(12)﴿إن الإنسان خُلقَ هَلوعاً﴾ [سورة المعارج:19]

يقول الحق تبارك وتعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21]
معنى الآيات الكريمة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ هذا إِخبار من الله – تعالى – عن الإِنسان، وما جبل عليه من أَخلاق ذميمة، إِلا من عصمه الله – سبحانه – ويراد بالإِنسان جنس الإنسان.
﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ صفة مشتقة من الهلع بفتحتين، وهو الهلع شدة الجزع والحرص وقلة الصبر، وقد فسَّرته الآيتان التاليتان بأنه الجزع عند نزول الشر، والمنع عند حصول الخير، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن.
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ الجزع: أبلغ من الحزن، أَي: إِذا مسه الفقر أَو المرض ونحوهما كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، لا صبر له على ما نزل به فيتجرعه حزينًا كئيبًا تكاد تتقطع نفسه، وينخلع قلبه.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ يقال: رجل مانع ومناع. أي: بخيل، وهذه الآية مما استعمل فيها الخير بمعنى المال، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] وكما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة:180] يعني: إن ترك مالاً.
أَي: كان مبالغًا في البخل والإِمساك، لا ينفقه في طاعة، ولا يعرف فيه حق الله، كما في الحديث عن أَبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ “شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ“. أَخرج الإِمام أَحمد بسنده
وقد قدر الله الضعف على الإنسان حتى لا يغتر:
- رزقه العلم، مع بقاء قصوره وجهله بأمور كثيرة؛ فلا يحيط الإنسان بكل شيء علمًا.
- ورزقه القوة، مع ما يعتريه من الضعف.
- ورزقه المال، مع إمكان زواله وافتقاره بعد الغنى، وأن الذي أغنى وعلم وأعطى قادر على أن يأخذ كل ذلك منك، فمن أنت بدون الله؟ من أنت إذا نزع الله عنك رحمته.
وكان من دعاء النبي -ﷺ- “ يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين” فحينما يضيق الحال، وتشعر بعدم الاستقرار، والمشاكل والتوتر ارجع إلى الله.
لجوء العبد إلى الله:
والمسلم يلجأ إلى الله تعالى في أحواله كلها؛ في سرَّائه وضرَّائه، وشدَّته ورخائه، وصحته وسقمه، فلا يقتصر ذلك في حال الشدة فقط؛ إذ أن ملازمةُ المسلم للطاعة والدعاء حال الرخاءِ، ومواظبته على ذلك في حال السرَّاء سببٌ عظيمٌ لإجابة الدعاء عند الشدائد والمصائب والكُر َب والبلاء، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فلْيُكثِر الدعاءَ في الرخاء) رواه الترمذي، وسنده حسن
وقد ذمَّ الله في مواطن كثيرة من كتابه العزيز من لا يلجأون إلى الله ولا يُخلصون الدِّين إلاَّ في حال شدَّتهم، أمَّا في حال رخائهم ويُسرهم وسرَّائهم ، فإنَّهم يُعرضون وينسون ما كانوا عليه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12 ، ويقول تعالى ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51] ” فهي تدلُّ دلالة واضحة على ذمِّ مَن لا يعرف الله إلاَّ في حال ضرَّائه وشدَّته، أمَّا في حال رخائه فإنَّه يكون في صدود وإعراض ولَهوٍ وغفلة وعدم إقبال على الله تبارك وتعالى فالواجب على المسلم أن يُقبلَ على الله في أحواله كلِّها في اليُسرِ والعُسرِ، والرخاءِ والشدِّةِ، والغنى والفقرِ، والصحةِ والمرضِ، ومَن تعرَّف إلى الله في الرخاء عرفه الله في الشدَّة، فكان له معيناً وحافظاً ومؤيِّداً وناصراً .
ومن هنا جاء الاستثناء في الآيات أن من ينجو من هذا الوصف هم أهل الصلاة فقال تعالى﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 22-35]
﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 22] لأن الصلاة هي قرة عين المؤمن، والإنسان عبارة عن جسد وروح، الجسد متصل بالأرض التي منها خلق؛ فحينما نجوع نأكل مما نبت من الأرض، أو على الحيوان الذي تغذى على ما نبت في الأرض، فراحة الإنسان لجسده مرتبطة بالأرض التي منها نشأ.
أما الروح فهي من أمر الله، وحقيقتها مما استأثر الله بعلمه، قال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]؛ وهذه الروح بما أنها من الله عز وجل.
فإذا أردت طمأنينة القلب وراحة النفس فقوِّ صلتك بالله تعالى، بذكره وطاعته والصلاة بين يديه، ولا شك أن ضعف الصلة بالله قد يزيد ضيق النفس والاضطراب الروحي، وأن الإيمان والذكر والصلاة من أعظم أسباب السكينة والثبات؛ ومن أكبر أسباب ضيق الصدر وكثرة الهموم والغموم والاكتئاب والقلق والتوتر، والصدمات النفسية، وارتفاع ضغط الدم …الخ؛ فقدان الاتصال بالله ، والركون إلى المادية والاعتماد على الأسباب التي لا نربطها بالله إنما نربطها بقدراتنا وعلومنا ؛ رغم أن الإنسان دائما ضعيف ، قال تعالى : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28] ضعيفا بمعنى أنه لا يقوم بأمر نفسه كاملا ، فالإنسان بدون الماء يهلك وهكذا بدون الهواء ، الطعام ….الخ ، يصاب بفيروس لا يرى بالعين فيصير جثة هامدة وهو الطويل العريض الذي من يراه يظن أنه بطل العالم في كمال الأجسام، لكن مع هذا الفيروس تراه شاحبا ضعيفا عليلا .
إذا ركن الإنسان إلى نفسه فقد ركن إلى ضعف ، أما إذا ركن إلى الله فقد ركن إلى قوة .
ولما قرأ النبي ﷺ قول لوط: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80] قال النبي ﷺ: «يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد». متفق عليه.
والمقصود بالركن الشديد: الله سبحانه وتعالى، وإنما قال لوط عليه السلام ما قال بحسب الأسباب الظاهرة، متمنيًا قوةً من قومه أو عشيرته تمنع عنه أذى المعتدين.
صفات أصحاب الصلاة
الصفة الأولى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23]
الدائم اسم فاعل من الفعل (دام) فلا يتكاسلون عنها، ولا يفرطون فيها ، بل هم مداومون عليها، ومن أراد أن يستشعر حلاوة الصلاة وأنها معراج المؤمن لربه فلتكن صلاته بخشوع ، اجعلها لقاءك بحبيبك ومولاك فتسعد بالقرب من الله ، وكان النبي -،ﷺ:- يقول (وجعلت قرة عيني في الصلاة) قرة العين معناها أن الإنسان منا يقلب بصره في الأشياء حوله ،فإذا رأى ما يعجبه يقال : قرت عينه أي استقرت على شيء تحبه فهو يتمنى ألا يزول هذا المشهد الذي يراه ، فقرة العين أي ما تسعد العين به ،ويفرح القلب به ، فقرة عين نبينا -،ﷺ:- في الصلاة ، أسعد لحظاته وهوبين يدي الله عز وجل ، وكان يقول لبلال رضي الله عنه : (أرحنا بها يا بلال) فإن العبد يقف بين يدي خالقه، فيناجيه ويطلب منه إصلاح قلبه وشأنه كله.
لا أريد أن أقول إن الخشوع سيكون في الصلوات الخمس وكل صلاة تؤديها لكن أليس من المؤسف حقا أن تكون صلواتنا كلها بدون خشوع؟ وتكون الصلاة ثقيلة على النفس، وتنزع نفسك من أعمالك وانشغالاتك نزعا، وتصلي بسرعة، وتنتهي منها بسرعة.
حينما تطيل السجود وتستشعر حلاوة الأنس بالله ومناجاته وقربك منه سبحانه وتعالى فاعلم أن صلاتك كان فيها قرب من الله سبحانه وتعالى.
يقول حذيفة بن اليمان كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا حزبه (اشتد)أَمرٌ فزع إلى الصلاة.
ومعنى «حزبه أمر»: نزل به أمر شديد أو أهمَّه، وسبب فزعه إلى الصلاة الوقوف بين يدي الملك جل جلاله الذي بيده كل شيء، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1] وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: 123]
الصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]
أي: والذين يجعلون في أَموالهم نصيبًا معينا يستوجبونه على أَنفسهم تقربا إِلى الله، وإِشفاقا على العباد، وقيل: هو الزكاة لأَنها مقدرة معلومة.
واستبعد بعض المفسرين أن يكون المراد بها الزكاة المفروضة ذات الأنصبة والمقادير المعروفة؛ لأن السورة مكية، بينما فُصِّلت مقادير الزكاة في المدينة. وقيل: المراد أصل الزكاة، وقيل: حق سوى الزكاة ألزموه أنفسهم تطوعًا.
فلا يُجزم برد تفسير «الزكاة»؛ لأن أصل الزكاة والإنفاق كان مقررًا في العهد المكي، وإن كانت مقاديرها التفصيلية قد بُيِّنت لاحقًا.
يعطي (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) والمحروم هو الذي يتعفف فلا يسأل الناس شيئًا، وبذلك يخفي أَمره فلا يُفطن له، ويُحسب أَنه غني، فيحرم، ولا يتصدق عليه بما هو حق له.
الصفة الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: 26]
وهو يوم الجزاء والحساب، والمراد من التصديق به: أَن يشغلوا أَنفسهم بأَداءِ الأَعمال الصالحة طمعًا في المثوبة الأخروية بحيث يستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزاءِ، والمراد أنهم يصدقون بيوم الجزاء تصديقًا جازمًا تظهر آثاره في أعمالهم واستعدادهم للقاء الله، فالناس يتفاوتون في قوة اليقين وآثاره.
الصفة الرابعة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: 27-28]
أَي: خائفون على أَنفسهم أَن يمسهم عذاب ربهم مع ما لهم من الأَعمال الفاضلة لشعورهم بالتقصير، واستحضارا لعظمة الله وجلاله في قلوبهم، فالمؤمن لا يأمن مكر الله، ولا ييأس من رحمته، بل يسير إلى الله بين الخوف والرجاء.
الصفة الخامسة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: 29-31]
أَي: أَنهم متعففون يحفظون فروجهم بعدم الوقوع في الحرام، ويجعلون قضاء وطرهم مقصورا على أَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم.
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أَي: فإِنهم لا يلامون على استمتاعهم بأَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم كما شرع الله.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَي فمن تجاوز الحلال الطيب في الزوجات وملك اليمين فقد تعدى حدود ما أَحل الله له إِلى ما حرمه عليه.
الصفة السادسة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: 32]
أَي: أَنهم إِذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا، بل كانوا مثالا كاملاً في حفظ الأَمانة، ورعاية حقوقها، والوفاء بالوعد، والإِخلاص فيه.
الصفة السابعة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: 33]
أَي: أَنهم يؤدون الشهادة بالقسط، فلا يكتمونها ولا يزيدون فيها، ولا ينقصون عنها، وإِنما يقيمونها على وجهها، بدون ميل إِلي قريب أَو شريف، أَو ترجيح لقوي على ضعيف.
الصفة الثامنة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: 34]
أَي: يراعون شروطها، ويكملون فرائضها، وسننها، ومستحباتها، وذلك باستعارة الحفظ من الضياع للإِتمام والتكميل.
ما الفرق بين قوله (دائمون) وقوله: (يحافظون)؟
- الآية الأولى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23].
- الآية الثانية: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34].
لقد افتتح الله ذكر صفاتهم بـ “الدوام” على الصلاة، واختتمها بـ “المحافظة” عليها، وهذا التكرار مع اختلاف اللفظ يدل على اختلاف في المعنى والمراد.
وفيما يلي تفصيل الفرق بينهما من عدة وجوه:
دائمون (الدوام): تدل على الاستمرار والثبات على حالة واحدة دون انقطاع، والمراد بها هنا الاستمرار في أداء الصلاة وعدم قطعها، أي أنهم لا يصلون وقتاً ويتركون وقتاً، أو يصلون فترة من حياتهم ثم يتركونها، بل هم مستمسكون بها طوال حياتهم.
وفسرها بعض السلف (مثل ابن مسعود وعقبة بن عامر) بأنها تعني السكون والخشوع في الصلاة، وعدم الالتفات أو الحركة الكثيرة، من قولهم: “ماء دائم” أي ساكن ورَاكِد.
يحافظون من (المحافظة): وهي مفاعلة من الحفظ، وتدل على بذل الجهد والاهتمام لرعاية الشيء وحمايته من الضياع أو النقص، والمراد بها هنا مراعاة شروط الصلاة، وأركانها، وسننها، وآدابها، وأوقاتها، ووضوئها؛ فهم لا يكتفون بمجرد أدائها، بل يهتمون بإتقانها وإتمامها على الوجه الأكمل الذي يرضي الله.
سر الابتداء بـ “دائمون” والختم بـ “يحافظون”
لفظ “المصلين” في بداية السياق {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} قد يطلق على من يصلي مرة ويترك مرة، فجاءت الصفة الأولى {الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} لتبين أنهم مداومون عليها لا يقطعونها، وهذا هو الأساس (أصل الفعل).
ثم بعد ذكر جملة من صفاتهم الحميدة (في الأموال والفروج والأمانات والشهادات)، ثم ختم الصفات بقوله {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، ليرتقي بهم من مجرد المواظبة والدوام (الكم) إلى إتقان الصلاة ومراعاة حدودها وآدابها (الكيف)، فكأن الآية الأولى ذكرت “أصل الصلاة” والآية الأخيرة ذكرت “كمال الصلاة”.
الخلاصة: المصلون المفلحون هم الذين يجمعون بين الدوام على أصل الصلاة فلا يقطعونها، وبين المحافظة على إحسانها، وشروطها، وأركانها، وأوقاتها فلا يضيعونها ولا ينقصونها.
الجزاء: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 35]
إِشارة إِلى أَن الموصوفين بالأَوصاف الكريمة التي تنبئ عن علو أَقدارهم عند ربهم، واستحقاقهم لإِكرامه وفضله مكرمون في جنات النعيم.
إذن كل صفة للمؤمنين تعالج جانبا من الهلع:
- الصلاة تعالج الجزع.
- الإنفاق يعالج المنع والشح.
- الإيمان بالآخرة يعالج الغفلة.
- الخوف من العذاب يعالج الأمن والغرور.
- العفة تعالج الشهوة.
- الأمانة والشهادة تعالجان الأنانية والظلم.
الخلاصة:
- خلق الإنسان وفي طبيعته ضعفٌ وهلع، إلا من عصمه الله بالإيمان والطاعة.
- الهلع هو شدة الحرص والخوف، ويظهر في صورتين: شدة الجزع عند نزول الشر، وشدة المنع والبخل عند حصول الخير.
- جعل الله مع علم الإنسان جهلًا، ومع قوته ضعفًا، ومع غناه فقرًا؛ حتى يعرف قدره ولا يغتر بنفسه.
- الواجب اللجوء إلى الله في الرخاء والشدة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، لا عند نزول المصائب وحدها.
- من ركن إلى نفسه فقد ركن إلى ضعف، ومن توكل على الله فقد أوى إلى ركن شديد.
- الصلاة أعظم ما يعالج هلع النفس؛ لأنها تصل الروح بخالقها، وتمنح القلب السكينة والثبات.
- أول صفات الناجين المداومة على الصلاة، فلا يؤدونها حينًا ويتركونها حينًا، بل يثبتون عليها طوال حياتهم.
- من صفات المؤمنين تخصيص حق من أموالهم للفقراء والمحتاجين، سواء أكانوا سائلين أم متعففين لا يسألون الناس.
- التصديق الحقيقي بيوم الدين يظهر أثره في الأعمال الصالحة والاستعداد للحساب والجزاء.
- المؤمن يخاف عذاب الله ولا يغتر بعمله؛ لاستشعاره تقصيره وعظمة ربه، فيجمع بين الرجاء والخوف.
- من صفات أهل الإيمان حفظ الفروج، والتعفف عن الحرام، وعدم تجاوز الحدود التي شرعها الله.
- حفظ الأمانات والوفاء بالعهود من الأخلاق الأساسية التي تميز المؤمن الصادق.
- يجب أداء الشهادة بالعدل، من غير كتمان أو تحريف أو محاباة لقريب أو قوي أو صاحب مكانة.
- افتتح الله صفات المؤمنين بالصلاة وختمها بالصلاة؛ مما يدل على عظيم منزلتها وأثرها في إصلاح الأخلاق والسلوك.
- الدوام على الصلاة يعني استمرار أدائها وعدم تركها، أما المحافظة عليها فتعني مراعاة أوقاتها وشروطها وأركانها وآدابها وإتمامها على الوجه المطلوب.
- جزاء المتصفين بهذه الصفات هو الإكرام في جنات النعيم.

