من أكبر مقاصد الحج : إعلان التوحيد والعبودية لله وحده

تاريخ الإضافة 24 مايو, 2025 الزيارات : 150

إعلان التوحيد والعبودية لله وحده في الحج

نعيش في هذه الأيام المباركة نسمات الحج، ونرى ذهاب ضيوف الرحمن إلى بيت الله الحرام لأداء المناسك.

نسأل الله الكريم جل وعلا أن يوفق إخواننا الذين سيذهبون هذا العام في حجهم، وأن تكون حجة مبرورة، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتبها لنا عاجلًا غير آجل، اللهم آمين يا رب العالمين، آمين.

أحبابي وإخواني الكرام:

ما شرع الله شيئًا إلا وله فيه حكمة، ومن ورائه مقصد، وعمل المسلم هو أن يمعن النظر في آيات كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ، ليحسن فهم المقاصد الشرعية من وراء كل عبادة شرعها الله؛ فما أمر الله بشيء عبثًا، ولا شرع الله شيئًا إلا لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.

وقد تكلم العلماء طويلًا في مقاصد الحج، ولماذا هذا المنسك الذي فُرض في العمر كله مرة واحدة، وتُقام مناسكه وشعائره مرة واحدة في العام، كيف يكون ركنًا أساسيًا من أركان الإسلام الخمسة؟

المقصد الأول : توحيد الله جلا وعلا

أول شيء يا إخواني نلحظه في الحج، أن الحج فيه إعلاء معنى التوحيد لله جل وعلا، إعلان عبوديتك لله جل وعلا، التوحيد لله؛ لأن الناس لا يُحرّكهم من آفاق الأرض، ويبذلون كل ما يستطيعون من جهد ومال لأداء الفريضة، إلا لله جل وعلا.

الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل مكة جنة الله في الأرض، فيها حدائق، وفيها أنهار، وفيها استجمام، وفيها راحة، وجو جميل، ونسيم عليل.

 لكن الله تعالى أراد أن تكون مكة بهذه القسوة التي يلحظها كل من يحج أو يعتمر؛ أقصد: القسوة في الطقس وارتفاع الحرارة والطبيعة الجبلية القاسية، وعدم وجود أي مظاهر من المظاهر التي تتلهف عليها النفوس، حتى يبقى الذهاب لهذا المكان خالصًا لله، لا تختلط فيه النيات؛ ليس هناك نية مخلوطة، لا يأتي أحد ويقول: سأذهب لأجلس على شاطئ البحر، وبالمرة أصلي في بيت الله الحرام، مثلًا… أو سأذهب لأن جو مكة جو صحي، والهواء معتدل، والجو كذا… كلا أنت تذهب إلى مكان كل عوامل الراحة للسياحة والاستجمام غير متوفرة فيه.

هذه طبيعة مكة في مناخها وطقسها وجوها وأرضها، لكن هناك الروح تحلق عاليًا في هذا المكان مع الروحانيات والجو الإيماني الطيب.

ولن يدرك هذا المعنى إلا من أكرمه الله عز وجل بهذه اللحظات، حينما تُحرِم وتُلبّي لله عز وجل.

المقصد الثاني : العبودية لله جل وعلا:

أسعد لحظات الحجيج:

لحظة الإحرام هذه اللحظة من أسعد لحظات الحجيج أو من أرادوا العمرة.

حينما تتجرد من ثيابك كلها وزينتك، وتخرج من الدنيا بما فيها لله جل وعلا.

تلبس ملابس لا صنعة فيها أبدًا، يعني لا في تفصيل معين، ولا مثلًا ماركة موجودة على الإزار ولا الرداء.

لا ملابس إحرام غالية ولا رخيصة، كلها سواء، لا صنعة فيها ولا تكلّف.

الإزار، تستر به نصفك الأسفل، والرداء تستر به النصف الأعلى، هكذا فقط، بدون أي شيء.

ممنوع أن تلبس في قدميك أي حذاء فيه صنعة أو تكلّف، إلبس حذاء لابد أن يكون مفتوحًا من الأمام والخلف.

ممنوع أن تضع أي شيء على رأسك: لا عمامة، ولا تاج، ولا شيء من هذا القبيل، لا تيجان، ولا أوسمة، ولا رتب، ما في أي شيء يدل عليك.

طيب أنا رجل غني، وممكن أن أشتري عطرًا بـ 200 دولار أو 500 دولار؟ ممنوع العطور. ابقَ هكذا بشكلك وهيئتك وريحتك.
طيب، أنا عايز أصفّف شعري بشكل معيّن، وتسريحة و”نيو لوك”… ممنوع. لا تقص شعرك ولا ظفرك.

لا إله إلا الله، لماذا كل هذا؟
عبودية لله عز وجل.
تخرج من زينة الدنيا، وتخرج مما يتفاخر به الناس ويتهيؤون به… عبودية لله.

ثم بعد أول لحظة من لبسك للإزار والرداء، تعلن نداء العبودية لله:“لبيك اللهم لبيك”
هذه اللحظات يا إخواني هي إعلان معنى العبودية لله.
يا رب، أنا الآن تجردت من دنياي وزينتها، وخرجت من اختياراتي إلى مرادك، إلى أمرك.

ألبس كما أمرت، من المكان الذي شرعت، وألبي:“لبيك اللهم لبيك”.
هذا أبلغ إعلان للعبودية لله، وإعلان التوحيد لله عز وجل.

الفعل “لبّى” في اللغة العربية يعني: أجاب النداء.
يعني أنا أناديك، فتجيبني، لكن إذا أجبتني بسرعة، فهذه تُسمى “لبّى النداء”.
“لبّى” يعني سريعًا،  و”لبّى النداء” لم يُلبِّ مضطرًا، ولا مُكرَهًا، ولا مُجبَرًا، إنما لبّى وهو فرِحٌ سعيدٌ، الفرحة تغمره في قلبه، وتبدو على قسمات وجهه.

هذه — والله — نراها في كل المُحرمين، وهم ترتسم على وجوههم بسمة السعادة بطاعة الله، “لبيك اللهم لبيك”
ألبي فرِحًا، سعيًدا، غير مضطر ولا مُكرَه، ألبي لله طواعيةً.

وجاء الفعل هنا بالتثنية على خلاف القاعدة، لأنها تلبية بعد تلبية، وإجابة بعد إجابة:“لبيك اللهم لبيك”
ليست إجابة واحدة، بل أُثنّيها في الاستجابة:“لبيك اللهم لبيك”.

ثم تُنسب النعمة والحمد لله وحده لا شريك له:“إن الحمد والنعمة لك وحدك يا رب، والملك، لا شريك لك.”

هذا النداء يا إخواني، وهذا النشيد الذي يلهج به كل الحجيج، هو أكبر إعلان لوحدانية الله جل وعلا، هو أكبر إعلان يبيّن أو يميّز فيه معنى التوحيد لله جل في علاه، وأن هؤلاء الذين جاؤوا من آفاق الأرض — كما قال الله تعالى:﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾  [الحج، الآية 27]

جاؤوا متجردين لله وحده، لا يبغون إلا رضاه وحده جل في علاه، فاستسلموا لأمر الله، وسعدوا بطاعتهم لله، وأخذوا في التلبية لله جل وعلا.

المقصد الثالث: المساواة:

تنظر إلى الحجيج كأنهم أبناء أسرة واحدة، يلبسون زيًّا موحدًا، لا تمييز لأحد على أحد، لا يُميَّز الغني من الفقير، لا يُميَّز الرئيس من الرجل العادي، لا يُميَّز صاحب الشهادات العليا من الرجل الأمي، الكل سواء، نظرة واحدة، لا تُميِّز حاجًّا عن حاج، إلا إذا دقَّقت في الوجوه طويلًا، لكن النظرة العامة تقول لك: إن هؤلاء كأنهم أبناء أسرة واحدة أو جنس واحد، كلهم جاؤوا، يجمعهم نداء التوحيد لله، (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، لله وحده:﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾[سورة آل عمران، الآية 97].

 نحن جئنا، عندنا المظهر: إزار ورداء، خرجنا من كل مظاهر الدنيا. الآن، ما الذي يميزني عن غيري؟
الذي يميزك هو عملك الصالح، هو تقواك لله، طاعتك لله عز وجل. وهذا أمر قلبي لا يطّلع عليه أحد إلا الله.
إذاً، فأنت مهما كنت ذا قوة، أو ذا علم، أو ذا غنى، أو ذا نسب، أو ذا مكانة، أنت هنا عبد لله جل وعلا.

ذُكر أن بعض السلف رأى رجلًا غنيًّا، وله عمالة أو أعوان، يفسحون له عند الكعبة، يقول: افسحوا، افسحوا، افسحوا، وهذا الرجل يمشي متبخترًا، معجبًا بنفسه وبرجاله الذين يفضّون الناس أمامه ليطوف في سعة.

قال: سبحان الله. وبعد عدة سنوات، رأيته على قنطرة، على جسر يعبر منه فوق الماء، يتسول الناس، فقلت: سبحان الله، تكبّر في مكان يتواضع فيه الناس، فأذلّه الله في مكان يترفع فيه الناس.

فلا مكان هنا لمتكبر، ولا مكان هنا لمتعالم، خير الخلق في هذا المكان من جاء متواضعًا لله، مستكينًا لله سبحانه وتعالى.

أخلاقيات  تعلّمناها من الحج:

قال تعالى (فمن حج البيت فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) [سورة البقرة، الآية 197].

احفظ سمعك، احفظ بصرك، احفظ لسانك، لا معصية، ولا جدال، ولا استبداد بالرأي، ولا إعجاب بالنفس، إنما تنازل، وتسامح، وتسهيل.

حتى الكائنات حولك، ممنوع أذاها، ممنوع الصيد، ممنوع تنفير الطير، ممنوع قطع ورق الشجر، ممنوع التقاط اللقطة في الحرم.

سبحان الله، ممنوع، ممنوع، لماذا؟

حتى يكون الجو جو سلام بين الجميع، الكل مسالم، الكل في هدوء نفسي، الكل في راحة وحال مع الله عز وجل، لا يحمل همَّ شيء.

ولذلك، والله يا إخواني، مع الزحام الشديد، والحر الشديد، لو أنك تأملت كيف تتسع قلوب هؤلاء لأن يصطفوا جميعًا بهذا الضغط الشديد، تعجب.

تعجب والله. لكن الإيمان شرح الله به الصدور، سبحان الله العظيم.

وفي يوم العيد مثلًا، ورأينا ذلك في الليالي الأخيرة من رمضان، كيف أن ساحة الحرم كانت مكتظة جدًا جدًا بالطائفين، لدرجة أنه ليس هناك موطئ قدم، ليس هناك موطئ قدم! سبحان الله!
ولكن الله جل وعلا يفسح هذا المكان بشكل لا تتخيله، وإذا حضرت الصلاة، وجد الجميع مكانًا للوقوف والركوع والسجود. سبحان الله العظيم.

ولذلك، أعجبني موقفا حكاه الشيخ نشأت أحمد، قال: إنه تعجّب من هذا المعنى، معنى أن الناس لا تجد موطئ قدم، ثم عند الصلاة الكل يجد مكانًا ليركع ويسجد.
فذكرتُ ذلك لأحد شيوخي، فقال لي: إذا كان الرجل الذي قتل مئة نفس، فلما قُبِض وهو ذاهب إلى قرية القوم الصالحين، تنازعت في قبض روحه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.

الرجل لم يفعل حسنة أبدًا، فملائكة العذاب جاءت تقبض روحه، وملائكة الرحمة تقول: إنه جاء إلى الله تائبًا، فنحن أولى بقبض روحه.

فأرسل الله ملكًا يحكم بينهم، ملك مفوّض من الله ليقضي بين الصنفين من الملائكة: ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
في الحديث، يقول النبي ﷺ: “فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي”، وبقدرة، من يقول للشيء: كن فيكون؛ قال النبي ﷺ: “فكان أقرب إلى قرية الصالحين بشبر”.

فهذا فعل الله بقاتل مئة نفس، فما بالك بآلاف وملايين التائبين الذين جاؤوا لله عز وجل؟ألا يفسح الله لهم في هذه البقعة الطاهرة المباركة؟

سبحان الله، لم يحدث أن تجد في هذا المكان من يتركه ضجرًا أو ضيقًا، لن تجد من يُعلن أنه نادم على أنه جاء إلى هذا المكان، بل هناك من يتمنى لو طالت الأيام أكثر وأكثر، وطالت الساعات أكثر وأكثر.

وهناك من هو الآن معنا، يتمنى لو كان في هذا المكان، يحج ويعتمر مرات ومرات.

وهذا معنى قول الحق تبارك وتعالى:﴿وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنًا﴾[سورة البقرة، الآية 125].

“مثابة” من “ثاب”، يعني رجع، والمقصود هنا أنه مكان يذهب إليه الناس ويرجعون، يذهبون ويرجعون بلا ملل.

فليس كل من زار البيت طفى شوقه، بل من زار البيت مرات ومرات ومرات، يزداد شوقه أضعاف من لم يزر.

وهذه حكمة الله، حينما استجاب دعوة الخليل إبراهيم:﴿فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم﴾[سورة إبراهيم، الآية 37].

من الأشياء التي تدل على المساواة، إخواني: أن الناس تطوف وتسعى، فتسمع الإقامة: قد قامت الصلاة، فيقف الجميع صفوفًا، كل يبدأ بنفسه، تنتظم الصفوف، يصطفِّ الناس، إذا كبّر الإمام، خشع الجميع، وكبّروا خلفه، هذا إمام واحد، يكبّر بتكبيره ملايين.

ذكرتُ لكم هذه القصة من قبل، وأكرّرها للتذكرة:
 أحد الأئمة بأمريكا يروي أنه كان معه صديق أمريكي، وكان التلفاز على قناة “اقرأ” أو قناة من القنوات التي تبث من الحرم، فسأله: ما هذا المشهد؟ فحكى له، وقال: هذا كذا وكذا…، ثم سأله وقال: ما رأيك أنه بعد دقائق سيقف هؤلاء الناس في صفوف، وعددهم وقتها حوالي مليون ونصف إلى مليوني حاج، كم ساعة نحتاج لتنظيم هؤلاء في صفوف؟
قال: من أربع إلى ست ساعات، لتنظيم هذا العدد الضخم.

قال: فإذا علمت أنهم مختلفو اللهجات واللغات، ليسوا على لغة واحدة، بل سبحان الله، كل لغات الأرض!
قال: إذًا، لا يقل عن أربع وعشرين ساعة، تحتاج إلى أربع وعشرين ساعة، طبعًا لتترجم لكل واحد بلغته.

قال: وما إن أقيمت الصلاة، وأعلن إمام الحرم: تكبيرة الإحرام “الله أكبر”، حتى انتظم الناس في صفوف، وكبّروا جميعًا، ركع الإمام فركعوا، سجد الإمام فسجدوا، قام الإمام فقاموا.

فقال الرجل متعجبًا: من هذا الإمام؟! هل هو جنرال عسكري؟ حتى يسمع الناس كلامه بهذه الدقة، يتحرك الحركة، والناس تتبعه؟!

فقال له: هكذا الإسلام جعل سلطان الدين في قلب كل مسلم، فنظم كل واحدٍ نفسه، والتزم وراء الإمام بأن يقتدي به ويتابعه.


فهذه ثلاثة مقاصد من أبرز مقاصد الحج:

  1. إعلان التوحيد لله

  2. إعلان العبودية لله

  3. إعلان المساواة بين المسلمين

فلا يعلو أحد على أحد، ولا يتكبّر أحد على أحد، كلنا لآدم، كما قال النبي ﷺ:“وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أبيض، إلا بالتقوى.”

فاللهم اجعلنا من عبادك المتقين،
اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين الفائزين،
وأكرمنا بحج مبرور، برحمتك يا أرحم الراحمين.

Visited 21 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14427 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع