صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

إصلاح القلوب في العشر من ذي الحجة

تاريخ الإضافة 15 مايو, 2026 الزيارات : 9

إصلاح القلوب في العشر من ذي الحجة

ها نحن نرى بأعيننا وفود الحجيج ضيوف الرحمن يتوافدون إلى البقاع الطاهرة المقدسة للاستعداد لأداء مناسك الحج والعمرة ونستقبل في أيامنا المقبلة  أول أيام العشر من ذي الحجة هذه الأيام المباركة التي جعل الله بركتها تعم جميع خلقه: تعم ضيوف الرحمن في بيته، وتعم المؤمنين في آفاق الأرض، فجعل الله للحجيج بركة الزمان والمكان، وعم بركة الزمان لجميع الخلق فقال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». رواه البخاري 

تطهير القلوب وسلامة الصدور

ونحن بين يدي هذه العشر المباركة نحتاج إلى أن نجدد الإيمان في قلوبنا وأن نهيئ القلوب لاستقبال مواسم الطاعة فإن القلب النقي قلب قوي والقلب الذي تدنس بالمعاصي قلب ضعيف وهذا ما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». متفق عليه 

فنحرص دائماً بين يدي مواسم الطاعة أن نجدد العهد مع الله بتوبة نصوحا صادقة حتى إذا طهرت القلوب ونشطت لطاعة الله عز وجل وجدنا إقبالاً على الطاعة ووجدنا في أنفسنا خفة وهمة للإقبال على الله عز وجل.

أجر التمسك بالدين في زمن الفتن

ولعلنا نلحظ هذا إخواني في زمن اشتبكت فيه الأمور واشتدت فيه الفتن التي اختلطت علينا حتى إن التمييز بين الحق والباطل أو الفصل بين الخير والشر صار يحتاج إلى مجاهدة كبيرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأيام: « إن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ” قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم ؟! قال: بل أجر خمسين منكم ؛إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا تجدون على الشر أعوانا”. رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة” (494).

فكان علماؤنا الكرام يستقبلون مواسم الطاعة بالتوبة وتطهير القلب وتجديد العهد مع الله عز وجل حتى تنشط القلوب لاستقبال هذه الأيام المباركة والعمل الصالح.

خطورة استصغار الذنب وباب التوبة المفتوح

والناس حيال هذا الأمر على طرفي نقيض:

  • منهم من يستصغر الذنب فيعاوده المرة تلو المرة لأنه يراه ذنباً صغيراً ولا مانع أن يكرره مرة بل مرات فيبقى هكذا حتى يموت قلبه نسأل الله العافية.
  • ومن الناس من يدمن المعصية وييأس من التوبة ويقول: ما الداعي إلى التوبة الآن؟ يعني الآن أتوب ثم أعصي الله أتوب ثم أعصي الله؟ أقول لك يا أخي: تب إلى الله توبة صادقة المستقبل هذا شيء في علم الله أنت لا تدري ماذا في غد أنت عبادتك اليوم أن تتوب إلى الله من الذنب؛ فإذا حققت التوبة بشروطها فاعلم أن الله من كرمه يقبل التوبة عن عباده ،ويعفو عن السيئات كما قال جل وعلا:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة التوبة – الآية 104] فالله عز وجل يقبل التوبة فإذا تبت تاب الله عليك وقال سبحانه وتعالى في موضع آخر:{وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة النساء – الآية 110]

فإياك واستصغار الذنب فتدمنه وتتعود عليه وتألفه فيموت قلبك، وإياك واليأس من التوبة، ويلقي الشيطان بوساوسه عليك: ما الفائدة من التوبة؟ فتبقى هكذا في الذنوب لا تخرج منها.

سئل الحسن البصري رحمه الله: ألا يستحي أحدنا من ربه يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه فلا تملوا من الاستغفار.

فنحدث لكل ذنب توبة والله عز وجل يتوب علينا ومن كرم الله تعالى أنه أخبرنا في كتابه العزيز:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة – الآية 222] التوابين من التوبة تلو التوبة تلو التوبة فمن كثرة التوبة سمي تواباً فالله لا يحب  التائبين فحسب بل التوابين الذين يتوبون إلى الله ويندمون على ما فعلوا.

فإذا هيأنا قلوبنا في هذين اليومين الباقيين من شهر ذي القعدة واستعددنا لمواسم الطاعة ثقوا تماماً أن القلوب ستقبل على الله تعالى. 

إخفاء الثواب دلالة على عظمة عطاء الكريم

النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أنك حينما تتعبد لله تعالى في هذه الأيام العمل الصالح فيها يتضاعف مضاعفة كثيرة، والعلماء قالوا إن إبهام الثواب أو إخفاء الثواب دلالة على عظمته لأن الأمر لا يقارن بي وبك الأمر يقارن بأكرم الأكرمين جل جلاله.

لما طفل صغير يقول لك: أنا معي مال كثير كم تتوقع أن يكون معه؟ أقصى شيء 50 دولاراً؛ لكن لما تتكلم عن رجل -مثلاً- تاجر يقول: أنا الحمد لله رصيدي في البنك كبير فأنت تذهب إلى 100,000؛ لكن لما تتكلم عن رب العزة جل وعلا وأنه يعطي الكثير والجزيل والثواب العظيم عظيم فأنت لا تتحدث عن ألف أو عدة آلاف أنت تتحدث عن أجر عظيم لا يعلم قدره إلا الله كما قال الشاعر:

قليلٌ منك يكفيني ولكن … قليلُك لا يقال له قليلُ

 الرب جل في علاه له خزائن السماوات والأرض إذا أعطاك ملايين أو مليارات كم تساوي في ملكه؟ لا شيء؛ فالله تعالى يعطي الأجر الجزيل والثواب العظيم لعباده في هذه الأيام المباركة.


تفضيل عشر ذي الحجة على العشر الأواخر من رمضان

ولذلك قارن العلماء بين العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل؟

فتوصل العلماء إلى أن العشر من ذي الحجة أعظم في الأجر؛ لماذا؟

لأن العشر من ذي الحجة كل يوم من العشر فيه فضل أما العشر الأخير من رمضان فهي سواء مع أيام الشهر كله إلا ليلة القدر يعني ليلة واحدة من العشر الأواخر فقط هي ليلة القدر وبقية الأيام كسائر الأيام أما عشرنا المقبلة فإن كل يوم العمل الصالح فيها يتضاعف إلى قدر لا يعلم حقيقته إلا الله.

والعمل الصالح كثير؛ مثلاً بعض الناس يقبل على الله بعبادة الصيام وهذا من المستحبات؛ إذا صمت التسع كلها الحمد لله لأن العاشر يوم العيد يحرم صيامه، وإذا صمت الاثنين والخميس، ويوم عرفة الحمد لله، وإذا صمت يوم عرفة فقط الحمد لله؛ أقبل على الله بما تستطيع وبما تقدر.

عندنا أيضاً المحافظة على الجماعة أنا أعلم الناس تشتغل أغلب النهار لكن من السهل إنك على الأقل تواظب على العشاء والفجر تضمن قيام ليلة؛ «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله». رواه مسلم 

ذكر الله عز وجل؛ الرسول علمنا أن نستكثر من الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذه من أحب الكلام إلى الله كما قال النبي وخير من الدنيا وما فيها.

أهمية إقامة الأضحية في بلاد الغرب وحلول لتيسيرها

أيضاً علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الأضحية ،والأضحية شعيرة ونسك نحن مأمورون به وينبغي أن نحرص على إحيائه وإقامته خاصة هنا في بلاد الغرب؛ المحافظة على الشعائر الإسلامية  تحفظ علينا ديننا ، أقصد لسنا نحن الذين نحافظ عليها بل هي التي تحفظ علينا ديننا.

تعظيم الشعائر وإقامة الشعائر والحرص على إبراز هذه المظاهر الإسلامية هو من إقامة الدين في نفوسنا ، وفي نفوس من حولنا، وفي نفوس أبنائنا وذرياتنا.

أعلم أن الهيئات الإغاثية تنشط في هذه الأيام وتدعو الناس إلى الأضحية في السودان وفي اليمن وهنا وهنا والمقصد الشرعي من الأضحية ليس إطعام الناس اللحم فقط بقدر أن يكون في مكان إقامتك إقامة للشعيرة.

أخشى أن يمر زمان فتنهدم الشعيرة؛ أين الأضحية في كندا؟ ألغيت لأن المسلمين صارت أضحياتهم في اليمن وفي السودان وهنا وهنا؛ لابد أن الشعيرة تقام؛ ممكن على الصعيد الشخصي واحد يفعل هذا أنا لا أقول بحرمته إنما أن يكون اتجاهاً عاماً فهذا لا ينبغي.

طيب الناس تشتكي أن التجار هداهم الله يستغلون الظروف، وثمن الكبش ارتفع حتى وصل ما بين 700 إلى 900 في كيبك هنا وصار الأمر صعباً؛ ما في إشكال المسألة مسألة عرض وطلب ممكن أن نستعيض عن الكبش بأن يشترك السبعة في بقرة ربما تنخفض النسبة إلى 500 دولار أو أقل حسب سعر الأبقار هنا أو حسب الوزن فتكون المسألة أهون قليلاً ، وكان السلف أحياناً يتركون الأضحية حتى لا يعتقد الناس وجوبها.
الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها ومن لا يملك ثمن الأضحية فقد عفا الله عنه ولا مانع لو أنك لا تملك ثمن الأضحية أن تشتري ما تقدر عليه من اللحم لأهلك يكفيك كيلو 2 كيلو خمسة إلى آخره وتطعم أهلك والحمد لله هذه مقدرتك ولك الأجر إن شاء الله.

والبعض يطالب بالمقاطعة العامة والشاملة هذا أمر لا نستطيع أن نطالب به لأن هذه شعيرة تقام، وكما قلت كل واحد أدرى بحاله من غيره، ولا نستطيع أن نأخذ على يد التجار ونمنعهم من الزيادة لأن الموضوع خاضع لمسألة العرض والطلب؛ كلما كان العرض أقل من الطلب كانت الأسعار أعلى فإذا حاولنا الفرار من ارتفاع سعر الخروف إلى اشتراك سبعة في عجل فلعل هذا مخرج من الأزمة ، إذا كان شخص منا لم يوسع الله تعالى عليه لا بأس أنه يمتنع عن الأضحية، لأنه لا يقدر لكن لا يصل إلى حد الاستدانة، أو التضييق على أهل بيته، أو ما شابه ذلك .

ولا تنسوا أن  الأسعار كلها ارتفعت نحن من بداية هذا العام 2026 والأحداث الجارية في العالم وارتفاع البنزين والأسعار طبعاً وراءه ترتفع؛ لا ننسى أن الأوضاع اختلفت يعني نحن من عامين ثلاثة كان سعر كيلو اللحم كان ما بين 10 و14 دولاراً الآن ارتفع قفز إلى الضعف تقريباً حتى وصل الكيلو ل25$ وأكثر والأسعار مرشحة أن تأخذ في الزيادة أكثر وأكثر.

 أنا هنا لست بصدد عرض الأسعار والمقارنة إنما أنا أبين الأمر من الناحية الشرعية، فالاصل أن تقام الشعيرة في مكان إقامتك تقام الأضحية، وتذبح يذبح النسك وتأخذ أولادك معك ليروا بأعينهم ويقيموا الأضحية من بعدك؛ العقيقة نفس الكلام تذبح العقيقة عن المولود ويشارك الأهل والإخوان والأصدقاء الفرحة بالمولود؛ وإذا أردت أن تجمع بين الحسنيين ممكن أن تذبح النسك وتتصدق هناك لا بأس، لكن لا ينبغي أن يكون الإطار العام للمسلمين إلغاء الشعيرة نهائياً أو محاربتها والقضاء عليها وإماتتها فهذا أمر أمر الله تعالى به والله تعالى قال في كتابه الكريم:{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الحج – الآية 37]

نعم ظروف غيرنا هم أحوج إلى الصدقة وإلى الإطعام أكثر منا لكن كما قلت إن الأصل من زمن نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا أن الأضحية تذبح في مكان إقامتك؛ إقامة الشعيرة لابد وأن يكون في المستوى العام للمسلمين قائماً وموجوداً ممكن حالات فردية تقوم بإرسال الأضحية إلى أماكن أخرى.

أيضاً من الأشياء التي قالها العلماء: أنا مثلاً أريد أن أقيم الشعيرة ولا أملك أني أدفع في الخروف 700 و800 كثير علي لكن أملك أني أبعث أضحية إلى تشاد أو السودان بـ 150 دولاراً تقريباً وفي البعض قال إن البقر بـ 130 -سبع بقرة 130 دولاراً- فهذه استطاعتي أنا أنا لا أستطيع أني أشتري خروفاً بـ 700؛ لا بأس طالما أن هذه استطاعتك وتريد أن تشارك في إقامة الشعيرة وهذه العبادة بقدر ما تطيق لا بأس إن شاء الله.

لكن الذي أحذر منه الدعوة إلى إلغاء الشعيرة أو التوقف عن الشعيرة بشكل عام وحث أئمة المساجد على هذا؛ لا ينبغي أن يكون هذا الصورة العامة لنا جميعاً فهناك عدة حلول والمسألة كما قلت عرض وطلب ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

فقه الأضحية والتوكيل في الذبح

الخلاصة حتى لا أطيل: من نوى أن يضحي -سواء هنا أو في الخارج- من نوى أن يضحي فإن النبي علمنا أن من السنة ألا تأخذ من شعرك وأظفارك شيئاً حتى تذبح الأضحية؛ «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً». رواه مسلم 

وهذا على سبيل السنة وتشبهاً بالمحرمين لأن المحرم يمتنع عن هذا فأنت تشبهاً به تفعل ذلك.

والأضحية ذبيحة واحدة أو سبع بقرة تذبحها عن نفسك وعن أهل بيتك .

ولا يضر إن اشترك الرجل مع امرأته إن كانت -مثلاً- للزوجة مال أو تشتغل وعندها دخل تساعد الزوج ويشتركان معاً في ذبيحة لا بأس.

إذا كان الأب والأبناء عندهم دخل ويشتركون في ذبيحة واحدة لا بأس؛ أهل كل بيت لهم أن يشتركوا في ذبيحة واحدة كما هو معلوم.

من الأشياء التي يكثر السؤال عنها أن الأغلب يحتاج إلى الذبيحة في أول يوم وقد يكون مع ضغط العمل في المسالخ عدم تهيئة لهذا الأمر في يوم واحد بإنجاز جميع الطلبات؛ الذبح ممتد إلى غروب شمس آخر أيام العيد يعني معنا أربعة أيام؛ ممكن إنك تتفق على استلام الذبيحة اليوم الثاني الثالث الرابع وهكذا حتى يكون الأمر فيه تيسير عليك وعلى القائمين على هذا الأمر.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغنينا من فضله العظيم وأن يجعل هذه الأيام أيام خير وبركة علينا وعلى سائر المسلمين اللهم آمين .

Visited 7 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 200
  • Today's page views: : 200
  • Total visitors : 26,546
  • Total page views: 29,982