابتلاه الله بحب الدنيا أنه إن أعطى فسيخلو جيبه، وستضيع صحته وعافيته وسيريق ماء وجهه، وتذهب مكانته ومنزلته بين الناس، ويبدد أوقاته، ويعرض نفسه لما لا تحمد عقباه من الأذى بكل صنوفه وأشكاله المادية والمعنوية، وخير له أن يمسك بره ومعروفه عن الناس كي تدوم له دنياه، ناسيا أو متناسيا أن الله يخلف على عبده كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ  وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها ذم الله – عز وجل – حب الدنيا، والمحبين لها؛ إذ يقول الله – سبحانه -: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ [القيامة: 20-21]

2- إهمال النفس من المجاهدة:

وقد يكون إهمال النفس من المجاهدة من بين الأسباب التي توقع في الشُّح، ذلك أن المرء مجبول بفطرته على الشُّح، كما قال – سبحانه -: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 6-8] فقد فسر العلماء الخير هنا بالمال، أو بالدنيا.

فالإنسان مجبول بفطرته على الشُّح – كما رأينا من هذه النصوص – وقد يستسلم لهذا الذي فطر عليه، ولا يجاهد نفسه، وتكون العاقبة تمكن هذا الشُّح من نفسه بصورة يصعب معها العلاج.

3- عدم اليقين بما عند الله:

وقد يكون عدم اليقين بما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة هو الباعث على البخل والشُّح، ذلك أن من لم يصدق يقينًا لا يخالطه شك بأن الله يخلف على العبد أكثر مما يعطي هذا العبد، بل هو المانح ابتداء من غير حول من الخلق، ولا قوة ولا قدرة لهم من أنفسهم. فمن لم يوقن بذلك بخل وأصابه الشح

وقد لفت رب العزة أنظارنا إلى هذا السبب حين قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 8-10] أي بخل بماله الذي لا يبقى، أو بخل بحق الله تعالى.

4- الحقد:

ذلك أن المرء إذا كان حاقدا على غيره فإنه سيسعى جاهدا ألا ينفعه بشيء أبدا، وهذا أمر ظاهر، وقد يُستأنس له بما ذكره الله عن سلامة صدور الأنصار، وهو يتحدث عن موقف الأنصار من المهاجرين فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9] فقد بين – سبحانه – في هذه الآية أن الذي حمل هؤلاء الأنصار على التضحية التي وصلت إلى حد الإيثار، إنما هو الإيمان النابع من سلامة الصدر من الأحقاد والذي أثمر المحبة والمودة والموالاة.

علاج البخل

1- الدعاء واللجوء إلى الله:

وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من البخل إذ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل والعجز والكسل) فاجعله من دعائك.

2- اليقين بأنه ما تنفق من شيء إلا وهو يخلفه سبحانه:

النظر إلى النعم التي أفاض الله علينا على أنها ليست ملكاً لنا حتى نمنعها عن عباده، وإنما هي ملك لله، ونحن أمناء أو خزنة فقط على هذه النعم، ومن واجب الأمين أو الخازن أن يتصدق وفق مراد صاحب النعمة، وقد دعا صاحب النعمة إلى إنفاقها على عباده، وفي مرضاته، مع الوعد الحق بأنه سيخلف أضعافا مضاعفة، إذ يقول – سبحانه -: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ  وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] وقال:﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: 7]

3- مجاهدة النفس، وأخذها بالعزيمة، وحملها حملا على الكرم والعطاء:

ويحسن أن يأخذها صاحبها بالتدريج مع الترغيب تارة، والترهيب أخرى، ويصبر على ذلك زمانا، فإن هذه المجاهدة إن كانت صادقة توصل بسرعة إلى المراد، وصدق الله الذي يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69]

وكما قال الشاعر:

النفس تجزع إن تكون فقيرة *** والفقر خيراً من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت *** فجميع ما في الأرض لا يكفيها

وفي الحديث عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ِﷺ يَقُولُ: (كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)

 قَالَ يَزِيدُ: ” وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَعْكَةً، أَوْ بَصَلَةً أَوْ كَذَا رواه الإمام أحمد وصححه محققو المسند.

(فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ (والصدقة قد تكون ظلًا، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك، فهذه الصدقة، وإن كانت عملا مضى، وانقضى؛ لكن المتصدَّق به يؤتى به يوم القيامة بصفة شيء محسوس، وفي هذا الحديث دليل على فضل الصدقة، وعلى أنها تكون يوم القيامة ظلا لصاحبها.

5- تطهير الصدر من الأحقاد:

فإن الصدر إذا طهر من الأحقاد سهل على صاحبه أن يتحرر من الشُّح، وربما تجاوز ذلك إلى المواساة، بل الإيثار، على نحو ما جاء في كتاب الله عن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9] 

6- اليقين التام بما عند الله من الأجر والمثوبة:

قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا  وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى  أَفَلَا تَعْقِلُونَ [القصص: 60] وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ  وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ  وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 96]

وخلاصة الأمر: أن علاج البخل يقوم على معرفة سعة فضل الله، واليقين بوعده، ومجاهدة النفس، وتعويدها الإنفاق، وسلامة الصدر للخلق.

الخلاصة:

  1. الله سبحانه غنيٌّ غنًى مطلقًا، وبيده خزائن السماوات والأرض والدنيا والآخرة.
  2. جميع الخلق مفتقرون إلى الله في تحصيل مصالحهم ودفع مضارهم، في أمور الدين والدنيا.
  3. تكفَّل الله بأرزاق جميع المخلوقات، وأنزلها بحكمة وقدر معلوم.
  4. خزائن الله لا تنفد، وكثرة عطائه وإنفاقه لا تنقص شيئًا مما عنده.
  5. لو امتلك الإنسان خزائن الرزق التي لا تنفد لأمسك منها؛ خوفًا من الفقر والنفاد، وهذا يدل على شدة ما في طبعه من البخل.
  6. وصف الإنسان بأنه «قتور» يعني أنه شديد الإمساك، وقد يضيّق حتى على نفسه فضلًا عن غيره.
  7. الصفات المذمومة المركوزة في طبع الإنسان، كالبخل والهلع والجزع، يمكن التخلص منها بتوفيق الله ومجاهدة النفس.
  8. البخل هو منع المال بعد حصوله، أما الشح فهو شدة الحرص عليه قبل حصوله وبعده، فهو أعم وأشد من البخل.
  9. الشح من أخطر أمراض القلوب؛ لأنه قد يحمل صاحبه على الظلم، وسفك الدماء، واستحلال المحرمات.
  10. الفلاح الحقيقي يكون بوقاية النفس من الشح، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
  11. المنهج الشرعي في الإنفاق هو الاعتدال؛ فلا إسراف ولا تقتير، بل إنفاق بالمعروف والتوازن.
  12. أعلى مراتب الكرم الإيثار، وهو تقديم حاجة الغير على حاجة النفس، كما فعل الأنصار مع المهاجرين.
  13. من أبرز أسباب البخل: حب الدنيا، والخوف من الفقر، وإهمال مجاهدة النفس، وضعف اليقين بوعد الله، والحقد على الآخرين.
  14. المال الذي في يد الإنسان ملك لله، والإنسان مستخلف وأمين عليه، فعليه أن ينفقه فيما يرضي الله.
  15. الإنفاق لا يضيّع المال؛ فالله وعد بالخَلَف، وما عند العبد ينفد وما عند الله باقٍ.
  16. علاج البخل يبدأ وبتعويد النفس على البذل تدريجيًا، ولو بالصدقة القليلة المستمرة.
  17. الصدقة من أسباب النجاة يوم القيامة؛ فالإنسان يكون في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس.
  18. تطهير القلب من الحقد يفتح باب المواساة والكرم، وقد يرفع صاحبه إلى منزلة الإيثار.
  19. استحضار ثواب الآخرة وأن ما عند الله خير وأبقى يقوّي السخاء، ويضعف التعلق بالمال.
  20. الغنى الحقيقي ليس بكثرة المال، وإنما بغنى النفس والقناعة والكفاف.

[1] فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ بفتح الياء، وكسر الغين، وسكون الضاد: يَغِضْ، أي: لم ينقص ما في يده.

[2] طريق الهجرتين ص 105

[3] الوابل الصيب ص 33

 

Visited 262 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 242
  • Today's page views: : 260
  • Total visitors : 152,987
  • Total page views: 169,729