جزيرة إبستين وأزمة الحضارة المادية

لعلنا جميعاً تابعنا الأخبار المتواترة خلال الأيام الماضية عن جزيرة الشيطان والتي عرفت بـ (جزيرة أبستين) هذه الجزيرة التي أذنت وزارة العدل الأمريكية بنشر بعض الأوراق والوثائق المتعلقة بها.
لم أتابع الكثير مما نشر من أخبار وتحليلات ، لكن ما تابعته يبين أننا أمام جريمة بكل المقاييس لا تتفق مع شرع ولا دين، ولا قانون، بل تتجاوز حدود الإنسانية إلى درجة الوحشية والوقوع فيما وقعوا فيه.
ولست هنا للحديث عن الفضائح السياسية، ولا عن الشخصيات الوارد أسماؤها، ولا عن هذه التفاصيل كلها.
لكن أريد أن أقول إننا كمسلمين نرى أن العالم أجمع الآن بحاجة إلى دين الله عز وجل دين الإسلام .
سبيل النجاة في هذا العصر الذي طغت فيه المادية على كل شيء، وأصبح الخوف، والقلق، والترقب، والإغراق في الشهوات، والترف سمة لهذا العصر في هذا العالم هو منهج الله لإصلاح الإنسان وتحقيق سعادة الدنيا والآخرة.
فبينما كانت تتواتر الأخبار من غزة عن حصار إخواننا هناك وتجربة جميع أنواع الأسلحة بالأبرياء هناك بالقنابل والصواريخ والأسلحة المحرمة والأسلحة الحلال- كما يزعمون – والتجويع الممنهج والحصار كان على الجانب الآخر هذه الوثائق التي تحمل فضائح ومخازي لقوم أشبعوا في الترف وفي السرف وفي الطغيان ومجاوزة الحد في معصية الله.
الإسلام وتحرير الإنسان من عبودية الشهوات
لماذا أقول إن العالم الآن بحاجة إلى الإسلام؟
لأن الإسلام كدين جاء ليحرر العباد من كل عبادة دون الله عز وجل كل ما يعبد من دون الله تتحرر منه فتكون عبداً لله وحده.
وهذا شعار رفعه أحد السلف فقال:
كن عبداً لله تكن حراً
الإسلام جاء ليعالج كل أنواع العبودية لغير الله فعالج مشكلة العبودية عبودية الإنسان للإنسان الرقيق والعبيد والإماء ، وعالج مشكلة العبودية للشهوات فلا يكون الإنسان عبداً لكأس خمر، ولا عبداً لامرأة حسناء يبحث عن شهواته، وغرائزه، ولا يكون عبداً لقمار وميسر محرم.
وأنا لا أبالغ حينما أقول عبدا، لأن هذه الأشياء تستعبد من يقع فيها دون وعي أو دين، فالذي تستغرقه الخمر تحوله إلى عبد لها يبحث عنها فإذا افتقدها فإنه لا تطيب له الحياة، واسألوا من وقع في الميسر والمقامرة كيف أنه يتعذب بمعنى كلمة عذاب حينما يقال له اترك هذا الطريق!! رغم أنه سلب منه كل شيء مما يملكه وخرب عليه حياته وخرب عليه مستقبله.
الذين سلكوا طريق الشهوات رغم أن ممارسة الجنس في الغرب ليس عليه قيود طالما في تراضي من الطرفين لكن هؤلاء تجاوزوا إلى حد ممارسة الجنس بالإغراءات المادية والمصالح افعل كذا لكي يحدث كذا. وكان في هاشتاج من عدة سنوات اسمه “ME TOO” يعني وأنا أيضاً انطلق الهاشتاج على أساس كل امرأة في أمريكا أو في أوروبا تحكي عما عانته وخاصة من الشهيرات من الفنانات ، وحكت كثيرات أنهن حتى يصلن إلى هذا المنصب أو هذه الشهرة أو هذه الدرجة كان المقابل هو ذلك الموضوع ، و تجاوز الأمر إلى أن صار الاستمتاع بالقاصرات يعني ما دون السن فالممنوع مرغوب.
يعني عندك البنات البالغات السن القانوني في الغرب 18 مثلا سنة ما في مشكلة قانونية!! لا هو عايز الصغيرات سن 13 و15 سنة بل سمعت عن أعمار أقل من ذلك بكثير.
ما الموضوع؟
هكذا الشهوة حينما تتحكم في صاحبها فهي التي تقوده ، وهي التي تحركه، وهي التي تأزه أزاً لأن يفعل ما يفعل وأن يقع فيما يقع.
التحذير النبوي من عبودية المادة
اسمعوا ماذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم قال: “تَعِسَ عبدُ الدينارِ تَعِسَ عبدُ الدرهمِ تَعِسَ عبدُ الخميصةِ تَعِسَ وانتكسَ وإذا شِيكَ فلا انْتَقَشَ”[أخرجه البخاري ]. التعاسة هنا بمعنى فقدان السعادة هذا إنسان تعيس حزين كئيب قلق متوتر عيشته ضنك.
الذي اتخذ الدولار إلهاً من دون الله يعبده وحده لا شريك له ،عليه يوالي وبه وفي سبيله يعادي، الذي اتخذ المظهرية، وحب الدنيا ومظاهر الترف اتخذها أسلوب حياة حتى صار لا يفكر إلا بهذا الشكل، وصار عبداً للخميصة: والخميصة الملابس الحسنة الجميلة فصار عبد للخميصة يعني عبدا للمظاهر عبدا للموضة عبدا للممتلكات عبدا للقصور … وكل مظاهر الترف… صار عبداً بمعنى الكلمة.
الرسول صلى الله عليه وسلم يبين وهو الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا النوع من الناس قد أصابته التعاسة والانتكاس (تعس وانتكس) وبين أنه هذا الصنف لا يرجى منه الخير ولا يرجى له الخير، قال: وإذا شيك يعني بشوكة فلا انتقش، فلا خرجت منه هذه الشوكة، وهو أقل ألم يتوقعه إنسان.
توجيه الإسلام للغرائز
فالبشرية كلها في حاجة إلى الدين الدين الحق الذي يعبّد الإنسان لله رب العالمين، ويعلم أن هذه الغرائز التي جعلها الله فينا هي لخدمة الإنسان في حياته ومعاشه.
يقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة آل عمران: 14] فأنت ترى أن غريزة الطعام والشراب محركة لك لأن تعمل وتعرق وتكتسب حلالاً طيباً ثم تشتري ما طاب لك من الطعام وتأكله لقمة حلالاً طيبة سائغة تسمي الله وتأكل، فإذا شبعت حمدت الله تعالى.
وعندنا زينة النساء، وزينة النساء من الغرائز التي جعلها الله تعالى فينا ليتكاثر النسل البشري، ولتدوم الحياة ناس تموت وناس تولد وهكذا حرك الله فينا هذه الغريزة للتكاثر والتناسل، فإذا كانت هذه الغريزة في حلال فإننانقتدي بنبينا حينما تزوج وبين أنه من سنن المرسلين، وبين أن لك أجراً في إتيانك زوجتك ورغبتك في الحلال الطيب، فقال صلى الله عليه وسلم: “وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ” [أخرجه مسلم ].
والمسلم يرى أنه إذا خرج من صلبه ذرية طيبة توحد الله فإن هذا مما تقر عينه وتطيب به نفسه.
العبادات مدرسة للأخلاق والانضباط
أيضاً عندنا العبادات في الإسلام فيها نظرة إلى الانضباط الأخلاقي:
- الصلاة تعلمنا ضبط الوقت والنظام.
- صلاة الجماعة تعلمنا كيف يكون العمل في جماعة ؛عندنا قائد هو الإمام، وعندنا حركات مأمورين بها القيام الركوع السجود ننضبط وراء الإمام إذا كبر نكبر إذا ركع نركع هذه تربية على الانضباط.
- الصلاة تربية على النظام التزامك بوقت للصلاة وقت بداية ووقت نهاية هذا تعليم لأن الحياة لا تكون فوضى.
- الصيام تربية على التقوى لأن القانون عموماً لا يربي في الناس أي نازع من نوازع الردع أو الامتناع الكامل بدليل أن هذه الجزيرة جزيرة الشيطان كانت بمنأى بعيداً عن القانون، وهذا الرجل كان حياً يرزق، وقبض عليه أكثر من مرة من قبل، وفي المرة التالية ادعوا أنه انتحر.
- الإنسان لا يقاد من ظاهره وإنما يقاد من باطنه القناعات تأتي من الباطن هذا الباطن من الذي يربيه ومن الذي يعتني به إنه الدين رقيب عليك يربي فيك مراقبة الله عز وجل تخاف الحرام تخاف الظلم تخاف الاعتداء تخاف أن تلقى الله ظالماً وهكذا هذا هو الدين.
- فالصيام يربي فيك الإرادة على أن تترك الحرام لا بسبب رقيب بشري أو كاميرات مراقبة تتركه لله ؛ عندك فرصة للتدريب 30 يوماً من الفجر إلى المغرب تمسك بميعاد وتفطر بميعاد مهما كانت الإغراءات لا تأكل ولا تشرب ، وليس هناك كاميرات مراقبة تمنعك مثلاً ولا موكل بك رجل شرطة يتابع أعمالك وأحوالك هل أكلت أو شربت أبداً من هو الرقيب؟ أنت تراقب الله عز وجل، وهذه التربية على التقوى أن يربى في المجتمع الخوف من الله عز وجل ألا يكون الرقيب هو كاميرات مراقبة ولا رجال شرطة إنما الرقيب هو مراقبة الله أن تعبد الله كأنك تراه تتربى على آيات القران: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران: 15]. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة هود: 123]. وهكذا .
- الزكاة تربينا على التراحم فالمجتمع فيه أغنياء وفيه فقراء فيرى الغني أن للفقير حظاً ونصيباً واجباً في ماله هذا المال الذي يخرجه زكاة ليست غرامة وليست عقوبة بل هي عبادة يؤجر من الله عليها وتطيب نفسك أن يكون عليك 100 دولار زكاة وتجعلها 200 أن يكون عليك 1000 زكاة وتجعلها 2000 لماذا لأنك ترى أن الله وعدك بالمزيد؛ قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سورة سبأ: 39]. فهو يخلف في الدنيا ويضاعف الأجر في الآخرة.
فانظروا يا إخواني كيف أن البشرية بحاجة شديدة إلى دين الله عز وجل وإلى التربية على هذه المعاني وهذه القيم فالإنسان يوازن بين هذه الأمور.
أضف إلى هذا أن المسلم يعلم أن الدنيا ليست دار التمام ليست دار الأبد والخلود بل وجودنا فيها ممر (ترانزيت) مؤقت، ثم السعادة الأبدية في الآخرة فكل سعادة في الدنيا ناقصة، ليس فيها سعادة تامة، أما السعادة الأبدية ففي الآخرة عند الله عز وجل.
ولذلك بعد آية زين للناس حب الشهوات في سورة آل عمران قال بعدها: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [سورة آل عمران: 15]. إذاً هناك ما هو أعظم وهناك ما هو أفضل وهذا الذي كان يقوله النبي إذا أراد أن يصبر نفسه في هذه الدنيا يقول: “اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة” [متفق عليه].
وكان أكثر دعاء صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة البقرة: 201].
سلطان الإيمان أقوى من سلطان القانون
فالبشرية في حاجة لهذا الدين لأنه يربط الدنيا بالآخرة ويربي الإنسان من باطنه على الأخلاق والقيم والخوف من الله ومراعاة حقوق غيره قبل أن يطالب بحق نفسه.
الناس في حاجة لهذا الدين العظيم لأنه يجعل المؤمنين به عبيداً لله وحده لا عبيداً لكأس خمر ولا لشهوة ولا لشيء محرم يسبب الطغيان والظلم والاعتداء. الدين لا تستطيع حكومة من الحكومات أن تفعل ما يفعله الدين ، صرفت أمريكا في القرن الماضي آلاف الدولارات بل ملايين لتمنع الخمر وصدر قانون بمنع الخمر فعلاً لكنهم بعد عدة سنوات من مكافحة جريمة الخمر عادوا فأباحوها لأن الأمر كان خوفاً من القانون فقط ومن الغرامة وطالما أن الأمر كذلك فلا بأس. لكن لما تربى المجتمع المسلم زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان الحق أول ما نزلت فاجتنبوه الجميع توقف يقول أنس فكان أبو طلحة أبو طلحة زوج أمه فكان أبو طلحة قد صب الكأس ورفعه إلى فمه ليشرب فجاء آت قال أشهد أني سمعت فيما أنزل على رسول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة: 90]. فوضع الكأس وقال انتهينا يا رب.
هذا هو سلطان الإيمان سلطان الإيمان في القلوب ليس سلطان قانون ولا خوف من ملك ولا رئيس ولا شيء من هذا القبيل إنما خوف ذاتي ينبع من داخلك خوف من الله عز وجل أنى للقوانين أن تفعل ذلك أنى للقوانين أن تصل بالإنسان العادي بذلك.
أنتم الآن جئتم إلى صلاة الجمعة ما هو الدافع الذي أتى بكم هل هنا منفعة دنيوية؟ هل هنا عطاء ؟
جئنا جميعا لله ما الذي جعلكم سكوتاً تسمعون لشخص ليس أطولكم ولا أعرضكم ولا أغناكم ولا كذا، السكوت هنا ليس سكوت رهبة ولا خوف ولا وجل ولا منفعة ما الذي أسكتكم؟
حديث واحد للرسول حديث واحد فقط قاله رسول الله ونما في سمعنا منذ أن كنا في الصغر إلى يومنا هذا. قال صلى الله عليه وسلم: “إذا قلتَ لصاحبِكَ والإمامُ يخطبُ يومَ الجمعةِ أنصتْ فقد لغوتَ” [أخرجه البخاري ومسلم ] هذا المسجد فيه قرابة 1000 مصلي قد يكون مسجد آخر فيه عدة آلاف سكت المسلمون بحديث واحد هذا هو الإيمان هذا هو الدين حينما يتمكن من القلوب، هذا هو سلطان الدين الذي يشكل وعي الإنسان، ويجعل الدافع في حركته في تصوره في أفعاله مرتبطاً بالخوف من الله وليس الخوف من رجل الشرطة، ولا القانونن ولا تطبيق القانون، ولا كاميرات مراقبة إنما يخاف الله وحده.
فما أحوج البشرية لهذا الدين العظيم ، والأيام ستأتي بما يؤكد ذلك أن البشرية ستعلم يقيناً أن هذا الدين هو طوق النجاة للبشرية التي أطغتها المادية وجعلت القلق الخوف والصراعات هي المسيطرة والمهيمنة على عقليات كثير من الناس.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعزنا بالإسلام وأن يعز الإسلام بنا
وأن يحفظنا بالإسلام قائمين
وأن يحفظنا بالإسلام قاعدين
وأن يحفظنا بالإسلام في كل وقت وحين
وأن يهدي هذه البشرية الضائعة التائهة إلى هذا الدين الحق
وأن يرفع عنا وعن سائر المسلمين الظلم والطغيان وأن يقينا شره
اللهم آمين يا رب العالمين.