صحبة السوء طريق لضياع الأبناء

كنا نتكلم في الأسبوع الماضي عن موضوع يهمنا جميعاً وهو موضوع تربية الأبناء والتمسنا القدوة في خليل الله إبراهيم حينما تكلمنا عن قصته مع ولده إسماعيل وتكلمنا بالتحديد عن ثلاث نقاط : اختيار الزوجة الصالحة ثم الحوار بين الآباء والأبناء ثم الدعاء دائماً لله بصلاح الذرية.
أهمية الصحبة وتأثيرها على الشباب
ووصلاً بما سبق نتكلم عن نقطة مهمة جداً في الموضوع وهي: الصحبة.
والصحبة عامل مؤثر بشكل كبير خاصة في سن الشباب؛ لأن شبابنا وفتياتنا هنا يحتكون بالكثير من أصحاب الثقافات والأعراق والجنسيات المختلفة وما يصاحبها من اعتقادات وتصورات وتشكّل بيئي مختلف إلى آخره؛ فيحدث من هنا التأثير والتأثر، وهذا أمر صحي إذا ربينا أبناءنا على أن يكون عندهم فلترة لكل ما يستقبلون؛ يعني ليس كل ما يراه أمامه حسناً فيقلده ، وليس كل ما يستحسنه غيرك صار أمراً طيباً.
فديننا علمنا أن تكون عندنا شخصية ذاتية لسنا ذيولاً لغيرنا ولا نقلد غيرنا تقليداً أعمى؛ إنما نمضي في طريقنا في هذه الدنيا بصورة مبصرة واضحة.
والصحبة السيئة قضية مهمة جداً تشكل وعي الكثير من الناس ولو بحثنا كثيراً في مسائل انحراف الشباب مثل سلوك طريق المخدرات أو سلوك طريق السرقة أو الوقوع في الشهوات والانغماس في طريق الضلال ستجد أول سبب يتصدر القائمة : الصديق السيء أو صحبة السوء لأن الإنسان إذا لم يكن عنده ذاتية ولا قدوة صالحة ولا بيئة تتلقفه وتحتضنه وتقوّمه بالتالي سيكون عنده احتكاك بالمجتمع بدون أي حماية فيقع فيما يقع فيه بدون وعي أو بدون حساب أو انجرافاً مع الشهوات.
الصاحب ساحب وقصة عقبة بن أبي معيط
وقد جاء هذا المعنى في سورة الفرقان قال:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} [سورة الفرقان: الآيات 27 – 29]
ذكر في سبب نزول هذه الآيات أن عقبة بن أبي معيط كان جاراً للنبي صلى الله عليه وسلم وكان إذا سافر للتجارة ورجع أقام مأدبة طعام لضيافته وكان من الضيوف النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي ما أنا بآكل لك طعاماً ولا شراباً حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فمن باب الكرم والحرص على أن يكون الضيف مكرماً نطق عقبة بن أبي معيط بالشهادتين، وكان له صديق ملازم له هو أمية بن خلف ، وكان مسافراً فلما رجع أعلمه الناس أن صاحبه أسلم فذهب إليه فقال له أصبأت؟ (هذه كانت كلمة تقال لمن يدخل في الإسلام لا يقال أسلمت إنما يقال صبأت يعني صرت بعيداً عن دين قومك وآبائك إلى آخره) قال : صبأت، قال: وجهي من وجهك حرام حتى تكفر بمحمد!! فكفر وارتد عقبة كما ورد في الآية.
فهذا الرجل يوم القيامة يعض على يديه، والإنسان في التعبير اللغوي لما يندم على شيء يقولون: عض على أنامله أي على أصابعه، لكن القرآن من باب المبالغة في التعبير عن ندمه وحسرته يقول : (ويوم يعض الظالم على يديه) لأن حسرات يوم القيامة أشد ما تكون لأنه خسر آخرته خسر مرضاة الله والجنة، فهو يندم ويقول: (يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً) فالصاحب ساحب وسريعاً ما يتأثر الرجل بصاحبه والفتاة بصاحبتها فيقع ما يقع من الانحراف أو الرذيلة أو المعصية أو البعد عن صراط الله المستقيم.
ظاهرة العنف بين الشباب:
نجد ظاهرة موجودة بكثرة هذه الأيام وهي ظاهرة العنف لدى الشباب، وحالات قتل لشباب عرب ومسلمين هنا في مونتريال، وفي غيرها، سببها الصحبة السيئة فيقع الشاب في الانحراف وربما اشتغل في طريق السرقة فوقع نزاع أو وقع خلاف أو أراد أن يرجع وهؤلاء ليس عندهم خروج من بينهم فيقع هذا الأمر حوادث إطلاق النار وطعن بالسكين، ووقوع في مشاكل لا حصر لها.
فنريد يا إخواني أن نقوم أبناءنا لا أقول سنعزلهم عن المجتمع ولا أقول سنتجسس عليهم كما يفعل البعض من الآباء إنما أقول بعدة بدائل:
- نختار لهم الأصدقاء .
- من خلال الحوار والإقناع .
- من خلال الأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير.
- من خلال إيجاد بيئة صالحة لشباب صالحين في مجتمعنا .
فلا ينبغي أن نترك العنان لأولادنا بهذا الشكل وتقول أنا أب أريد أن أضع الثقة في أولادي، أنا لا أنكر عليك هذا الكلام على عمومه لكن الابن عنده حماسة بلا بصيرة يحتاج إلى خبرتك يحتاج إلى معرفتك بالحياة يحتاج إلى حكمتك، فالتربية ليست إنفاقاً بالمال فقط ؛التربية توجيه رعاية التربية بالإنفاق وبالإشفاق؛ فليس كل ما حولنا يجب أن نقلده تقليداً أعمى، وليس كل ما نراه حسناً ، وصواباً فننجرف وراءه.
الكثير من البنات تنجرف في هذا التيار تحت دعاوى كثيرة جداً ثم تقول إنها تقلد صديقاتها إنها تفعل كما يفعل صديقاتها، فهنا لا بد من الصغر ننقش في أولادنا ونغرس فيهم هذه المعاني .
إن أكبر استثمار في هذه الدنيا نحرص عليه ونربح من ورائه الكثير: هو استثمارنا في تربية أبنائنا تربية ابن صالح وابنة صالحة هذا تحدٍ كبير في هذا الواقع المشتبك الذي نعيشه.
إن أبناءنا لن نعزلهم عن المجتمع ولن نستطيع أن نجعلهم في مكان مغلق على قدر أصحاب التقوى والصلاح، إنما يشتبك مع المجتمع، وينغمس في المجتمع، لكن يجب أن يكون عنده شخصية مستقلة، ليست شخصية تافهة، ولا ذائبة، ولا مقلدة ،ولا ينجرف تحت التقليد الأعمى للنجوم أو المؤثرين وصناع المحتوى إنما عنده ذاتية ينطلق من ورائها هذا ما تعلمناه في ديننا ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)
تغير المراحل العمرية وأثر الجليس
- يشتكي البعض ابني كان من الذين يحبون الصلاة في صغره لما كبر ترك الصلاة.
- ابني كان يحفظ القرآن في مدرسة القرآن لما كبر ترك القرآن.
- ابنتي كانت وكانت لما كبرت حصل كذا وكذا ما الذي حدث؟
تغير المرحلة العمرية انتقل من الطفولة إلى الشباب، الصحبة الموجودة حوله… المجتمع الذي هو فيه بدون أي حماية؛ فيحدث هذا التأثر السريع ولذلك ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً واضحاً جداً قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَصَاحِبُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» أخرجه البخاري ومسلم
حامل المسك إما أن يحذيك يعني يهاديك بهدية وإما أن تبتاع منه تشتري منه هذا العطر أو هذا المسك وإما أن تشم منه رائحة طيبة.
أما نافخ الكير فالكير عبارة عن شيء من جلد يقوم الحداد بالنفخ عليه حتى يشعل النار أكثر فهذا نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة سيئة .
ومعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم هنا أن الأخلاق لها رائحة تفوح الأخلاق الطيبة لها رائحة تفوح كالمسك فالذي يجالس الطيبين ويجالس الشباب الناجحين الذين هم على استقامة وخلق يتأثر بهم ، إما أن يقلدهم أو أنهم يعينوه ويساعدوه، وأنه يصير متفوقاً في دراسته، وإنساناً صالحاً في مجتمعه إلى أخره، ويكون بهذا الشكل إنساناً ناجحاً.
أما من يجالس أصدقاء سيئين أو يصاحبهم فإنه لا شك وسيصيبه من أذاهم وإن لم يصبه من أذاهم يكفي رائحة أخلاقهم إنها رائحة خبيثة هذا معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم
تحديات الفضاء الرقمي وصناع المحتوى
وأود أن أشير إلى أمر آخير:
القنوات المفتوحة الآن والتطبيقات الخاصة بوسائل التواصل بأشكالها المتنوعة أمر صارلا يستطيع الإنسان أن يسيطر عليه فالأمر صار كبيراً وكثيراً جداً … عندنا آلاف المؤثرين صناع المحتوى يوتيوبرز وتيك توكرز وعلى انستغرام وعلى وسائل التواصل بكافة أشكالها وأطيافها تجد شبهات تنشر وتجد شهوات مفتوحة ومعروضة ليل نهار لمن يريد، وتجد أموراً كثيرة جداً تدفع إلى الانحراف دفعاً .
ومقاطع الريلز القصيرة وألعاب تعتمد على الإبهار البصري، وعلى الغرائب والعجائب، وأنا لا أريد بهذا أن أحرم الحلال ، أو أن أقول إنك تمنع أولادك لكن هؤلاء صناع المحتوى اقتحموا حياة أبنائنا وصاروا مؤثرين جداً في الأبناء، فإذا كنا نتحدث عن صديق السوء فهؤلاء المؤثرين السيء منهم أكبر تأثيراً من غيره في عقليات أبنائنا ، الآن صارت مقاطع تعلم التخريب وطرق الفساد ، والقتل والدلالة على أفعال خطرة ، وفعل مقالب شديدة وصعبة في الأصدقاء ،وتحديات تخرج ما بين الفترة والثانية كلها فيها مخاطر .
فهذه مسألة والله يا إخواني تحتاج إلى وقفة جادة كيف نحفظ أبناءنا من هؤلاء المؤثرين التافهين الفاشلين؟
لماذا لا نوجد البدائل لأبنائنا لا شك أن الخير والشر موجودان وأن النافع والضار موجودان، لكن للأسف النفس بطبيعتها تقبل على الشهوات هذه طبيعة في النفس البشرية؛ فالممنوع مرغوب.
ونرى في الشباب :
- التحدي وإثبات الذات.
- وظهور وتضخيم الأنا .
- وإثبات النجاح وعمل شيء فيه طفرة .
- والحرص على الشهرة وذيوع الانتشار .
- ويكون يوتيوبر صانع محتوى ناجحاً وعنده متابعين وعنده مشاهدات عالية .
رعاية الأبناء والمسؤولية أمام الله
ماذا يجب علينا كآباء؟
- لا بد أن نربي في أبنائنا القيم والأخلاق الإسلامية.
- وتربيتهم على التقوى ومراقبة الله.
- وأن نصاحبهم وأن نحاورهم.
- وأن نجعلهم دائماً لا أقول تحت رقابة شديدة إنما أقول تحت عناية وحرص برحمة وعطف ولطف حتى لا يشعر الابن بأنك تضيق عليه فيعاند، وبعض الآباء مثلاً يطلب من ابنه أو ابنته تعطيه الباسورد لهذه هذه الأشياء فأحد الشباب قال لأبيه: يا أبي الإنترنت مجاله واسع أنا ممكن أعطيك يوزر نيم وباسورد لتطبيق وتفتحه ولا تجد فيه شيء، وأنا عندي بدل اليوزر نيم 10 عادي هذه التكنولوجيا، فأنت لن تستطيع أن تلاحق على مراجعتهم، والتجسس عليهم، وفتح هواتفهم، ومتابعة ما يشاهد، ومتابعة الرسائل هذا أمر أكبر منأن يتسع له الوقت فضلاً عن الجهد.
- اختيار المقاطع النافعة والمؤثرين الجيدين ومشاركتهم إياها ، فأنـت لن تبقى دائماً مخبراً أو رجل شرطة رقيب على أبنائك 24 ساعة إنما تختار لهم وتدلهم على المقاطع والقنوات سواء في الناحية العلمية الدنيوية أو في الناحية الشرعية.
يا إخواني نحن أمام تحدٍ لم نألفه لم نتربَ عليه نحن الآباء هذه الأشياء بالنسبة لنا مستحدثة فترة العشر سنين الأخيرة هناك طفرة إلكترونية خطيرة جداً وخاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، وربما عقولنا لا تدرك أبعادها كلها فننتبه لهذا الأمر ونحاول دائما أن نستعين بالله عز وجل وأن نأخذ بأيدي أبنائنا للخير للصواب حتى لا ينحرفوا ولا يزيغوا عن الصراط المستقيم حتى نؤدي الأمانة التي ائتمننا الله عليها وهي أمانة أبنائنا وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

