(20 ) من روائع الحكم

قال ابن القيم رحمه الله:
1- من لم ينْتَفع بِعَيْنِه لم ينْتَفع بأذنه.
معنى العبارة: أن الإنسان إذا رأى بعينه الآيات والعبر الواضحة في الكون، وفي أحوال الناس، وفي الموت، والمرض، وتقلب الدنيا، وعواقب الطاعة والمعصية، ثم لم تتحرك بصيرته ولم ينتفع بذلك، فالغالب أنه لن ينتفع بمجرد سماع المواعظ أيضًا؛ لأن الخلل ليس في نقص الدليل، بل في موت القلب أو غفلته.
فالعين ترى المشاهد الحية، والأذن تسمع الكلام عنها، فإذا لم توقظه الرؤية المباشرة، كان عدم انتفاعه بالسماع أولى وأقرب.
وهذا المعنى وهو أن الانتفاع لا يكون بالحواس فقط، بل بحياة القلب؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة الحج: 46. فالعمى الحقيقي ليس عمى البصر، وإنما عمى البصيرة، فقد تكون العين سليمة لكنها لا تنفذ إلى العبرة ولا تفهم الخبر، فكأن ابن القيم يقول: من رأى بعينه مصارع الغافلين، ورأى سرعة زوال الدنيا، ورأى المرض بعد القوة، والفقر بعد الغنى، والموت بعد الحياة، ثم بقي قلبه كما هو، فمشكلة هذا الإنسان أعمق من أن تُحل بمجرد سماع موعظة؛ لأنه لم يُحوّل ما رآه إلى اعتبار، ولذلك قال الله تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ سورة ق: 37.
إذن العين ليست مجرد عضو الإبصار، بل هي باب الاعتبار؛ فمن رأى ولم يعتبر، فكأنه لم ير، والأذن ليست مجرد عضو السماع، بل هي باب قبول الهدى، فمن سمع ولم يحضر قلبه، فكأنه لم يسمع، لذلك قد يحضر الإنسان جنازة، ويرى مريضًا، ويمر على قبر، ويسمع موعظة مؤثرة، ثم لا يتغير؛ لأن الحواس أدّت وظيفتها الظاهرة، لكن القلب لم يؤد وظيفته الباطنة.
2- يقول ابن القيم: للْعَبد ستر بَينه وَبَين الله، وَستر بَينه وَبَين النَّاس فَمن هتك السّتْر الَّذِي بَينه وَبَين الله هتك الستر الَّذِي بَينه وَبَين النَّاس.
معنى الكلام أن للإنسان نوعين من الستر:
- سترًا باطنًا بينه وبين الله، وهو ستر الحياء والمراقبة والتوبة والخوف من الله إذا وقع في الذنب.
- وسترًا ظاهرًا بينه وبين الناس، وهو ما جعله الله له من القبول والهيبة وحسن الظن وعدم انكشاف عيوبه.
فإذا هتك العبد الستر الأول، أي صار يستخف بنظر الله إليه، ويُصر على الذنب، ويجاهر به، ولا يستحي من ربه، ولا يبادر إلى التوبة، عاقبه الله بأن يضعف أو يرفع عنه الستر الثاني، فتظهر عيوبه للناس، أو تسقط مهابته، أو ينكشف من أمره ما كان مستورًا.
وهذا المعنى تؤيده نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ سورة النساء: 108. فالمشكلة ليست فقط في وقوع الذنب، بل في أن يستحي العبد من الناس ولا يستحي من الله، فيحفظ صورته أمام الخلق ويهتك حرمة ما بينه وبين الخالق.
ويدخل في هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرةِ أن يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصبِحَ وقد سَتَرَه اللهُ عليه، فيَقولَ: يا فُلانُ، عَمِلتُ البارِحةَ كَذا وكَذا، وقد باتَ يَستُرُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عنه“أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم بمعناه.
فكلام ابن القيم يعد شرحًا للحديث؛ لأن الله ستر العبد أولًا، فلما كشف العبد ستر الله عن نفسه بالمجاهرة، صار مستحقًا لنوع من الحرمان من العافية والستر، وليس المقصود أن كل من وقع في ذنب سيُفضح مباشرة، فالله حليم ستير، ولكن المقصود أن الإصرار والمجاهرة وترك الحياء من الله سبب لزوال الستر.
والستر الذي بين العبد وبين الله له علامات:
أن يذنب فينكسر، وأن يخاف، وأن يستغفر، وألا يفرح بالمعصية، وألا يحدّث الناس بها، وألا يجعلها سببا للفخر بما فعل فرحا به؛ فإذا بقي هذا الستر، فالعبد وإن ضعف فهو قريب من باب التوبة.
أما إذا هتكه، فصار الذنب عنده عاديًا، أو صار يتباهى به، أو يستخف بنظر الله، أو يترك التوبة، فهذا هو الخطر.
ولهذا قال العلماء في معنى الستر: إن الله يحب من عبده أن يستر نفسه إذا ابتلي بمعصية، وأن يتوب فيما بينه وبين ربه، لا أن يشيع قبيح أفعاله ولا أن يفضح نفسه.
وكلام ابن القيم لا يعني أن الإنسان يحرص فقط على صورته أمام الناس، بل العكس تمامًا: هو يحذر من أن تجعل علاقتك بالناس أهم من علاقتك بالله، لأن الستر أمام الناس تابع للستر بينك وبين الله.
فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن أفسد ما بينه وبين الله أوكله الله إلى نفسه، وربما أظهر للناس من عيوبه ما كان يخفيه؛ فالأصل هو السريرة: فإذا صلحت السريرة، حفظ الله للعبد علانيته ولو وقع منه نقص، وإذا فسدت السريرة، وأصر العبد على هتك حرمة ما بينه وبين ربه، فلا يأمن أن يُهتك ستره بين الناس.
ولهذا كان من فقه السلف أنهم إذا وجدوا تغيرًا في معاملة الناس لهم، أو وحشة في قلوبهم، رجعوا إلى ذنوبهم لا إلى اتهام الناس فقط.
3- يقول ابن القيم: للْعَبد رب هُوَ ملاقيه وَبَيت هُوَ ساكنه فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسترضي ربّه قبل لِقَائِه ويعمّر بَيته قبل انْتِقَاله إِلَيْهِ.
وهذا من أوجز الكلام في تذكير الإنسان بحقيقتين لا مفرّ منهما:
- حقيقة اللقاء بالله.
- وحقيقة السكنى في الدار الآخرة.
فقوله ” للعبد رب هو ملاقيه“معناه أن الإنسان ليس سائبًا في هذه الدنيا، بل هو عبد مملوك لله، مخلوق للعبادة، راجع إلى ربه، واقف بين يديه، مسؤول عن عمره وعمله وماله وقلبه ولسانه وجوارحه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ سورة الانشقاق: 6، أي أنك عامل وسائر ومتعب في هذه الحياة، ثم نهاية هذا السعي أنك ستلقى ربك، فمن كان كدحه في طاعة وصدق وتوبة لقي فضل الله ورحمته، ومن كان كدحه في غفلة ومعصية وإعراض لقي حسابه وعدله.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة البقرة: 223، فجمع بين التقوى والعلم باللقاء، لأن من أيقن أنه ملاقي الله استحيا أن يلقاه وهو مصر على ما يغضبه، وغافل عما خلقه لأجله.
ومعنى “فيَنْبغي له أن يسترضي ربَّه قبل لقائه“ أن العاقل لا ينتظر لحظة الموت حتى يطلب الرضا، بل يبدأ الآن: بالتوبة من الذنوب، وردّ الحقوق، وإصلاح الفرائض، وحفظ اللسان، وترك الظلم، والإكثار من العمل الصالح، والاستغفار، والانكسار بين يدي الله.
فالعبد إذا علم أن له موعدًا مع ملك عظيم من ملوك الدنيا تهيأ لذلك اللقاء وراجع كلامه ومظهره وحاله، فكيف بلقاء ملك الملوك سبحانه؟
ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ سورة الكهف: 110، فدلّت الآية على أن الرجاء الصادق للقاء الله لا يكون بالكلام وحده، بل بالعمل الصالح والإخلاص.
وأما قوله: “وبيت هو ساكنه“ فالمقصود به القبر أولًا، ثم الدار الآخرة ثانيًا، لأن الإنسان مهما طال مقامه في الدنيا فهو منتقل عنها، وسيسكن قبره، ثم يبعث بين يدي الله، فالدنيا ليست بيت القرار، وإنما هي طريق إلى البيت الحقيقي؛ قال تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة العنكبوت: 64، أي هي الحياة الحقيقية الباقية، بخلاف الدنيا فإنها لعب ولهو وزينة وزوال.
فالعاقل لا يبالغ في عمارة منزل مؤقت وينسى المنزل الذي لا خروج له منه. ومعنى “ويعمّر بيته قبل انتقاله إليه“ أن القبر والآخرة لا يُعمران بالإسمنت والحجارة والفرش، وإنما يعمران بالإيمان والعمل الصالح والقرآن والصلاة والصدقة والذكر وبر الوالدين وصلة الرحم وكف الأذى وحسن الخلق. فمن أكثر من الطاعة أضاء الله له قبره ووسع عليه، ومن فرط وظلم وغفل نقل معه إلى قبره وحشة عمله.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ“ أخرجه البخاري ومسلم.
فهذا الحديث يشرح معنى “يعمر بيته”؛ لأن الذي يدخل معك إلى القبر ليس مالك ولا منصبك ولا مدح الناس لك، بل عملك، فإن كان صالحًا آنسك، وإن كان سيئًا أوحشك.
والمعنى الذي يريده ابن القيم: أن الإنسان في الدنيا يفكر كثيرًا في البيت الذي سيسكنه سنوات قليلة: يوسعه، وينظفه، ويزينه، ويؤمّن راحته، ويخاف من عيوبه، وربما يستدين لأجله، لكنه ينسى بيتًا سيدخله وحده لا يحمل معه إليه إلا عمله؛ فكان من العقل أن يعمر ذلك البيت قبل النقلة، لا أن ينتظر حتى ينزل فيه ثم يكتشف أنه لم يرسل إليه شيئًا. ولذلك قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ سورة الفجر: 23-24، وتأمل قوله “لحياتي“، كأن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، وأن ما قبلها كان فرصة التقديم والبناء.
4- يقول ابن القيم: إِضَاعَة الْوَقْت أَشد من الْمَوْت لِأَن إِضَاعَة الْوَقْت تقطعك عَن الله وَالدَّار الْآخِرَة وَالْمَوْت يقطعك عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا.
الوقت هو عمرك بأيامه ولياليه وساعاته ودقائقه وثوانيه فإنما أنت أيام مجموعة كلما ضيعت يوما منها كلما ذهب من عمرك، كما قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.
والوقت كما قيل أنفاس تذهب ولا تعود والنفس إن لم تشغلها في فراغها بالطاعة ألهتك بالمعصية وإنما تقدر قيمة الإنسان في دنياه وآخرته بقدر إحسانه في طي صفحات أيامه، وبقدر استثماره لأوقات فراغه، وقد أقسم الله في مطالع سور عديدة من القرآن بأجزاء معينة منه مثل الليل والنهار، الفجر، والضحى، والعصر، ومن المعروف لدى المفسرين، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فما ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه، وينبههم لجليل منفعته وعظم أثاره.
قال تعالى: (والعصرِ. إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ. إلاَّ الَّذينَ آمنوا وعمِلوا الصَّالِحاتِ وتواصَواْ بالحَقِّ وتواصَواْ بالصَّبْرِ) العصر 1-3.
فالعصر هو ما يعيشه الإنسان من سنوات عمره فأقسم الله تعالى بها للدلالة على أهميتها، وحتى ننتبه إلى أهمية الوقت وانقضاء العمر.
ولذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ.”
فكثير من الناس لا يدركون قيمة هاتين النعمتين ليست خسارة فحسب بل ضياع الصحة والفراغ؛ الصحة نعمة كبيرة من الله، والغبن في الفراغ: هو إمضاء الوقت بلا فائدة.
قال عبد الله بن مسعود: – ما ندمت على شيء ندمى على يوم غربت فيه شمسه نقص فيه أجلى ولم يزد فيه عملي.
وكان السلف يقولون:(من علامة المقت إضاعة الوقت).
ويقول الحسن البصري: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم.
ومعنى كلام ابن القيم: أن الموت، مع شدته وهيبته، لا يقطع العبد إلا عن الدنيا: عن ماله، وأهله، ولذاته، وعمله الدنيوي، ومكانته بين الناس.
أما إضاعة الوقت في الغفلة، والمعصية، والبطالة، فهي أخطر من جهة أخرى؛ لأنها تقطع العبد عن أعظم ما خُلق لأجله: معرفة الله، وعبادته، والاستعداد للقائه، وعمارة الدار الآخرة.
فالموت نهاية الطريق الدنيوي، أما إضاعة الوقت فهي فساد الطريق قبل الوصول إلى النهاية؛ فمن مات على إيمان وتوبة وعمل صالح، فقد انقطع عن الدنيا لكنه أقبل على ما هو خير وأبقى؛ أما من عاش طويلًا يضيّع وقته، فقد بقي في الدنيا بجسده، لكنه مقطوع القلب عن الله، محروم من زاد الآخرة.
ولهذا كان الوقت عند ابن القيم رأس مال السائر إلى الله، فمن ضيّعه ضيّع طريقه، ومن حفظه حفظ حياته الحقيقية،
والفرق بين الموت وإضاعة الوقت في كلام ابن القيم:
- أن الموت يقطعك قهرًا، أما إضاعة الوقت فتقطعك باختيارك.
- الموت يأتيك ولو كنت صالحًا، أما تضييع الوقت فهو تقصير منك في رأس مالك.
- الموت ينهي قدرتك على العمل، أما إضاعة الوقت فهي أن تكون قادرًا على العمل ثم لا تعمل.
- ولذلك كانت المصيبة في تضييع الوقت أشد من جهة المسؤولية والحسرة.
وليس معنى حفظ الوقت أن يكون الإنسان مشدودًا دائمًا، لا ينام ولا يرتاح ولا يضحك ولا يجلس مع أهله؛ هذا فهم خاطئ.
الراحة إذا نُويت بها الاستعانة على الطاعة والعمل فهي ليست إضاعة. والنوم لحفظ الجسد، والجلوس مع الأهل لإدخال السرور عليهم، والرياضة لحفظ الصحة، وطلب الرزق الحلال، كل ذلك قد يكون عبادة بالنية الصالحة؛ إنما الإضاعة هي أن يذهب العمر في غفلة لا تنفع دينًا ولا دنيا، أو في معصية، أو في لهو يميت القلب، أو في تسويف دائم يؤخر التوبة والعمل.
الخلاصة: الوقت هو الطريق إلى الله، فإذا ضاع الوقت ضاع السير، وإذا ضاع السير ضعف الوصول، والموت يخرجك من دار العمل إلى دار الجزاء، أما إضاعة الوقت فتجعلك في دار العمل بلا عمل، وفي زمن الزرع بلا زرع، وفي طريق الآخرة بلا زاد، لذلك كانت إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن الموت يفصلك عن الخلق، أما الغفلة فتفصلك عن الحق.
5- يقول ابن القيم: الدُّنْيَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا لَا تَسَاوِي غم سَاعَة فَكيف بغم الْعُمر.
معنى العبارة أن الدنيا مهما عظمت في عين الإنسان، ومهما اجتمع له فيها من مال وجاه وشهوة وراحة ومدح الناس، فهي لا تستحق أن يشتريها الإنسان بغمّ ساعة واحدة إذا كان هذا الغم بسبب معصية الله، أو البعد عنه أو التعلق بما يفنى؛ فكيف بمن جعل عمره كله همًّا للدنيا، يخاف عليها، ويحزن لفواتها، ويخاصم من أجلها، ويبيع دينه وطمأنينته وآخرته لأجل شيء زائل؟
وليس المقصود أن الإنسان لا يحزن أبدًا، أو لا يتألم لفقد مال أو مرض أو مصيبة؛ فهذا خلاف طبيعة البشر، وقد حزن الأنبياء والصالحون؛ إنما المقصود ألا يجعل العبد الدنيا أكبر همّه، ولا يجعل فوات شيء منها سببًا لضياع قلبه ودينه وسكينته. فالغم الطبيعي الذي يمر بالقلب شيء، وتحويل الدنيا إلى همّ دائم يستهلك العمر شيء آخر، وهذا المعنى يفسر آيات كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة العنكبوت: 64. فالآية تضع الدنيا في حجمها الحقيقي: حياة قصيرة ناقصة، فيها لهو وانشغال وزوال، أما الحياة الكاملة الباقية فهي الآخرة، فمن عرف هذا لم يسمح للدنيا أن تملك قلبه حتى تهلكه بالغم، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن كانتِ الآخرةُ همَّه، جعلَ اللهُ غناهُ في قلبِه، وجمعَ له شملَه، وأتتهُ الدُّنيا وهي راغمةٌ، ومَن كانتِ الدُّنيا همَّه، جعلَ اللهُ فقرَه بين عينيهِ، وفرَّقَ عليه شملَه، ولم يأتِه من الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ له“. رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما.
والدنيا لا تُذم لذاتها، ولا يُذم المال الحلال، ولا الزواج، ولا العمل، ولا السعي، ولا بناء المستقبل؛ إنما يُذم أن تدخل الدنيا القلب فتزاحم الآخرة.
الخلاصة: الدنيا كلها قصيرة زائلة ناقصة، فلا تستحق أن يذيب الإنسان قلبه حزنًا عليها ساعة واحدة إذا كان ذلك يقطعه عن الله، فكيف يجعل عمره كله غمًّا لأجلها؟ العاقل يأخذ منها ما يعينه على طاعة الله، ولا يجعلها مالكة لقلبه؛ لأن من عرف قدر الآخرة هانت عليه مصائب الدنيا، ومن عظمت الدنيا في قلبه طال غمه ولو ملك منها الكثير.
6- يقول ابن القيم: مَحْبُوب الْيَوْم يعقب الْمَكْرُوه غَدا ومكروه الْيَوْم يعقب المحبوب غَدا.
الإنسان لا ينبغي أن يحكم على الأمور بحسب لذتها العاجلة أو ثقلها، بل بحسب عاقبتها، فقد تحب النفس شيئًا اليوم لأنه سهل وموافق للهوى، ثم يكون سببًا للحسرة والندم غدًا، وقد تكره شيئًا اليوم لأنه شاق ويحتاج إلى صبر ومجاهدة، ثم يكون سببًا للراحة والفرح والنجاة غدًا، وهذا المعنى مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 216] فالعبد قد يكره أمرًا لما فيه من مشقة ظاهرة، وهو لا يعلم أن الله جعل فيه خيرًا عظيمًا، وقد يحب أمرًا لما فيه من لذة قريبة، وهو لا يعلم أن عاقبته شر وضرر.
فمحبوب اليوم قد يكون شهوة محرمة، أو مالًا حرامًا، أو انتصارًا للنفس، أو راحة زائدة، أو إطلاقًا للبصر واللسان، أو تأخيرًا للتوبة، أو تركًا للصلاة، أو صحبة فاسدة، أو كسلًا عن العلم والعمل، كل ذلك قد يكون محبوبًا في لحظته؛ لأنه يعطي النفس لذة سريعة، لكنه يعقبه المكروه غدًا ندمًا، وقسوة قلب، وضيق صدر، وذهاب بركة، وسوء عاقبة، وربما عقوبة في الدنيا والآخرة.
وأما مكروه اليوم فقد يكون الاستيقاظ لصلاة الفجر مع غلبة النوم، أو الصبر عن الحرام، أو كظم الغيظ، أو الاعتذار، أو رد الحقوق، أو قطع عادة سيئة، أو مجاهدة النفس في الطاعة، أو الصبر على بلاء، أو تحمل مشقة طلب العلم والرزق الحلال. هذه الأمور تكرهها النفس أولًا لما فيها من تعب ومخالفة للهوى، لكنها يعقبها المحبوب غدًا: طمأنينة، ورضا من الله، وانشراح صدر، وقوة إيمان، وحسن عاقبة.
وهذا شرح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ» أخرجه البخاري ومسلم
فمن نظر إلى العاجل فقط خُدع، ومن نظر إلى العاقبة نجا، والعاقل لا يختار ما يريحه الآن إذا كان سيحزنه غدًا، ولا يترك ما يتعبه الآن إذا كان سيفرحه غدًا. ولذلك كان الصبر من أعظم أبواب النجاة؛ لأن الصبر غالبًا هو احتمال مكروه اليوم لأجل محبوب الغد، وترك محبوب اليوم خوفًا من مكروه الغد.
7- يقول ابن القيم: أعظم الرِّبْح فِي الدُّنْيَا أَن تشغل نَفسك كل وَقت بِمَا هُوَ أولى بهَا وأنفع لَهَا فِي معادها.
الإنسان في هذه الدنيا كتاجر، رأس ماله هو عمره ووقته وقلبه وقوته، وكل لحظة تمر عليه لا بد أن تُصرف في شيء؛ فإما أن يصرفها فيما يقرّبه من الله وينفعه في آخرته، وإما أن تضيع عليه فيما لا ثمرة له، أو تصير وبالًا عليه إن صُرفت في معصية، ولذلك أعظم الربح لا يكون بكثرة المال ولا كثرة الجاه ولا غلبة الناس، وإنما أن يوفَّق العبد لاستعمال وقته فيما هو أولى وأنفع لعاقبته، لأن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تقدها إلى ما ينفع قادتك إلى ما يضر أو لا ينفع.
وقوله: ” بما هو أولى بها” يدل على فقه الأولويات؛ فليس كل عمل صالح يكون هو الأفضل في كل وقت:
- فالأفضل في وقت الصلاة أن تصلي، لا أن تقرأ أو تتصدق.
- الأفضل عند حاجة الوالدين أن تبرهما، لا أن تنشغل بنافلة.
- الأفضل عند وجود حق للناس أن ترده، لا أن تكثر من الذكر مع ظلم قائم.
- الأفضل لطالب العلم أن يذاكر ما يحتاجه، وللعامل أن يتقن عمله، وللمبتلى بمعصية أن يبدأ بالتوبة وقطع أسبابها.
فالربح العظيم أن يعرف العبد واجب الوقت، لأن من الناس من ينشغل بمفضول عن فاضل، أو بنافلة عن واجب، أو بفضول الكلام عن إصلاح قلبه.
وهنا يظهر عمق النظر عند ابن القيم: فلم يقل أعظم الربح أن تملك الدنيا، لأن الدنيا كلها زائلة، بل قال أن تشغل نفسك بما ينفعها في المعاد، لأن المعاد (يقصد الآخرة) هو موضع ظهور الأرباح والخسائر الحقيقية.
8- يقول ابن القيم: كَيفَ يكون عَاقِلا من بَاعَ الْجنَّة بِمَا فِيهَا بِشَهْوَة سَاعَة.
من ترك نعيم الجنة الباقي، ورضا الله العظيم، والكرامة الأبدية، من أجل لذة محرمة قصيرة تزول سريعًا، فقد خسر خسرانًا يدل على ضعف العقل وغلبة الهوى؛ لأن العاقل لا يبيع الباقي بالفاني، ولا العظيم بالحقير، ولا النعيم الأبدي بلذة عابرة يعقبها الندم والحسرة.
كأن الإنسان حين يعصي الله لأجل شهوة عاجلة يبيع شيئًا ثمينًا جدًا، وهو الجنة وما فيها، بثمن تافه جدًا، وهو شهوة ساعة، وهذا المعنى ظاهر في قول الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَقاةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ سورة البقرة: 86، أي آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فكانت تجارتهم خاسرة، قول تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة الأعلى: 16-17]، فجمع الله في هاتين الآيتين بين أصل الداء وأصل العلاج: الداء أن يؤثر الإنسان العاجل المحسوس، والعلاج أن يتذكر أن الآخرة خير في قدرها، وأبقى في مدتها.
والشهوة ليست مذمومة بإطلاقها، فالشهوات المباحة التي جعلها الله في الحلال ليست هي المقصودة بالذم، إنما المقصود الشهوة التي تُنال بمعصية الله، أو الشهوة التي تستعبد القلب، أو اللذة التي تجعل العبد ينسى ربه وآخرته.
فالطعام الحلال، والزواج الحلال، والراحة المباحة، والرزق الطيب ليست بيعًا للجنة، بل قد تكون عبادة بالنية الصالحة، أما الحرام فهو الذي يَعِد صاحبه بلذة قريبة ثم يأخذ من قلبه وإيمانه وحيائه وسكينته أكثر مما يعطيه.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ سورة النساء: 77، فكل متاع الدنيا قليل ولو طال، لأنه ينتهي بالموت، أما نعيم الآخرة فباق لا ينقطع. وقال تعالى في وصف الجنة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ سورة محمد: 15، فكيف يليق بعاقل أن يترك هذا النعيم وما هو أعظم منه من رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم، لأجل شهوة محرمة لا تلبث أن تزول؟ وفي الحديث القدسي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ» أخرجه البخاري ومسلم.
فإذا كانت الجنة فوق خيال البشر، فبيعها بشهوة ساعة من أقبح الجهل وأعظم الغبن. وهذا الكلام يعالج أصلًا من أصول أمراض القلب، وهو ضعف اليقين؛ لأن من قوي يقينه بالجنة والنار والحساب هانت عليه الشهوة، ومن ضعُف يقينه عظمت عنده اللذة القريبة حتى يظنها غنيمة وهي خسارة.
9- يقول ابن القيم: يخرج الْعَارِف من الدُّنْيَا وَلم يقْض وطره من شَيْئَيْنِ بكاؤه على نَفسه وثناؤه على ربّه.
العارف هو: العبد الذي عرف الله بأسمائه وصفاته، وعرف نفسه بضعفها وفقرها وتقصيرها، فعاش بين نظرين عظيمين:
- نظر إلى نفسه يورثه الانكسار والبكاء والاعتراف بالتقصير.
- ونظر إلى ربه يورثه المحبة والثناء والحمد والتعظيم.
ولذلك لا يشبع العارف من أمرين حتى يخرج من الدنيا:
- لا يشبع من البكاء على نفسه، لأنه كلما ازداد معرفة بربه ازداد علمًا بضعفه وتقصيره.
- ولا يشبع من الثناء على ربه، لأنه كلما ازداد معرفة بالله ازداد إدراكًا لعظمة فضله وجمال أسمائه وكمال رحمته وحكمته.
فقوله: “لم يقض وطره” أي لم يبلغ غايته ولم يشبع تمام الشبع، فالعارف بالله مهما طال عمره، ومهما أكثر من البكاء والتوبة والحمد والذكر، يخرج من الدنيا وهو يشعر أنه ما بكى على نفسه حق البكاء، ولا أثنى على ربه حق الثناء، وذلك لأن حق الله أعظم من أن يحيط به عمل العبد، ونعم الله أكثر من أن يحصيها حمد العبد، وتقصير النفس أكبر من أن يزول بمجرد لحظات بكاء عابرة.
أما بكاؤه على نفسه فليس بكاء يأس ولا قنوط، وإنما بكاء معرفة ومحاسبة وانكسار؛ يبكي لأنه عرف أن عمره قصير، وأن ذنوبه كثيرة، وأن نعم الله عليه عظيمة، وأن شكره ناقص، وأنه مقبل على لقاء الله.
يبكي لا لأنه يسيء الظن برحمة الله، بل لأنه لا يأمن ضعف نفسه الأمارة بالسوء، ولا يغتر بعمله، ولا يرى نفسه أهلًا للنجاة إلا بفضل الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ سورة المؤمنون: 60. وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، كما في الحديث: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أهو الرجلُ يزني ويسرقُ ويشربُ الخمرَ؟ قال: لا يا بنتَ أبي بكرٍ، أو يا بنتَ الصديقِ، ولكنَّه الرجلُ يصومُ ويتصدقُ ويصلي، وهو يخافُ ألا يُتقبَّلَ منه». أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
فهذا بكاء العارف بالله على نفسه: يعمل، لكنه لا يغتر؛ يطيع، لكنه يخاف ألا يكون أتى بحق الطاعة؛ يتوب، لكنه يخاف من بقايا الهوى والغفلة.
وأما ثناؤه على ربه فهو الجانب الآخر من معرفة العارف؛ لأنه إذا نظر إلى نفسه وجد تقصيرًا يستحق البكاء، وإذا نظر إلى ربه وجد فضلًا يستحق الثناء، وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم كمال هذا الأدب في أعظم مقام من مقامات الدعاء والثناء، فقال: “اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ برضاكَ من سخطِكَ، وبمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ” أخرجه مسلم
10- يقول ابن القيم: الْمَخْلُوق إِذا خفته استوحشت مِنْهُ وهربت مِنْهُ والرب تَعَالَى إِذا خفته أنست بِهِ وَقربت إِلَيْهِ.
هذا توضيح للفرق بين الخوف من الخلق والخوف من الخالق:
- الخوف من المخلوق غالبًا يورث في القلب نفورًا ووحشة وبعدًا، فإذا خفت إنسانًا ظالمًا أو مؤذيًا أو متسلطًا حاولت أن تختبئ منه، وأن تبتعد عن طريقه، وألا يراك، وأن تنجو من بطشه، لأن قربك منه يزيد خوفك.
- أما الخوف من الله فليس كذلك؛ لأنه خوف ممزوج بالحب والتعظيم والرجاء، فكلما خاف العبد ربه خوفًا صحيحًا لم يهرب منه، بل هرب إليه، ولم يبتعد عنه، بل اقترب منه، ولم يستوحش منه، بل وجد الأنس عند بابه، لأن العبد يعلم أن الله هو الذي يُرجى عفوه، وهو الذي يُخشى عقابه، وهو الذي تُطلب رحمته، ولا ملجأ منه إلا إليه. وهذا المعنى ظاهر في قول الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ سورة الذاريات: 50، فلم يقل ففروا من الله، بل قال إلى الله، لأن الخائف من الله لا يجد أمانه في البعد عنه، وإنما يجد أمانه في الرجوع إليه والتوبة والعبادة والافتقار. وقال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ سورة التوبة: 118
(لا ملجأ من الله إلا إليه) أي لا نجاة من عقوبته إلا بعفوه، ولا خروج من ضيق الذنب إلا بسعة رحمته، ولا دواء للخوف منه إلا بالاقتراب منه، لأن الخوف من الله فيجعلك تقول: كيف أرجع إليه؟ كيف أرضيه؟ كيف أتوب؟ كيف أكون من عباده الصالحين؟ وهذا هو الفرق بين خوف العبيد من قسوة المخلوقين، وخوف المؤمنين من جلال رب العالمين؛ فإنك تخافه لأنه عظيم، ومع ذلك تحبه لأنه غفور رحيم واسع الرحمة والفضل، ولذلك يجتمع في قلب المؤمن الخوف والأنس، والهيبة والمحبة، والانكسار والرجاء. قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ سورة الحجر: 49-50، فالعبد يخاف مقام ربه، لكنه إذا ذكره اطمأن، ويخاف تقصيره، لكنه إذا سجد بين يديه وجد السكينة، ويخاف ذنوبه، لكنه إذا استغفر وجد باب الله مفتوحًا.
وفي المقابل، الخوف من المخلوق إذا استولى على القلب أورث ذلًا واضطرابًا وتعلقًا بالناس، وربما حمل صاحبه على الكذب أو النفاق أو ترك الحق خوفًا منهم، ولذلك جاء القرآن بتصحيح ميزان الخوف، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ سورة آل عمران: 175، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ سورة المائدة: 44.
فلا يكون خوف المخلوق أعظم في قلبه من خوف الله، وألا يجعله خوف الناس يترك ما أمر الله به.
وقوله: والرب تَعَالَى إِذا خفته أنست بِهِ وَقربت إِلَيْهِ.
معناه أن الخوف من الله يزيد الأنس به، وهذه منزلة لا يفهمها إلا من ذاق معنى العبودية؛ لأن العبد إذا خاف ذنبه اقترب بالتوبة، وإذا خاف ضعف قلبه اقترب بالدعاء، وإذا خاف سوء الخاتمة اقترب بالثبات والعمل، وإذا خاف الحساب اقترب بالاستعداد، فصار خوفه طريقًا إلى الأنس، لا طريقًا إلى الهرب. ولهذا مدح الله أهل الإيمان بأنهم يخافونه ويرجونه في الوقت نفسه، فقال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ سورة السجدة: 16، فهم لمّا خافوا لم يهربوا من الله، بل قاموا يدعونه، وهذا هو معنى القرب.
وقال تعالى في وصف أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ سورة الأنبياء: 90، فهم جمعوا بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء، فكان خوفهم عبادة وقربًا، لا وحشة وبعدًا.
وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا معهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منهُ بَاعًا، وإنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” أخرجه البخاري ومسلم
11- يقول ابن القيم: لَو نفع الْعلم بِلَا عمل لما ذمّ الله سُبْحَانَهُ أَحْبَار أهل الْكتاب وَلَو نفع الْعَمَل بِلَا إخلاص لما ذمّ الْمُنَافِقين.
هذه العبارة تجمع أصلين عظيمين في طريق النجاة:
- العلم لا ينفع صاحبه حتى يعمل به.
- والعمل لا ينفع صاحبه حتى يخلص فيه لله
فالدين ليس معلومات محفوظة فقط، ولا أعمالًا ظاهرة فقط، بل هو علم يهدي إلى العمل، وعمل يقوم على الإخلاص والمتابعة.
فأحبار اليهود وعلماء أهل الكتاب كان عندهم علم بالكتب والشرائع، وعندهم معرفة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك ذمّهم الله لأنهم لم يعملوا بما علموا، وكتموا الحق، وحرّفوا، واتبعوا الهوى والمصالح. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأنعام: 20. وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ سورة البقرة: 44. فدلّ ذلك على أن العلم الذي لا يغيّر القلب والجوارح، ولا يقود إلى الطاعة، يكون حجة على صاحبه لا حجة له، ولهذا ضرب الله مثلًا شديدًا لمن حُمّل العلم ثم لم يعمل به، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الجمعة: 5. فالمشكلة لم تكن في عدم وجود العلم فقط، بل في حمل العلم حملًا ظاهريًا دون انتفاع، كما يحمل الحمار الكتب على ظهره ولا ينتفع بما فيها.
وأما قوله: “ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذمّ المنافقين” فمعناه أن المنافقين كانت لهم أعمال ظاهرة تشبه أعمال المسلمين: يصلّون معهم، ويجاهدون أحيانًا في الظاهر، ويشهدون المجالس، ويتكلمون بكلام الإيمان، وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين إذا خطب النبي ﷺ يوم الجمعة يقوم قبل أن يُفضح نفاقه فيقول للناس: “أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به، فعزّروه ووقّروه واسمعوا له وأطيعوا” لكن هذه الأعمال لم تنفعهم لأن قلوبهم خالية من الإخلاص والصدق؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ سورة النساء: 142.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ سورة التوبة: 54. فظاهر العمل موجود: صلاة ونفقة، لكن لما فسد الباطن بالكفر والرياء والكراهية لم يُقبل العمل، وهذا يبين أن العمل الظاهر وحده لا يكفي إذا خلا من صدق القلب وإخلاص النية، كما قال الله تعالى في بيان شرط قبول العمل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ سورة الكهف: 110. فجمعت الآية بين شرطين: عملًا صالحًا، أي موافقًا لما شرع الله، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، أي مخلصًا لله لا رياء فيه ولا طلبًا لغير وجهه، فمن أتى بعلم بلا عمل شابه أحبار السوء، ومن أتى بعمل بلا إخلاص شابه المنافقين، ومن جمع العلم والعمل والإخلاص كان على طريق أهل الإيمان.

