(9) قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ…)

نواصل بعون الله وفضله تفسيرنا لآيات سورة(ق) وقد توقفنا عند الآية 19 من السورة :
يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [سورة ق: الآيات 19].
والآيات من أول السورة تحدثت عن موضوع يوم القيامة والبعث والنشور وآيات الله الدالة على قدرته أن يحيي الموتى ثم بعد ذلك ذكرت الآيات طرفاً من الذين كفروا بالرسل، وكذبوا بآيات الله عز وجل، ثم عرجت الآيات على أن الله تعالى خلق الإنسان وهو جل وعلا كما خلقه في بداية الأمر قادر على أن يعيده فإن الله لا يعجزه شيء، ثم تأتي الآية التي معنا الآن لتبين أولى حلقات الدار الآخرة: ألا وهي الموت.
(وجاءت سكرة الموت بالحق)
هذه نهاية كل حي، ومن مات فقد قامت قيامته،عبارة “من مات فقد قامت قيامته” تعني أن الموت هو القيامة الصغرى لكل إنسان، حيث تنتهي حياته الدنيوية وينقطع عمله، لينتقل فوراً إلى حياة البرزخ، ويُكشف له مآله (الجنة أو النار)، والإنسان إذا عُمِّر عُمر نوح في نهاية الأمر سيكون في عداد الموتى.
وهذه حقيقة قالها الله تعالى في أكثر من آية من القرآن قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية 30] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية 34] وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: الآيات 26 – 27].
الحكمة من إخفاء موعد الموت
وذكر الموت يا إخواني ليس الهدف منه كما يظن البعض خاصة في أيامنا تلك أن تدمع الأعين ويصاب الناس بالغم والحزن والكآبة ويظن أنه لن يخرج من المسجد، ولن يعود إلى أولاده اطمئنوا لن يموت أي إنسان إلا مرة واحدة فقط عش قدر ما تعيش في النهاية لن تموت إلا مرة واحدة.
لما ارتقى رسول الله إلى الرفيق الأعلى قال له أبو بكر الصديق بعد أن قبله بين عينيه: “طبت حياً وميتاً يا رسول الله أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها” (رواه البخاري في صحيحه) هي موتة واحدة لكن السؤال هل أنا مستعد للقاء الله هل عندي عمل صالح ألقى عليه الله هل أنا في غفلة من هذا الأمر أم أنا منتبه متيقظ لهذه اللحظة التي سأفارق فيها الدنيا.
الاستعداد للسفر الطويل
أي واحد فينا عندما يسافر إلى مكان ما يجهز حقيبة السفر الملابس التي يحتاج إليها المال اللازم الفيزا أو التأشيرة تذكرة الطيران إلى آخره… إذا عندك ترتيبات للسفر فماذا عن سفرنا إلى الدار الآخرة؟ والله تعالى قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [ البقرة: الآية 197]، وهذا معنى ما ورد في الأثر ” أحكم السفينة فإن البحر عميق واستكثر من الزاد فإن السفر طويل” (2)
رحمة الله في إخفاء الأجل
لماذا أخفى الله عنا ميعاد الموت؟
الله جل في علاه أخفى عنا ميعاد الموت لسببين:
أولاً رحمة بنا لو كل إنسان عنده بطارية مثل بطارية أي جهاز أو عنده تاريخ وفاة تخيلوا كيف تكون حياته؟! خاصة عندما يبدأ العد التنازلي عندما يقول : بقي لي من عمري خمس سنوات ثلاثة عامين سنة شهر أسبوع… باقي يومين… تخيلوا الحالة النفسية كيف تكون؟ عذاب قلق توتر لا تطيب له حياة ولا يطيب له مقام ولا عيش ولا فرحة، فرحمة من الله بنا أخفى عنا ميعاد الموت.
وأذكر قصة قديمة حدثت أمامي وأنا كنت في سن الرابعة عشر؛ كان معنا في المسجد رجل طيب أحيل للتقاعد (سن المعاش) وكان محافظا على الجماعة وعلى الصف الأول ، وصار أغلب ساعاته في المسجد وجعل همته في طاعة الله، هذا الرجل رأى في الرؤيا أنه يقرأ سورة النصر “إذا جاء نصر الله والفتح” فجلس مع مجموعة من أصدقائه في المسجد يسألهم عن تأويل رؤياه ، قالوا فلان عنده كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين، وجاءؤا بالكتاب، وإذ بتأويل الرؤيا أن من رأى أنه يقرأ سورة النصر فقد اقترب أجله، لأن هذه السورة نزلت في أواخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس فسرها بأن الله نعى نبيه لنفسه.
الرجل جاءته حالة عجيبة جداً زهد في كل شيء فلم يكن يأكل ولا يشرب ولا يتحرك من مكانه فقط يذهب للحمام ساعة الصلاة يتوضأ ويصلي على السرير وما عاد يقوى على الحركة ذهبوا به إلى المستشفى جلبوا له الأطباء ما في ولا شيء لا يتكلم لا يأكل لا يشرب يعيش على المحاليل ويتحرك فقط لهذه الأشياء الضرورية.
في آخر يوم قبل أن يتوفى دعا ابنه الأكبر وحكى له هذا المشهد قال له من ساعة أن عرفت تأويل هذه الرؤيا وعلمت أنه قد اقترب أجلي أصابني هذا الفزع الكبير صرت مفزوعاً وموهوماً مهموما خائفاً وما أظن أني أعيش إلا أياماً معدودة، وقُبض في هذا اليوم رحمه الله وقص ابنه علينا هذا المشهد مع أبيه.
فمن أصعب الأمور على الإنسان أنه يقال له إنك ستموت غداً أو بعد غد أو الأسبوع المقبل أو عمرك في الدنيا كذا فمن رحمة الله أن أخفى علينا ميعاد الموت “فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.
الحكمة الثانية حتى نبقى على استعداد دائم للقاء الله تعالى:
طالما أن الأمل موجود والعمر ممتد فإن كل يوم هو إضافة لعملك الصالح غنيمة نغتنمها بيننا وبين الله عز وجل نتزود بالزاد وبالعمل الصالح، وبالإقبال على الله، ونرضى بالقليل، ونتوب من الذنوب، والمعاصي، ونستكثر من الزاد؛ فيبقى الإنسان على استعداد دائم بالعمل الصالح.
وهذا ما قصدته أن تذكر الموت ليس للغم والكآبة والقلق والحزن؛ كلا أنا سأموت مرة واحدة تأتي وقتما تأتي، لكن أملي إذا جاءت الساعة ، وحان الوقت أن يتوفني الله وهو راضٍ عني؛ أن أكون في خير حال.
وهذه الحال ليست فجائية ولا كما يتوهم البعض أنت وحظك!! كلا الله سبحانه وتعالى أمضى عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه ، كما في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: “يُبعث كل عبد على ما مات عليه” رواه مسلم)
وهذا مصداق قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) [إبراهيم:27]
فمن عاش على طاعة الله مستقيما على صراطه نستبشر له بحسن الخاتمة، ومن كان يعيش وضلال يأكل حراماً يغتصب أموال الناس يسرق إلى آخره فماذا نتوقع من خاتمته؟
هذا طريق لا يؤدي إلى الجنة ولا يبشر بخير فهنا حسن الخاتمة ليس إفراز لحظة أو وليد لحظة لحظة الوفاة إنما هو نتيجة حياة في طاعة الله عز وجل.
سكرات الموت
(وجاءت سكرة الموت بالحق) السكرة المقصود بها شدة الموت لأن الإنسان يغيب عن الوعي ويفيق يغيب ويفيق، وهي مشتق من السَّكر بفتح فسكون وهو الغلق لأنه يغلق العقل ومنه جاء وصف السكران.
والروح تنزع منه نزعا والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [سورة النازعات: الآيات 1 – 2] قال العلماء: إن معنى النازعات الملائكة تنزع روح الكافر فتغرق وتشتد في النزع، لأنها تهرب فتشتد الملائكة عليها في النزع ، أما عباد الله المؤمنين -نسأل الله حسن الخاتمة- فالملائكة تنشط أرواحهم تنشطها يعني تفكها فكاً البعير لما يربط ينشط يعني يمنع من الحركة فإذا أنشطته يعني فككت وثاقه أو حللت رباطه فانطلق فمعنى( والناشطات نشطاً) أي أنها تنشط الروح من الجسد نزعاً خفيفاً ثم بعد ذلك ترقى بها الملائكة إلى السماء.
وعلى الرغم من هذا فإن نبينا صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة كان بين يديه ركوة إناء فيه ماء فكان يمسح على جبينه ويقول: “لا إله إلا الله إن للموت لسكرات اللهم هون علي سكرات الموت” (رواه البخاري )
ولما حضرت أبا بكر الصديق الوفاة قالت ابنته عائشة الصديقة أم المؤمنين متمثلة بيتاً من الشعر:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
يعني ل اينفع المال ولا الغنى، والحشرجة هي صوت خروج الروح عندما يخور ويخرج منه صوت عند خروج الروح قبل الموت فتقول إن الغنى والمال ما ينفع أحداً بشيء إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر، فلما أفاق بين سكرة الموت والحياة قال لها: لا يا ابنتي لا تقولي هذا وإنما قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سورة ق: الآية 19]
وقد نزل جبريل الأمين على النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال: (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعلم أن شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه استغناؤه عن الناس)
(تحيد)هذا ما كنت منه تفر وتهرب تحيد أي تميل عن الشيء أو تفر منه تحيد من المرض إلى الطبيب ومن الخطر إلى السلامة تفر من أسباب الهلاك إلى النجاة ذلك ما كنت منه تحيد الآن لا ينفع طبيب ولا ينفع مفر ولا مهرب لأن أمر الله تعالى قد نفذ.
هارون الرشيد عند وفاته:
نام هارون الرشيد على فراش الموت، فنظر إلى جنده وسلطانه ثم قال: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة:28-29]، وقال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى، ونظر إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.
(1)هذا الأثر رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وعن المغيرة بن شعبة موقوفاً عليهما.
(2)هذا الأثر مشهور في كتب الوعظ والرقائق كـ “تنبيه المغافلين” و “الكبائر” للذهبي، وذكره الديلمي في “الفردوس” بلا إسناد، ويعتبره المحققون أثرًا ضعيفًا جدًا، والأفضل عدم نسبته للرسول كحديث ويجوز الاستشهاد به على انه أثر معناه صحيح.