(23)الْغيرَة غيرتان: غيرَة على الشَّيْء وغيرة من الشَّيْء

قال ابن القيم رحمه الله: الْغيرَة غيرتان غيرَة على الشَّيْء وغيرة من الشَّيْء. فالغيرة على المحبوب حرصك عَلَيْهِ والغيرة من الْمَكْرُوه أَن يزاحمك عَلَيْهِ. فالغيرة على المحبوب لَا تتمّ إِلَّا بالغيرة من المزاحم وَهَذِه تحمد حَيْثُ يكون المحبوب تقبح الْمُشَاركَة فِي حبه كالمخلوق وَأما من تحسن الْمُشَاركَة فِي حبه كالرسول والعالم بل الحبيب الْقَرِيب سُبْحَانَهُ فَلَا يتصوّر غيرَة الْمُزَاحمَة عَلَيْهِ بل هُوَ حسد.
الشرح:
قوله: “الغيرة غيرتان: غيرة على الشيء، وغيرة من الشيء“
أي أن عندنا غيرة معناها الحفظ والصيانة، وهذه هي الغيرة على المحبوب؛ كأن يغار الرجل على أهله من الفساد، أو يغار المؤمن على دينه من الانتهاك.
وهناك غيرة أخرى معناها الضيق من مزاحمة غيرك لك في محبوبك، وهذه هي الغيرة من المزاحم؛ أي أنك لا تريد أحدا أن يشاركك في هذا القرب أو الحب أو المكانة.
ثم قال: “فالغيرة على المحبوب حرصك عليه“، أي أن الغيرة الصحيحة في أصلها نوع من الحماية، فمن أحب شيئا حقيقيا خاف عليه من الضياع والفساد والنقص. فالذي يحب دينه يغار إذا انتُهكت محارم الله، والذي يحب أهله يغار عليهم من أسباب الفتنة، ولذلك جاء في الحديث: “إنَّ مِنَ الغَيرةِ ما يُحِبُّ اللَّهُ، ومنها ما يُبغِضُ اللَّهُ، فأمَّا التي يُحِبُّ اللَّهُ فالغيرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا الغيرةُ التي يُبغِضُ اللَّهُ فالغيرةُ في غيرِ رِيبةٍ“، وصححه الألباني كما في صحيح أبي داود.
وقوله: “والغيرة من المكروه أن يزاحمك عليه“ معناه أن الإنسان قد يحب شيئا، ثم يكره أن يشاركه غيره فيه، وهذه قد تكون محمودة وقد تكون مذمومة بحسب نوع المحبوب. فإن كان المحبوب مما لا تقبل المشاركة فيه، فالغيرة من المزاحم طبيعية ومحمودة في حدود الشرع؛ مثل غيرة الزوج على زوجته، لأن العلاقة الزوجية لا تقبل أن يزاحمه فيها أجنبي، وفتح باب المشاركة فيها فساد وخيانة.
ولذلك قال ابن القيم: “وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح المشاركة في حبه كالمخلوق“، أي في بعض صور محبة المخلوق التي تختص بحقوق لا يجوز أن يشارك فيها غيره.
أما إذا كان المحبوب مما تحسن المشاركة في حبه، فهنا لا تكون الغيرة من المزاحم غيرة شرعية، بل تصير حسدا.
ولهذا قال ابن القيم: “وأما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه، فلا يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد“
ومعناه: لا يجوز أن تضيق إذا رأيت غيرك يحب الله، أو يكثر الصلاة، أو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ينتفع بعالم، أو يسبقك إلى مجلس علم، أو يكون له نصيب من القرب والطاعة، فهذه المحبوبات كلما كثر المشاركون فيها كان ذلك أفضل وأحب إلى الله.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) أخرجه البخاري
فمحبة الله مثلا ليست شيئا خاصا بك حتى تغار من غيرك إذا أحبه؛ بل من صدق محبتك لله أن تفرح إذا رأيت الناس يحبونه ويطيعونه، ومن صدق محبتك للنبي صلى الله عليه وسلم أن تفرح إذا رأيت الناس يتبعون سنته ويكثرون الصلاة عليه. ومن صدق محبتك للعلم أن تفرح إذا رأيت طالبا آخر يتعلم ويترقى.
أما أن تحزن لأن غيرك صار قريبا من الله، أو لأنه صار محبوبا عند شيخ، أو لأنه صار نافعا في الدعوة، فهذا ليس غيرة، بل حسد ملبّس بثوب الغيرة.
وهنا يظهر الفرق الدقيق: الغيرة المحمودة تقول: أخاف على المحبوب أن يفسد أو يُهان أو يُصرف عن وجهه الصحيح. أما الحسد فيقول: أكره أن يشاركني غيري في الخير أو يسبقني إليه. فلو رأيت رجلا يمدح عالما أو ينتفع به، فحزنت لأنك تريد أن تكون أنت وحدك القريب منه، فهذا حسد.
ولو حزنت لأن الناس غلوا في العالم ورفعوه فوق منزلته أو جعلوا محبته تعصبا، فهذه غيرة محمودة على الدين.
ولو رأيت شخصا يصلي ويبكي من خشية الله، ففرحت له ودعوت أن يرزقك الله مثل حاله، فهذا خير ومنافسة صالحة.
أما إن ضاق صدرك وقلت في نفسك: لماذا هو وليس أنا؟ فهذه بداية الحسد.
وقد تكلم الغزالي في حقيقة الحسد فقال: إن من كان باعثه خوف التفاوت وظهور نقصانه عن غيره جره ذلك إلى الحسد المذموم، وأن الحسد حقيقته ميل النفس إلى زوال النعمة عن الأخ، وهذا لا رخصة فيه، وهذا يوافق كلام ابن القيم هنا؛ لأن الذي يضيق من مشاركة غيره له في محبة الله أو الرسول أو العلم ليس في الحقيقة غيورا على المحبوب، بل هو مشغول بمنزلته هو، ويريد أن يبقى متميزا وحده.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقرر قاعدة مهمة في المحبة، وهي أن الله وحده هو المحبوب لذاته من كل وجه، وأن محبة غيره تكون تابعة لمحبته سبحانه.
وهذا يوضح كلام ابن القيم: إذا كانت محبة الله هي الأصل، فكل من شاركك في محبة الله فهو أخ لك في الطريق لا مزاحم لك؛ بل زيادته في المحبة تزيد جمال الطريق، كما أن كثرة المصلين لا تنقص صلاتك، وكثرة الذاكرين لا تنقص ذكرك، وكثرة المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم لا تنقص محبتك له.
وهذا المعنى له تطبيقات كثيرة. في العبادة:
- إذا رأيت غيرك يخشع أكثر منك، فلا تحسده، بل قل: اللهم ارزقني كما رزقته وزده من فضلك.
- في العلم: إذا رأيت طالب علم أنبغ منك أو أحرص على العلم منك، فلا تضق به، بل ادع له بالتوفيق والسداد.
- في الدعوة: إذا التف الناس حول داعية أو شيخ ينتفعون به، فلا تجعل حبك للشيخ ملكية خاصة، بل افرح بانتشار الخير.
- في الصداقة والأخوة: إذا أحب أخوك في الله شخصا صالحا آخر، فلا تجعل الأخوة الإيمانية كأنها علاقة تملك، بل أحب له أن تكثر صلاته بأهل الخير.
- أما في الزوجية والعِرض والحقوق الخاصة، فالغيرة لها موضعها وحدودها الشرعية، لأنها حماية لما لا تحل فيه المشاركة.
ومن هنا نفهم دقة ابن القيم: الغيرة ليست دائما فضيلة، وليست دائما رذيلة، فهي فضيلة إذا كانت حماية لما يجب حفظه، ورذيلة إذا كانت ضيقا من خير وصل إلى غيرك.
قال ابن القيم رحمه الله: والغيرة المحمودة فِي حَقه أَن يغار الْمُحب على محبته لَهُ أَن يصرفهَا إِلَى غَيره، أَو يغار عَلَيْهَا أَن يطلع عَلَيْهَا الْغَيْر فيفسدها عَلَيْهِ، أَو يغار على أَعماله أَن يكون فِيهَا شَيْء لغير محبوبه، أَو يغار عَلَيْهَا أَن يشوبها مَا يكره محبوبه من رِيَاء، أَو إعجاب، أَو محبَّة لإشراف غَيره عَلَيْهَا، أَو غيبته عَن شُهُود منته عَلَيْهِ فِيهَا.
الغيرة المحمودة في حق الله تعالى، أي الغيرة التي ينبغي أن تكون في قلب العبد الصادق المحب لله، وليس معناها أن يغار العبد من محبة غيره لله، فهذا حسد كما سبق، بل معناها أن يغار على قلبه وعمله وإخلاصه أن يدخلها ما يفسدها.
فقوله: “أن يغار المحب على محبته له أن يصرفها إلى غيره“ يعني أن المؤمن يخاف على قلبه أن تتحول محبته العظمى من الله إلى غير الله.
فهو يحب أهله وولده وماله وأصدقاءه، لكن لا يسمح لهذه المحاب أن تزاحم محبة الله أو تقدم عليها، فإذا وجد قلبه يتعلّق بشخص أو مال أو شهوة أو جاه تعلقا يضعف طاعته لله، غار على قلبه وقال: هذا القلب خُلق لمعرفة الله ومحبته، فلا ينبغي أن يكون أسيرا لما سواه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ سورة البقرة: 165.
وقوله: “أو يغار عليها أن يطلع عليها الغير فيفسدها عليه“ معناه أن بعض أحوال المحبة بين العبد وربه ينبغي أن تبقى خبيئة بينه وبين الله؛ كدمعة في السحر، أو دعاء في خلوة، أو صدقة سر، أو توبة لا يعلمها أحد.
فإذا أطلع العبد الناس على كل أحواله، ربما دخل عليه حب المدح أو طلب المنزلة أو الشعور بالتميز، فتفسد عليه حلاوة الإخلاص.
وقوله: “أو يغار على أعماله أن يكون فيها شيء لغير محبوبه“ أي أن العبد الصادق يفتش عمله:
- هل صليت لله أم ليقال خاشع؟
- هل تصدقت لله أم ليقال كريم؟
- هل طلبت العلم لله أم ليقال عالم؟
- هل نصحت لله أم لأثبت أنني أفهم من غيري؟
هذه الغيرة هي غيرة الإخلاص، فالعمل قد يكون ظاهره طاعة، لكن القلب قد يلتفت فيه إلى غير الله. ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ سورة الكهف: 110.
وقوله: “أو يغار عليها أن يشوبها ما يكره محبوبه من رياء“ فالرياء هو أن يعمل الإنسان العمل ليراه الناس أو ليحمدوه، وهذا من أخطر ما يفسد العبادة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصغرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ“
وقوله: “أو إعجاب“ يعني أن العبد قد لا يعمل لأجل الناس، لكنه بعد العمل يعجب بنفسه، فيرى أنه قام بشيء عظيم، أو أنه أفضل من غيره، أو أن له حقا على الله بسبب طاعته، وهذا أيضا يفسد القلب، لأن حقيقة الطاعة أنها توفيق من الله قبل أن تكون جهدا من العبد.
وقوله: “أو محبة لإشراف غيره عليها“ قد لا يطلب الإنسان مدح الناس صراحة، لكنه يحب أن يعرفوا بطاعته، أو يفرح إذا علموا بإنجازه الديني، أو يتمنى أن يراه الناس في حال عبادة وخشوع وعلم؛ هذه محبة خفية لاطلاع الخلق، وهي قد تضعف الإخلاص، ولذلك كان من فقه القلب أن يترك العبد لنفسه أعمالا لا يعلمها أحد، حتى يربيها على أن الله يكفيها شاهدا.
وقوله: “أو غيبته عن شهود منته عليه فيها“ معناها أن من آفات العمل أن ينسى العبد أن الله هو الذي منّ عليه بالطاعة. فيغيب عن مشاهدة فضل الله، فيرى العمل من نفسه، ويعتمد على جهده، وينسى أن الله هو الذي أقدره ووفقه وفتح له الباب. فحتى إخلاصك نعمة، وحتى توبتك نعمة، وحتى خوفك من الرياء نعمة.
قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَـٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ سورة الحجرات: 7-8.
ومن أجمل ما يطبّق هذا الكلام عمليا أن يجعل المؤمن له نصيبا من الطاعات الخفية: ركعتان لا يعلم بهما أحد، صدقة لا يعرفها أحد، دعاء في ظهر الغيب، استغفار في طريقه، دمعة بينه وبين الله، ترك معصية لا يراه فيها أحد؛ فهذه الخبايا تحفظ القلب من حب الظهور، وتعلّمه أن أعظم شاهد هو الله، وأن أجمل الأعمال ما وصل إلى الله ولم يفسده طلب نظر الخلق.
قال ابن القيم رحمه الله: وَبِالْجُمْلَةِ فغيرته تَقْتَضِي أَن تكون أَحْوَاله وأعماله وأفعاله كلهَا لله، وَكَذَلِكَ يغار على أوقاته أَن يذهب مِنْهَا وَقت فِي غير رضى محبوبه فَهَذِهِ الْغيرَة من جِهَة العَبْد وَهِي غيرَة من المزاحم لَهُ المعوق الْقَاطِع لَهُ عَن مرضاة محبوبه.
مراد ابن القيم هنا أن الغيرة الصادقة في قلب العبد المحب لله لا تقف عند ترك المعاصي الظاهرة فقط، بل تمتد إلى أحوال القلب، وأعمال الجوارح، وحركة الإنسان في يومه كله، حتى يصير العبد كأنه يقول لنفسه: هذا القلب لله، وهذا الوقت لله، وهذه النية لله، وهذه القوة التي أعطاني الله إياها لا ينبغي أن تُصرف فيما يبعدني عنه.
فقوله: “وبالجملة فغيرته تقتضي أن تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله“ معناه أن العبد الغيور على محبة الله لا يرضى أن يكون لله جزء من حياته، وللهوى جزء آخر مستقل، بل يريد أن يدخل معنى العبودية في كل شيء: في صلاته وصيامه وذكره، وفي دراسته وعمله وكسبه، وفي كلامه وسكوته، وفي علاقاته وراحته، وحتى في نومه وطعامه إذا قصد بهما التقوي على طاعة الله.
وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ سورة الأنعام: 162-163. فالمحب لا يكتفي بأن تكون صلاته لله، بل يريد أن يكون “محياه” كله لله، أي وجهته العامة ونيته الكبرى ومقصده الأعلى.
وقوله: “وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه“
وهذا من أدق الكلام في تزكية النفس؛ لأن الوقت هو مادة العمر، فإذا ذهب الوقت ذهب جزء من حياة الإنسان لا يرجع، فالعبد المحب يغار على وقته كما يغار الكريم على ماله، بل أشد؛ لأن المال قد يعود، أما الساعة التي مضت فلا تعود.
ومعنى الغيرة على الوقت ليس أن يظل الإنسان في صلاة وقراءة فقط ولا ينام ولا يرتاح ولا يأنس بأهله، فهذا ليس مراد الشرع، ولكن المعنى ألا يكون وقته غافلا ضائعا في الحرام، أو العبث ، أو الفضول الذي يقسي القلب ويبعده عن الله.
حتى الراحة يمكن أن تكون لله إذا نوى بها استعادة قوته لطاعة الله، وحتى العمل الدنيوي يمكن أن يكون لله إذا نوى به الكسب الحلال وكف النفس عن السؤال والقيام بحقوق الأهل.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ سورة العصر: 1-3.
فكأن السورة كلها تنبه أن الأصل في الإنسان الخسارة؛ لأن رأس ماله، وهو العمر، ينقص كل لحظة، ولا ينجو إلا من ملأ عمره بالإيمان والعمل الصالح والحق والصبر.
ثم قال: “فهذه الغيرة من جهة العبد“ أي أن الكلام هنا ليس عن غيرة الله سبحانه، بل عن غيرة العبد المحب على قلبه وعمله ووقته، فالعبد يغار أن يدخل بينه وبين الله قاطع، أو أن يسرق وقته ما لا ينفع، أو أن تفسد نيته، أو أن يزاحم حب الله في قلبه حب مذموم أو تعلق مضر، فهو دائم التفقد لنفسه: هل هذا الكلام يرضي الله؟ هل هذا المجلس يقربني أو يبعدني؟ هل هذه الصحبة تعينني أو تقطعني؟ هل هذا الانشغال مباح نافع أم مجرد هروب من واجب؟ هل هذا العمل لله أم لأجل نظر الناس؟
وقوله: “وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبه“ يبين أن العبد هنا لا يغار من الناس الذين يحبون الله، بل يغار من كل شيء يزاحم محبة الله في قلبه أو يعوقه عن مرضاته، فالمزاحم قد يكون شهوة، وقد يكون كسلا، وقد يكون صحبة فاسدة، وقد يكون هاتفا يسرق الساعات، وقد يكون حبا للمدح، وقد يكون خوفا من الناس، وقد يكون مالا أو منصبا أو عادة أو ذنبا خفيا.
فكل ما قطعك عن الله أو أضعف سيرك إليه فهو مزاحم ينبغي أن تغار منه، لا بمعنى أن تترك الدنيا كلها، بل بمعنى أن تضع كل شيء في مكانه: الدنيا في اليد لا في القلب، والناس أسباب لا غايات، والراحة وسيلة لا مقصد، والعمل الدنيوي طريق للحلال لا حجاب عن الله.
وهذا المعنى يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ“ أخرجه البخاري.
فالغبن هنا أن يملك الإنسان صحة ووقتا، ثم يبيعهما بثمن بخس: معصية، غفلة، فضول كلام، تعلق لا ينفع، أو تسويف طويل.
والمحب الصادق إذا انتبه لهذا يغار على ساعاته، لأنه يعلم أن العمر قصير، وأن الطريق إلى الله يحتاج صدقا وحراسة.
ومن تمام هذا الفهم أن الغيرة على الوقت لا تعني احتقار المباحات، بل تعني تحويل المباحات إلى نيات صالحة، وتقليل ما لا ثمرة له، فالطعام بنية القوة طاعة، والنوم بنية النشاط طاعة، والعمل بنية الحلال طاعة، والجلوس مع الأهل بنية إدخال السرور وصلة الرحم طاعة، والرياضة بنية حفظ البدن طاعة، والدراسة بنية نفع النفس والناس طاعة. بهذا تصير “الأحوال والأعمال والأفعال كلها لله” كما قال ابن القيم. أما أن يعيش الإنسان ساعات طويلة بلا نية، وبلا مراقبة، وبلا هدف، ثم لا يشعر بالخسارة، فهذا من موت الغيرة على الوقت.
وفي هذا الباب جاء الحديث العظيم: “احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ“ أخرجه مسلم.
أي لا تعتمد على قوتك وحدك؛ ولا تعجز، أي لا تستسلم للكسل والتسويف. فالعبد الغيور لا يقول فقط: أنا أحب الله، بل يترجم المحبة إلى حفظ الوقت، وتصحيح النية، ومجاهدة القواطع، والرجوع السريع إذا غفل.
قال ابن القيم رحمه الله: وَأما غيرَة محبوبه عَلَيْهِ فَهِيَ كَرَاهِيَة أَن ينْصَرف قلبه عَن محبته إِلَى محبَّة غَيره بِحَيْثُ يُشَارِكهُ فِي حبه وَلِهَذَا كَانَت غيرَة الله أَن يَأْتِي العَبْد ما حرم عَلَيْهِ وَلأَجل غيرته سُبْحَانَهُ حرّم الْفَاحِشَة مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطنِ، لِأَن الْخلق عبيده وإماؤه فَهُوَ يغار على إمائه كَمَا يغار السَّيِّد على جواريه، وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى ويغار على عبيده أَن تكون محبتهم لغيره بِحَيْثُ تحملهم تِلْكَ الْمحبَّة على عشق الصُّور ونيل الْفَاحِشَة مِنْهَا.
قوله: “وأما غيرة محبوبه عليه“
أي غيرة الله على عبده المحب، لأن الله سبحانه هو المحبوب الأعظم، والعبد المؤمن محبوب لله بقدر إيمانه وطاعته.
وهذه الغيرة ليست كغيرة المخلوقين القائمة على نقص أو خوف أو حاجة، فالله غني عن العالمين، لا يضره عصيان العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين، ولكنها غيرة كمال وجلال وحكمة ورحمة؛ فهو سبحانه يكره لعبده أن يبيع قلبه للشهوة، أو أن يذل نفسه لعشق محرم، أو أن يصرف محبته العظمى إلى غير من خلقه ورزقه وهداه.
ومعنى قوله: “فهي كراهية أن ينصرف قلبه عن محبته إلى محبة غيره بحيث يشاركه في حبه“
أن الله لا يرضى من عبده أن يجعل في قلبه محبة تزاحم محبة الله وتغلب عليها وتدفعه إلى معصيته، فالإنسان قد يحب أهله وولده وماله وصديقه، وهذا جائز إذا بقي تحت محبة الله، ولم يصرفه عن طاعته، لكن المذموم أن تتحول محبة المخلوق إلى سلطان على القلب، بحيث إذا أمر الله بشيء وأمر الهوى بشيء، قدم العبد هواه، ومحبوبه على أمر الله، هنا صارت المحبة مزاحمة خطيرة، لأنها لم تعد محبة طبيعية، بل صارت نوعا من العبودية القلبية.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ سورة البقرة: 165.
فالخلل ليس في أصل محبة المخلوق، بل في أن يُحب كحب الله، أو أن يطاع في معصية الله، أو أن يصير القلب أسيرا له حتى يرضى الله أو يغضبه بحسب رضا ذلك المخلوق وغضبه.
ثم قال ابن القيم: “ولهذا كانت غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه“
أي أن من آثار غيرة الله أنه حرم على عباده ما يفسد قلوبهم وأعراضهم وأرواحهم، وخاصة الفواحش، فالله لم يحرم الحرام تضييقا على عباده، بل حماية لهم من فساد النفس والقلب والمجتمع، فالزنا، والعشق المحرم، والنظر المحرم، والخلوة المحرمة، والتعلق الشهواني بالصور، كلها ليست مجرد أفعال خارجية، بل أبواب تدخل إلى القلب فتستعبده وتخرجه من نور المحبة الطاهرة إلى ظلمة الشهوة والذل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وإنَّ المُؤْمِنَ يَغَارُ، وغَيْرَةُ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ ما حَرَّمَ عليه“ أخرجه البخاري ومسلم.
وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، ولِذلكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أَحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، ولِذلكَ مَدَحَ نَفْسَهُ“ أخرجه البخاري ومسلم.
فغيرة الله أن تنتهك محارمه يعني غضب الله عز وجل ووقوع مؤاخذته مترتب على فعل العبد ما فيه معصية لله ورغم غيرته إذا انتهكت محارمه جل في علاه إلا أنه حليم لا يعجل، ولا يهتك الستر من أول مرة، والله تعالى يمهلنا لأن عقوبته أليمة شديدة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) [سورة البقرة الآيتان رقم 278 و279] هذه غيرة الله على محارمه وحدوده فغيرة الله معناها أن تنتهك محارمه.
وغيرة الله أن يعتدى على أوليائه قال تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) [النساء الآية رقم 93] هذا اعتداء على نفس بغير حق فجزاؤه جهنم.
وهذا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة: (من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أخرجه البخاري
ومن غيرة الله تعالى أن تشكر غيره هو من رزق وهو من أنعم ثم يشكر العبد غيره وهذا من الشرك، ولذلك عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ) أخرجه البخاري ومسلم، وغيرة الله هنا معناها عقاب الفاعل عقاب المشرك الذي شكر غيره المجترئ على حدوده سبحان الله
وقال ابن القيم – رحمه الله – : “ الغيرة تتضمن البغض والكراهة ، فأخبر أنه لا أحدَ أغير منه ، وأن من غيْرته حرَّم الفواحش ، ولا أحد أحب إليه المِدْحة منه ، والغيْرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية ، كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية ؛ فيستحيل وصفه عندهم بذلك ، ومعلوم أن هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً ، وأضدادها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً ؛ فإن الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها : مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح ” انتهى من ” الصواعق المرسلة ” ( 4 / 1497 ) .
وقوله: “ولأجل غيرته سبحانه حرّم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن“
مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة الأعراف: 33.
والفاحشة الظاهرة مثل الزنا والعمل الفاحش المعلن، والفاحشة الباطنة مثل التمني المحرم، والعشق الخفي، وخيانة القلب، والتلذذ بالصور المحرمة، والرضا بالحرام في الداخل ولو لم يقع الفعل في الخارج، فالله يريد طهارة الظاهر والباطن، لا مجرد صورة مستقيمة وقلب ملوث.
ثم قال: “لأن الخلق عبيده وإماؤه“، أي أن الناس كلهم ملك لله، رجالهم ونساؤهم، أحرارهم وعبيدهم، أقوياؤهم وضعفاؤهم، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في عبيد الله وإمائه على خلاف أمر الله، ولا أن يعتدي على أعراضهم، ولا أن يجعلهم مادة لشهوته، ولا أن يفسد قلوبهم وأبدانهم.
وقوله: “فهو يغار على إمائه كما يغار السيد على جواريه، ولله المثل الأعلى“ يحتاج إلى فهم صحيح؛ ابن القيم يستعمل مثالا معروفا في كلام العرب، وهو أن السيد لا يرضى أن يُعتدى على من هن تحت ملكه وحمايته، فكيف بملك الملوك سبحانه؟ لكنه قال: “ولله المثل الأعلى” حتى لا يتوهم متوهم أن غيرة الله كغيرة المخلوقين. فغيرة المخلوق قد يكون فيها ضعف وحاجة وخوف، أما غيرة الله فهي صفة كمال تليق بجلاله، قائمة على الحكمة والعدل والرحمة، لا تشبه صفات المخلوقين. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الشورى: 11.
ثم قال: “ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها“
وهذه هي نهاية الفكرة، فالمشكلة تبدأ بمحبة منحرفة، ثم تتحول إلى عشق صورة، ثم تقود إلى الفاحشة. و”عشق الصور” عند ابن القيم يعني التعلق المرضي بجمال مخلوق أو صورته أو خياله حتى يستولي على القلب، فيصير العبد يفكر فيه، ويتمنى الحرام، ويضعف أمام النظر والمراسلة والخلوة، ثم ربما يقع في الفاحشة.
فابن القيم ينبه أن الفاحشة لا تبدأ فجأة، بل تبدأ من القلب: نظرة، فخاطرة، فميل، فتعلق، فعشق، فسعي، ثم سقوط إن لم يرحم الله العبد.
ولهذا جاء الشرع بسد الأبواب قبل وقوع الفاحشة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سورة الإسراء: 32.
ولم يقل: ولا تزنوا فقط، بل قال: ولا تقربوا الزنى، أي لا تقتربوا من طرقه ومقدماته: نظر محرم، خلوة، كلام مريب، تعلق، مراسلات، إطلاق الخيال، تساهل في الحدود. لأن القلب إذا تُرك للمقدمات ضعف عند النهايات.
الخلاصة:
أن الله سبحانه من كمال رحمته وجلاله يغار على قلب عبده أن يصير عبدا للشهوة بعد أن خلقه لعبوديته، ويغار على عباده وإمائه أن تُنتهك حرمتهم أو يكونوا محلا للفاحشة، ويغار على محبة عبده أن تنصرف إلى عشق محرم يزاحم محبة الله ويقوده إلى المعصية. ولذلك حرّم الفواحش الظاهرة والباطنة، لا لأن الله يحتاج إلى طاعة عباده، بل لأن العبد هو المحتاج إلى الطهارة، والقلب إذا تلوث بالعشق المحرم ذل واضطرب، وإذا امتلأ بمحبة الله طهر واستقام.
والتطبيق العملي لهذا الكلام أن المؤمن لا ينتظر حتى يقع في الفاحشة ثم يندم، بل يغار على قلبه من البداية، يغار من النظرة التي تفتح باب الخيال، ومن الخيال الذي يفتح باب التعلق، ومن التعلق الذي يفتح باب المراسلة، ومن المراسلة التي تفتح باب الخلوة، ومن الخلوة التي تفتح باب السقوط.
فإذا وجد في قلبه ميلا محرما، لم يقل: هذا حب بريء، بل عرضه على الشرع: هل يقربني من الله أم يقطعني عنه؟ هل يزيد قلبي طهرا أم يشغله بالحرام؟ هل يحملني على العفة أم يدفعني إلى الفاحشة؟ فمن صدق في هذا الباب حفظ الله قلبه، ومن استهان بالمقدمات أوشك أن تجره إلى ما بعدها.

