ذكر الله في أفضل أيام الدنيا

نستقبل إن شاء الله خلال أيام غرة شهر ذي الحجة ، نسأل الله أن يوفقنا في هذه الأيام المباركة إلى ما يحبه ويرضاه ، وأن يبلغنا في العام المقبل حج بيته الحرام .
وفضل الله واسع فلم يجعل الله فضله خاص بمكان دون مكان إنما خص الفضل بمكان وعممه في الزمان ؛ فإن كانت رحمة الله ومثوبته وفضله في بيته الحرام حيث أداء مناسك الحج والعمرة ؛ فإن الله جعل هذه البركة والمثوبة والفضل مع الزمان في هذه الأيام المقبلة فإن فاتتنا بركات المكان فلا تفوتنا بركات الزمان .
فضل العمل الصالح في هذه الأيام :
والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «ما من أيّام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، – يعني أيّام العشر -، قالوا: يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلاّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
أحب العمل إلى الله أشارة لمضاعفة الأجر والثواب ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن لازم المحبة مضاعفة المثوبة ، وقد فهم الصحابة ذلك فقالوا : ( ولا الجهاد في سبيل الله؟ ) لأنهم يعلمون أن للجهاد فضل عظيم لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟. رواه البخاري
فالصحابة يعلمون عظم هذا الأجر فقالوا: ” ولا الجهاد في سبيل الله؟ ” قال: ” ولا الجهاد في سبيل الله ” إلاّ في حالة واحدة : رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». والمعنى هنا أن مضاعفة الأجر في هذه الأيام أمور يفوق إدراكاتنا، والعلماء يقولون : إن إبهام الأجر إشارة إلى عظمه .
ومعنى أن العمل الصالح فيها من أحب الأعمال إلى الله في هذه الأيام معنى ذلك أن من يعمل هذا العمل الصالح هو حبيب لله تعالى .
فنحن لا نريد أن نقصر الصالحات على من لبس الإزار والرداء وذهب لحج بيت الله الحرام إنما الصالحات تعم الجميع زمانا .
عبادة الذكر
على رأس هذه الأعمال الصالحة أوصانا الرسول بأسهل عبادة عبادة الذكر، ولو تأملنا الآيات الواردة في الحج لوجدنا أن فيها ذكر الله في أكثر من موضع :
- قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198]
- وقال تعالى:﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 200]
- وقال تعالى:﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]
- وقال تعالى:﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]
والذكر عبادة من أسهل العباداتلا يحتاج المسلم معها لوضوء أو استقبال قبلة كالصلاة أو أداء معين مثل تلاوة القرآن بأحكام التجويد ، الذكر عبادة لا تجهد اللسان ولا الظهر، ولا اليد عبادة خفيفة يباشرها المؤمن في كل أحواله.
قال سبحانه وتعالى -( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار )- [آل عمران/191] نسأل الله أن نكون منهم .
فضل الذكر
والآيات والأحاديث في فضل الذكر كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال :
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)- [الأحزاب42/41]
والأمر بالذكر هنا ليس معناه مجرد الذكر بل أن نذكر الله سبحانه وتعالى ذكرا كثيرا ، والفارق بين المؤمن والمنافق أن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا كما قال تعالى -(ولا يذكرون الله إلا قليلا )- [النساء/142] أما المؤمن فإنه يذكر الله كثيرا( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)- [الأحزاب42/41] وقال تعالى : ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )- [الأحزاب/35]
وقال عن المنافقين : -( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )- [الزمر/45]
والمؤمنون وصفهم الله -سبحانه وتعالى- بقوله -( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون )- [الأنفال/2]
من أحب شيئا أكثر من ذكره:
والعلماء يقولون : “من أحب شيئا أكثر من ذكره ” فالألسنة تعبر عما في القلوب ، فإذا امتلأ القلب بحب شيء تجده دائما على اللسان ، فمن أحب الرياضة أو الكرة على وجه الخصوص يتابع أخبار الرياضة والمباريات والتحليلات ، ولا حديث مع أصدقائه إلا عنها فلحبه الشديد لها تجده يتحدث عنها كثيرا ….ترى آخرين يحبون السيارات … التجارة وحالة الأسواق …. وتجد النساء يحبون التسوق والموضة والملابس وأصناف الأكل .
فمن أحب شيئا سيكون دائما على لسانه واهتماماته كلها منصبة عليه ، فهذا حال الناس أما حال المؤمن فقلبه عامر بالإيمان بالله -سبحانه وتعالى- فدائما ما يكون لسانه عامرا بذكر الله -سبحانه وتعالى- فاللسان يعبر عما في القلب؛ كما قال التابعي الجليل يحيى بن معاذ : “القلوب كالقدور والألسنة مغارفها ” القدور آنية الطعام واللسان كالمغرفة فهو يغرف معبرا عما في القلب ، نسأل الله أن يطهر قلوبنا، وأن يطيب ألسنتنا وأن يجعلها دائما لاهجة بذكره -سبحانه وتعالى-
وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول في كلامه -سبحان الله ، يعني يربط بين جملة وجملة بقوله: سبحان الله .
وهذا يعبر عما يكون في القلب من إجلال الله -سبحانه وتعالى-
إذن المؤمن يذكر الله كثيرا والمنافق لا يذكر الله إلا قليلا ، فالله ليس على باله ولا في خاطره …..لا إله إلا الله .
الآية الثانية قوله تعالى : -( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون )- [العنكبوت/45]
ما معنى “ولذكر الله أكبر” فيها عدة تفسيرات :
1- “ولذكر الله أكبر” يعني في النهي عن الفحشاء والمنكر ، يعني إذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر.
2- “ولذكر الله أكبر” ولذكر الله لكم بالأجر والمثوبة على طاعته وأداء الصلاة كما أمر الله وشرع أكبر من ذكركم إياه بما تتلون من قرآن أو تسبحون في ركوع أو سجود .
هذا أشهر ما قاله المفسرون في هذه الآية .
ومن الأحاديث في فضل الذكر :
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول ( أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه ) رواه البخاري
الله أكبر ! معية الله عز وجل لعبد من عباده وهو يذكره -سبحانه وتعالى-
الإنسان بطبعه اجتماعي وعندما يكون وحيدا في مكان تأتيه وحشة ويخاف بل من العقوبات الشديدة الحبس الانفرادي ، حيث لا يرى الناس ولا يرونه ، لكن المؤمن لا يرى في الخلوة وحشة إنما يرى فيها أنسا بالله -سبحانه وتعالى- وخلوة مع الله ،وهذا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ” ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ” رواه البخاري.
فضل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر
والرواية التي ذكرناها عن فضل أيام العشر من ذي الحجة هي رواية الصحيح وفي رواية سنن البيهقي يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) أي قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر .
سبحان الله : عن ابن عباس رضي الله عنهما : سبحان الله ” : تنزيه الله عز وجل عن كل سوء .
إذن فمعنى سبحان الله : أنزه الله عن كل نقص ،فالله جل وعلا لا يغفل ولا ينام ولا يمرض ولا يتعب ولا يضعف ولا يعجز ولا يفتقر ، ولا يحتاج إلى ولد أو زوجة ، ولا يظلم مثقال ذرة ، ولا يغيب عنه شيء ….الخ ، مما يعجز اللسان عن إحصائه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )
الحمد لله :الحمد عكس الذم ، ومعناها أن الله تبارك وتعالى له كل صفات الكمال والجمال والجلال فهو سبحانه كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله .
و (الحمد ) وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم ، لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى” مدحاً”؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً ، كما كان بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا عزّ وجلّ حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ.
إذن فالتسبيح تنزيه الله عن النقص ، والحمد لله وصف الله بالكمال .
معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي تنفي الإلهية بحق عن غير الله سبحانه، وتثبتها بالحق لله وحده كما قال الله عز وجل في: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل) سورة الحج 62.
الله أكبر : التكبير هو تعظيم الربّ تبارك وتعالى ، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات.
كما قال صلى الله عليه وسلم لعديِّ بن حاتم:يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ “
فالله اكبر من كل شيء ،الله اكبر من كل ما يخطر ببالك ، الله أكبر من أن يحيط أحد به علما ، الله أكبر من أن تدركه الأبصار ، الله أكبر من أن يكون له مثيل أو شبيه أو ند أو نظير ، (ولم يكن له كفوا أحد)
الله أكبر من كل مخلوقاته ، وصفاته أكبر وأعظم من صفات مخلوقاته ، وهو سبحانه وتعالى لا يشبه مخلوقاته ، وصفاته لا تشبه صفات مخلوقاته ، فرحمته أكبر بكثير من رحمة مخلوقاته ، وعلمه أكبر بكثير من علم مخلوقاته وقوته أكبر بكثير من قوة مخلوقاته وهكذا في بقية الصفات .
بعض ما ورد في فضلها :
لهذه الكلمات الأربع فضائل عظيمة في السنة النبوية المطهرة منها:
1 ـ أنَّها أحب الكلام إلى الله:
عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيّهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كُتب له عشرون حسنة، وحُطّت عنه عشرون سيّئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين مِن قِبَل نفسِهِ كُتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّ عنه ثلاثون خطيئة” رواه أحمد وصححه الألبانى فى صحيح الجامع
(أحب الكلام إلى الله تعالى ) لتضمنها تنزيهه تعالى عن كل ما يستحيل عليه ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كما له وانفراده بوحدانيته، والمقصود من الكلام هنا كلام العباد، لا مطلق الكلام، وهذا يُفهم من المقام، فهو يتحدّث عن ذكر الله تعالى، فيكون المقصود: أفضل الكلام بعد القرآن وقد ورد بهذا المعنى في رواية عند الإمام أحمد عن سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: ( أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ، وَهِيَ مِنْ الْقُرْآنِ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ ).
ومعنى (لا يضرك بأيهن بدأت) لا ينقص ثوابها بتقديم بعضها على بعض.
2ـ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنّها أحبُّ إليه مما طلعت عليه الشمس ( أي من الدنيا وما فيها):
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إلي ممّا طلعت عليه الشمس” أخرجه مسلم
قوله(أحب إلي مما طلعت عليه الشمس): أي من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها
3 ـ أنَّها غرس الجنة:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: “لقيت إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلامَ، وأخبِرهم أنَّ الجنةَ طيِّبةُ التربة، عذبةُ الماء، وأنَّها قيعان، غِراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(قيعان) جمع قاع , وهو المكان المستوي الواسع في وطاةٍ من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته , كذا في النهاية لابن الأثير . والمقصود أن الجنة ينمو غراسها سريعا بهذه الكلمات كما ينمو غراس القيعان من الأرض ونبتها .
4- وصية الرسول لابنته فاطمة (خير لكما من خادم) :
عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى في يدها من الرحى فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فلم تجده فذكرت ذلك لـعائشة فلما جاء أخبرته قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت أقوم فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكم على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين فهذا خير لكما من خادم) رواه البخاري
والرحى: هو آلة الطحن التي كان يطحن بها
فهنا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحقق الرغبة لابنته وزوجها، وإنما أرشدهما إلى شيء يكون فيه قوة لهما بإذن الله، بحيث لا يحتاجان معها إلى خادم؛ لأن هذا الثناء على الله عز وجل يكسبهما قوة ونشاطاً، ومعنى هذا أن من واظب على هذا الذكر لم يصبه الإعياء، لأن فاطمة شكت التعب فأحالها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الذكر، وهذا يدل على أن الذكر له أثر في تقوية البدن كما أنه يقوي القلب، فهو يزيد النفس ثباتاً، والقلب طمأنينة.
يقول ابن القيم في الوابل الصيب: قيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنية عن خادم ، ويقول : إن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمرا عجيبا فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما .
5- أنَّهنَّ مكفِّرات للذنوب:
عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما على الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كُفِّرت عنه ذنوبُه ولو كانت أكثر من زَبَد البحر” رواه الحاكم وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترغيب.
6 ـ الباقيات الصالحات :
اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ ” الباقيات الصالحات ” في قوله تعالى ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) الكهف/ 46 ، وفي قوله تعالى ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ) مريم/ 76 ، فقال بعضهم : إنها قول ” سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ” ، وقال آخرون : إنها جميع أعمال الخير ، وهو ما رجحه الإمام الطبري ،لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة ، وعليها يجازى ويُثاب ، ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتصدقوا بها إلا كتفها ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ ) قَالَتْ : عائشة : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا ، قَالَ: (بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا).
قال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة: الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: هي كل عمل صالح من قول أَو فعل يبقى للآخرة.
وعلى هذا فإن : (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) من الباقيات الصالحات وليست هي وحدها فقط الباقيات الصالحات لما ورد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خُذوا جُنَّتَكم”، قلنا: يا رسول الله من عدو قد حضر! قال: “لا، بل جُنَّتُكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنَّهنّ يأتين يوم القيامة منجيات ومقدّمات، وهنّ الباقيات الصالحات” رواه الحاكم وصححه الألباني .
وعن أبي سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(استكثروا من الباقيات الصالحات. قيل وما هي يا رسول الله قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله) أخرجه الإمام أَحمد والحاكم وصححه وضعفه الألباني.
7- ذكر ودعاء مستجاب :
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: “جاء رجل بَدَوِيٌّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، علِّمني خيرًا، قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، قال: وعقد بيده أربعًا، ثم رتَّب فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم رجع،
فلما أراه رسول الله تبسَّم وقال: «تفكَّر البائس!»، فقال: يا رسول الله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هذا كله لله، فما لي؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قلتَ: سبحان الله، قال الله: صدقتَ، وإذا قلتَ: الحمد لله، قال الله: صدقتَ، وإذا قلتَ: لا إله إلا الله، قال الله: صدقتَ، وإذا قلتَ: الله أكبر، قال الله: صدقتَ، فتقول: اللهم اغفر لي؛ فيقول الله: قد فعلتُ، فتقول: اللهم ارحمني؛ فيقول الله: قد فعلتُ، وتقول: اللهم ارزقني، فيقول الله: قد فعلتُ»، قال: فعقد الأعرابي سبعًا في يديه” (صححه الألباني).
ومن السنن المهجورة في هذه الأيام سنة التكبير المطلق :
القسم الأول:التكبير المطلق أو المرسل:

