(21) من روائع الحكم
(الجزءالثاني)

12- يقول ابن القيم: دَافع الخطرة فَإِن لم تفعل صَارَت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صَارَت شَهْوَة فحاربها فَإِن لم تفعل صَارَت عَزِيمَة وهِمَّة فَإِن لم تدافعها صَارَت فعلا فَإِن لم تتداركه بضدّه صَار عَادَة فيصعب عَلَيْك الِانْتِقَال عَنْهَا.
هذه الحكمة فيها بيان كيف تتكوّن المعصية أو العادة السيئة في القلب والنفس؛ وكيف يبدأ الأمر صغيرًا خفيًا في القلب، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يصير عادة راسخة يصعب تركها.
الخطرة: أول ما يمر على القلب من خاطر عابر: صورة، أو رغبة، أو وسوسة، أو فكرة معصية، أو تخيل أمر محرم، أو نية سيئة، أو بداية حسد، أو كبر، أو انتقام، أو شهوة، وهذه الخواطر في أولها تكون أضعف ما تكون، ولذلك قال: (دافع الخطرة)، أي لا تستقبلها ولا تطعمها بالتفكير، بل اقطعها من بدايتها بالاستعاذة، والذكر، وترك السبب، والانشغال بما ينفع.
فإن ترك الإنسان الخاطرة تتحرك في قلبه صارت (فكرة)، أي صار القلب يرجع إليها ويعيدها ويحللها ويتخيلها، وبعد أن كانت مرورًا عابرًا أصبحت موضوعًا حاضرًا في الذهن، وهنا يكون دفعها أصعب من دفع الخاطرة، لكنها لا تزال قابلة للقطع إذا تداركها العبد.
فإن لم يدافع الفكرة صارت (شهوة) أي انتقلت من مجرد صورة عقلية إلى ميل نفسي ورغبة داخلية، فيبدأ القلب يحبها ويميل إليها ويجد فيها لذة، حتى لو لم يفعلها بعد، وهنا يظهر خطر التساهل مع التفكير؛ لأن كثرة التفكير في الشيء تزينه للنفس، وتحوّل البعيد قريبًا، والمكروه محبوبًا، والمحرّم محتملًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[ سورة النور: 21]
فتعبير القرآن بـ (خطوات الشيطان) يدل على أن الشيطان لا ينقل الإنسان غالبًا من الطاعة إلى المعصية الكبرى دفعة واحدة، بل يجرّه خطوة بعد خطوة: خاطرة، ثم فكرة، ثم شهوة، ثم عزم، ثم فعل، ثم عادة.
ثم قال ابن القيم: فحاربها، ولم يقل فقط فادفعها؛ لأن الشهوة إذا تمكنت صارت تحتاج إلى مجاهدة أقوى، وفي هذه المرحلة يحتاج العبد إلى خوف من الله، وصبر، وقطع للأسباب، وصحبة صالحة، وبعد عن المثيرات، وتذكّر للعاقبة، واستحضار أن لذة الحرام تفنى ويبقى أثرها. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ سورة النازعات: 40-41.
فتأمل قوله تعالى: (ونهى النفس عن الهوى)، لأن النفس قد تهوى، لكن المؤمن لا يترك الهوى يقوده، بل ينهاه ويحبسه ويجاهده.
فإن لم يحارب الشهوة صارت (عزيمة وهمّة)، أي لم تعد مجرد رغبة داخلية، بل تحولت إلى قرار واستعداد للفعل؛ فيبدأ الإنسان يخطط: متى؟ وكيف؟ ومن أين؟ وبأي وسيلة؟ وهنا يكون الخطر شديدًا؛ لأن القلب انتقل من الميل إلى التصميم. ولذلك من رحمة الله أن العبد إذا همّ بسيئة ولم يعملها خوفًا من الله كُتبت له حسنة، كما في الحديث القدسي، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ له سَيِّئَةً واحِدَةً» أخرجه البخاري ومسلم .
ثم قال: (فإن لم تدافعها صارت فعلًا)، أي إن العزيمة إذا تُركت بلا مقاومة خرجت من القلب إلى الجوارح: نظر، أو كلام، أو كتابة، أو لقاء، أو ظلم، أو أكل حرام، أو عادة محرمة، أو غير ذلك. وهنا يكون الإنسان قد دخل في الذنب بالفعل، لكن الباب لم يغلق بعد، ولذلك قال:
(فإن لم تتداركه بضده صار عادة) أي أن تعالج الفعل السيئ فورًا بتوبة وعمل صالح يخالفه: إن أطلقت بصرك فاستغفر وغض بصرك واقطع السبب، وإن اغتبت فاستغفر واذكر أخاك بخير أو تحلل منه إن أمكن بلا مفسدة، وإن ظلمت فرد الحق، وإن تركت صلاة فاقضها وتب، وإن وقعت في شهوة فاقطع طريقها، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) أخرجه الترمذي
وقوله (صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها) يبين خطورة التكرار؛ لأن الذنب إذا تكرر كثيرًا لم يعد مجرد سقطة عابرة، بل يصير طريقًا مألوفًا في النفس، ويصبح له وقت وأسباب وذكريات ولذة متوقعة، وربما صار الإنسان يفعله بلا مقاومة كبيرة؛ لأن القلب والجوارح تعوداه، وهذا هو معنى أن العادة تقوى بالتكرار، كما أن الطاعة تقوى بالتكرار أيضًا، على سبيل المثال:
- فمن تعود غض البصر سهل عليه، ومن تعود إطلاقه صعب عليه كفه.
- ومن تعود الصلاة في وقتها وجد تركها ثقيلًا، ومن تعود التأخير وجد المحافظة ثقيلة.
- ومن تعود ذكر الله رق قلبه، ومن تعود الغفلة صارت الطاعة عليه غريبة. ولذلك كان العلاج المبكر أيسر بكثير من العلاج بعد الرسوخ.
ومقصود كلام ابن القيم ألا تنتظر حتى تقع في الفعل ثم تقول سأقاوم؛ قاوم من أول الباب، لأن مقاومة الخاطرة أسهل من مقاومة الفكرة، ومقاومة الفكرة أسهل من مقاومة الشهوة، ومقاومة الشهوة أسهل من مقاومة العزم، ومقاومة العزم أسهل من مقاومة الفعل، ومقاومة الفعل قبل أن يصير عادة أسهل من مقاومة العادة بعد رسوخها، فالذي يريد النجاة لا يفتح مع الشيطان حوارًا طويلًا، ولا يقول: أفكر فقط ولن أفعل، ولا يقول: أنظر فقط ولن أتعلق، ولا يقول: أجرب مرة ولن أعتاد؛ لأن كثيرًا من العادات المهلكة بدأت بخاطرة استُضيفت في القلب حتى صارت سيدًا يأمر وينهى، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سورة الإسراء: 32. لم يقل الله تعالى لا تزنوا فقط، بل قال: (ولا تقربوا الزنى)، أي لا تقربوا أسبابه وطرقه ومقدماته؛ لأن من اقترب من الطريق أوشك أن يدخل فيه. وهذا أصل عام في كل معصية: ابتعد عن المقدمات، تسلم من النهايات.
13- يقول ابن القيم: التَّقْوَى ثَلَاث مَرَاتِب إِحْدَاهَا حمية الْقلب والجوارح عَن الآثام، والمحرّمات الثَّانِيَة حميتها عَن المكروهات، الثَّالِثَة الحمية عَن الفضول وَمَا لَا يَعْنِي فَالْأولى تُعْطِي العَبْد حَيَاته وَالثَّانيِة تفيده صِحَّته وقوته وَالثَّالِثَة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.
التقوى ليست درجة واحدة، بل لها مراتب:
إِحْدَاهَا حمية الْقلب والجوارح عَن الآثام: واستعمال ابن القيم لكلمة «الحمية» مأخوذة من حمية المريض أو من يريد حفظ صحته، فيمتنع عن الطعام الذي يضره، ولو كان يشتهيه، فكذلك القلب: له أطعمة نافعة من الإيمان والذكر والطاعة، وله سموم تفسده من الذنوب والشبهات والشهوات والفضول، فمن أراد صحة قلبه احتاج إلى حمية كما يحتاج البدن إلى حمية.
والمعنى: أن يحفظ العبد قلبه من الشرك، والرياء، والكبر، والحسد، وسوء الظن المحرم، والتعلق بما يغضب الله، ويحفظ لسانه من الكذب والغيبة والنميمة والفحش، ويحفظ عينه من النظر الحرام، وأذنه من سماع الحرام، ويده من البطش والسرقة والظلم، ورجله من المشي إلى المعصية، وبطنه من الحرام.
وهذه المرتبة قال عنها ابن القيم: «تعطي العبد حياته»؛ لأن القلب إذا غرق في المحرمات مات أو مرض مرضًا شديدًا، فإذا حُمي منها عادت إليه حياة الإيمان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ سورة الأنفال: 24. فطاعة الله ورسوله حياة، والمعصية موت للقلب أو سبب لضعفه.
فأول التقوى أن يجتنب العبد ما حرّم الله، لأن من لم يترك الحرام لم تصح له دعوى التقوى الكاملة، ولو أكثر من النوافل، فالذي يصلي ويصوم لكنه يأكل الحرام، أو يظلم الناس، أو يطلق لسانه في أعراضهم، أو يصر على المعاصي، لم يحم قلبه وجوارحه الحمية الواجبة.
والمرتبة الثانية هي (حمية القلب والجوارح عن المكروهات)، وهذه أعلى من الأولى؛ لأن العبد بعد أن يترك الحرام يترقى إلى ترك ما كرهه الشرع، وإن لم يكن محرمًا، فالمكروه ليس كالمحرم من حيث الإثم، لكن اعتياده يضعف القلب، ويجرئ النفس، ويجعل بينها وبين الحرام حجابًا رقيقًا. لذلك قال ابن القيم إن هذه المرتبة «تفيده صحته وقوته»؛ لأن ترك الحرام أصل الحياة، أما ترك المكروهات فيزيد القلب صحة وقوة، كما أن الإنسان إذا ترك السموم عاش، وإذا ترك ما يضعف بدنه زادت عافيته.
ويدخل في هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الحلالَ بيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ، وبينهما مُشتَبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأَ لدينِهِ وعِرضِهِ، ومن وقعَ في الشُّبهاتِ وقعَ في الحرامِ، كالراعي يرعى حولَ الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمى اللهِ محارمُهُ» أخرجه البخاري ومسلم
والمرتبة الثالثة هي (الحمية عن الفضول وما لا يعني)، وهذه مرتبة أهل كمال التقوى وصفاء القلوب، والفضول المقصود هنا ليس المباح النافع، بل الزيادة التي لا حاجة إليها ولا مصلحة فيها: فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول المخالطة، وفضول الطعام، وفضول النوم، وفضول التتبع لأخبار الناس، وفضول التفكير فيما لا ينفع، وفضول الجدال، وفضول استعمال الهاتف ومتابعة ما لا يزيد العبد إيمانًا ولا علمًا ولا مصلحة معتبرة، هذه الأشياء قد لا تكون محرمة في أصلها، لكنها تملأ القلب، وتشتت الهمة، وتذهب نور الطاعة، وتمنع حضور القلب مع الله.
ولهذا قال ابن القيم إن هذه المرتبة «تكسبه سروره وفرحه وبهجته»؛ لأن القلب إذا تخلص من الحرام عاش، وإذا تخلص من المكروهات قوي، فإذا تخلص من الفضول صفا وانشرح وفرح بالله، فالفضول مثل الضجيج حول القلب؛ لا يقتله مباشرة، لكنه يمنعه من الذوق والأنس والسكينة، وكلما قلّ فضول الإنسان زاد جمع قلبه على الله، فوجد من الراحة والفرح ما لا يجده المكثرون من المباحات والملهيات.
وهذا المعنى مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يَعنيهِ» أخرجه الترمذي، فهذا الحديث أصل عظيم في المرتبة الثالثة؛ لأن حسن الإسلام ليس فقط في ترك الحرام، بل في ترك ما لا يعني، أي ما لا ينفع العبد في دينه ولا دنياه ولا آخرته.
والعبد في هذه المراتب يبدأ بالأهم: لا يصح أن ينشغل بترك بعض الفضول وهو مصر على الحرام، ولا أن يتوسع في النوافل وهو مضيع للفرائض. أولًا يحمي قلبه وجوارحه من الآثام والمحرمات؛ فهذه حياته، ثم يترقى إلى ترك المكروهات والشبهات؛ فهذه صحته وقوته، ثم يترقى إلى ترك الفضول وما لا يعني؛ فهذه راحته وفرحه وبهجته.
14- يقول ابن القيم:
غُمُوضُ الحَقِّ حِينَ تَذُبُّ عَنْهُ … يُقَلِّلُ نَاصِرَ الخَصْمِ المُحِقِّ
تَضِلُّ عَنِ الدَّقِيقِ فَهُوَم قَوْمٍ … فَتَقْضِي لِلْمُجِلِّ عَلَى المُدِقِّ
بِاللهِ أَبْلُغُ مَا أَسْعَى وَأُدْرِكُهُ … لَا بِي وَلَا يَشْفَعُ لِي مِنَ النَّاسِ
إِذَا أَيِسْتُ وَكَادَ اليَأْسُ يَقْطَعُنِي … جَاءَ الرَّجَا مُسْرِعًا مِنْ جَانِبِ اليَأْسِ
هذه الأبيات تجمع معنيين: الأول في صعوبة نصرة الحق إذا كان خفيًّا دقيقًا، والثاني في التعلق بالله وحده عند انقطاع الأسباب[1]
ومعنى قوله:
غموض الحق حين تذب عنه يقلل ناصر الخصم المحق
أن الحق إذا كان واضحًا ظاهرًا سهل على الناس إدراكه ونصرته، أما إذا كان دقيقًا خفيًّا يحتاج إلى فهم وصبر وبصيرة، فإن أنصاره يقلّون؛ لا لأن الحق ضعيف، ولكن لأن كثيرًا من الناس لا يصبرون على فهم الدقيق، ولا يملكون أدوات التمييز، فينصرفون عنه أو يسيئون الحكم عليه. و«تذب عنه» أي تدافع عنه وتنصره.
فكأن المعنى: عندما يكون الحق الذي تدافع عنه غامضًا عند الناس، يقل الذين ينصرونك ولو كنت محقًا.
ثم قال:
تضل عن الدقيق فهوم قوم فتقضي للمجلّ على المدقّ
المجلّ هو الواضح الكبير الظاهر، والمدقّ هو الدقيق الخفي الذي يحتاج إلى تأمل.
أي قد تعجز عقول بعض الناس عن إدراك المعنى الدقيق، فيميلون إلى الشيء الجليّ الظاهر، ويحكمون لصاحب الكلام السهل الظاهر على صاحب النظر العميق الدقيق.
والمعنى أن الناس كثيرًا يغترون بالظاهر، وبالصوت العالي، وبالعبارة السهلة، وبالدليل الذي يبدو لأول وهلة قويًا، بينما يكون الحق في جانب أدقّ وأعمق لا يدركه إلا من أنصف وتأمل.
ثم قال:
بالله أبلغ ما أسعى وأدركه لا بي ولا بشفيع لي من الناس
أي أن العبد لا يصل إلى مقصوده الحقيقي بقوته وحده، ولا بذكائه وحده، ولا بنسبه، ولا بمن يشفع له من الناس، بل بالله وحده؛ فالله هو الذي يفتح المغلق، ويهدي إلى الحق، ويعين على العمل، ويجعل للعبد قبولًا ومخرجًا، والناس أسباب، لكنها لا تنفع إلا بإذن الله. وهذا يوافق قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ سورة هود: 88، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ سورة الطلاق: 3.
ثم قال:
إذا أيست وكاد اليأس يقطعني جاء الرجاء مسرعًا من جانب اليأس
ومعناه أن العبد قد يبلغ به الضيق مبلغًا شديدًا حتى يظن أن الأبواب أغلقت، وأن الأسباب انقطعت، وأن الفرج بعيد، فإذا بالرجاء يأتيه من حيث ظنّ الهلاك، والفرج يأتيه من حيث ظنّ الانقطاع، وهذا من سنن الله في عباده: أن الفرج قد يولد من رحم الشدة، وأن الرجاء قد يخرج من جانب اليأس. قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ سورة الشرح: 5-6، ولم يقل بعد العسر فقط، بل مع العسر، إشارة إلى أن بذور اليسر قد تكون موجودة داخل نفس الشدة، لكن العبد لا يراها بعد.
المعنى العام للأبيات:
والربط بين الأبيات كلها أن نصرة الحق تحتاج إلى أمرين: بصيرة وصبر. تحتاج إلى بصيرة حتى لا تنخدع بالظاهر، ولا تحكم للمجلّ على المدقّ، وتحتاج إلى صبر وتوكل حتى لا تنهار إذا قلّ الناصر، أو خفي الحق على الناس، أو تأخر الفرج. فصاحب الحق قد يبتلى بأن يكون كلامه دقيقًا لا يفهمه الكثيرون، أو أن يكون خصمه أقدر على التأثير والظهور، أو أن تتأخر ثمرة سعيه، وحينئذ لا ينجّيه إلا الإخلاص، والتجرد، والاعتماد على الله، وانتظار الفتح منه.
15- يقول ابن القيم: من خلقه الله للجنّة لم تزل هَدَايَاهَا تَأتيه من المكاره وَمن خلقه للنار لم تزل هَدَايَاهَا تَأتيه من الشَّهَوَات.
وهذا الكلام مأخوذ من معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم (حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ) أخرجه البخاري ومسلم
ومعنى الكلام أن طريق الجنة في الغالب محفوف بما تكرهه النفس من الصبر والمجاهدة وترك الهوى واحتمال التكاليف، فكأن الجنة ترسل إلى صاحبها هداياها في صورة أمور مكروهة للنفس في البداية، لكنها في حقيقتها أسباب نجاة ورفعة وقرب من الله.
وأما طريق النار فمحفوف بالشهوات المحرمة واللذات العاجلة التي تحبها النفس، فكأن النار ترسل إلى صاحبها هداياها في صورة شهوات جميلة الظاهر، لكنها في حقيقتها أسباب هلاك وحسرة.
وقوله: (لم تزل هداياها تأتيه من المكاره (المقصود به أن الإنسان العادي يرى المكروه بلاءً فقط، أما العارف فيرى أن بعض المكاره هدايا مستترة:
- قد يُمنع من شهوة كان يحبها، فيحزن، ثم تكون النجاة في ذلك المنع.
- قد يُبتلى بمرض، فيرجع إلى الله ويتوب.
- قد يُحرم من باب دنيا، فيُفتح له باب عبادة.
- قد يُؤذى، فيتعلم الصبر والعفو.
- قد تضيق عليه الأسباب، فينكسر قلبه بالدعاء.
هذه كلها مكاره في ظاهرها، لكنها قد تكون هدايا من الجنة لأنها تربيه وتطهره وتعيده إلى الله. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: 216. فليس كل ما كرهته النفس شرًا، ولا كل ما أحبته خيرًا؛ العبرة بالعاقبة عند الله.
ومن هنا نفهم أن المكاره نوعان:
- مكاره شرعية يحبها الله من جهة أنها طاعات تحتاج إلى صبر، مثل الصوم والجهاد المشروع وغض البصر وكظم الغيظ وقيام الليل ورد الحقوق.
- ومكاره قدرية يبتلي الله بها عبده، مثل المرض والفقد وضيق الرزق وأذى الناس وتأخر المراد.
وكلا النوعين قد يكون طريقًا إلى الجنة إذا قام العبد فيه بحق الله: فالطاعة يؤديها صابرًا محتسبًا، والبلاء يتلقاه بالصبر والرضا والتوبة والدعاء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة الزمر: 10.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له) أخرجه مسلم في صحيحه
وأما قوله: (ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات) فمعناه أن الشهوات المحرمة تأتي للإنسان في صورة هدية: لذة سهلة، مال سريع، علاقة محرمة، نظرة ممتعة، انتقام يريح النفس، مدح الناس، سلطة، شهرة، راحة من التكليف، لكنها في الحقيقة هدايا من النار، لأنها تجر صاحبها إلى الغفلة والذنوب وقسوة القلب وسوء العاقبة؛ فالنار تأتي صاحبها غالبًا بصورة مغلفة بالمتعة والهوى.
وفي العبارة تنبيه عظيم على خداع البدايات؛ فطريق الجنة قد يبدأ بثقل ثم ينتهي بسرور، وطريق النار قد يبدأ بلذة ثم ينتهي بحسرة.
فالصلاة في وقتها قد تكون ثقيلة على النفس، لكنها تهب القلب نورًا.
وترك الحرام قد يكون مؤلمًا في البداية، لكنه يعقب عزة وراحة.
والصبر على البلاء قد يكون مرًا، لكنه يرفع الدرجات ويكفر السيئات.
أما المعصية فقد تبدأ بلذة، لكنها تورث ضيقًا وخوفًا وذلًا وظلمة في القلب.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة النحل: 97. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ سورة طه: 124.
16- يقول ابن القيم: لما طلب آدم الخلود فِي الْجنَّة من جَانب الشَّجَرَة عُوقِبَ بِالْخرُوجِ مِنْهَا وَلما طلب يُوسُف الْخُرُوج من السجْن من جِهَة صَاحب الرُّؤْيَا لبث فِيهِ بضع سِنِين.
ومعنى هذا الكلام أن العبد إذا طلب مطلوبًا حسنًا من طريق غير مأذون أو تعلّق بسبب على وجه يضعف كمال اعتماده على الله، فقد يُحرم مطلوبه أو يتأخر عنه تأديبًا وتربيةً لقلبه ؛ فآدم عليه السلام كان في الجنة، والخلود فيها محبوب، لكن لما جاءه الشيطان من باب الشجرة، وقال له كما حكى الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ سورة طه: 120، طلب آدم عليه السلام البقاء والخلود من جهة الأكل من الشجرة التي نُهي عنها، فكانت العاقبة أن خرج من الجنة، لا لأن الخلود في الجنة مذموم في نفسه، بل لأن الطريق الذي سلكه إليه كان طريق مخالفة للنهي الإلهي. قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة البقرة: 35، ثم قال سبحانه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ سورة البقرة: 36.
فالعبرة هنا أن المقاصد لا تكفي وحدها إذا فسدت الوسائل، وأن من طلب البقاء والنعيم من جهة المعصية عوقب بضد قصده، فطلب الخلود فحصل له الخروج، وطلب دوام النعمة فوقع له الابتلاء، ثم تاب الله عليه واجتباه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ سورة طه: 122.
هل آدم أبو البشر عندما خلق سكن جنة الخلد؟ [2]
هذا هو القول المشهور عند طائفة من العلماء أن آدم كان في جنة الخلد، وأن إبليس وسوس لآدم في الجنة، لكن القول الذي أرجحه أنها جنة في الأرض بالأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الله تعالى قال (إني جاعل في الأرض خليفة) في الأرض وليس في الجنة، فلم يخلقنا الله لنكون خلقا للجنة، بداية، -إن شاء الله- الجزاء والعقبى الجنة، نسأل الله أن نكون من أهلها، لكن في البداية ما خلق الله آدم ليسكن هو وذريته جنة الخلد ، فالإنسان لم يخلق ليعيش في الجنة، الإنسان خلق ليكون خليفة الله في الأرض، (إني جاعل في الأرض خليفة) كيف أن الإنسان من البداية قبل أن يخلقه الله تعالى يقول الله لملائكته (قال إني جاعل في الأرض خليفة) ثم يسكنه الله تعالى في جنة الخلد، ثم يخرجه الله منها عقوبة على أكله من الشجرة التي نهي عنها؟
إذن ليس للابتلاء هنا معنى وكأن العقوبة مجهزة قبل أن يقوم بالذنب، وحاشاه جل وعلا أن يفعل ذلك.
وعلى سبيل التقريب مثلا في قصة إسماعيل وإسحاق، البعض يقول إن الذبيح هو إسحاق- عليه السلام-، والجمهور على أن الذبيح هو إسماعيل، لو أننا قرأنا في سورة هود لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71]
فمعنى هذا أن سارة زوج إبراهيم ستنجب إسحاق وأن إسحاق سيعيش حتى ينجب يعقوب، فلو أن الذبيح هو إسحاق وأن الله أمر إبراهيم حينما بلغ معه السعي أن يذبح ولده إسحاق، فما معنى البشرى بأن من وراء إسحاق يعقوب؟
إذن فليس المراد هنا أن يكون هو إسحاق إنما الذبيح هو إسماعيل، فالمبشر بالخلف والذرية هو إسحاق، وهذه البشارة سابقة على ولادته، يعني لم يولد بعد، فكيف تبشر بأنها ستنجب؟ وذكر اسمه إسحاق ومن نسله يعقوب، ثم يأمر تعالى حينما يبلغ معه السعي أن يذبحه؟
بالإضافة إلى أنه في سورة الصافات بعد ذكر القصة قال يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك، قال الله تعالى: (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)، فكيف تجري القصة؟ ويقول الشاب لأبيه: (يا أبت افعل ما تؤمر)، ثم يأتي بعد ذلك البشرى بإسحاق، (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) فالبشرى بإسحق كانت عقب الابتلاء بذبح ولده إسماعيل.
فالله تعالى من بادئ الأمر قبل أن يخلق آدم قال إني جاعل في الأرض خليفة.
الدليل الثاني: أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم تكريما له، ومن ضمن المأمورين بالسجود لآدم إبليس، والسياق لم يذكر هذا صراحة لكننا نفهمه من خلال آيات القرآن، لأن الله تعالى قال لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تسجد إذ أمرتك ٖ﴾ [الأعراف: 12] إذن فهو قد صدر له الأمر من الله أيضا مع الملائكة، لكن القرآن دائما يترك مساحات للمستمع أو للقارئ حتى يستوعب ويفهم دون ذكر تفاصيل، وهذه من بلاغة القرآن الكريم، فأنت تفهم أن الملائكة أمرت بالسجود لآدم، وأن إبليس كان من المأمورين بالسجود لآدم، فأبى واستكبر أن يسجد طاعة لأمر الله، فلما أبى واستكبر طرده الله تعالى من الملأ الأعلى أي من السماء كلها، ومسألة الخلق والسجود كانت في الملأ الأعلى، ﴿قَالَ فاهبط منها فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين﴾ [الأعراف: 13]، إذن الآن إبليس غير موجود في السماء ولا في الملأ الأعلى، فلو كان آدم- عليه السلام- في جنة الخلد كيف وسوس له إبليس؟ وكيف وصل له إبليس بالوسوسة؟
هذا مستحيل، لأنه ملعون ومطرود من الملأ الأعلى فهو لا يصل إلى الملأ الأعلى، بالإضافة إلى أنه بعد مشهد الوسوسة والأكل من الشجرة، الله تعالى قال: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا﴾ [البقرة: 38] من أي مكان؟ من السماء من الملأ الأعلى، إبليس مطرود من الملأ الأعلى، إذن (اهبطوا منها) أي من جنة موجودة في الأرض، آدم وحواء وإبليس، ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فِي وٱلۡأرۡض مستقرٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ﴾ [البقرة: 36]، إذن بهذا يتضح لنا هذا المعنى أن آدم لم يكن في الأرض، إنما كان في جنة على الأرض.
الدليل الثالث: هناك تداخل في اللفظ ما بين جنة الخلد وكلمة جنة من الناحية اللغوية، العرب تطلق على البستان الممتلئ بالأشجار والثمار جنة، وهذا إطلاق وارد في القرآن الكريم نحن نقرأ في سورة الكهف:﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32] [الكهف: 32]، والله تعالى أخبر عن إنزال المطر من السماء فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 14-16] وقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17]
إذن كلمة الجنة تطلق ويراد بها المعنى اللغوي وليس جنة الخلد فالجنة في لغة العرب هي المكان الذي فيه الأشجار الكثيرة والثمار فيسمى جنة لأنه لكثرة الأشجار من يدخلها يجنّ يعني يستتر ويختفي، والفعل جنّ يعني اختفى واستتر ومنه (فلما جن عليه الليل) يعني أقبل بظلامه فستر كل شيء، ومنه الجن لأننا لا نراهم، ومنه الجنين لأنه مستور في بطن أمه، ومنه المجنون لأنه استتر عقله فلا يدرك.
فالجنة مكان في الأرض هيأه الله تعالى لآدم ليسكنه هو وزوجه، وكان فيه من الطيبات ومن الظلال لكنه لما عصى أمر الله أخرج منها حتى يكون مسئولا عن نفسه مكلفا بأن يجمع طعامه ويهيئ شرابه وحياته إلى غير ذلك.
الدليل الرابع: البعض يقول: إن رب العالمين قال: (اهبطوا منها) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل؟ نعم الهبوط يكون من أعلى لأسفل، فلعل هذه الجنة كانت على ربوة (مكان مرتفع) فأهبط منها إلى الأرض.
أو أن معنى (اهبطوا) بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان، ونبي الله موسى قال لبني إسرائيل: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) وقد سمعت من أهل المغرب من يقول: أنا سأهبط إلى المغرب، فاهبط هنا ليس معناها أنه سينزل من السماء إلى الأرض إنما سينتقل من كندا إلى المغرب.
يقول ابن القيم: وَلما طلب يُوسُف الْخُرُوج من السجْن من جِهَة صَاحب الرُّؤْيَا لبث فِيهِ بضع سِنِين.
وأما يوسف عليه السلام فكان مظلومًا في السجن، وطلب الخروج من السجن أمر مباح في أصله، بل هو حق لمن ظُلم، لكنه لما قال لصاحب الرؤيا الذي ظن أنه ناجٍ: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، أي اذكر شأني عند الملك، وقع ما حكاه الله تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ سورة يوسف: 42.
والمقصود عند ابن القيم أن يوسف عليه السلام، مع كماله وفضله ونبوته، تعلّق بسبب بشري في لحظة من اللحظات، فأُخِّر خروجه ليكتمل مقام توكله على الله، وليأتي الفرج من عند الله في الوقت الذي يريده الله، لا من الطريق الذي ظنه العبد. وليس في ذلك قدح في يوسف عليه السلام، فهو نبي كريم، وقد أثنى الله عليه، وإنما هو من باب ترك الأولى بالنسبة لمقام الأنبياء.
من الذي أنساه الشيطان ذكر ربه؟
هل هو ساقي الملك نسي شأن يوسف ولم يذكر الملك به؟ أم أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف حين طلب من الساقي أن يُذكّر الملك بشأنه وأنه مظلوم؟
للعلماء قولان:
الأول: أن الضمير عائد على يوسف عليه السلام، والذين قالوا ذلك القول، قالوا: كان الأولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك، فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين.
الثاني: أن الذي نسي ذكر ربه في هذه الآية، ليس هو يوسف عليه السلام، وإنما هو السجين الآخر، الذي طلب منه يوسف أن يذكره عند ربه، قال تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك، فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين) سورة يوسف:42
وإذا كان الأظهر في تفسير الآية أن الناسي هو حامل الرسالة من يوسف إلى ملك مصر، فليس في إرسال هذه الرسالة: أن يذكر العزيز بأمر يوسف، شيء مما يخل بمنصب الرسالة، بل ولا منصب التوكل على الله وإنزال الحوائج به.
فالشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: (اذكرني عند ربك)، قال تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه)، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه؛ بل كان ذاكرا لربه، وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه.
17- يقول ابن القيم: إِذا جرى على العَبْد مَقْدُور يكرههُ فَلهُ فِيهِ ستّة مشَاهد:
- أَحدهَا مشْهد التَّوْحِيد وَأَن الله هُوَ الَّذِي قدّره وشاءه وخلقه وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَاء لم يكن.
- الثَّانِي مشْهد الْعدْل وَأَنه مَاض فِيهِ حكمه عدل فِيهِ قَضَاؤُهُ.
- الثَّالِث مشْهد الرَّحْمَة وَأَن رَحمته فِي هَذَا الْمَقْدُور غالبه لغضبه وانتقامه وَرَحمته حشوه.
- الرَّابِع مشْهد الْحِكْمَة وَأَن حكمته سُبْحَانَهُ اقْتَضَت ذَلِك لم يقدّره سدى وَلَا قَضَاهُ عَبَثا.
- الْخَامِس مشْهد الْحَمد وَأَن لَهُ سُبْحَانَهُ الْحَمد التَّام على ذَلِك من جَمِيع وجوهه.
- السَّادِس مشْهد العبوديّة وَأَنه عبد مَحْض من كل وَجه تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام سيّده وأقضيته بِحكم كَونه ملكه وَعَبده فيصرفه تَحت أَحْكَامه القدريّة كَمَا يصرفهُ تَحت أَحْكَامه الدينيّة فَهُوَ مَحل لجَرَيَان هَذِه الْأَحْكَام عَلَيْهِ.
الإنسان إذا أصابه ما يكره قد ينظر إلى الألم فقط، فيضيق صدره، ويكثر اعتراضه، وتغيب عنه معاني الإيمان، أما العارف بربه فينظر إلى المقدور من ست جهات إيمانية ترفعه من الجزع إلى التسليم، ومن التسليم إلى الرضا، ومن الرضا إلى شهود الحكمة والرحمة والحمد:
- مشهد التوحيد: ومعناه أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن خارجًا عن ملك الله ولا عن مشيئته، بل الله هو الذي قدّره وشاءه وخلقه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع في الكون شيء عبثًا ولا غلبةً لله ولا صدفةً، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ سورة التغابن: 11، وقال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة التوبة: 51.
- مشهد العدل: ومعناه أن يوقن العبد أن حكم الله ماض فيه، وأن قضاءه عدل، فلا يظلم الله أحدًا مثقال ذرة، ولا يعاقب بغير حق، ولا يقدّر على عبده شيئًا على وجه الظلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ سورة فصلت: 46، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ سورة النساء: 40.
- مشهد الرحمة: ومعناه أن يعتقد العبد أن رحمة الله في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه، وأن الرحمة كامنة في داخله وإن غابت عن نظره في أول الأمر؛ فقد يكون البلاء سببًا لتكفير الذنوب، أو رفع الدرجات، أو رد القلب إلى الله، أو كسر الكبر، أو قطع تعلق فاسد، أو فتح باب دعاء، أو حماية من شر أعظم. قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سورة الأعراف: 156، وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ سورة الأنعام: 54.
وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتي غَلَبَتْ غَضَبِي» أخرجه البخاري ومسلم.
- مشهد الحكمة: ومعناه أن الله سبحانه لم يقدّر هذا المقدور سدى، ولم يقضه عبثًا، بل لحكمة بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ سورة المؤمنون: 115، والعبد إذا لم ير الحكمة لا ينفي وجودها، كما أن المريض لا يفهم دائمًا حكمة الطبيب في قطع شيء أو منع شيء، ومع ذلك يسلّم إذا وثق بعلمه، فكيف برب العالمين الذي أحاط بكل شيء علمًا؟
- مشهد الحمد: وهو من أعلى المشاهد، ومعناه أن لله الحمد التام على قضائه لأن الله محمود في أسمائه وصفاته وأفعاله، محمود في عطائه ومنعه، محمود في قضائه وقدره، محمود على ما علم العبد منه الحكمة وما لم يعلم. وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» أخرجه مسلم
فالمؤمن يحمد الله في السراء شكرًا، ويحمده في الضراء إيمانًا وتسليمًا، لأنه يعلم أن ربه لا يقضي له إلا بحكمة ورحمة وعدل.
- مشهد العبودية: ومعناه أن العبد عبد محض لله من كل وجه، مملوك لله، مخلوق لله، قائم بالله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فتجري عليه أحكام سيده وأوامره بحكم كونه عبده وملكه.
قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ مريم: 93، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: 56.
فإذا شهد العبد عبوديته قال بقلبه قبل لسانه: أنا عبد، والعبد لا يعترض على سيده، بل يسأله الرحمة، ويطلب منه اللطف، ويصبر تحت قضائه، ويقوم بواجب الوقت، فإن كان المقدور مرضًا فعبوديته الصبر والتداوي المشروع والدعاء، وإن كان فقدًا فعبوديته الاسترجاع والاحتساب والرضا وكف اللسان عن السخط، وإن كان ظلمًا فعبوديته طلب الحق بلا تعدٍّ، وإن كان فقرًا فعبوديته السعي الحلال والتوكل، وإن كان ذنبًا فعبوديته التوبة والانكسار.
18- يقول ابن القيم: قلّة التَّوْفِيق وَفَسَاد الرَّأْي وخفاء الْحق وَفَسَاد الْقلب وخمول الذّكر وإضاعة الْوَقْت ونفرة الْخلق والوحشة بَين العَبْد وَبَين ربّه وَمنع إِجَابَة الدُّعَاء وقسوة الْقلب ومحق الْبركَة فِي الرزق والعمر وحرمان الْعلم ولباس الذل وإهانة الْعَدو وضيق الصَّدْر والابتلاء بقرناء السوء الَّذين يفسدون الْقلب ويضيعون الْوَقْت وَطول الْهم وَالْغَم وضنك الْمَعيشَة وكسف البال تتولّد من الْمعْصِيَة والغفلة عَن ذكر الله كَمَا يتولّد الزَّرْع عَن المَاء والإحراق عَن النَّار وأضداد هَذِه تتولّد عَن الطَّاعَة.
هنا يذكر آثار المعصية والغفلة، وأن الذنب ليس مجرد فعل ينتهي بانتهاء لحظته، بل له ثمرات مرّة في القلب والعقل والرزق والعلاقات والوقت والدعاء.
فقوله: «قلة التوفيق» يعني أن العبد بسبب المعصية يُحرم العون والمدد من الله، فيريد الخير ولا ينهض إليه، ويفتح له باب الطاعة فلا يدخل، وتتهيأ له أسباب الصلاح فيتركها، والتوفيق من أعظم النعم، فإذا حُرم العبد التوفيق بقي مع ذكائه وقوته وخبرته عاجزًا عن الخير.
وقوله: «فساد الرأي» معناه أن المعصية تضعف نور البصيرة، فيختار العبد ما يضره ويترك ما ينفعه، ويرى المفسدة مصلحة، والمصلحة مفسدة، لأن الذنوب تطفئ نور القلب الذي به يميز الإنسان.
وقوله: «خفاء الحق» قريب من ذلك؛ فالحق قد يكون ظاهرًا في نفسه، لكن القلب إذا أظلم بالمعاصي لم يره كما ينبغي.
وقوله: «فساد القلب» هو الأصل الذي تتفرع عنه بقية الآثار؛ لأن القلب إذا فسد فسدت الجوارح والاختيارات والأقوال. وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ» أخرجه البخاري ومسلم
وقوله: «خمول الذكر» أي ذهاب الذكر الحسن والقبول والهيبة؛ فإن للمعصية ظلمة تظهر على صاحبها ولو حاول إخفاءها، وللطاعة نورًا ووقارًا ولو كان صاحبها قليل الكلام.
وقوله: «إضاعة الوقت» لأن المعصية والغفلة تبتلعان العمر، فيذهب اليوم والليلة بلا زاد، بل ربما خرج العبد من وقته بإثم بدل أن يخرج بحسنة.
وقوله: «نفرة الخلق» معناه أن للمعصية أثرًا في علاقة الناس بصاحبها، فقد يجعل الله في قلوب الخلق نفرة منه وإن لم يعرفوا ذنبه، كما أن للطاعة أثرًا في المحبة والقبول.
وليس هذا على إطلاقه في كل موقف، فقد يُبتلى الصالح بنفرة بعض الناس، وقد يُقبل الناس على فاسق لمصلحة أو فتنة، لكن المعنى العام أن السريرة تؤثر في العلانية، وأن ما بين العبد وبين الله يظهر أثره فيما بينه وبين الخلق.
وقوله: «والوحشة بين العبد وبين ربه» من أشد العقوبات؛ فقد يضحك الإنسان ويخالط الناس، لكن بينه وبين الله وحشة، إذا قام للصلاة ثقلت، وإذا قرأ القرآن لم يجد أثرًا، وإذا دعا شعر ببعد، وهذه وحشة لا يزيلها إلا التوبة والرجوع.
وقوله: «ومنع إجابة الدعاء» لأن المعاصي، وخاصة أكل الحرام والإصرار والغفلة، من موانع الإجابة. وفي الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: «يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟» أخرجه مسلم
وقوله: «وقسوة القلب» لأن الذنب إذا تكرر ولم يعقبه توبة جعل القلب صلبًا لا يتأثر بالموعظة ولا بالموت ولا بالقرآن. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ سورة البقرة: 74.
وقوله: «ومحق البركة في الرزق والعمر» لا يعني بالضرورة قلة المال أو قصر العمر الظاهر، بل قد يكون المال كثيرًا بلا بركة، والعمر طويلًا بلا ثمرة، فيعمل الإنسان كثيرًا ولا ينتفع، ويملك ولا يطمئن، ويعيش سنوات طويلة ولا يخرج منها بزاد. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة الأعراف: 96.
وقوله: «وحرمان العلم» لأن العلم نور، والمعصية ظلمة، ولا يجتمع كمال النور مع ظلمة الإصرار.
وقد اشتهر عن الشافعي رحمه الله قوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
وقوله: «ولباس الذل» لأن من عصى الله طلب العز من غير بابه، ومن طلب العز بالمعصية أذله الله في قلبه ولو ظهر عزيزًا بين الناس. قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ سورة فاطر: 10.
وقوله: «وإهانة العدو» أي أن المعصية تفتح على العبد باب تسلط عدوه، وأول الأعداء الشيطان والنفس، وربما تسلط عليه أعداء من الخلق بسبب ذنوبه.
وقوله: «وضيق الصدر» من أعظم آثار الغفلة، لأن القلب لا ينشرح حقيقة إلا بذكر الله وطاعته، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ سورة طه: 124.
وقوله: «والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت» لأن من عقوبات الغفلة أن يُساق الإنسان إلى صحبة تشبه حاله، وتزين له باطله، وتثقل عليه الطاعة، وتجعله يستحي من الخير ولا يستحي من المعصية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ سورة الزخرف: 36.
وقوله: «وطول الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال» لأن المعصية تعد صاحبها بلذة قصيرة ثم تورثه همًا طويلًا، والغفلة قد تملأ الوقت بالمتعة الظاهرة لكنها تترك في القلب فراغًا ووحشة وانقباضًا.
والكسف هو الانكسار والحزن والظلمة التي تغشى القلب والوجه.
وهذه الآثار كلها «تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار»، أي أن العلاقة بينها علاقة سبب ونتيجة؛ فكما أن الماء ينبت الزرع عادة، والنار تحرق عادة، فكذلك الذنوب والغفلة تنبت هذه الآثار في القلب والحياة، وقد يؤخر الله ظهورها، أو يظهر بعضها دون بعض، أو يستدرج العبد مع وجودها، لكن سنة الله أن المعصية لا تأتي بخير حقيقي.
ثم قال: «وأضداد هذه تتولد عن الطاعة»، وهذه كلمة جامعة عظيمة:
- فكما أن المعصية تثمر قلة التوفيق، فالطاعة تثمر التوفيق.
- وكما أن المعصية تفسد الرأي، فالطاعة تنير البصيرة.
- وكما أن المعصية تخفي الحق، فالطاعة تكشفه.
- وكما أن المعصية تقسي القلب، فالطاعة تلينه.
- وكما أن المعصية تمحق البركة، فالطاعة تبارك في الرزق والعمر.
- وكما أن المعصية تورث الوحشة، فالطاعة تورث الأنس بالله.
- وكما أن المعصية تضيق الصدر، فالطاعة تشرحه.
- وكما أن المعصية تجلب قرناء السوء، فالطاعة تجلب صحبة الخير.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة النحل: 97. فالحياة الطيبة ليست خلوًا من البلاء، بل حياة قلب مطمئن بالله، مبارك في وقته، موفق في طريقه، إذا أصابته سراء شكر، وإذا أصابته ضراء صبر، وإذا أذنب تاب، وإذا أظلم عليه الطريق رجع إلى الذكر والطاعة.
[1] نُسب البيتان الأولان إلى ابن الرومي في بعض دواوين الشعر، بينما أوردهما ناشرو الفوائد ضمن كلام ابن القيم أو استشهاده بهما.
[2] هذه المسألة خلافية بين العلماء: فمنهم من قال: هي جنة الخلد التي في السماء، وأُهبط منها آدم عليه السلام. ومنهم من قال: هي جنة في الأرض. ومنهم من توقف في هذه المسألة، فلم يرجح أحد القولين على الآخر.
وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأطال النفس في ذلك؛ ذاكراً أقوال العلماء، ومما قاله رحمه الله: “الجمهور على أنها هي التي في السماء، وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث. وقال آخرون: بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد؛ لأنه كلّف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة. والإمام ابن القيم رحمه الله يعد من أكثر من بحث هذه المسألة وأطال فيها؛ فقد قام رحمه الله باستقصاء أدلة كل قوم بالتفصيل، ولم يرجح رحمه الله قولاً على قول، بل توقّف في المسألة لتعارض الأدلة، ولقوة ووجاهة كلّ قول.
انظر: مفتاح دار السعادة (116- 44) وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (52:77)

