صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعين النووية 17- إن الله كتب الإحسان

تاريخ الإضافة 14 يوليو, 2026 الزيارات : 1219

17- إن الله كتب الإحسان

عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم.[1]

التعريف براوي الحديث

  • هو الصحابي الجليل شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، ويُكنى أبا يعلى.
  • أبوه أوس بن ثابت رضي الله عنه، وهو أخو شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه، فيكون شداد ابن أخيه.
  • أسلم رضي الله عنه في حياة النبي ﷺ، وكان من فضلاء الصحابة، عُرف بالعلم، والعبادة، والزهد، والحكمة.
  • كان شديد الخشية لله، كثير البكاء، دائم المحاسبة لنفسه، حتى عُدَّ من كبار العُبَّاد والزهاد من الصحابة.
  • نزل بعد وفاة النبي ﷺ في بلاد الشام، وسكن مدينة بيت المقدس، وكان من علمائها وعبادها.
  • توفي رضي الله عنه في بيت المقدس سنة 58 هـ.

شرح الحديث

(إن الله كتب الإحسان على كل شيء) الكتابة الواردة في الشرع ضربان:

  • كتابة كونية قدرية وهي ما يقع قدرا لا محالة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21]
  • كتابة شرعية دينية وهي ما أمر الله به وشرعه لعباده. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة: 178] وقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] والمراد هنا الكتابة الشرعية.

إذن فمعنى (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي: أوجب عليكم الإحسان في كل شيء، ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين.

(الإحسان) الإحسان لغة بذل المنفعة والخير، واصطلاحا في عرف الشارع يطلق على أمرين:

(1) إيصال النفع إلى الآخرين.

(2) إتمام العبادة وإتقانها. فهو يشمل الإحسان في حق الله والإحسان في حق الخلق. فالمحسن هو من أحسن في عمله وأحسن إلى غيره.

 وقوله: (على كل شيء) تدل على العموم فيدخل في ذلك الإحسان في التعامل مع النفس، والتعامل مع من تحت يده ممن استرعاه الله، ويدخل فيه أيضا التعامل مع الناس، والتعامل مع البهائم والدواب، والتعامل مع غيرها مما يتعاطاه الإنسان أو يتصرف فيه بلون من التصرفات من الجمادات وغيرها.

والمراد الإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن صبر البهائم، وهو: أن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت.

 ففي الحديث (عن أنس أن النبي ﷺ نهى أن تصبر البهائم)[2]

وعن ابن عمر: أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا[3]

وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام.[4]

(فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) أي: أردتم قتل ما يجوز قتله.

(فأحسنوا القتلة ) و(القتلة) بكسر القاف، وهي الهيئة والحالة، بأن تختاروا أسهل الطرق وأخفها إيلاما وأسرعها زهوقا.

( وإذا ذبحتم )ما يحل ذبحه من الحيوانات.

(فأحسنوا الذبحة) إحسان الذبح في البهائم: الرفق بها، فلا يصرعها، ولا يجرها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وتوجيهها إلى القبلة، والتسمية، والإجهاز، ونية التقرب إلى الله بذبحها، وإراحتها، وتركها إلى أن تبرد، وشكر الله حيث سخرها لنا ولم يسلطها علينا، ولا يذبحها بحضرة أخرى.

والقتلة والذبحة بالكسر، أي الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل.

والذبح والنحر يكون فيما يحل؛ أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولا بد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع على بقية البدن؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فكلوا)[5]، ولا ينهر الدم إلا قطع الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن ليس ذلك بشرط.

وأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر، وكذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذ فإنه يقتل.

وعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعا قتل شرعا، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعا، وما لم يؤذ طبعا ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده، فلك قتله وإن كان منهيا عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعا ولكن تعرض منه الأذية، فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل؛ فمثلا إذا أردت أن تقتل فأرة – وقتلها مستحب – فأحسن القتلة، اقتلها بما يزهق روحها حالا، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث يضع لها شيئا لاصقا تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعا وعطشا، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق، فلا بد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئا لاصقا قتلته.

أما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة، وتقع فيه الفارة وتموت عطشا أو جوعا، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (دخلت النار امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض)[6]

(وليحد أحدكم) اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع.

(شفرته) الشفرة: السكين، يعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة؛ أي: مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.

وعن ابن عمر، قال: (أمر رسول الله ﷺ بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز يعني: فليسرع الذبح)[7]

 وعن أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله ﷺ برجل وهو يجر شاة بأذنها، فقال رسول الله ﷺ: دع أذنها وخذ بسالفتها والسالفة: مقدم العنق.[8]

وعن ابن سيرين أن عمر رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا.[9]

خروف يسرق السكين:

حكى أحد الأخوة هذه القصة التي حدثت في السعودية قال: كان هناك تاجر غنم وعنده طلب ذبح كمية من الأغنام ، فأمسك بالسكين وأخذ يذبحها واحد تلو الآخر وبينما هو يذبح جاءه أحد الزبائن يتكلم معه فوضع السكين، وأخذ معه في الكلام حتى انتهى من الحديث معه، فلما أراد أن يرجع ليباشر ذبح الخراف لم يجد السكين وأخذ يبحث عنه في كل مكان فقال له أحد الرعاة وكان قريبا منه إن أحد الخرفان أخذ السكين بفمه وألقى به في البئر فكذبه وقال مستحيل أن يفعل هذا الفعل خروف وكانت البئر ليست عميقة فنزل الرجل بنفسه إلى البئر ليثبت كذب الراعي فإذا به يجد السكين فعلا في البئر!!!

(وليرح ذبيحته) هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاثا، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.

الرحمة بالحيوان والرفق به:

وفي الحديث دلالة ظاهرة على مشروعية الرحمة بالحيوان والرفق به وأن ذلك سبب لدخول الجنة.

عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: (بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقفها فسقته فغفر لها به)[10]، والموق بضم الميم هو الخف، فارسي معرب، ومعنى نزعت له بموقها أي استقت له بخفها

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (أردفني (حملني) رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إليَّ حديثاً لا أخبر به أحداً أبدا، وكان رسول الله ﷺ أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل (مجموعة)، فدخل يوما حائطاً (بستانا) من حيطان الأنصار، فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه، قال بَهْز وعفان: فلما رأى النبيَّ ﷺ حَنَّ وذرفت عيناه، فمسح رسول الله لي الله عليه وسلم سَرَاته وذِفْراه (ظهره وأذنيه) فسكن، فقالمن صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال ﷺأما تتقى الله في هذه البهيمة التي ملككها الله، إنه شكا إلىَّ أنك تجيعه وتدئبه (تتعبه) [11]

وقد ورد وعيد شديد لمن عذب الحيوان أو تسبب في قتله؛ قال رسول الله ﷺ: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت)[12]

من فوائد هذا الحديث: 

  1. الإحسان يشمل جميع شؤون الحياة؛ لقوله: «على كل شيء» وهذا يفيد العموم، فيدخل فيه الإحسان مع النفس، والأهل، والناس، والحيوان، بل ومع كل ما يتصرف فيه الإنسان.
  2. الإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الله بإتقانها وإخلاصها، والإحسان إلى الخلق بإيصال الخير إليهم وكف الأذى عنهم.
  3. الإسلام دين رحمة حتى في مواضع القتل والذبح، فلا يجيز التعذيب أو التمثيل (تشويه القتيل) أو إطالة الألم.
  4. قوله ﷺ: “فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة” معناه اختيار الهيئة التي يكون فيها القتل أسرع وأبعد عن التعذيب.
  5. قوله ﷺ: “وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة” يدل على وجوب الرفق بالحيوان عند الذبح.
  6. الحيوان المؤذي يجوز قتله إذا أذن الشرع بذلك، لكن مع مراعاة الإحسان في كيفية قتله.
  7. الخلاصة الجامعة: الإحسان خلق شامل في الإسلام، يجب أن يظهر في العبادة، والمعاملة، والقتل المشروع، والذبح، والرحمة بالحيوان، فلا يجوز تعذيب أي مخلوق بغير حق، بل يكون المسلم رحيمًا محسنًا في كل أحواله.

[1] أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم (1955)

[2] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد، باب لا تُصبر البهائم ولا يُمثَّل بها، حديث رقم 5515)، ومسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، حديث رقم 1958).

[3] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد، باب لا تُصبر البهائم ولا يُمثَّل بها، حديث رقم 5513)، ومسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، حديث رقم 1956)

[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد، باب لا تُصبر البهائم ولا يُمثَّل بها، حديث رقم 5514)، ومسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم واتخاذها غرضًا، حديث رقم 1957)

[5] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد، باب ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه، حديث رقم 5503) ومسلم في صحيحه (كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر، حديث رقم 1968)

[6] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، حديث رقم 3318)، ومسلم في صحيحه (كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، حديث رقم 2242)

[7] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وحد الشفرة، حديث رقم 1955)

[8] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الضحايا، باب في الرفق بالذبيحة، حديث رقم 2841)، والبيهقي في السنن الكبرى (كتاب الضحايا، باب الرفق بالذبيحة)، وقال الألباني: حديث حسن صحيح، وصححه في صحيح أبي داود (رقم 2467).

[9] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (كتاب الصيد والذبائح، باب الرفق بالذبيحة، حديث رقم 8585) وإسناده صحيح إلى ابن سيرين، لكن ابن سيرين لم يدرك عمر، ومع هذا فإنه يذكر استئناسا..

[10] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، حديث رقم 3321)، ومسلم في صحيحه (كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم، حديث رقم 2245)

[11] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الجهاد، باب في حق البهيمة، حديث رقم 2549)، وأحمد في المسند (مسند عبد الله بن جعفر، حديث رقم 1754)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (رقم 2549) والمقصود بقول الراوي: “قال بهز وعفان” أن هذا اللفظ رواه الإمام أحمد عن شيخين من شيوخه، وهما: بَهْز بن أسد العَمِّي البصري من كبار رواة الحديث، وكان ثقةً ثبتًا، وروى عنه الإمام أحمد وغيره، وعَفّان بن مسلم الصَّفّار البصري من أئمة الحديث الثقات، وكان من شيوخ الإمام أحمد، وروى عنه أصحاب كتب السنة؛ فقول المصنف: قال بهز وعفان: فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه عناه أن بهز بن أسد وعفان بن مسلم اتفقا في روايتهما على هذا اللفظ أو ذكراه في سياق الحديث، وليس المقصود أنهما من الصحابة أو أنهما كانا حاضرين مع النبي ﷺ.

[12] سبق تخريجه

Visited 347 times, 2 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 410
  • Today's page views: : 490
  • Total visitors : 90,245
  • Total page views: 100,062