في هذه الأيام المباركة يتدارس المسلمون هذا الابتلاء العظيم الذي ابتلى الله تعالى به خليله إبراهيم عليه السلام حينما أمره بذبح ولده فامتثل الابن مستسلماً لأمر الله تعالى كما ورد في قوله تعالى: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [سورة الصافات الآية 102] وهذه القصة فيها الكثير من الدروس والعبر التي أود الوقوف مع بعضها في هذه الدقائق المباركة، وقبل الحديث عن الدروس والعبر أقدم بمقدمة سريعة بين يدي الموضوع فأقول:
إن من أكبر التحديات التي تؤرقنا في زماننا هذا هي قضية الأبناء وصلاحهم وتقواهم والحرصهم على الدين والصحبة الصالحة وحمايتهم من الانحراف السلوكي أو المسالك الإجرامية، وهناك فتوى قديمة متداولة لا أدري ما مصدرها تزعم أن الإقامة في بلاد الغرب محرمة مطلقاً بحجة أنه سيخرج من صلبك كفار أو أن أحفادك سيضلون وأنك تتحمل وزرهم!!!
وللرد على ذلك أقول: لا بد وأن نعلم أن مسألة الهداية والضلال هي بيد الله وحده، ولقد ذكر الله هذه الحقيقة في القرآن مع الخليل إبراهيم في سورة البقرة : {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة الآية 124] ، فبين سبحانه أن من ذرية إبراهيم من هو من الظالمين، وكذلك في سورة الصافات {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات الآية 113] فوجود الصالح والطالح في الذرية سنة ربانية لا ترتبط بمكان دون آخر.
ابن نوح وابن إبراهيم:
وضرب الله لنا مثلاً بابن نبي الله نوح عليه السلام الذي رفض ركوب السفينة واختار الكفر كما جاء في قوله تعالى: { يا بني اركن معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي الى جبل يعصمني مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [سورة هود الآية 43] ونادى نوح ربه بعاطفة الأبوة {وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}[هود 45 و 46 ] فهذا مثال للابن العاق الذي اختار الكفر وهو ابن نبي.
وفي المقابل نجد إسماعيل عليه السلام الذي استسلم لأمر الله حين أخبره أبوه بالرؤيا التي هي وحي من الله كما ورد في قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ )فأجاب الابن أباه قائلا: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [سورة الصافات الآية 102]
ليس معنى كلامي أن ضلال الأبناء أمر حتمي بل أقول إن هذا واقع بقدر الله وعلينا نحن كآباء أن نبذل وسعنا في إطعامهم من الحلال والاهتمام بدينهم وتقواهم وتربيتهم وحثهم على أن يكونوا نافعين في مجتمعاتهم، فمن اهتدى فبفضل الله، ومن ضل فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
والأرض لا تقدس أحداً سواء كنت في مكة المكرمة أو في كندا فالعالم أصبح قرية صغيرة والفتن منتشرة في كل مكان، والأهم هو عدم الإهمال في الرعاية والدفء الأسري والحوار.
الأبناء والمال فتنة واختبار
لقد أمرنا الله تعالى بحماية أهلينا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم الآية 6] وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فالدنيا دار ابتلاء وقد قال الله تعالى {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [سورة التغابن الآية 15]والفتنة هنا تعني الاختبار والتمحيص فالمسلم يُبتلى في ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه كما يُبتلى في أولاده من خلال ذلك الصراع الخفي بين عاطفته كأب وبين واجبه كموجه ومربٍّ فالاختبار الحقيقي يكمن في التساؤل هل يدفعك حبك لأولادك ورغبتك في راحتهم إلى إطعامهم من مال حرام ؟أو هل يسوقك الحرص على رضاهم وتدليلهم إلى السكوت عن المحرمات تجنباً لإغضابهم؟ أم أنك تضع تقوى الله في المقام الأول؟ في كل أحوالك سواء في كسبك أو إنفاقك أو طريقتك في توجيههم وتربيتهم؟
إن الأمر ليس هيناً على النفس البشرية ولذلك ختم الله عز وجل الآية ببيان الثواب الجزيل لمن وفقه الله للنجاح في هذا الاختبار فقال: {وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فهذا الأجر العظيم هو جائزة لكل أب وأم آثرا مرضاة الله على الهوى وعملا على تنشئة ذرية صالحة تدرك حدود الله وتلتزم بطاعته بالرغم من كل المغريات والتحديات التي تحيط بهم في هذه الحياة الدنيا التي جعلها الله دار ابتلاء واختبار حتى نلقاه وهو راضٍ عنا وعن ذرياتنا
إذن لا بد وأن نتفق على هذه الثوابت حتى لا تضيع البوصلة من بين أيدينا ونبدأ بالاستسلام للواقع الذي نعيش فيه كأننا نُقاد إلى الهلاك أو الموت دون حول لنا ولا قوة، بل الواجب يحتم عليك أن تأخذ بالأسباب وتوجه أبناءك وتربيهم التربية الصالحة فلا تحرمهم من نصحك الصادق ومن لغة الحوار الهادئ ومن دفء الأبوة الغامر ومن الرعاية والتوجيه المستمر حتى تكون قد أديت الأمانة وخرجت خالياً من المسؤولية أمام الله عز وجل يوم القيامة.
وعوداً إلى قصة الخليل إبراهيم عليه السلام أود أن أتوقف مع بعض الوصايا لتربية الأبناء من خلال قصة الخليل إبراهيم.
أولا/ عليك باختيار الزوجة الصالحة:
أول وصية للشباب الراغبين في الزواج وما يترتب عليه من الذرية هي: إحسان اختيار الأم الصالحة وكذلك للبنات وأوليائهن بضرورة اختيار الزوج الصالح ليكون الأساس متيناً أمام تحديات هذا العصر
إن الأسرة هي المحضن التربوي الأول والأم هي مصنع الرجال الحقيقي وتأثيرها على أبنائها يفوق تأثير الأب لأنها تربي بالعاطفة والحنان مما يجعل أثرها أسرع في النفوس، وهذا لا يلغي دور الأب، بل يؤكد على أهمية حسن الاختيار بأن يتزوج الرجل امرأة ذات دين تعينه على أمر دينه وتربية أولاده، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعيار في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تُنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) فالدين هو المطلب الأهم الذي يجب أن تسعى إليه لتعينك على أمر دينك وتربية أولادك فلا تتساهل في هذا المبدأ، ولا يغرنك الجمال المجرد، أو المال أو الحسب فقط بل اجعل الدين هو شرط القبول الأول وما سواه يأتي تبعاً له.
ولقد لخص المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله هذا المعنى حين تأمل في حديث “تنكح المرأة لأربع” فاعتبر الجمال صفراً والمال صفراً والحسب صفراً أما الدين فهو “الواحد الصحيح” الذي يعطي لتلك الأصفار قيمتها فبدون الواحد الصحيح تبقى الأصفار لا قيمة لها.
فإذا جمع الله لك الصفات الأربع في امرأة فالحمد لله على نعمته وإذا كانت ثلاثاً أو اثنتين فالمهم أن يظل المعيار الأساسي والمحرك لكل هذه الصفات هو الدين الذي به تستقيم الحياة وتُحفظ الذرية.
والحرص على الزواج من صاحبة الدين يظهر جلياً في المجتمعات الغربية التي تمتلك ترسانة من القوانين التي تحصن المرأة وتمنحها حقوقاً واسعة ففي حال حدوث خلاف أو طلاق من زوجة تخالفك في الدين يبرز السؤال المصيري عن دين الأبناء حيث لا يمنح القانون الحق للأب أو الأم في فرض دين معين على الطفل حتى يبلغ سن الرابعة عشرة وحينها يترك له الخيار فماذا عسى أن يختار مراهق في سن الرابعة عشرة لم يُغرس فيه منذ صغره صلاة ولا تقوى ولا صيام لذا فإن اختيار الزوجة الصالحة هو حائط الصد الأول لحماية هوية أبنائك.
نموذج السيدة هاجر وبركة الصلاح
ولنا في السيدة هاجر الطاهرة النقية قدوة بالغة الأثر فعندما تركها الخليل إبراهيم في وادٍ غير ذي زرع طاعةً لأمر الله سألته بلسان اليقين “آلله أمرك بهذا؟” فلما أجاب بنعم قالت “إذن لن يضيعنا” فكانت بركة هذه المرأة الصالحة ليس على ابنها فحسب بل امتدت لتشمل المسلمين جميعاً بنبع زمزم الذي يروي الحجيج وغيرهم من المسلمين على مر الدهور بفضل الله جل وعلا .
ثانيا/ التربية بالحوار والإقناع لا بالإكراه
الدرس الثاني المستفاد من قصة الذبح والفداء هو “التربية بالحوار” ونلاحظ ذلك في لغة الخطاب بين إبراهيم وابنه حيث نادى الأب ابنه بقوله “يا بني” وهي صيغة للتصغير تفيد الاستعطاف والرحمة ، ويرد الابن بقوله “يا أبت” التي تفيد التعظيم والإجلال، وهذا الحوار الراقي هو ما نحتاجه اليوم خاصة مع وجود فضاء إلكتروني مفتوح ، وقنوات تواصل عالمية تسرق عقول أبنائنا؛ فالتربية بالصوت العالي أو “العصا” لم تعد تصلح لجيل يريد أن يقتنع ويفهم.
وديننا ولله الحمد يخاطب العقل ويوافق الفطرة، إن الاعتماد على القهر والعقاب في التربية قد يخرج لنا ابناً منافقاً يصلي ويحفظ القرآن خوفاً من العقاب لا حباً في العبادة وهذا الابن سرعان ما يتمرد ويعاند بمجرد أن يشعر برجولته وتظهر علامات بلوغه حيث يقرر التحرر من تلك القيود التي لم تلامس قلبه يوماً بينما التربية الحقيقية هي التي تغرس في النفس مراقبة الله عز وجل وابتغاء مرضاته فمتى استقرت هذه العقيدة في قلب الابن لن تحتاج لتذكيره بالصلاة في كل وقت لأن علاقته أصبحت مباشرة مع الخالق وليست نفاقاً يمارسه أمامك اتقاءً لغضبك.
فكثير من الآباء يخطئون حين يحاولون جعل أبنائهم نسخة مطابقة لهم في الميول والاهتمامات مما يولد شعوراً بمصادرة الإرادة والحرية ويؤدي في النهاية إلى قطيعة تامة وتمرد عند بلوغ مرحلة الشباب.
فيجب أن يظل الحوار والاتصال قائماً بين الأب وابنه في كل الأوقات بصفة الأب ناصحاً صادقاً ومشفقاً لا قاهراً ومعاقباً فحرصك الأبوي الممزوج باللطف يجعل الابن أكثر استجابة وقرباً بخلاف الضغط والحرمان الذي يولد الانفجار والبعد التام عن الدين والقيم خاصة عند الوصول لمرحلة الثانوية وما بعدها ولذلك فإن الحفاظ على قناة حوار مفتوحة هو الضمانة الوحيدة لبقاء التأثير التربوي في عالم مليء بالمغريات والتحديات.
دور المساجد والمراكز الإسلامية في الغرب
إن المراكز الإسلامية في المجتمعات الغربية ليست مجرد أماكن لأداء الصلوات الخمس بل يجب أن تكون محاضن تربوية وثقافية تحمي هوية الشباب وفي ظل انشغال أبنائنا بالألعاب الإلكترونية المبهرة ومقاطع “الريلز” التي تستنزف ساعات طويلة من يومهم بوجبات بصرية منوعة لا تنتهي صار لزاماً علينا ابتكار أساليب تربطهم بالمسجد برباط المحبة والفرح فيجب أن يكون اصطحاب الطفل إلى المسجد بمثابة “جائزة” ومكافأة له على فعل طيب لا أن يرتبط في ذهنه بالعقوبة أو الحرمان مما يحب.
وينبغي على المربي الحكيم أن يربط قلوب الأطفال الصغار بالمسجد من خلال أشياء يحبونها وتميل إليها نفوسهم فإذا طلب الطفل لعبة أو حلوى أو نوعاً من الشوكولاتة فيمكن للأب أن يستثمر ذلك فيقول له “تعال لنصلي الظهر أولاً ثم نذهب معاً لشرائها” أو “لنصلِّ المغرب في المسجد الفلاني كونه قريباً من المكان الذي تود الذهاب إليه” وبهذه الطريقة يرتبط المسجد في ذهن الطفل بالخير والمكافأة والسرور لا بالعقاب والحرمان من اللعب أو اللهو إنما يراه سبباً مباشراً لكل خير يصيبه سواء كان ذلك قطعة حلوى أو لعبة يحبها مما يجعله يألف ارتياد بيوت الله منذ نعومة أظفاره
مراعاة الإدراك الطفولي في التربية
إن أبناءنا في مراحل عمرهم الأولى لا يدركون المعاني بشكل واضح، أوالمقاييس الأخروية بالصورة الكاملة فمهما حدثتهم عن فضل صلاة الجماعة وأنها تزيد بسبع وعشرين درجة أو حدثتهم عن أجور قراءة القرآن العظيمة فإن ذلك قد لا يصل إلى عمق إدراكهم ولا يفهمونه على وجهه الصحيح لبساطة عقولهم وصغر سنهم، ولذلك لا بد من ربط العبادة في بداياتها بشيء حسي مادي ملموس يدركه الطفل بحواسه حتى يترسخ حب المسجد في وجدانه ويصبح جزءاً أصيلاً من حياته اليومية بدافع المحبة والرغبة لا الرهبة والإكراه.
ومن أنجح الوسائل التربوية أن تشرك ابنك معك في أعمال البر بصورة تطبيقية فإذا كنت في المسجد فأعطه مبلغاً من المال وقل له “اذهب بنفسك وضع هذه الصدقة في صندوق المسجد” واشرح له بأسلوب بسيط أثر هذا العمل وفضله، وكذلك إذا كنت تكفل يتيماً فخذه معك إلى الجمعية المسؤولة ليشاهد بعينه أثر النفقة والرعاية وليلمس معاني التكافل الاجتماعي، وفي شعيرة الأضحية اصطحبه معك إذا كان عاقلاً مدركاً ليشهد مكان الذبح أو يشاركك في استلام اللحم وتوزيعه، فالمشاهدة والمشاركة هما ما يضمن بقاء هذه السنن حية في نفوسهم حتى تدوم وتنتقل عبر الأجيال.
لقد قدم لنا الخليل إبراهيم عليه السلام النموذج الأسمى في إشراك الذرية في أجل الطاعات حيث اصطحب ولده إسماعيل معه في أشرف عمل وهو بناء بيت الله الحرام ورفع قواعده كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [ سورة البقرة الآية 127 ] وهذا يعلمنا أن توريث الدين للأبناء لا يكون بالكلمات المجردة فحسب بل بالمصاحبة الدائمة والملازمة المستمرة والتشجيع المتواصل حتى يشبوا على حب الطاعة ويألفوا فعل الخيرات فتستقيم حياتهم وتتحقق فيهم قرة العين التي يرجوها كل والد.
ثالثا/ الاستمرار في الدعاء للأبناء
النقطة الأخيرة التي أختم بها هي ضرورة الالتزام بالدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء فاستمر في التضرع إلى الله مهما شق عليك الأمر ومهما بلغت درجة معاندة أبنائك لك فإذا واجهت منهم تجاهلاً أو عنادا أو صدوداً فلا تقابل ذلك إلا بالدعاء لهم بالهداية والصلاح ولا تتوقف عن هذا المسلك الرباني أبدا.
واحذر كل الحذر من أن تدعو عليهم في لحظة غضب أو ضيق فربما يوافق ذلك ساعة إجابة فيتحقق فيهم ما يكرهه قلبك وتندم حين لا ينفع الندم وقد نهانا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تَدْعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ ولا تَدْعُوا علَى أَوْلادِكُمْ ولا تَدْعُوا علَى أَمْوالِكُمْ لا تُوافِقُوا مِنَ اللهِ ساعَةً يُسْأَلُ فيها عَطاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ) فالدعاء على الأبناء خطر عظيم وقد وقفنا على حالات مأساوية لأمهات دعين على أبنائهن بالموت أو المرض في ساعة غضب فاستُجيب لهن ووقع القدر الأليم وبقين في حسرة وندم الدهر بعد فوات الأوان.
دعاء الخليل إبراهيم لأولاده:
تعالوا لنتعلم من الخليل إبراهيم عليه السلام كيف تكون الدعوات للذرية فقد سطر القرآن الكريم دعواته المباركة في مواضع عدة منها قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة الآية 128]
وقال {رَبِّ هَبْ لي مِنَ الصَّالِحِينَ} [ سورة الصافات الآية 100] و {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [سورة إبراهيم: 35] و{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [ سورة إبراهيم الآية 40 ،41 ]
فاجعلوا دعاءكم لأبنائكم طلباً للهداية والصلاح كما في قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[ سورة الأحقاف الآية 15]
أسأل الله العلي القدير أن يصلح أبناءنا وبناتنا وأن يجعلهم قرة عين لنا وأن يسعدنا بصلاحهم في الدنيا والآخرة ويهدينا جميعاً لما يحبه ويرضاه اللهم آمين .


