صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الفوائد لابن القيم(24) إياك والمعاصي فإنها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا

تاريخ الإضافة 14 يونيو, 2026 الزيارات : 8

(24) إياك والمعاصي فإنها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا

1- يقول ابن القيم رحمه الله: إياك والمعاصي فإنها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا، وأخرجت إقطاع أَسْكَنَ.

احذر المعاصي، فإنها تسلب العبد العز والكرامة، كما سلبت إبليس عزّ الأمر بالسجود، إبليس كان مع الملائكة مأمورا بالسجود لآدم، فلما عصى واستكبر طُرد ولُعن، وسلبت آدم عليه السلام نعيم السكن في الجنة، فلما وقع في الأكل من الشجرة أُخرج منها، مع أن آدم تاب فتاب الله عليه، وإبليس أصر واستكبر فكان من الهالكين، فالمقصود ليس التسوية بين معصية آدم ومعصية إبليس، بل بيان أن المعصية سبب زوال النعم إذا لم يتداركها العبد بتوبة صادقة.

وقوله: “فإنها أزالت عز اسجدوا” إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: 34]، فالأمر بالسجود لآدم كان فيه تكريم عظيم لآدم عليه السلام، وكان في امتثال الملائكة ظهور لشرف الطاعة والانقياد لأمر الله.

أما إبليس، فلما عصى أمر الله واستكبر صار مطرودا من رحمة الله، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الحجر: 34-35.] فالمعصية هنا أزالت العز، وحولت القرب إلى طرد من رحمة الله باللعنة، والخزي.

وقوله: “وأخرجت إقطاع أسكن” إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: 35] فكلمة “أسكن” فيها إكرام، وكأن الجنة أُعطيت لآدم سكنا وقرارا، لكن لما حصلت المخالفة جاء الخروج. قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ سورة البقرة: 36. فالمعصية أخرجت آدم إلى دار الابتلاء، وإن كان الله قد اجتباه بعد ذلك وتاب عليه وهداه.[1]

والفرق العظيم بين آدم وإبليس أن آدم عصى، ثم اعترف وتاب، أما إبليس عصى بكبر واحتجاج على أمر الله، ثم أصر واستعلى. قال تعالى عن آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ سورة الأعراف: 23، وقال تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ سورة الأعراف: 12. فالأول مع زوجه قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، والثاني قال: أنا خير منه، لذلك كانت توبة آدم باب الاصطفاء، وكان كبر إبليس باب الطرد.

الخلاصة:

لا تغتر بمكانتك الحالية، ولا بما عندك من علم أو عبادة أو قبول أو ستر، فإن معصية واحدة مع إصرار وكبر قد تسلب العبد عزا ونعمة.

إبليس أضاع بالكبر عز الطاعة، وآدم أُخرج بالمخالفة من سكن الجنة، لكنه رجع بالتوبة فعاد إلى كرامة الاصطفاء.

فمن وقع في الذنب فعليه أن يعترف، وينكسر، ويقول: ربنا ظلمنا أنفسنا، ولا يقل: أنا خير، أو أنا لا أستحق، أو كل الناس يفعلون. فالمعصية تسلب، والتوبة ترد، والاعتراف يرفع، والكبر يهلك.

2-  يقول ابن القيم رحمه الله: يَا لَهَا لَحْظَة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكْتب بِدَم النَّدَم سطور الْحزن فِي الْقَصَص ويرسلها مَعَ أنفاس الأسف حَتَّى جَاءَهُ توقيعُ فَتَابَ عَلَيْه.

هذا الكلام تصوير بليغ لقصة آدم عليه السلام بعد أكله من الشجرة، وكيف أن لحظة واحدة من المخالفة أورثت حزنا طويلا وندما عميقا، حتى جاء الفرج من الله بالتوبة والاصطفاء. فقوله: “يا لها لحظة” يقصد بها لحظة الأكل من الشجرة، وهي لحظة قصيرة في الزمن، لكنها عظيمة الأثر؛ لأن المعصية لا تقاس دائما بطول زمنها، بل بمن عُصي فيها، وبما تجره على القلب والحياة. فقد تكون نظرة واحدة، أو كلمة واحدة، أو قرارا واحدا، ثم يفتح على صاحبه باب ندم طويل. قال تعالى في قصة آدم: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة البقرة: 35، ثم قال سبحانه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ سورة البقرة: 36. فكانت المخالفة لحظة، لكن أثرها كان كبيرا.

وقوله: “أثمرت حرارة القلق ألف سنة” أسلوب مبالغة وبيان لطول الندم وشدة أثر الذنب، والألف سنة يقصد بها عمر آدم-عليه السلام-.

وقوله: “ما زال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص” يقصد أن آدم عليه السلام بقي في مقام الندم وليس المقصود كتابة حقيقية بالدم، وإنما تصوير لشدة الحزن والحياء، كأن ندمه صار دما يكتب به قصة توبته.

وقوله: “ويرسلها مع أنفاس الأسف” يعني أن الندم كان متجددا، كأنه مع كل نفس يخرج منه أسف على ما فات، ورغبة في الرجوع إلى الله.

ثم قال: “حتى جاءه توقيع فتاب عليه”، والتوقيع هنا كناية عن صدور العفو الإلهي، أي جاءه جواب الرحمة من الله بالتوبة والقبول، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ سورة البقرة: 37. فتأمل قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، أي أن الله وفقه للتوبة، ثم قبلها منه.

فالتوبة من أولها إلى آخرها فضل من الله: هو الذي يوقظ القلب، وهو الذي يلهم الاعتراف، وهو الذي يفتح باب الرجاء، وهو الذي يقبل التوبة.

3- يقول ابن القيم رحمه الله: فَرح إِبْلِيس بنزول آدم من لجنة وَمَا علم أَن هبوط الغائص فِي اللجة خلف الدّرّ صعُود؛ كم بَين قَوْله لآدَم {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَة} وَقَوله لَك {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ}

ظنّ إبليس أن نزول آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض كان سقوطا محضا وهزيمة كاملة، ففرح بذلك، لكنه لم يفهم سرّ قدر الله وحكمته؛ فإن نزول آدم إلى الأرض لم يكن كنزول إبليس، ولم يكن طردا مؤبدا من الرحمة، بل كان نزولا إلى ميدان الخلافة والعبودية والتوبة والابتلاء، ومن هذا النزول ظهر من مقامات آدم وذريته ما لم يكن ليظهر لو بقوا في الجنة ابتداء: التوبة، والإنابة، والصبر، والجهاد، ومحبة الله، والخوف والرجاء، ومخالفة الهوى، وتحمل الأمانة، وعمارة الأرض بطاعة الله.

فقوله: “فرح إبليس بنزول آدم من الجنة” معناه أن إبليس رأى ظاهر الأمر فقط: آدم أُخرج من الجنة، ففرح إبليس، وهذا شأن أهل الحسد والكبر، يفرحون بسقوط غيرهم ولا ينظرون إلى ما قد يفتحه الله له بعد السقوط من أبواب رفعة أعظم.

 لكن ابن القيم يقول: “وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود”، أي أن الغواص إذا نزل إلى عمق البحر لا يكون نزوله نقصا، بل قد يكون نزوله طريقا إلى استخراج اللؤلؤ، فهو في الظاهر هابط إلى الأسفل، لكنه في الحقيقة طالب للدرّ والنفائس، وكذلك آدم نزل من الجنة إلى الأرض، لكن هذا النزول كان طريقا إلى استخراج كنوز العبودية والتوبة والاصطفاء، لا مجرد إبعاد وإهانة.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [سورة طه: 122] فتأمل أن الله بعد ذكر معصية آدم لم يتركه، بل قال: ﴿اجْتَبَاهُ﴾، أي اختاره واصطفاه، ثم ﴿تَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾.

وقوله: “كم بين قوله لآدم: إني جاعل في الأرض خليفة إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: 30] فالأرض بالنسبة لآدم دار خلافة وابتلاء، وعبادة وعمارة، وفيها يظهر الصادق من الكاذب، والشاكر من الكافر، والتائب من المصر، والمجاهد من المتبع لهواه، فإبليس رأى الهبوط، ولم يرَ أن الله قال من قبل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ [سورة الإسراء: 63] فهو خطاب الإهانة والطرد لإبليس، فشتان بين هبوط آدم الذي سبقه تكريم بالسجود، وتعليم الأسماء، وخلافة في الأرض، ثم لحقتْه التوبة والاجتباء والهداية، وبين طرد إبليس الذي قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الحجر: 34-35]

أحيانا يفرح الشيطان إذا وقع المؤمن في ذنب أو بلاء، ويظن أنه قد أفسده وأسقطه، لكنه لا يعلم أن هذا الذنب إذا أعقبته توبة صادقة قد يصير سببا لرفعة العبد.

فالعبد بعد الذنب يعرف ضعفه، ويكثر استغفاره، ويذوق معنى الافتقار إلى الله، فيكون بعد التوبة أقرب إلى الله مما كان قبل الذنب مع العجب والغفلة.

 وهذا لا يعني أن الذنب مطلوب أو محبوب، حاشا، بل الذنب شر وخطر، لكن الله الكريم قد يخرج من الشر خيرا لمن صدق في التوبة، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ سورة الفرقان: 70.

فالصورة التي يرسمها ابن القيم هي: الغواص ينزل إلى قاع البحر، والجاهل يظنه هابطا ضائعا، لكنه في الحقيقة يبحث عن اللؤلؤ، فإذا خرج عاد ومعه الدرر.

وكذلك آدم نزل إلى الأرض، وإبليس ظن أنه أسقطه، لكن من نسل آدم خرج الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، والتائبون، والمحبون، والساجدون، والذاكرون.

4- يقول ابن القيم رحمه الله: مَا جرى على آدم هُوَ المُرَاد من وجوده لَو لم تذنبوا.

ما وقع لآدم عليه السلام من الذنب ثم التوبة ظهر به سر عظيم من أسرار العبودية: أن الإنسان خُلق ليعبد الله في دار ابتلاء، وأن من أعظم مقامات عبوديته أن يخطئ فيتوب، ويضعف فيستغفر، وينكسر فيرجع، فيظهر عليه أثر اسم الله التواب والغفور والرحيم والعفو.  

وقوله: “لو لم تذنبوا” إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم” أخرجه مسلم.

وليس معنى الحديث الترغيب في الذنب، وإنما معناه بيان سعة رحمة الله، والترغيب في التوبة، وأن الله يحب من عباده إذا زلوا أن يرجعوا إليه بالتوبة والاستغفار، وأن من حكمته أن يظهر أثر مغفرته ورحمته في عباده.

فالله لم يخلق العباد ليكونوا ملائكة لا يعصون، وإنما خلقهم بشرا فيهم ضعف وشهوة ونسيان، ثم فتح لهم باب التوبة إذا وقعوا، وشرع لهم الاستغفار إذا قصروا، وجعل رجوعهم بعد الذنب من أحب المقامات إليه إذا صدقوا.

5- يقول ابن القيم رحمه الله: يَا آدم لَا تجزع من قولي لَك اخْرُجْ مِنْهَا فلك ولصالح ذريتك خلقتها، يَا آدم كنت تدخل عليَّ دُخُول الْمُلُوك على الْمُلُوك وَالْيَوْم تدخل عليَّ دُخُول العبيد على الْمُلُوك.

هذا الأثر لم يأت بسند صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد نقله ابن القيم هنا في الفوائد فنسبه لآدم عليه السلام، وفي مدارج السالكين أورد ابن القيم العبارة في سياق الكلام عن أن الذنب إذا أورث صاحبه توبة وانكسارًا وذلًا لله فقد يكون ذلك أنفع له من طاعة تورث عجبًا وكبرًا، وفي موضع من كتابه طريق الهجرتين ذكرها ابن القيم بصيغة: وقيل: إن في بعض الآثار يقول الله تعالى لداود عليه السلام “ثم أورد العبارة، والعبارة أغلب الظن أنها من الإسرائيليات المقبولة فلا نصدقها ولا نكذبها.[2]

قوله: “يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها يشير إلى أن الخروج من الجنة كان مؤلما لكن وراء هذا الخروج رحمة وحكمة، لا مجرد عقوبة. قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ سورة البقرة: 36.

فكأن المعنى: لا تحزن من قول الله لك: اخرج من الجنة، فإن هذا الخروج هو خروج مؤقت إلى دار الابتلاء والعمل، ثم تعود أنت وصالح ذريتك إلى الجنة التي خُلقت لك ولذريتك، جعلها موعدا ومآلا للمتقين. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة آل عمران: 133. وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ سورة مريم: 63.

قوله: “يا آدم كنت تدخل عليَّ دُخُول الْمُلُوك على الْمُلُوك …“هذا الأثر يصور الفرق بين حال آدم عليه السلام قبل الذنب وبعد التوبة، فقبل وقوع المخالفة كان آدم عند الله في مقام تكريم ونعيم وقرب، يدخل على ربه دخول المكرمين المنعم عليهم، كأنه دخول الملوك على الملوك؛ أي دخول من أُلبس حلل الكرامة، وأُسكن دار النعيم، وأُمر الملائكة بالسجود له تكريما وتشريفا.

أما بعد الذنب والتوبة، صار دخوله على الله دخول العبد المنكسر الفقير الذليل، يدخل باب مولاه باعترافه وندمه وحاجته إلى المغفرة، وهذا الدخول الثاني، مع ما فيه من انكسار، أحب إلى الله من دخول فيه شهود النفس والكرامة دون شهود الفقر والافتقار؛ لأن العبودية الحقيقية تقوم على الذل لله والمحبة له والاعتراف بالحاجة إليه.

6- يقول ابن القيم رحمه الله: يَا آدم لَا تجزع من كأس زلل كَانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنْك دَاء الْعجب وألبست خلعة الْعُبُودِيَّة وَعَسَى أَنْ تكْرهُوا.

زلة آدم عليه السلام في ظاهرها كأس مرّ شربه آدم بسبب مخالفته، لكنها صارت بعد التوبة سببا ليقظته وعبوديته ومعرفته بضعفه وفقره إلى الله.

فقوله: “يا آدم لا تجزع من كأس زلل” أي لا تحزن حزنا يوصلك إلى اليأس من تلك الزلة، فإنها وإن كانت ذنبا ومخالفة، فقد جعل الله بعدها بابا عظيما من التوبة والاجتباء والهداية.

وليس المقصود تهوين الذنب أو الدعوة إليه، بل المقصود أن الذنب إذا وقع ثم أورث توبة صادقة وانكسارا وافتقارا، فقد يخرج الله منه خيرا عظيما للعبد. قال تعالى في شأن آدم: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ سورة البقرة: 37، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ سورة طه: 122، فبعد الزلة جاءت التوبة، وبعد الانكسار جاء الاجتباء، وبعد الخروج جاءت الهداية.

وقوله: “كانت سبب كيسك” أي كانت سببا لفطنتك وحسن تدبيرك لنفسك ومعرفتك بخطر عدوك وضعفك وحاجتك إلى ربك.

وقوله: “فقد استخرج منك داء العجب” العجب مرض خفي يجعل الإنسان يرى نفسه، ويغتر بحاله، ويظن أنه ثابت بقوته أو صالح بذاته، والزلة أحيانا تكشف للعبد حقيقة ضعفه، فتسقط من قلبه دعوى القوة والاستغناء؛ قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ سورة النساء: 28، وقال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ سورة النحل: 53.

وقوله: “وألبست خلعة العبودية” أي أن التوبة بعد الذنب ألبست آدم لباس العبودية الحقيقية: لباس الاعتراف، والذل لله، والانكسار، والحاجة إلى المغفرة.

وقوله: “وعسى أن تكرهوا” إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: 216. فالعبد قد يكره أمرا لما فيه من ألم ومرارة، ولا يرى ما وراءه من حكمة ورحمة، والزلة مكروهة بلا شك من جهة أنها معصية، لكن إذا أعقبتها توبة صادقة، وانكسار، وزوال عجب، وحذر من الهوى، ورجوع إلى الله، صار ما ترتب عليها من الخير أعظم من حال الغفلة والعجب التي كانت قبلها.

لذلك قال بعض أهل العلم إن ذنباً يورث ذلا وانكسارا خير من طاعة تورث عزا واستكبارا، لا لأن الذنب خير من الطاعة في ذاته، بل لأن الانكسار أحب إلى الله من العجب، ولأن الطاعة إذا أفسدها الكبر صارت وبالا، والمعصية إذا عالجتها التوبة صارت باب رجوع.

7- يقول ابن القيم رحمه الله: يَا آدم لم أخرج إقطاعك إِلَى غَيْرك إِنَّمَا نحيّتك عَنهُ لَأكمل عِمَارَته لَك وليبعث إِلَى العمّال نَفَقَة تَتَجَافَى جنُوبهم.

يا آدم، لا تظن أن خروجك من الجنة معناه أن الجنة سُلّمت إلى غيرك بل هي باقية لك ولصالح ذريتك، وإنما أُبعدت عنها مدة مؤقتة حتى تُستكمل عمارتها لك، وحتى تُرسل إليها من أعمالك وأعمال ذريتك نفقة وذخيرة تجعل الرجوع إليها رجوعا أعظم وأكرم، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لقيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسري بي فقال: يا محمدُ، أقرئْ أمتَك مني السلامَ، وأخبرْهم أنَّ الجنةَ طيبةُ التربةِ، عذبةُ الماءِ، وأنها قيعانٌ، وأنَّ غراسَها: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ” أخرجه الترمذي.

وقوله: “وليبعث إلى العمال نفقة تتجافى جنوبهم” كأنه يقول: إن الله نحّى آدم عن الجنة إلى الأرض ليعمل العاملون من ذريته، فيبعثوا إلى الجنة نفقة عمارتها من أعمالهم الصالحة، وهو يشير لقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة السجدة: 16-17.

8- يقول ابن القيم رحمه الله: تالله مَا نَفعه عِنْد مَعْصِيَته عز اسجدوا وَلَا شرف وَعَلَّمَ آدَمَ وَلَا خصيصة لِمَا خلقت بيَدي وَلَا فَخر {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} وَإِنَّمَا انْتفع بذل {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} لما لبس درع التَّوْحِيد على بدن الشُّكْر وَقع سهم الْعَدو مِنْهُ فِي غير مقتل فجرحه فَوضع عَلَيْهِ جَبَّار الانكسار فَعَاد كَمَا كَانَ فَقَامَ الجريح كَأَن لم يكن بِهِ قَلَبة.

معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن العبد لا ينجو عند الزلة بمجرد ما كان له من سوابق الفضل والكرامة، وإنما ينجو بالافتقار والانكسار والتوبة والتوحيد.

 فهو يتكلم عن آدم عليه السلام، ويقول: لما وقعت المخالفة لم يكن الذي أنقذه أنه مكرّم بأمر الملائكة بالسجود له، ولا أنه قد عُلَّم الأسماء، ولا أنه مخلوق بيد الله، ولا أنه منفوخ فيه من روح الله، مع أن هذه كلها خصائص عظيمة وفضائل جليلة، لكن الذي نفع آدم حقيقة هو قوله هو وزوجه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ سورة الأعراف: 23.

فبهذا الاعتراف والانكسار والافتقار عاد إلى باب الرحمة، فتاب الله عليه واجتباه وهداه.

قوله: “تالله ما نفعه عند معصيته عز اسجدوا” إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة: 34.

وقوله: “ولا شرف وعلّم آدم” إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ سورة البقرة: 31.

وقوله: “ولا خصيصة لما خلقت بيدي” إشارة إلى قول الله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ سورة ص: 75.

وقوله: “ولا فخر ونفخت فيه من روحي” إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ سورة الحجر: 29.

وقوله: “لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل” كأن آدم كان عليه درع يحميه، وهذا الدرع هو التوحيد، أي إخلاص العبودية لله وعدم الاعتراض عليه وعدم الالتفات إلى غيره في طلب النجاة، وكان هذا الدرع على بدن الشكر، أي أن أصل حال آدم كان حال نعمة وشكر وتكريم. فلما جاء سهم العدو، وهو وسوسة إبليس وزلة الأكل من الشجرة، أصابه وجرحه، لكنه لم يصبه في المقتل؛ لأن أصل التوحيد كان باقيا، فالذنب جرحه، لكنه لم يقتله.

 وقوله: “فجرحه فوضع عليه جبار الانكسار” أي أن الزلة أحدثت جرحا في آدم، فجاء دواؤه من الانكسار بين يدي الله، و”الجبار” هنا بمعنى ما يُجبر به الكسر، كالضماد والجبيرة التي توضع على العظم المكسور حتى يلتئم، فكأن الانكسار لله كان الجبيرة التي وُضعت على جرح الذنب، فعاد القلب سليما بعد التوبة؛ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ سورة البقرة: 37، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ سورة طه: 122.

وقوله: “فعاد كما كان فقام الجريح كأن لم يكن به قَلَبة“(بفتح القاف واللام أي ألم وعلة) أي أن آدم لما صدق في التوبة جبره الله، ورد عليه كرامته، واجتباه وهداه، حتى كأن الجرح لم يترك فيه فسادا مهلكا، بل صار بعد التوبة أعرف بربه وبنفسه وبعدوه.


[1] سبق الحديث أن جنة آدم لم تكن جنة الخلد وإنما كانت مكانا على الأرض.

[2] مع التأكيد على أنه لا تجوز نسبة هذا الكلام إلى الله تعالى (على أنه حديث قدسي) ولا إلى النبي ﷺ، لعدم ثبوته في المصادر الحديثية.

 

Visited 6 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 24
  • Today's page views: : 25
  • Total visitors : 62,595
  • Total page views: 68,938