فقه الزكاة : 12 – الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة

تاريخ الإضافة 11 فبراير, 2026 الزيارات : 9886

 9 – الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة

وجـــه الإسلام عنايته الأولى إلى توجيه المال إلى مصارفه الشرعية حتى لا تلعــب الأهواء ويميل الميزان، وقد عرف التاريخ ألواناً كثيرة من الضرائب قبــــــل الإسلام كانت تجبى لملء خزائن الأباطرة والملوك لتنفق على شهواتهم وأقــاربهم وأعوانهم فيزداد الفقير فقراً والغنى غنى وقد بين الله تعالى هذه المصارف في آية واحدة في كتابة هي قوله تعالى:  ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ  فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60]

1 ،2 الفقراء والمساكين

الفقير والمسكين، وهما بمعنى واحد إذا افترقا (يعنى إذا ذكر أحدهما في السياق كالإسلام والإيمان)

أما إذا اجتمعا في الكلام: 

فالفقير هو: من ليس له مال ولا كسب حلال لائق به يقع موقعاً من كفايته وكفاية من يعوله من مطعم وملبس ومسكن من غير إسراف ولا تقتير

كمن يحتاج ثلاثة آلاف في الشهر ودخله خمسمئة فقط مثلاً.

أما المسكين: فهو من قدر على مال أو كسب حلال لائق به يقع موقعاً من كفايتــه ومن يعوله، ولكن لا تتم به الكفاية كمن يحتاج ثلاثة آلاف في الشهر ودخله ألفين فقط مثلاً، كما قال تعالى حكاية عن الخضر: (أما السفينة فكانت لمساكين) الكهف 79، فهم يملكـون سفينة ومع ذلك فهم كما قال القرآن مساكيـــن.

وفى الصحيحين عن أبى هريـــرة أن رسول الله قال: (ليس المسكين الذي ترده التمرة أو التمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكيـــــن الذي يتعفــــف اقـــرءوا إن شئتم: (لا يسألون الناس إلحافاً) [البقرة: 273]

 والمعنى لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس مالاً يحتاجون إليه.

ولا يخرج عن مسمى الفقر والمسكنة إن كان له بيت يسكن فلا يلزمه بيعه وكذا الثياب، وما تحتاجه المرأة للتزين به عادة، وكذا لو عنده كتب علم يحتاج إليها، أو آله يستخدمها في حرفته أو صنعته.

بل رأينـا من العلماء من أفتى بأن من تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به، إذا لـــم تكــن له زوجة واحتاج للنكاح فإن غريزة الجنس التي جعلها الله سوطاً يســـوق الإنســـان لتحقيق الإرادة الإلهية في عمارة الأرض، وبقاء النوع الإنساني إلى ما شاء الله تدفع الإنسان إلى العفة بالزواج.

 وذكـر ابن كثير (في البداية والنهاية) أن عمر بن عبد العزيز أمر من ينـادى في الناس كل يوم أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين النائحون؟ (أي الذيـن يريدون الزواج) لقضاء حاجة كل طائفة من بيت مال المسلمين.

ولكن من هو الغنى؟

مذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد أن الغنى هو ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصـدقة، ولا حد للغنى معلوم، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته، فإذا اكتفـى بما عنده حرمت عليه الصدقة والعكس إذا احتاج حلـت له الصدقة وكذلك الفقير العاطل القادر على الكسب ولا يعمل وهو يقدر بعملـه إذا عمل إن يكفى نفسه ومن يعول فالصدقة عليه حرام.

روى الترمذي وحسنه عن ابن عمر أن رسول الله قال: (لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مِرة سوى)

والمِرة القوة والشدة، ومنه قوله تعالــى عن جبريل: (ذو مِرة فاستوى) [النجم: 6] والسوي: المستوى السليم الأعضاء

فالقادر على الكسب الذي يحرم عليه أخذ الزكاة له خمسة أوصاف:

1- أن يجد العمل الذي يكتسب منه.

2- أن يكون العمل حلالاً.

3- القدرة عليه من غير مشقة فوق المحتمل عادة.

4- أن يكون ملائماً لمثله ولائقاً بحاله ومروءته.

5- أن يحصل بعمله على الكفاية.

هل يعطى من الزكاة من تفرغ للعبادة؟

ومن الرائع حقًا ما ذكره هنا فقهاء الإسلام فقالوا: إذا تفرغ إنسان قادر على الكسب لعبادة الله تعالى بالصلاة، والصيام، ونحوهما من نوافل العبادات لا يعطى من الزكاة، ولا تحل له؛ لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه، ولأنه مأمور بالعمل والمشي في مناكب الأرض، ولا رهبانية في الإسلام.

والعمل في هذه الحال لكسب العيش من أفضل العبادات إذا صدقت فيه النية، والتزمت حدود الله.

المتفرغ للعلم يأخذ من الزكاة:

فإذا ما تفرغ لطلب علم نافع، وتعذر الجمع بين الكسب وطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة قدر ما يعينه على أداء مهمته، وما يشبع حاجاته ومنها كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه.

وإنما أعطى طالب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية، ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل هي لمجموع الأمة؛ فمن حقه أن يعان من مال الزكاة، لأنها لأحد رجلين: إما لمن يحتاج من المسلمين، أو لمن يحتاج إليه المسلمون، وهذا قد جمع بين الأمرين.

المستورون المتعففون أولى بالمعونة:

قد يظن بعض الناس أن الفقراء والمساكين المستحقين للزكاة هم أولئك المتبطلون، أو المتسولون، الذين احترفوا سؤال الناس، وتظاهروا بالفقر والمسكنة، ومدوا أيديهم للغادين والرائحين، في المجامع والأسواق، وعلى أبواب المساجد وغيرها، ولعل هذه الصورة للمسكين كانت ماثلة في أذهان كثير من الناس منذ زمن قديم، حتى في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مما جعله عليه السلام ينبه الناس على أهل الحاجة الحقيقيين، الذين يستحقون معونة المجتمع بحق، وإن لم يفطن لهم الكثيرون، فقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم: (لا يسألون الناس إلحافًا) [البقرة: 273]

وفى رواية أخرى: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (الحديث بروايتيه متفق عليه).

ومعنى: (لا يسألون الناس إلحافًا): لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وعنده ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف. 

ذلك هو المسكين الجدير بالمعونة وإن كان الناس يغفلون عنه ولا يفطنون له. 

مقدار ما يعطى للفقير:

من مقاصد الزكاة كفاية الفقير وسد حاجته فيعطى من الصدقة بالقدر الذي يخرجه من الفقر إلى الغنى ومن الحاجة إلى الكفاية على الدوام وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.

الفقراء والمساكين نوعان:

النوع الأول: يستطيع أن يعمل ويكسب ويكفى نفسه بنفسه كالصانع والتاجر والزارع، ولكن ينقصه أدوات الصنعة، أو رأس مال التجارة فالواجب لمثل هذا أن يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتسـاب كفاية العمر وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى بشراء ما يلزمه من مزاولة حرفته وتمليكه إياه.

والنوع الآخر: عاجز عن الكسب كالزِمن (ذو العاهة) والأعـمى والشيخ الهرم والأرملة والطفـل ونحوهم، فهؤلاء لا بأس بأن يعطى ما يكفيه بصفة دورية شهرياً مثلاً.

مستوى لائق للمعيشة:

ومن هنا يتبين لنا أن الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير درهمًا أو درهمين، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانًا كرمه الله واستخلفه في الأرض.. ولائق به بوصفه مسلمًا ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس.

وأدنى ما يتحقق به هذا المستوى أن يتهيأ له ولعائلته طعام وشراب ملائم، وكسوة للشتاء وللصيف، ومسكن يليق بحاله.

ومما لابد للمرء منه في عصرنا أن ييسر له سبيل العلاج إذا مرض هو أو أحد أفراد عائلته، ولا يترك للمرض يفترسه ويفتك به، فهذا قتل للنفس وإلقاء باليد إلى التهلكة.

والذي ينبغي الالتفات إليه أن مستوى المعيشة للشخص لا يمكن تحديده تحديدًا جامدًا صارمًا، لأنه يختلف باختلاف العصور والبيئات، وباختلاف ثروة كل أمة ومقدار دخلها القومي.

ورب شيء يكون كماليًا في عصر، أو بيئة، يصبح حاجيًا، أو ضروريًا في عصر آخر، أو بيئة أخرى.

(3) العاملين عليها

(الجهاز المالي والإداري للزكاة)

 وهم الذين يوليهم الإمام العمل على جمع الزكاة وهذا يشمل جامعي الزكاة والمُحصلين والمحاسبين والخزنة والعمال والحراس…الخ.

 وكل هؤلاء جعل الله أجورهم في مال الزكاة لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها، وهذا أيضاً نص صريح على أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الزكاة كما كان النبي وخلفاؤه يفعلون ذلك.

ويمكن تقسيم هذا الجهاز في عصرنا الحاضر إلى إدارتين رئيسيتين، تتبع كل إدارة منهما فروع وأقسام:

الأولى: إدارة تحصيل الزكاة.

الثانية: إدارة توزيع الزكاة.

أولا/ إدارة تحصيل الزكاة واختصاصاتها:

أما عمل القائمين على التحصيل فهو عمل “ضرائبي” ومهمتهم تشبه ما يسمى عندنا بمصر “مأمور الضرائب” فمن وظيفتهم إحصاء الممولين (من تجب عليهم الزكاة) وأنواع أموالهم، ومقادير ما يجب عليهم فيها، ورصد ذلك، وجمعه من أهله، والقيام على حفظه بعد جمعه، حتى تتسلمه إدارة صرف الزكاة وتوزيعها. 

ثانيا/ إدارة توزيع الزكاة واختصاصاتها

وعمل هذه الإدارة أقرب ما يكون إلى هيئات “الضمان الاجتماعي” في عصرنا، وعليها اختيار أفضل الطرق لمعرفة المستحقين للزكاة، وحصرهم والتأكد من استحقاقهم، ومقدار حاجتهم، ومبلغ ما يكفيهم، ووضع الأسس السليمة لذلك، وفقًا للعدد والظروف الاجتماعية.

ما يشترط فيهم:

1- الإسلام:

لأنها ولاية على المسلمين فيشترط فيها الإسلام كسائر الولايات، ويستثنى من ذلك الأعمال التي لا تتعلق بالجباية والتوزيع كالحارس والسائق.

وعن أحمد رواية جوز فيها أن يكون العامل غير مسلم لعموم لفظ: “العاملين عليها” فيدخل فيه الكافر والمسلم، ولأن ما يأخذه على العمالة أجرة عمله، فلا مانع من أخذه كسائر الإيجارات.[1]

2- البلوغ والعقل.

3- أميناً:

 لأنه مؤتمن على أموال المسلمين، فلا يجوز أن يكون فاسقًا خائنًا، فمثله لا يؤمن حيفه على أصحاب الأموال، أو تهاونه في حقوق الفقراء تبعًا للهوى، أو خضوعًا للمنفعة.

4- عالماً بأحكام الزكاة:

وهذا إن كان مفوضاً بتحصيلها؛ لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ويحتاج إلى الاجتهاد الجزئي فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها.

وأما إذا كان عمله جزئيًا محددًا بدائرة معينة مهمته أن ينفذها فلا يشترط علمه إلا بما كلف به.

5- القدرة على العمل (القوى الأمين)

أن يكون كافيًا لعمله، أهلاً للقيام به، قادرًا على أعبائه؛ فإن الأمانة وحدها لا تكفى ما لم يصحبها القوة على العمل والكفاية فيه: (إن خير من استأجرت القوى الأمين) (القصص: 26). ولذا قال يوسف -عليه السلام- للملك: (اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم) (يوسف: 55).

 فالحفظ يعنى الأمانة، والعلم يعنى الكفاية والخبرة، وهما أساس كل عمل ناجح.

6 – ألا يكون ممـن تحرم عليهم الصدقة:

واشترط الأكثرون ألا يكون من ذوى القربى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم، لأن الفضل بن العباس، والمطلب بن ربيعة سألا النبي -صلى الله عليه وسلم- العمالة على الصدقات.

قال أحدهما: يا رسول الله، جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة ونؤدي إليك ما يؤدى الناس. فقال: (إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) رواه أحمد ومسلم

والحديث تنفير لآله -عليه الصلاة والسلام- من التطلع إلى أموال الصدقات للانتفاع منها، لقولهما: “نصيب منها ما يصيب الناس من المنفعة” والكلام من باب التشبيه فإنها لما كانت تطهير لأموال الناس ونفوسهم – كما قال تعالى: (تطهرهم وتزكيهم بها) (التوبة: 103). سميت أوساخًا.

إن مال الزكاة مال عام، فأي إصابة منه بغير حق، تعتبر إثمًا عظيمًا في شريعة الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يضرب مثلاً بأقاربه في التنزه عن هذا المال، حتى يحذر الناس من التخويض فيه، والطمع في التزيد منه.

وقد جوز بعض الفقهاء توظيف بنى هاشم في العمالة وإعطائهم من الزكاة وهو قول للشافعي وأحمد، لأن ما يأخذه أجرة لا زكاة، ولهذا يتقدر بقدر عمله، وكأنهم جعلوا الحديث للتنفير والتنزيه عن التطلع لمثل هذا العمل لا للتحريم.

  • هل تشترط الذكورة؟

واشترط بعضهم أن يكون العامل ذكرًا، ولم يجوزوا اشتغال المرأة بالعمالة، لأنها ولاية على الصدقات، ولا دليل على ذلك إلا أن يحتجوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ولكن هذا إنما يكون في الولاية العامة، أما الوظائف -ومنها العمالة على الزكاة- فلا تدخل في دائرة هذا الحديث الشريف.

أجرة العامل:

 يعطى العامل أجرة مثله في سائر الأعمال من الزكاة دون إفراط ولا تفريط.

تشديد الرسول في الحرص على أموال الزكاة

إذا كان العامل على الزكاة موظفًا أمينًا من قبل الدولة، فعليه أن يجمعها من حيث أمر، ويضعها حيث أمر، ولا يجوز له أن يستغل شيئًا من مال الزكاة لنفسه، أو يكتم مما جمعه قليلاً أو كثيرًا؛ فهذا مال عام لا يجوز الطمع فيه والأخذ منه بغير حق.

وقد جاءت في ذلك أحاديث تطير القلوب من هول وعيدها، وتنذر كل طامع فيما ليس من حقه بالعذاب الشديد.

عن عدى بن عميرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا (إبرة خيط) فما فوقه كان غلولاً (خيانة) يأتي به يوم القيامة) إشارة إلى قوله تعالى: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) (آل عمران: 161). فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله، اقبل عنى عملك. قال: (ومالك)؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: (وأنا أقول الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره فما أوتى منه أخذ، وما نهى عنه انتهى) رواه مسلم.

وعن أبى رافع أنه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مارًا بالبقيع (وفيه المقابر) فقال: أفًا لك، أفًا لك. قال أبو رافع: فكبر ذلك في ذرعي، فاستأخرت، وظننت أنه يريدني. قال: مالك؟ امش. فقلت: أأحدثت حدثًا؟ قال: وما لك؟ قلت: أففت بي (قلت: أفًا لك) قال: لا. ولكن هذا فلان بعثته ساعيًا على بنى فلان، فغل نمرة (كساء من صوف مخطط) فدرع على مثلها من النار) رواه النسائي

وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه على الصدقة فقال: (يا أبا الوليد، اتق الله.. لا تأتى يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، قال: يا رسول الله، إن ذلك لكذلك؟ قال: “إي والذي نفسي بيده”. قال: فو الذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيء أبدًا. (رواه الطبراني في الكبير وإسناده صحيح).

(الرغاء: صوت البعير، والخوار: صوت البقر. والثغاء: صوت الغنم)

وإنما أعلن ذلك عبادة -وهو من هو في المسلمين- طلبًا لسلامة دينه، وبعدًا عن مظنة الخطر، وخشية من شرر الوعيد أن يتطاير إليه وهو لا يشعر.

 الهدايا للموظفين رشوة

 كما لا يجوز للموظف العامل على الزكاة أن يكتم منها شيئًا -ولو كان إبرة خيط تافهة- فلا يجوز له أن يقبل لنفسه من أرباب الأموال عطاء يعطونه إياه، فإنه رشوة، ولو أخذه باسم “الهدية”، لأنه يأخذ أجرته وكفايته من الدولة، فلا يحل له أن يزيد عليها شيئًا من دافعي الزكاة، فإنه أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ذريعة إلى التهاون مع الأغنياء على حساب الفقراء والمستحقين.

 وأقل ما فيه أن يعرض الأخذ للتهمة، ومن وضع نفسه مواضع التهم فلا يلومن من أساء به الظن.

عن أبى حميد الساعدي قال: استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأزد يقال له “ابن اللتبية” على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدى إلى.

قال: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولأني الله. فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي!! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟!

والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة؛ فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر (تصيح) ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، يقول: اللهم هل بلغت)؟ رواه البخاري ومسلم 

الدعاء لأصحاب الأموال:

ومن الجوانب الروحية التي تميزت بها فريضة الزكاة عن الضرائب والمكوس الأخرى: أن الممول يدفعها عن طيب نفس سائلا الله أن يتقبلها منه، وأن الجابي الذي يأخذها منه مأمور أن يدعو له بنص كتاب الله الذي يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: 103]

عن عبد الله بن أبى أوفى: أن أباه جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصدقة ماله فقال: (اللهم صل على آل أبى أوفى) (رواه أحمد والشيخان).

تابع مصارف الزكاة.

(4) المؤلفة قلوبهم

هــم الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام، أو التثبيت عليه، أو بكف شرهم عن المسلمين أو جلب نفعهم بالدفاع عنهم.

 وقد أعطى النبي صفوان بن أمية غنماً بين جبلين حتى انه قال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر، والله لقد أعطاني محمد وإنه لأبغض الناس إلى فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلى، وقــد أسلم وحسن إسلامه.

يقول ابن عباس: إن قومـاً كانوا يأتون النبي فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وقالوا: هذا دين حسن وإن منعهم ذموا وعابوا.

 والمؤلفة قلوبهم أقسام ما بين كفار ومسلمين:

  • فمنهم من يرجى بعطيته إسلامه أو إسلام قومه وعشيرته:

 كصفوان بن أمية الذي وهب النبي -صلى الله عليه وسلم- له الأمان يوم فتح مكة، وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره بطلبه، وكان غائبًا فحضر وشهد مع المسلمين غزوة حنين قبل أن يسلم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- استعار سلاحه منه لما خرج إلى حنين، وقد أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إبلاً كثيرة محملة كانت في واد، فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.

وروى مسلم والترمذي من طريق سعيد بن المسيب عنه قال: (والله لقد أعطاني النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) وقد أسلم وحسن إسلامه.

(ب) ومنهم من يخشى شره ويرجى بإعطائه كف شره وشر غيره معه:

 كما جاء عن ابن عباس أن قومًا كانوا يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أعطاهم من الصدقات مدحوا الإسلام وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا (تفسير الطبري: 14/313).

(جـ) ومنهم من دخل حديثًا في الإسلام، فيعطى إعانة له على الثبات على الإسلام.

وذلك أن الداخل حديثًا في الإسلام قد هجر دينه القديم، وضحى بما له عند أبويه وأسرته، وكثيرًا ما يحارب من عشيرته، ويهدد في رزقه، ولا شك أن هذا الذي باع نفسه وترك دنياه لله تعالى جدير بالتشجيع والتثبيت والمعونة.

وكل هذه الأنواع تدخل تحت عموم لفظ “المؤلفة قلوبهم” سواء أكانوا كفارًا أم مسلمين.

هل سقط هذا السهم بوفاة رسول الله؟

لم يسقط وإنما يكون عند الحاجة ولذلك لما ذهب بعض المؤلفة قلوبهم إلى أبى بكر ليعطيهم نصيبهم كتب لهم إلى عمر فأتوه فمزق عمر الكتاب وقال هذا شيء كان النبي يعطيكموه تأليفا لكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف، فانصرفوا إلى أبى بكر فأخبروه بصنيع عمر فأقره.

قالوا أنت الخليفة أم عمر؟ قال: هو إن شاء.

من له حق التأليف والصرف إلى المؤلفة؟

 جواز التأليف وتقدير الحاجة إليه مرجعه إلى أولى الأمر من المسلمين، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء هم الذين يتولون ذلك. 

وعند إهمال الحكومات لأمر الزكاة -كما في عصرنا- يمكن للجمعيات الإسلامية أن تقوم مقام الحكومات في هذا الشأن.

وإذا لم يوجد حكومة ولا جماعة، وكان لدى الفرد المسلم فضل من زكاته، فهل له أن يتألف بها كافرًا؟

الرأي عندي أنه لا يجوز له ذلك إلا إذا لم يجد مصرفًا آخر، كبعض المسلمين الذين يعيشون في غير دار الإسلام، ولا يجدون من يستحق الزكاة من المسلمين، ولكن رأوا من الكفار من إذا أعطوه استمالوا قلبه للإسلام ولموالاة المسلمين فلا بأس بإعطائه من الزكاة في هذه الحال للضرورة.

مع أن الأولى في مثل هذه الظروف رصد الزكاة لنشر الإسلام، إن لم يمكن إرسالها إلى بلاد الإسلام.

أين يصرف سهم المؤلفة في عصرنا؟

وإذا كان حكم المؤلفة قلوبهم وإعطائهم من الزكاة باقيًا محكمًا لم يلحقه نسخ ولا إلغاء، فكيف نصرف هذا السهم المخصص لهم في عصرنا؟ وأين نصرفه؟

إن الجواب عن هذا واضح مما ذكرناه من بيان الهدف الذي قصده الشارع من وراء هذا السهم.

 وهو استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو تقوية الضعفاء فيه، أو كسب أنصار له، أو كف شر عن دعوته ودولته، وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات، والقبائل ترغيبًا لها في الإسلام، أو مساندة أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام، وقضايا أمته ضد المفترين عليه، كما أن الذين يدخلون في دين الله أفواجًا كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع، والواجب أن يعطوا من هذا السهم ما يشد أزرهم ويسند ظهرهم.

 

(5) وفي الرقاب

نلاحظ في الآية الكريمة: (وفي الرقاب) أن القرآن عبر في بعض المصارف باللام وبعضها بـ ” في ” لماذا؟

لأن الأربعة الأولـى وهم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة: 60] يعطى لهـم المال ليتصرفوا فيه كيف شاءوا؛ فعبر باللام التي تفيد التمليك.

أما الأربعة الأخرى ﴿وفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: 60] فإنه لا يصرف إليهم بل إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا الزكاة فعبر عنها بـ ” في” وهى للظرفية وكأن هذه الأربعة وعاء يصب فيه حتى يملأ.

وفى الرقاب:

جمع رقبة والمقصود بها العبد والأمة.

هل الإسلام أنشأ نظام العبودية والرق؟

لا يجرؤ أحد أن يدعى أن الرق نظام ابتدعه الإسلام، ذلك لأن الرق معروف من قديم الأزل فقد كان السادة والأمراء وأصحاب رءوس الأموال يملكون الكثير من الرقيق بأعداد لا حصر لها.

 فرغب الإسلام في إعتاق الرّقاب ابتداء، وحفظت أحكام الشريعة حقوق الرقيق التي كانت مهدرة قبل الإسلام، وأبقت لهم حق الأخوة والمواساة.

قال -صلى الله عليه وسلم-: إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس.. رواه البخاري ومسلم

وكان الرق قبل الإسلام له عدة طرق:

1ـ الخطف: ذلك أن ذا القوة كان يأتي على الضعيف فيطغى عليه بقوته ويسخره لخدمته ولم يكن المجتمع وقتها منصفا حتى يردع أمثال هؤلاء.

2ـ الأسر: وذلك في الحروب بعد أن ينتصر فريق على آخر فيصبح الأسرى ملكاً لمن أسرهم ويملك عليهم حق البيع والشراء والقتل.

3ـ البيع والشراء: فقد كانت لهم أسواق لبيع وشراء العبيد يقف فيها العبد والأمة كسلعة تباع وتشترى؛ ناهيك عن امتهان آدمتهم في أسلوب البيع، والشراء من كشف للعورات وما إلى غير ذلك.

4ـ ولد الأمة: ذلك أن الأمة إذا ولدت ولدا فإنه يعد ملكا لسيدها حتى وإن كانت الأمة متزوجة من رجل حر.

5ـ الهدايا: فكان من الممكن أن يهدي السيد عبدا أو أمة مملوكة له لمن يريد من أصدقائه ولا يملك العبد أو الأمة الاعتراض على ذلك فهو أشبه بمن يهدى آخر حيوانا مثلا.

6- الاسترقاق بالدين: فإذا عجز الفقير عن دفع الدين الذي عليه للغني أعطاه أحد أولاده وفاء للدين الذي عجز عن سداده.

ما هي حقوق العبيد قبل الإسلام؟

بالبحث والتحري في تاريخ العرب والعجم قبل الإسلام لم نقف على أي حقوق تذكر للعبيد والإماء فقد كان من حق السيد أن يتعامل معهم كما شاء وكيفما شاء بل كان من حقه تعذيبهم وقتلهم والاعتداء عليهم وتسخيرهم لخدمته دون أدنى مقابل؛ اللهم إلا قليل الطعام الذي يحصلون عليه.

لماذا لم يلغ الإسلام نظام الرقيق مرة واحدة؟

كلنا يعلم أن هناك عادات كانت عند العرب قبل الإسلام وهذه العادات حينما يتعود الإنسان عليها سنين طويلة فإنه من الصعب أن يغيرها مرة واحدة وهذا بالضبط ما حدث عند مجيء الإسلام فلهذه الأسباب لم يُلغِ نظام الرقيق في الإسلام جملة واحدة وهى كما يلي:

1– قوة بشرية هائلة:

 كانت أعداد الرقيق تصل إلى ألوف من المستحيل أن يطلق سراح هذا الجمع الهائل الذين إن أطلقوا في تلك الفترة لأصبحت قوة تدميرية في المجتمع تحمل الفقر والبطالة والكراهية الشديدة لسادتهم الذين ظلموهم وربما حب الانتقام.

2– منهج الإسلام في التغيير بالتدرج:

التدرج في التكاليف بمعنى أن يدفع الناس من العادات البالية الضارة إلى الأخرى التي فيها صلاح المجتمع لكن على التدريج حتى لا ينفر الناس من تعاليمه، ولأنه من الصعب أن يتحول المجتمع من الشيء إلى نقيضه مرة واحدة لم يكن من السهل أن يطلق سراح العبيد جملة واحدة وإنما كان بالخطوات التالية: ـ

الأولى: شراء العبيد وإعتاقهم: في بداية الإسلام أسلم كثير من العبيد ووقع عليهم ألوان من العذاب من ملاكهم فكان أبو بكر الصديق يقوم بشرائهم وإعتاقهم ابتغاء مرضات الله.

الثانية: غلق عدة أبواب من الرق:

  • تحريم استرقاق الحر فحرم على أي إنسان أن يأخذ حرا فيسترقه، قال تعالى في حديثه القدسي: (ثَلَاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يوم الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى منه ولم يُعْطِ أَجْرَهُ)
  • جعل إعتاق الرقبة من الكفارات وجعل تحرير الرقاب كفارة ملزمة للقتل الخطأ،والجماع في نهار رمضان، والظهار، واختيارية لكفارة اليمين.
  • إعطاء العبد الفرصة لشراء نفسه أنشأ الإسلام نظاماً جديدا في الرق يسمى بالمكاتب وهو أن يتفق العبد مع سيده على أن يدفع ثمن نفسه شيئا فشيئا فإذا أتم الثمن فقد أصبح حرا.

4ـ أم الولد ذلك أن الجارية إذا ولدت من سيدها ولدا (الولد اسم جنس يشمل المولود ذكرا كان أو أنثى) فإنها تصبح حرة من وقت الولادة هي وابنها وينسب هذا الابن أو البنت إلى أبيه ويرثه بعد موته.

فضيقت أحكام الشريعة مصدر الرق ووسعت مصارفه ووسائل التخلص منه.

باب واحد باق للرق في الإسلام؟

الإسلام أول نظـام في الدنيا عمل بكل الوسائل على تصفية الرق وإلغائه من الدنيا بالتدريج، وذلك نلاحظه في الكفارات اليمين والظهار، والقتل الخطأ، والجماع في رمضان بل جعل كفارة ضرب العبد من سيده أن يعتقه، وضيق كل السبل في سبيل منع هذا الأمر بعد أن كان ذلك في الديون وغيرها.

ولم يعد للرق إلا باب واحد في الإسلام ألا وهو أسير الحرب فقط ويجوز بيعه وشراؤه، فقد جاء الإسلام والرق نظام عالمي، واسترقاق أسرى الحرب نظام دولي، فما كان يمكن والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه الواقفين بالقوة المادية في طريقه أن يلغي هذا النظام من جانب واحد، فيصبح أسارى المسلمين رقيقاً عند أعدائه، بينما هو يحرر أسارى الأعداء!!! 

فجفف الإسلام كل منابع الرق عدا أسرى الحرب إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى، وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى، ولم يكن جزءاً من النظام الاجتماعي في الإسلام، وبما أن الرق أُلغي في جميع دول العالم من خلال القوانين التي نظمتها الأمم المتحدة فبذلك تكون كل منافذ الرق قد ألغيت.  

قال يحيى بن سعيد: (بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد فقيرًا، ولم نجد من يأخذها منا. فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. فاشتريت بها رقابًا فأعتقتهم) [2]

(6) الغارمون

الغارمون: جمع غارم وهو الذي عليه دين والغريم هو الدائن ويطلق على المدين، والغرم معناه اللزوم، ومنه قوله تعالى عن النار: (إن عذابها كان غراما) [الفرقان: 65]

فسمى الغارم لأن الدين قد لزمه وهو إما غارم لمصلحة نفسه كأن يستدين بسبب مرض أو نفقــة، واخص من ينطبق عليه هذا الوصف أصحاب الكوارث الذين اضطروا للاستدانة.

شروط إعطاء الغارم:

  • العجـز عن قضاء دينه.
  • ان يكون قد استدان في طاعة أو أمر مباح وبغير إسراف.
  • وأن يكون الدين حاّلاً في عام توزيع الزكاة.
  • وأن يكون الدين للآدمي وأما ما كان لله فلا.

 ويعطى من الدين بقدر ما يسدد دينه فقط.

وهكذا تتجلى عظمة الإسلام ورِفقه برجاله فالديْن هم بالليل ومذلة بالنهار بل كان النبي يمتنع عن الصلاة على من عليه ديْن حتى فتح الله له فكان يسد بعد ذلك على المدينين.

أصحاب الكوارث من هذا الصنف:

وأخص من ينطبق عليه هذا الوصف أولئك الذين فاجأتهم كوارث الحياة، ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم، واضطرتهم الحاجة إلى الاستدانة لأنفسهم وأهليهم.

 فعن مجاهد قال: “ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال، فهو يدان وينفق على عياله” [3]

وفى حديث قبيصة بن المخارق -الذي رواه أحمد ومسلم- أباح النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن أصابته جائحة اجتاحت ماله، أن يسأل ولى الأمر حقه من الزكاة، حتى يصيب قوامًا من عيش، وسنذكره بتمامه في النوع الثاني من الغارمين.

والزكاة بهذا تقوم بنوع من التأمين الاجتماعي ضد الكوارث، ومفاجآت الحياة، سبق كل ما عرفه العالم -بعد- من أنواع التأمين.

غير أن التأمين الذي حققه الإسلام لأبنائه بنظام الزكاة أسمى وأكمل وأشمل من التأمين الذي عرفه الغرب في العصر الحديث بمراحل ومراحل؛ فالتأمين -على الطريقة الغربية – لا يعوض إلا من اشترك بالفعل في دفع أقساط محددة لشركة التأمين، وعند إعطاء التعويض يعطى الشخص المنكوب على أساس المبلغ الذي أمّن به، لا على أساس خسائره وحاجاته، فمن كان قد أمّن بمبلغ أكبر، أعطى تعويضًا أكثر، ومن كان مبلغه أقل كان نصيبه أقل، مهما عظمت مصيبته وكثرت حاجاته، وذوو الدخل المحدود يؤمنون عادة بمبالغ أقل، فيكون حظهم -إذا أصابتهم الكوارث- أدنى. وذلك أن أساس نظام التأمين الغربي التجارة والكسب من وراء الأشخاص المؤمن لهم.

أما التأمين الإسلامي، فلا يقوم على اشتراط دفع أقساط سابقة، ولا يعطى المصاب بالجائحة إلا على أساس حاجته، وبمقدار ما يعوض خسارته، ويفرج ضائقته.

روعة الإسلام في موقفه من الغارمين:

وموقف الإسلام من الغارمين والمستدينين بصفة عامة موقف فريد رائع:

فالإسلام أولاً يعلم أبناءه الاعتدال والاقتصاد في حياتهم حتى لا يلجأوا إلى الاستدانة.

وينبغي للمسلم أن يقوم بتلبية ضروراته أولا، ثم حاجياته، ثم تحسينياته.

فالضروري: ما تتوقف عليه حياة الناس كالطعام والشراب.

والحاجيات هي: ما يرفع الحرج ويدفع المشقة عن الناس كالتعليم والمسكن والزواج.

والتحسينياتما يؤدي إلى رغد العيش ومتعة الحياة دون إسراف أو ترف أو معصية كسعة المسكن وتوفر وسيلة انتقال له (سيارة) ووسائل تدفئة للشتاء أو تهوية للصيف …وهكذا.

 عندما تستدين اسأل نفسك سؤالين: ما مدى حاجتك لهذا الدين؟

 وهل تستطيع وفاءه ورده أم لا؟ ثم بعد ذلك قرر هل ستستدين أم لا؟

 ورسول الله ﷺ كان يدعو الله عز وجل فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز الكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.)

(غلبة الدين) أن يغلبك الدين أي تصل إلى مرحلة لا تستطيع معها أن تسدد ما عليك؛ يسمونه العجز في الدخل فمثلا:

 دخلك ألف وتحتاج إلى ألفين، وربما تحتاج إلى أكثر، فعندك عجز دائم، كل شهر الدين لا يقل بل يزيد فهذه غلبة الدين.

(وقهر الرجال) هذه نتيجة طبيعية أن من استدانك دائما يكون له الحق عليك. فمن يستدين من شخص ولا يسدده يستحل بذلك أن يشتمه، وأن يتعرض له أو يسجن بدينه.

فإذا اضطرت المسلم ظروف الحياة إلى الاستدانة كان عليه أن يعقد العزم على التعجيل بالوفاء والأداء فيكسب بذلك معونة الله وتأييده فيما نوى: (من أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها أدى عنه الله، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري 

فإذا عجز عن أداء الدين كله أو بعضه مع دلائل تصميمه على الوفاء فإن الدولة تتدخل لإنقاذه من نير[4] الدين الذي يقصم الظهور، ويذل أعناق الرجال، ولهذا قيل: “الدين هم بالليل ومذلة بالنهار”

وليس الدين خطرًا على نفسية المستدين واطمئنانه فحسب، بل هو خطر على أخلاقه وسلوكه كذلك، وهذا ما نبه عليه الحديث النبوي الكريم الذي رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كثيرًا ما يستعيذ بالله من المغرم -الاستدانة- فسألوه عن سر ذلك ولماذا يكثر من الاستعاذة من ذلك، ويقرنه بالاستعاذة من عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، فقال لهم: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف) رواه البخاري.

وهى لفتة نبوية صادقة إلى أثر الحالة الاقتصادية في الأخلاق والسلوك، وهو ما لا ننكره، وإنما ننكر على القائلين به جعلهم الاقتصاد هو العامل الوحيد، والمؤثر الفذ في سلوك الإنسان.

وكان من الوسائل التي اتخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنفير أصحابه من الدين أنه لم يكن يصلى على من مات من أصحابه وعليه دين لم يترك وفاءه، وفى هذا زجر شديد لأصحابه عن الاستدانة، فإن كل واحد منهم يحرص كل الحرص على صلاة النبي عليه، ودعائه له، ويعد الحرمان من ذلك عقوبة كبيرة، وخسارة عظيمة.

ثم لما أفاء الله عليه، وفتح له، وكثرت موارد بيت المال، صار يتولى بنفسه سداد ديون المسلمين، وقد حدث بذلك أبو هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: (هل ترك لدينه من قضاء)؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال: (صلوا على صاحبكم) فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه) متفق عليه.

ومن ذلك ترغيب المسلمين في معاونة الغارمين، قضاء لحق الإخوة، وأداءً لواجب التعاون، وابتغاء مثوبة الله.

 فعن أبى سعيد الخدري -رضى الله عنه- قال: أصيب رجل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأفلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تصدقوا عليه).. فتصدق الناس عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) 

ذلك هو تشريع الإسلام وطريقه؛ إنه يعين المستدين على التحرر من مذلة الدين، ولا يتركه يسقط فريسة الديون ويعلن إفلاسه.

وما عرفنا إلى اليوم شريعة غير الإسلام تنص في صلب دستورها على سداد الديون عن المدينين، وتجعل ذلك فريضة من الله.

إن الإسلام بسداده هذه الديون العادلة عن أصحابها من مال الزكاة. قد حقق هدفين كبيرين:

الأول: يتعلق بالمدين الذي أثقله الدين، وركبه من أجله هم الليل وذل النهار وأصبح معرضًا بسببه للمطالبة والمقاضاة والحبس وغير ذلك؛ فالإسلام يسدد دينه ويكفيه ما أهمه.

الثاني: يتعلق بالدائن الذي أقرض صاحب الدين، وأعانه على مصلحته المشروعة، فالإسلام حين يساعد على الوفاء بدينه، يشجع أبناء المجتمع على أخلاق المروءة والتعاون والقرض الحسن، وبهذا تسهم الزكاة من هذا الجانب في محاربة الربا.

هذا ما جاءت به شريعة الله، شريعة العدل والرحمة منذ أربعة عشر قرنًا. فأين من هذا ما جاءت به القوانين الوضعية، قوانين الحضارة والمدنية الحديثة من اضطرار التجار المدينين إلى إعلان إفلاسهم، وتصفية تجارتهم، وخراب بيوتهم، دون أن تقدم لهم الدولة أو المجتمع عونًا؟

ثم أين من هذا الموقف -موقف شريعة الله العادلة الرحيمة- ما جاء به القانون الروماني في بعض أدواره، حيث أباح للدائن أن يسترق المدين؟!!

جاء في القانون الروماني المسمى “قانون الألواح الاثني عشر”: “أن المدين إذا عجز عن دفع ديونه، يحكم عليه بالرق إن كان حرًا، ويحكم عليه بالحبس أو بالقتل إذا كان رقيقًا”!! [5]

ومثل ذلك ما كان معروفًا في المجتمع العربي في الجاهلية، من بيع من أعسر في الدين، لحساب الدائن، فجاء الإسلام ليعلمنا الإنظار والإمهال للمعسر، فقال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم، إن كنتم تعملون) (البقرة: 280).

والثاني: الغارم لمصلحة الغير:

وهـم فئة من أصحاب المروءة والمكرمات وهم الذين يغرمون للإصلاح ذات البين كـان يقع بين جماعة عظيمة عائلتين مثلاً تشاجر في دماء وأموال وتحدث عداوة وبغضاء فيتوسط للصلح ويلزم على نفسه مالاً عوضاً عما بينهم ليطفأ الثائرة فهذا قد أتى معروفاً عظيماً فكان من المعروف حمله على الصدقة.

ومثل هؤلاء المصلحين بين الناس كل من يقوم من أهل الخير في عمل مشروع اجتماعي نافع كمؤسسة للأيتام، أو مستشفى لعلاج الفقراء، أو مسجد لإقامة الصلاة، أو مدرسة لتعليم المسلمين، أو ما شابه ذلك من أعمال البر والخدمة الاجتماعية، فإنه قد خدم في سبيل خير عام للجماعة، فمن حقه أن يساعد من المال العام لها. 

ومعنى هذا أن يعطى من استدان من أجل هذه الخدمات الاجتماعية النافعة من مال الزكاة ما يسد به دينه وإن كان غنيًا.

وإذا كان النوع الأول قد استدانوا لمصلحة أنفسهم، فهؤلاء قد استدانوا لمصلحة المجتمع وهم أولى بالمعونة، وإذا كان الأولون لا يعطون إلا مع الحاجة، فهؤلاء يعطون ولو مع الغنى (وهذا إن لم يكونوا قد دفعوا من مالهم فعلاً، لأنهم حينئذ لا يكونون مستدينين كما قال العلماء).

وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها). ثم قال: (يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك -أي يكف عن السؤال- ورجل أصابته جائحة (كارثة) اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش- أو قال سدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتًا) رواه أحمد ومسلم 

والحمالة -بفتح الحاء- ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته ليدفعه في إصلاح ذات البين، والسداد -بكسر السين- ما تسد به الحاجة والخلل، والقوام ما تقوم به حاجة ويستغني به.

وقوله فيمن تحمل حمالة: “فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك” دليل على أنه غنى؛ لأن الفقير ليس عليه أن يمسك حتى يصيب قوامًا من عيش

وإنها لروعة من الإسلام أن يمد بالمال كل غارم لإصلاح ذات البين وإقرار السلام والوئام، وروعة منه أن يمد بالمال والمعونة أصحاب الكوارث والجوائح ويأخذ بيدهم لينهضوا، قبل أن تعرف الدنيا بقرون نظام التأمين على الأشياء والممتلكات ضد الحوادث والأخطار.. وروعة منه أن يفتح ذراعيه بالمعونة للفقير الذي يشهد ثلاثة من ذوى الحجا من قومه أنه قد أصابته فاقة، لا لكل من يظهر الفاقة، ويدعى المسكنة.

القرض الحسن من الزكاة:

هل يجوز ذلك قياسًا للمستقرضين على الغارمين؟ أم نقف عند حرفية النص ولا نجيز ذلك، بناء على أن الغارمين هم الذين استدانوا بالفعل؟

اختلف أهل العلم في اشتراط تمليك الزكاة للأصناف الثمانية، فمن العلماء من قال إن التمليك شرط في الأصناف الثمانية، وجمهور العلماء على أن التمليك شرط في الأصناف الأربعة الأولى وهم الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم.

وذهب بعض العلماء المعاصرين إلى جواز إقراض مال الزكاة يقول الشيخ القرضاوي رحمه الله: أعتقد أن القياس الصحيح والمقاصد العامة للإسلام في باب الزكاة تجيز لنا القول بإقراض المحتاجين من سهم الغارمين على أن ينظم ذلك وينشأ له صندوق خاص، وبذلك تساهم الزكاة مساهمة عملية في محاربة الربا والقضاء على الفوائد الربوية.

وهذا ما ذهب إليه الأستاذ: أبو زهرة في بحثه عن الزكاة معللا ذلك بأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدي من مال الزكاة فأولى أن تعطى منه القروض الحسنة الخالية من الربا لترد إلى بيت المال فجعلوه من قياس الأولى.[6]

إسقاط الديْن عن المعسر هل يحسب زكاة؟

للفقهاء قولان:

الأول: لا يجزئه وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد والأصح من مذهب الشافعي لأن الزكاة في نظر أولئك تمليك للفقير فلا تسقط إلا باستحضار النية عند تقبيضها للمعسر.

الثاني: يجزئه وهو مذهب الحسن البصري وعطاء والوجه الآخر من مذهب الشافعي، لأن المذكي لو دفع الزكـــاة إلى المعسر ثم أخــذها منه سداداً للدين الذي عليه جاز، فكذا إذا نوى الدين زكاة في حالة إعساره جاز، وإن لم يكن بينهما تقبيض، ما دام أنه نوى الزكاة في حال التنازل عن حق المال.

(7) في سبيل الله

السبيل هو الطريق وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته اعتقاداً وعملاً والمعنى الغالب للكلمة (الجهاد) حتى سار لكثرة استعمالها فيه كأنه مقصور عليها، ولذلك اختلف العلماء في مصرفه هل هو الجهاد فقط أم يدخل في أعمال البر والخير، وهو ما يشمل المصالح الشرعية العامة.

وتلخيصاً لكلام العلماء فإنهم اتفقوا على أن المراد بسهم “في سبيل الله”: –

  • الجهاد وما يتصل به من شراء السلاح وأغذية الجند وأدوات نقلهم داخل قطعاً في سبيل الله.
  • مشروعية الصرف من الزكاة لأشخاص المجاهدين واتفق الشافعية والحنابلة على اشتراط أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتب لهــــم الأجـر من الدولة.
  • عدم جواز صرف الزكاة في جهات الخير والإصلاح العامة من بناء السدود والقناطر، وإنشاء المساجد والمدارس، وإصلاح الطرق وتكفين الموتى، ونحو ذلك، وإنما عبء هذه الأمور على موارد بيت المال الأخرى من الفيء والخراج وغيرها.

وإنما لم يجز الصرف في هذه الأمور لعدم التمليك فيها، كما يقول الحنفية، أو لخروجها عن المصارف الثمانية، كما يقول غيرهم.

التوسع في معنى سهم “في سبيل الله”:

يقول الشيخ القرضاوي: الذي يترجح لدي أن مفهوم في سبيل الله له معنى واسع فالنصرة لدين الله وطريقته وشريعته تتحقق بالغزو والقتال في بعض الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين الله، ولكن قد يأتي عصر – كعصرنا – يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم وأبعد خطرًا وأعمق أثرًا، من الغزو المادي العسكري، فإذا كان جمهور الفقهاء قديمًا، قد حصروا هذا السهم في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه؛ فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من نوع آخر، أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام، والدعوة إلى الإسلام، أولئك هم المرابطون بجهودهم وألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن عقائد الإسلام وشرائع الإسلام.

ودليلنا على هذا التوسع:

أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: (كلمة حق عند سلطان جائر) رواه أحمد

كما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أحمد

ثانيا / أن عبء تجهيز الجيوش النظامية وتسليحها والإنفاق عليها، قد كان – منذ فجر الإسلام – محمولاً على الخزانة العامة للدولة الإسلامية، لا على أموال الزكاة، فكان يُنفق على الجيوش والسلاح والمقاتلة من أموال الفيء والخراج ونحوها؛ وإنما يصرف من الزكاة على بعض الأمور التكميلية، كالنفقة على المجاهدين المتطوعين ونحو ذلك.

وكذلك نرى ميزانية الجيوش والدفاع في عصرنا، فعبؤها يقع على كاهل الميزانية العامة؛ لأنها تتطلب نفقات هائلة تنو بها حصيلة الزكاة. ولو أن الزكاة حُمِّلت مثل هذه النفقات لكانت جديرة أن تبتلع حصيلتها كلها ولا تكفي.

وأود أن أنبه هنا على أن بعض الأعمال والمشروعات قد تكون في بلد ما، وزمن ما وحالة ما – جهادًا في سبيل الله، ولا تكون كذلك في بلد آخر أو وقت آخر أو حال أخرى.

فإنشاء مدرسة في الظروف العادية عمل صالح وجهد مشكور يحبذه الإسلام ولكنه لا يعد جهادًا.

فإذا كان بلد قد أصبح فيه التعليم وأصبحت المؤسسات التعليمية في يد المبشرين أو الشيوعيين أو اللاتينيين العلمانيين، فإن من أعظم الجهاد إنشاء مدرسة إسلامية خالصة، تعلِّم أبناء المسلمين، وتحصنهم من معاول التخريب الفكري والخُلُقي، وتحميهم من السموم المنفوسة في المناهج والكتب، وفي عقول المعلمين، وفي الروح العامة التي توجه المدارس والتعليم كله.

ومثل ذلك يقال في إنشاء مكتبة إسلامية للمطالعة في مواجهة المكتبات الهدَّامة.

كذلك إنشاء مراكز للدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتبليغ رسالته إلى غير المسلمين في كافة القارات، في هذا العالم الذي تتصارع فيه الأديان والمذاهب، جهاد في سبيل الله.

وإن إنشاء مراكز إسلامية واعية في داخل بلاد الإسلام نفسها، تحتضن الشباب المسلم، وتقوم على توجيهه الوجهة الإسلامية السليمة، وحمايته من الإلحاد في العقيدة، والانحراف في الفكر، والانحلال في السلوك، وتُعده لنصرة الإسلام، ومقاومة أعدائه، جهاد في سبيل الله.

وإن إنشاء صحيفة أو مجلة إسلامية خالصة، ورقية أو الكترونية تقف في وجه الصحف الهدَّامة والمضللة، لتعلي كلمة الله، وتصدع بقولة الحق، وترد عن الإسلام أكاذيب المفترين، وشبهات المضللين، وتعلم هذا الدين لأهله خاليًا من الزوائد، والشوائب، جهاد في سبيل الله.

وإن نشر كتاب إسلامي أصيل، يحسن عرض الإسلام، أو جانب منه، ويكشف عن مكنون جواهره، ويبرز جمال تعاليمه، ونصاعة حقائقه، كما يفضح أباطيل خصومه، وتعميم مثل هذا الكتاب على نطاق واسع، جهاد في سبيل الله.

وإن تفريغ رجال أقوياء أمناء مخلصين، للعمل في المجالات السابقة بهمة وغيرة وتخطيط، لخدمة هذا الدين، ومد نوره في الآفاق، ورد كيد أعدائه المتربصين به، وإيقاظ أبنائه النائمين عنه، ومقاومة موجات التبشير والإلحاد والإباحية، جهاد في سبيل الله.

وإن معاونة الدعاة إلى الإسلام الحق، الذين تتآمر عليهم القوى المعادية للإسلام في الخارج، مستعينة بالطغاة والمرتدين من الداخل، فتكيل لهم الضربات، وتسلط عليهم ألوان العذاب، تقتيلاً وتعذيبًا وتشريدًا وتجويعًا – إن معاونة هؤلاء على المقاومة والثبات في وجه الكفر والطغيان، جهاد في سبيل الله، وإن الصرف على هذه المجالات المتعددة لهو أولى ما ينبغي أن يدفع فيه المسلم زكاته، وفوق زكاته، فليس للإسلام – بعد الله – إلا أبناء الإسلام، وخاصة في عصرة غُربة الإسلام!

(8) ابن السبيل

السبيل: الطريق، وقيل للضارب فيه “ابن السبيل” للزومه إياه.

كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد، قلت نفقته أو فقدت فهو منقطع عن أهله وبلده، فيعطى من الصدقة.

شروط إعطاء ابن السبيل من مال الزكاة

  • أن يكون محتاجًا في ذلك الموضع الذي هو به إلى ما يوصله إلى وطنه، فإن كان عنده ما يوصله، فلا يُعطى.
  • أن يكون سفره في غير معصية، أما من كان سفره في معصية كمن خرج لقتل نفس، أو لتجارة محرمة، أو نحو ذلك، فإنه لا يعطى من الزكاة شيئًا؛ لأن القصد من إعطائه إعانته، ولا يُعان بمال المسلمين على معصية الله، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، فيعطى لبقية سفره.

كم يعطى ابن السبيل؟

يعطى ما يكفيه إلى أن يصل إلى بلده من نفقة وكسوة وأجرة سفر.

هل يوجد ابن السبيل في عصرنا؟

ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن صنف “ابن السبيل” لم يعد له وجود في عصرنا، نظرًا لوجود الوسائل الكثيرة الميسرة لحصول الإنسان على ماله بالقدر الذي يريد من أي مكان في الدنيا، عن طريق الحوالة على البنوك ونحوها من المعاملات الحديثة كالفيزا كارد وغيرها.

ولكن قد نجد من الناس من يُعَدُّ غنيًا، وليس له رصيد في البنوك، فكيف يحصل مثله على ماله إذا كان بعيدًا عنه؟!

ومثله من ينقطع – لظروف وأسباب مختلفة – في قرية نائية، أو صحراء شاسعة، ولا يستطيع الوصول إلى المدينة، حتى يأخذ من البنك ما يريد، فماذا يكون موقفه؟

إن مثل هذا هو ابن سبيل؛ لأنه غني انقطع عن ماله، فاستحق العون وهي صورة وإن كانت نادرة فهي تقع.

المشردون واللاجئون:

ومن الناس من يجبر على مغادرة وطنه، ومفارقة ماله وأملاكه من قِبَل الغزاة المحتلين، أو الطغاة المستبدين، فهم أغنياء ملكًا فقراء يدًا، وكل من كان هذا شأنه فهو ابن سبيل.

المحرومون من المأوى:

كالمتسولين الذين يتكففون الناس، ويسألونهم، لا نزال نرى أناسًا حُرِموا نعمة المأوى والمسكن، واتخذوا من جوانب الشوارع، وأرصفة الطرقات مأوى لهم، فهؤلاء “أبناء سبيل”، فيُعطَون ما يُخرجهم عن بنوة الطريق بأن يُهيأ لهم المسكن اللائق بحالهم، ويعطون بالوصف الثاني ما يضمن لهم تمام كفايتهم ويكفل لهم معيشة حسنة، يتحقق لهم فيها إشباع حاجاتهم البشرية من غير إسراف ولا تقتير.

اللقطاء:

وذكر الشيخ رشيد رضا في تفسيره: أن اللقيط يوشك أن يدخل في معنى ابن السبيل، قال: “وإنما غفل جميع المفسرين عن ذكره، لندرة اللقطاء في زمن المتقدمين منهم، ولا حظ للمتأخرين منهم من التأليف إلا النقل عنهم”

على أن اللقيط إن لم يدخل في معنى “ابن السبيل” فهو داخل في عموم “الفقراء والمساكين” قطعًا، فإن الفقير هو المحتاج، صغيرًا كان أو كبيرًا. فحقه في الزكاة ثابت بيقين.


[1] (المغنى: 2/654). 

[2] (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص 59).

[3] مصنف ابن أبى شيبة: 3/207

[4] النِّير (الجمع: أَنْيَار) آلة محراثية عبارة عن خشبة معترضة توضع في عنقي ثورين لجمعهما معاً لجر المحراث أو غيره، وضرب به المثل في تحرر الشعوب من الاستعمار، لتقييده لها وعدم تركه مجالا لحرية الشعوب بالتصرف أو المشاركة، فقيل: تحرر الشعوب من نير الاستعمار، أما عبارة نِير الدَّيْن الثقيل فمعناها: عبءُ الديون المُرهِقة التي تُقيِّد الإنسان وتضغط عليه نفسيًا ومعيشيًا، حتى يصبح كأنه يحمل نِيرًا على عنقه، أي حملًا ثقيلًا لا يفارقه.

[5] نقل ذلك مؤلف كتاب روح الدين الإسلامي ص 328.

[6]  فقه الزكاة 2/634.

 

Visited 160 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14483 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع