(23) شرف العبودية لله

1- قال ابن القيم رحمه الله: من عظم وقار الله فِي قلبه أَن يعصيه وقّره الله فِي قُلُوب الْخلق أَن يذلّوه.
معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن العبد إذا عظم الله في قلبه، واستحضر جلاله وهيبته واطلاعه عليه، منعه ذلك من معصيته، لا خوفا من الناس، ولا طلبا لمدحهم، بل حياء من الله وتعظيما له، فإذا امتلأ القلب بوقار الله، صار العبد يستحي أن يراه الله على معصية، أو أن يستعمل نعمة الله فيما يغضب الله، أو أن يقدم هوى نفسه على أمر ربه.
وهذا ما عاتب به نبي الله نوح قومه حينما قال منكرا على من لم يعظموا الله حق تعظيمه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [سورة نوح: 13] أي ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيمه، ولا تعرفون له جلاله وقدره؟ فمن عرف أن الله يراه، ويسمعه، ويعلم سره وعلانيته، وأنه سبحانه هو المنعم عليه في كل نفس، ثقل عليه أن يعصيه بنعمه وتحت نظره.
وقوله: “وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه” معناه أن من عظّم الله في السر والعلن، جعل الله له هيبة وكرامة في قلوب الناس، فلا يسلط عليهم ذل الاحتقار والمهانة، ولو كان فقيرا أو ضعيفا أو قليل الجاه؛ فقد لا يكون له منصب ولا مال، لكن يجعل الله له قبولا ووقارا في القلوب؛ لأن الجزاء من جنس العمل: لما وقر الله في قلبه، وقّره الله في قلوب خلقه.
وهذا لا يعني أن المؤمن لا يبتلى أو لا يؤذى أبدا، فالأنبياء والصالحون أوذوا، لكن المقصود أن الله يحفظ له كرامة الإيمان، ويجعل له عزا باطنا وظاهرا، ولا يجعله ذليلا بمعنى المهانة التي تكون بسبب المعصية والبعد عن الله، وهذا المعنى قريب من قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [سورة فاطر: 10]
وفي دعاء القنوت في الوتر: (وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت) فمن واليته هو العزيز فلا يذل، ومن عاديته فهو الذليل فلا يعز أبدا، أي لا يعز في الآخرة أو مطلقا، وإن أعطي من نعيم الدنيا وملكها ما أعطي لكونه لم يمتثل أوامرك ولم يجتنب نواهيك، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة المنافقون: 8.
فإذا تولى الله الإنسان فإنه لا يذل، وإذا عادى الله الإنسان فإنه لا يعز، ومقتضى ذلك أننا نطلب العز من الله سبحانه، ونتقي من الذل بالله عزَّ وجلَّ، فلا يمكن أن يذل أحد والله تعالى وليه.
2- قال ابن القيم رحمه الله: ِإذا علقت شروش الْمعرفَة فِي أَرض الْقلب نَبتَت فِيهِ شَجَرَة الْمحبَّة فَإِذا تمكّنت وقويت أثمرت الطَّاعَة فَلَا تزَال الشَّجَرَة تؤتي أكلهَا كل حِين بإذن الله رَبِّهَا.
الطريق إلى الطاعة لا يبدأ من الجوارح فقط، بل يبدأ من القلب؛ فإذا عرف العبد ربَّه معرفة صحيحة، بأسمائه وصفاته، ورحمته وحكمته وجلاله وكرمه، ثبتت هذه المعرفة في قلبه كما تثبت الجذور في الأرض.
فقوله: “إذا علقت شروش المعرفة في أرض القلب” شروش المعرفة أي إذا امتدت جذور معرفة الله في القلب، وصارت معرفة حية لا مجرد معلومات محفوظة، حينئذ يبدأ القلب يتغير، فالإنسان قد يسمع عن الله، وقد يقرأ عن الله، لكن المقصود هنا أن تستقر المعرفة في داخله حتى يرى آثار أسماء الله في حياته: يرى لطف الله في البلاء، ورزقه في الحاجة، وستره بعد الذنب، وحلمه مع التقصير، وعدله في القضاء، ورحمته في فتح باب التوبة؛ فإذا صار القلب يعرف الله بهذه المعرفة، لم تبق المعرفة جافة، بل تتحول إلى محبة.
ولهذا قال: “نبتت فيه شجرة المحبة”، لأن المحبة ثمرة المعرفة؛ فمن عرف الله حقا أحبه، ومن أحبه هان عليه أن يترك ما يغضبه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ سورة البقرة: 165. فالمؤمن لا يعبد الله كمن يؤدي واجبا باردا فقط، بل يعبده لأنه عرف ربه فأحبه، وأحب قربه ورضاه ومناجاته.
ثم قال: “فإذا تمكنت وقويت أثمرت الطاعة”، أي أن المحبة الصادقة لا تبقى دعوى في اللسان، بل تظهر في العمل، فمن قال: أحب الله، ثم لم يبال بأمره ونهيه، فمحبته ناقصة أو مدعاة؛ لأن المحب الصادق يطلب رضا محبوبه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 31] فالله جعل علامة محبته اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لا مجرد الكلام ، ولهذا شبّه ابن القيم المعرفة بالجذور، والمحبة بالشجرة، والطاعة بالثمر؛ لأن الثمر لا يظهر بلا شجرة، والشجرة لا تقوم بلا جذور، فمن أراد طاعة ثابتة فليغذِّ جذور المعرفة، ومن أراد محبة صادقة فليكثر من معرفة الله، ومن أراد ثباتا على العمل فليجعل العمل نابعا من حب الله لا من مجرد الحماس المؤقت.
وقوله: “فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين بإذن الله ربها” إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة إبراهيم: 24-25] فالقلب إذا ثبتت فيه معرفة الله صار مثل الشجرة الطيبة: أصلها ثابت، أي الإيمان والمعرفة راسخان، وفرعها في السماء، أي آثارها عالية مباركة، وثمرها دائم، أي الطاعة والذكر والصبر والشكر والإنابة وحسن الخلق.
والمعنى العملي لهذا الكلام أن من وجد نفسه ثقيلا عن الطاعة، أو سريع الفتور، أو ضعيف الخشوع، فليفتش عن أصل المسألة: هل معرفته بالله حية في قلبه أم مجرد معلومات؟ لأن القلب كلما ازداد معرفة بالله ازداد حبا له، وكلما ازداد حبا له سهلت عليه الطاعة، لا لأنها صارت بلا مجاهدة، بل لأن المحبة تعطيه قوة على المجاهدة.
- فالذي يعرف رحمة الله لا ييأس من التوبة.
- والذي يوقن باطلاع الله عليه يستحي من الخلوة المحرمة.
- والذي يعرف كرم الله يحسن الظن به.
- والذي يعرف عظمة الله يهابه.
- والذي يعرف قرب الله يأنس بمناجاته.
فهذه المعرفة هي الجذر، والمحبة هي الشجرة، والطاعة هي الثمرة، ولا تنبت ثمرة مستقيمة في قلب خال من معرفة الله ومحبة الله.
3- يقول ابن القيم رحمه الله: أول منَازِل الْقَوْم: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بكرَة وَأَصِيلا) وأوسطها: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور) وَآخِرهَا: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يلقونه سَلام.)
معنى هذا الكلام أن ابن القيم رحمه الله يصف طريق السائرين إلى الله من بدايته إلى نهايته:
- فجعل أوله ذكرا من العبد لربه، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ سورة الأحزاب: 41-42.
- ووسطه صلاة ورحمة من الله وملائكته على العبد؛ إشارة إلى قوله تعالى بعدها: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 43]، وصلاة الله على عبده معناها ثناؤه عليه ورحمته به ورفعه له، وصلاة الملائكة دعاؤهم واستغفارهم له. وهذا يدل على عظم الذكر؛ فالعبد يذكر الله في الأرض، فيذكره الله في الملأ الأعلى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: “فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ” أخرجه البخاري ومسلم، والمعنى أن العبد إذا ابتدأ الطريق بذكر الله، تولاه الله برحمته وثنائه عليه في الملأ الأعلى، ودعت له الملائكة، وأخرجه الله من ظلمات الجهل والغفلة والمعصية والحيرة إلى نور الإيمان والبصيرة والطاعة والسكينة
- وآخره سلاما وكرامة عند لقاء الله، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 44] أي أن نهاية الطريق للمؤمنين الذاكرين السائرين إلى الله أن يلقوا ربهم بالسلام والأمان والكرامة، فالذي بدأ في الدنيا بالذكر، ثم تولاه الله بالصلاة والرحمة والهداية، ينتهي يوم القيامة إلى السلام: سلام من الخوف، وسلام من الحزن، وسلام من العذاب، وسلام عند لقاء الله، وسلام في دار السلام.
4- يقول ابن القيم رحمه الله: أَرض الْفطْرَة رحبة قَابِلَة لما يغْرس فِيهَا: فَإِن غرست شَجَرَة الْإِيمَان وَالتَّقوى أورثت حلاوة الْأَبَد، وَإِن غرست شَجَرَة الْجَهْل والهوى فَكل الثَّمر مر.
معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن قلب الإنسان في أصله قابل للخير والشر، مثل الأرض الواسعة الصالحة للغرس، فالفطرة التي خلق الله الناس عليها فيها استعداد لمعرفة الله، ومحبته، وقبول الحق، والحياء من القبيح، لكنها تحتاج إلى رعاية وتوجيه، فإن تُركت بلا علم ولا تربية ولا صحبة صالحة، دخلت عليها شجرة الجهل والهوى، وإذا رُويت بالوحي والذكر والطاعة، نبتت فيها شجرة الإيمان والتقوى.
وقوله: “أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها“ يشير إلى أن الإنسان لا يولد وقلبه مغلقا عن الحق، بل يولد على أصل قابل للهداية، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة الروم: 30.
وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ“ أخرجه البخاري ومسلم.
فالفطرة أرض مستعدة، لكن البيئة، والتعليم، والصحبة، والعادة، والشهوة، والإعلام، والاختيارات اليومية؛ كلها تغرس في هذه الأرض شيئا.
وقوله: “فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد“ معناه أن من غرس في قلبه الإيمان بالله، ومعرفته، ومحبته، وخشيته، ومراقبته، ثم سقى ذلك بالتقوى والعمل الصالح، أثمر له هذا الغرس حلاوة لا تنقطع، تبدأ الحلاوة في الدنيا بسكينة القلب، ولذة المناجاة، وراحة الضمير، والأنس بالله، وقوة الصبر، ثم تكمل في الآخرة بالجنة ورضوان الله، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة النحل: 97.
فالحياة الطيبة ثمرة من ثمار شجرة الإيمان والتقوى قبل ثمرة الآخرة، والإيمان هنا هو أصل الشجرة، والتقوى هي حراستها، لأن الإنسان قد يعرف الحق، لكن إن لم يحرس قلبه من المعاصي والشهوات والفتن ضعف الغرس أو فسد، فالتقوى مثل السور الذي يحمي البستان، ومثل الماء الذي يمد الشجرة بالحياة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة الأعراف: 96. فالإيمان والتقوى يجلبان البركة، وأعظم البركة بركة القلب.
أما قوله: “وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مر“ فمعناه أن القلب إذا امتلأ بالجهل بالله وبالدين وبحقيقة الدنيا، ثم صار تابعا للهوى والشهوة، أثمر ذلك مرارة في الدنيا والآخرة؛ فالجهل يجعل الإنسان لا يرى الطريق، والهوى يجعله يرى الطريق ثم لا يريد أن يمشي فيه، فإذا اجتمع الجهل والهوى فسد القلب؛ لأن الأول يطمس البصيرة، والثاني يضعف الإرادة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ سورة الجاثية: 23.
وقوله: “فكل الثمر مر“ دقيق جدا؛ لأن الهوى قد يبدأ حلوا في الظاهر لكن الثمرة في النهاية مرة: قسوة، ضيق، وحشة، خوف، تعلق، ندم، اضطراب، ذهاب بركة، وربما عقوبة في الآخرة إن لم يتب العبد؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [سورة طه: 124]، فالمرارة قد لا تظهر في أول الطريق، لكنها تظهر في الثمرة.
5- يقول ابن القيم رحمه الله: ارْجع إِلَى الله واطلبه من عَيْنك وسمعك وقلبك وَلِسَانك وَلَا تشرد عَنهُ من هَذِه الْأَرْبَعَة؛ فَمَا رَجَعَ من رَجَعَ إِلَيْهِ بتوفيقه إِلَّا مِنْهَا، وَمَا شرد من شرد عَنهُ بخذلانه إِلَّا مِنْهَا؛ فالموفق يسمع ويبصر ويتكلّم ويبطش بمولاه، والمخذول يصدر ذَلِك عَنهُ بِنَفسِهِ وهواه.
الرجوع إلى الله لا يكون باللسان وحده، ولا بمجرد أمنية في القلب، بل يكون برجوع أدوات الإدراك والحركة كلها إلى الله: العين، والسمع، والقلب، واللسان. فهذه الأربعة هي أبواب العبد الكبرى؛ منها يدخل الإيمان واليقين والخشوع، ومنها أيضا يدخل الفساد والغفلة والشهوة والشبهة.
لذلك قال: “ارجع إلى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك”، أي فتش عن طريقك إلى الله في هذه الجوارح: إلى ماذا تنظر؟ ماذا تسمع؟ بماذا يمتلئ قلبك؟ وبماذا يتحرك لسانك؟ فإن صلحت هذه الأبواب، سهل رجوعك إلى الله، وإن فسدت، شرد القلب عنه ولو ادعى اللسان أنه يريد القرب.
فمعنى “اطلبه من عينك” أن تجعل عينك طريقا إلى معرفة الله ومرضاته، لا طريقا إلى الشهوة والغفلة. فتنظر بها في آيات الله، وفي المصحف، وفيما يذكرك بالآخرة، وتكفها عما حرم الله، لأن العين بريد القلب؛ فما أطلقه الإنسان في نظره استقر أثره في قلبه، فإن كان النظر حلالا مباركا أورث نورا، وإن كان محرما أورث ظلمة وتعلقا واضطرابا، قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ سورة النور: 30. فتأمل قوله: ﴿ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾، أي أن حفظ العين ليس مجرد ترك حرام، بل هو تزكية للقلب.
ومعنى “واطلبه من سمعك” أن تجعل سمعك بابا للقرآن، والذكر، والعلم، والنصيحة، والكلام الطيب، لا بابا للباطل والغيبة والفحش والشبهات، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء: 36.
ومعنى “وقلبك” أن أصل الرجوع إلى الله هو رجوع القلب؛ لأن الجوارح تتبع القلب، فإذا رجع القلب إلى الله بالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والحياء، رجعت العين والسمع واللسان تبعا له، أما إذا شرد القلب وراء الهوى، بقيت الجوارح تتحرك بلا روح، وربما صلى الإنسان ولسانه يقرأ، لكن قلبه غائب. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: 88-89]، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والرياء، والحسد، والتعلق المحرم، ومحبة ما يبغضه الله، وسلم لله محبة وتعظيما وانقيادا.
ومعنى “ولسانك” أن تجعل لسانك في طريق الرجوع إلى الله: ذكرا، واستغفارا، وتلاوة، ودعاء، وصدقا، ونصيحة، وإصلاحا بين الناس، وكفا عن الغيبة والكذب والفحش والخصومات. فاللسان قد يرفع صاحبه درجات، وقد يهوي به في النار. قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة ق: 18. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ” أخرجه البخاري ومسلم، فليس المطلوب أن يتكلم الإنسان كثيرا في الدين فقط، بل أن يزن كلامه: هل يقربه من الله أم يبعده؟ هل يرضي الله أم يرضي الهوى؟
وقوله: “ولا تشرد عنه من هذه الأربعة” معناه: احذر أن يكون شرودك عن الله من هذه الأبواب، فقد يشرد العبد عن الله بعينه حين يطلقها في الحرام، وبسمعه حين يملؤه بالباطل، وبقلبه حين يعلقه بالدنيا والناس والشهوات، وبلسانه حين يطلقه في الغيبة والجدل والكذب.
والشرود هنا تصوير دقيق؛ لأن القلب كأنه كان ينبغي أن يبقى مع الله، فإذا بهذه الجوارح تجره بعيدا شيئا فشيئا. قد لا يترك الإنسان الصلاة مباشرة، لكنه يبدأ بنظرة، ثم سماع، ثم خاطر، ثم كلام، ثم تعلق، ثم قسوة، ثم بعد، ثم يجد نفسه غريبا عن الطاعة.
وقوله: “فما رجع من رجع إليه بتوفيقه إلا منها” أي أن كل من وفقه الله للرجوع إليه كان رجوعه غالبا من هذه الأبواب: سمع آية فأفاق، أو رأى مشهد جنازة ذكره بالآخرة، أو تحرك قلبه بخوف أو محبة، أو نطق لسانه باستغفار صادق.
- فالله قد يفتح على العبد من باب العين، فيرى جنازة أو مريضا أو آية من آيات الله فيرجع.
- وقد يفتح عليه من باب السمع، فيسمع موعظة أو قرآنا فينكسر قلبه.
- وقد يفتح عليه من باب القلب، فيقذف فيه نور التوبة.
- وقد يفتح عليه من باب اللسان، فيجري على لسانه دعاء صادق يكون بداية حياة جديدة.
وقوله: “وما شرد من شرد عنه بخذلانه إلا منها” أي أن من خذله الله بسبب إعراضه وتتبعه للهوى، فإن شروده يكون من هذه الأبواب نفسها: عين لا تغض، وسمع لا ينتقي، وقلب لا يراقب، ولسان لا ينضبط، وهذا لا يعني أن العبد مجبور على الضلال، بل معناه أن من أعرض عن أسباب التوفيق وفتح على نفسه أبواب الفساد، خُذل ووُكل إلى نفسه وهواه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سورة الصف: 5. فالزيغ الأول من العبد، والعقوبة أن يزداد قلبه زيغا إن لم يتب.
أما قوله: “فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه” فمعناه أن العبد إذا وفقه الله صار استعماله لهذه الجوارح بالله ولله، وعلى مراد الله، والمعنى أن الله يسدده ويوفقه، فلا يسمع إلا ما يرضيه، ولا ينظر إلا فيما يحبه أو يبيحه، ولا يتكلم إلا بخير، ولا يبطش، أي يتحرك ويعمل بيده وقوته، إلا في طاعة أو مباح يعينه على الطاعة، وهذا المعنى جاء في الحديث القدسي العظيم: “وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ” أخرجه البخاري.
وقوله: “والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه” أي أن المخذول يستعمل سمعه وبصره ولسانه ويده لا بتوفيق الله ولا طلبا لرضاه، بل بدافع النفس والهوى، يسمع ما تشتهي نفسه، وينظر حيث تميل شهوته، ويتكلم بما يرضي غضبه أو كبره أو حبه للظهور، ويعمل بيده وقوته فيما تمليه عليه رغبته، لا ما يأمره به ربه.
فهذا هو الفرق بين الموفق والمخذول: كلاهما يسمع ويبصر ويتكلم ويتحرك، لكن الموفق تسوقه محبة الله ومراقبته، والمخذول يسوقه هواه وغفلته.
6- يقول ابن القيم رحمه الله: مِثَال تولد الطَّاعَة ونموها وتزايدها كَمثل نواة غرستها فَصَارَت شَجَرَة ثمَّ أثمرت فَأكلت ثَمَرهَا وغرست نَوَاهَا فَكلما أثمر مِنْهَا شَيْء جنيت ثمره وغرست نَوَاه وَكَذَلِكَ تداعي الْمعاصِي فليتدبّر اللبيب هَذَا الْمِثَال فَمن ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بعْدهَا وَمن عُقُوبَة السَّيئَة السَّيئَة بعْدهَا.
الطاعة ليست عملا منفردا ينتهي أثره بمجرد فعله، بل هي بذرة حية إذا وُضعت في القلب والعمل، أنبتت طاعات أخرى.
وكذلك المعصية قد تكون بذرة شر إذا لم يتداركها العبد بالتوبة، أنبتت بعدها معاصي أخرى، لذلك شبّه الطاعة بالنواة التي تُغرس، ثم تصير شجرة، ثم تثمر، ثم يؤخذ من ثمرها نوى جديد يُغرس مرة أخرى، فتكثر الأشجار والثمرات.
فقوله: “مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها” يعني أن الطاعة لها خاصية التوالد. فالعبد يصلي ركعتين بصدق، فتثمران في قلبه خشوعا، وهذا الخشوع يثمر ترك ذنب، وترك الذنب يثمر نورا في القلب، وهذا النور يثمر رغبة في القرآن، والقرآن يثمر محبة لله، والمحبة تثمر صدقة أو برا أو صبرا، وهكذا تصبح الحسنة الأولى كأنها أمّ لحسنات بعدها، وهذا المعنى كأنه تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [سورة محمد: 17]، فالعبد إذا أخذ بأول الهداية، زاده الله هداية بعدها، وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [سورة مريم: 76]
وقوله: “كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت” تصوير بليغ؛ لأن النواة صغيرة جدا، وربما يراها الإنسان شيئا لا قيمة له، لكنها إذا وُضعت في أرض صالحة وسُقيت صارت شجرة، كذلك الطاعة الصغيرة: تسبيحة، صدقة قليلة، ركعتان، صفحة قرآن، قد تبدو صغيرة، لكنها إذا صدرت من قلب صادق وسُقيت بالإخلاص صارت شجرة إيمانية عظيمة.
ثم قال: “فأكلت ثمرها وغرست نواها”، أي أنك لا تنتفع بالطاعة مرة واحدة فقط، بل تنتفع بثمرتها ثم تجعل هذه الثمرة سببا لطاعة جديدة، مثل من يحافظ على صلاة الفجر؛ ثمرتها نور وبركة في اليوم، وهذه البركة تعينه على ورد القرآن، وورد القرآن يعينه على غض البصر، وغض البصر يعينه على صفاء القلب، وصفاء القلب يعينه على الدعاء، والدعاء يفتح له أبوابا أخرى؛ فكل ثمرة طاعة يمكن أن تتحول إلى نواة لطاعة جديدة.
وقوله: “وكذلك تداعي المعاصي” أي أن المعاصي أيضا تتداعى وتتوالد إذا لم تُقطع بالتوبة؛ فالنظرة المحرمة قد تلد خاطرة، والخاطرة قد تلد تعلقا، والتعلق قد يلد مراسلة، والمراسلة قد تلد خلوة، والخلوة قد تلد فاحشة، وكلمة الغيبة قد تلد قسوة، والقسوة تلد جرأة، والجرأة تلد ذنبا أكبر، والتهاون في صلاة واحدة قد يلد تهاونا في الثانية، ثم يصير الترك سهلا على النفس.
ولهذا قال: “ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها”؛ أي أن من عقوبات الذنب أن يفتح على صاحبه باب ذنب آخر، إذا لم يبادر بالتوبة والاستغفار، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة الصف: 5]، فالزيغ الأول من العبد، ثم تكون العقوبة أن يزداد القلب انحرافا إذا أصر ولم يرجع، وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين: 14] فالذنوب إذا تراكمت صنعت رانا على القلب، حتى يثقل عن الطاعة ويألف المعصية.
وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ العبدَ إذا أخطأ خطيئةً نُكِتت في قلبِه نُكتةٌ سوداءُ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبُه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبَه، وهو الرانُ الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾” أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد.
7- يقول ابن القيم رحمه الله: لَيْسَ الْعجب من مَمْلُوك يتذلل لله ويتعبّد لَهُ وَلَا يمل من خدمته مَعَ حَاجته وَفَقره إِلَيْهِ إِنَّمَا الْعجب من مَالك يتحبب إِلَى مَمْلُوكه بصنوف إنعامه ويتودد إِلَيْهِ بأنواع إحسانه مَعَ غناهُ عَنهُ.
الأمر العجيب حقا ليس أن يتذلل العبد لله، ولا أن يكثر من عبادته، ولا أن يخدمه بالطاعة؛ لأن العبد مملوك فقير محتاج، وكل خيره وسعادته ونجاته بيد الله؛ فالعبد إذا صلى وصام وذكر وتاب وبكى وسجد، فهذا هو مقتضى عبوديته وحاجته؛ هو المحتاج إلى ربه في كل نفس، فليس عجيبا أن يقف على باب مولاه، فالعبد لا يستغني عن الله طرفة عين: في رزقه، وصحته، وهدايته، وثباته، ومغفرته، وحفظ قلبه، وحسن خاتمته، “إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه“، الله سبحانه هو الملك الغني الحميد، ومع ذلك يتودد إلى عباده بالنعم: يرزقهم، ويسترهم، ويعافيهم، ويفتح لهم أبواب التوبة، ويجيب دعاءهم، ويفرح بتوبتهم، ويضاعف حسناتهم، ويغفر سيئاتهم، ويدعوهم إلى جنته، فالعبد محتاج إلى الله، ومع ذلك الله هو الذي يبدأه بالإحسان، قبل أن يطيعه العبد، وبعد أن يقصر، بل حتى وهو يعصيه لا يقطع عنه كل نعمه.
وقوله: “ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه” معناه أن الله لا يحسن إلى العبد لحاجة منه إلى العبد، ولا لأنه ينتفع بطاعته، بل لأنه سبحانه كريم رحيم ودود.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ سورة البروج: 14. والودود هو الذي يحب أولياءه ويتودد إلى عباده بأنواع النعم والإحسان، ومن أعجب ذلك أن العبد يذنب، ثم يفتح الله له باب التوبة، ويفرح بتوبته، ويبدل سيئاته حسنات إن صدق، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ سورة البقرة: 222.
فليس غريبا أن يخضع الفقير للغني، والمملوك للمالك، والمحتاج لمن بيده حاجته. إنما العجب أن الملك الغني يتقرب إلى عبده الضعيف بالنعم، ويتودد إليه بالإحسان، ويستره مع تقصيره، ويقبله إذا تاب، ويثيبه إذا أطاع، مع أنه سبحانه لا يحتاج إليه أبدا؛ فمن عرف هذا أحب الله، واستحيا منه، وترك العجب، ورأى كل عبادة يؤديها من فضل الله عليه.
8- يقول ابن القيم رحمه الله: كفى بك عزّا أَنَّك لَهُ عبد … وَكفى بك فخرا أَنه لَك رب.
معنى هذه الكلمة أن أعظم شرف للإنسان ليس نسبه، ولا ماله، ولا منصبه، ولا مدح الناس له، وإنما أعظم شرفه أن يكون عبدًا لله؛ فالعبودية لله هي عين العز؛ لأن من كان عبدًا لله تحرر من العبودية لغيره: لا يعبد هواه، ولا يذل لشهوة، ولا ينكسر أمام مخلوق، ولا يبيع دينه لأجل دنيا، ولذلك قال ابن القيم: “كفى بك عزًا أنك له عبد”، أي يكفيك من العزة أن تكون منسوبًا إلى الله بالعبودية والمحبة والطاعة.
وقوله: “وكفى بك فخرًا أنه لك رب” يعني أن أعظم ما يفتخر به المؤمن أن ربه هو الله: الذي خلقه، ورزقه، وستره، وهداه، ودعاه إلى التوبة، ووعده بالمغفرة، وتولاه في ضعفه، وسمع دعاءه، وعلم سره، ولم يتركه لنفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سورة الأنعام: 164.
- أنت عبد، فلا تتكبر؛ وربك الله، فلا تيأس.
- أنت عبد، فلا تعجب بعملك؛ وربك كريم، فلا تقنط من رحمته.
- أنت عبد، فلا تعترض على حكمه؛ وربك حكيم، فلا تظن به إلا الخير.
- أنت عبد، فلا تستقل بنفسك؛ وربك قريب، فاسأله واستعن به.
ولهذا كان المؤمن يجمع بين الذل لله والعزة بالله: يضع جبهته على الأرض ساجدًا، فيرفعه الله، ويعترف بفقره، فيغنيه الله، ويكسر نفسه بين يدي ربه، فيجبره الله.

