سبيل الوصول إلى محبة الرسول ﷺ

تاريخ الإضافة 26 أغسطس, 2025 الزيارات : 23863

سبيل الوصول إلى محبة الرسول

عناصر الخطبة :

أولا / وجوب محبة رسول الله ﷺ

ثانيا/ نماذج من حب الصحابة لرسول الله ﷺ

ثالثا/ كيف الوصول إلى محبة الرسول ؟

 

أولا / وجوب محبة رسول الله ﷺ

 إن محبة رسول الله ﷺ محبة لله عز وجل، فلا يكتمل إيمان العبد إلا بحبه لله ورسوله بدلالة اقتران محبة الله مع محبة رسوله في كثير من الآيات والأحاديث.

فمن الآيات :

1 – قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]

فمحبة الله ومحبة الرسول مقدمة على محبة الأب والابن والزوجة، وعلى محبة الأهل جميعاً، وعلى محبة التجارة، والأموال، والمساكن، لا تستقيم حياة المسلم ولا يستقيم دينه ولا تستقيم عبادته، إلا بهذا التقديم المتضمن كمال الحب والخضوع لأوامر الله ورسوله.

2- قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

قال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية ، فقال : ( قل إن كنتم تحبون الله … )

وقال ابن القيم رحمه الله: فلما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة. فجاءت هذه الآية.

وأما الأحاديث فمنها :

1- عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما…) رواه البخاري.

والمعنى: أن يقدم محبة الله ومحبة رسوله على محبة نفسه والناس كلهم؛ وذلك لأنه يعرف بأن الله تعالى هو ربه، وهو مالكه، وهو المتصرف فيه؛ فيحبه من كل قلبه. ويعرف –أيضا أن النبي ﷺ هو رسول الله إلى الأمة، وهو الذي أنقذهم الله به من الضلالة ومن الكفر ومن العصيان، فيحبه –أيضا من كل قلبه، فيكون بذلك مقدما لمحبة الله ومحبة رسوله على محبة كل شيء.

وإذا أحب الله تعالى أحب عبادته؛ كالصلاة والصوم والصدقة، والذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأحب جميع الطاعات، وتلذذ بها، وواظب عليها، وأكثر منها، وكذلك أيضا أحب كل من يحبهم الله، هذه علامة محبة الله.

ومحبة النبي ﷺ علامتها: أن يتبعه، ويطيعه، ويعمل بكل ما أمره به، وكذلك يقتدي به ويتخذه أسوة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

وكذلك إذا أحب النبي ﷺ فإنه يكره معصيته والخروج عن سنته.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بتكميل هذه المحبة بثلاثة أمور:

أولاً: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما

وثانياً: تفريع هذه المحبة وهو: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله؛ لأن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب.

والثالث: دفع ضد هذه المحبة، وهي: أن يكره المسلم ضد الإيمان، وهو الكفر كما يكره أن يقذف في النار.

2- وعن أنس أيضا قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين) حديث صحيح.

قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال ﷺ: لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك . فقال له عمر : فإنك الآن أحب إليّ من نفسي، فقال: الآن يا عمر

فلا يكتمل إيمان أحدكم حتى أكون أحب إليه، أي: أشد حباً من حب هذا الرجل لولده ووالده والناس أجمعين.

الإنسان منا قد يدعي أنه يحب الله ورسوله أكثر من أي شيء، لكن في الواقع قد يحب أشياء أكثر من الله ورسوله، فعندها يسأل نفسه هل أنا أحب الله ورسوله أكثر أم العمل أم الزوجة أم الولد؟

3 – وعن أنس أيضا رضي الله عنه: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ، فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ !

فقال عليه الصلاة السلام لهذا الرجل: ما أعددت لها؟

قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله . قال: فأنت مع من أحببت.

قال أنس : ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (أنت مع من أحببت).

ثانيا/ نماذج من حب الصحابة لرسول الله ﷺ

1- عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: “يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك.

 فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم…} الآية”. قال الشيخ أحمد شاكر في التفسير حسن لغيره، وفي بعض الروايات أن الصحابي اسمه ثوبان

2- وعن عبد الرحمن بن شماسة قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فحول وجهه إلى الجدار وجعل يبكي طويلاً، فجعل ابنه يقول: يا أبتِ، ألم يبشرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكذا وكذا؟

يهدئ من روعه وبكائه، قال: فالتفت إلينا وقال:إن أفضل ما نعد لهذا اليوم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لقد رأيتني على أطباق ثلاث أي: على ثلاث مراحل من حياتي:

 لقد رأيتني وما أحدٌ أشد بغضاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مني، ولا أحب إليّ من أن أكون استمكنت منه فقتلته، وإذا مت وأنا على هذه الحال لكنت من أهل النار، فلما أسلمتُ جئت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، قال: فبسط يده، قال: فقبضت يدي، فقال لي: مالك يا عمرو ؟

قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟

 قلت: أشترط أن يغفر لي.

 قال: يا عمرو ، أو ما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها.

 قال عمرو : فما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من النبي ﷺ، ووالله ما كنت أستطيع أن أُحِد النظر إليه إجلالاً له، ولئن سألتموني أن أصفه لكم لما استطعت؛ لأنني ما كنت أطيق أن أُحِدّ النظر إليه تعظيماً له، فإن مت على هذه الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم حدثت أمور وولينا أشياء يغفر الله لنا) رواه مسلم

3- وفي غزوة أحد لما حدثت المقتلة للمسلمين، وهم قافلون إلى المدينة، قيل لامرأة كانت تنتظر: (مات زوجك….. مات أبوكِ….. مات ولدك….. مات أخوكِ….. ماذا بقي لها؟ فقالت لهم: وماذا فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: هو بخير، قالت: أريد أن أراه!!!

لا تريد خبراً عن زوجها ولا أبيها ولا أخيها ولا عن أي شيء، بل سألت عن المحبوب الأعظم عليه الصلاة والسلام .

ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: هو بخير، قالت: أروني إياه، فلما رأته قالت له: كل مصاب بعدك جلل يا رسول الله !!!

جلل : تأتي بمعنى عظيم، ومعنى صغير أو قليل فهي من ألفاظ الأضداد والمقصود هنا صغير لا قيمة له.

4 – ولما أخرج زيد بن الدثنة (بكسر الدال وتشديد النون)، وكان أسيرا عند قريش وخرجوا به إلى خارج الحرم ليقتلوه وربطوه، قال له أبو سفيان وكان كافراً: أنشدك الله ، أتحب أن محمداً الآن مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟

قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأنا جالس في أهلي.

أي: ليس فقط هكذا، كلا، لو أن الرسول تشاكه شوكة، هذا عندي أعظم من أن أقتل أنا، فلو خيرت بين قطع عنقي، وبين شوكة تصيب الرسول، لاخترت قطع عنقي أنا على أن الشوكة تصيب الرسول ﷺ.

فقال أبو سفيان : ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً، كحب أصحاب محمد محمداً.

5- وفي حديث الحديبية أن عروة بن مسعود قبل أن يسلم بعثه أهل مكة ليتفاوض مع الرسول ﷺ ويصالحه، فجعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال عروة يصف كيف كان وضع الصحابة مع الرسول: فوالله ما تنخم محمد نخامة النخامة ما يخرج من أقصى الحلق من البصاق إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه كل واحد يريد أن يأخذ الزائد من وضوء الرسول ﷺ من الماء الذي توضأ به– وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له.

فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على كل الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له.

6 -حنين الجذع للنبي ﷺ كان رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع ، إذ كان المسجد عريشا ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع ، فقال رجل من أصحابه : هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة ، حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك ؟

قال : نعم ، فصنع له ثلاث درجات ، فهي التي أعلى المنبر ، فلما وضع المنبر ، وضعوه في موضعه الذي هو فيه ، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يقوم إلى المنبر، مر إلى الجذع الذي كان يخطب إليه ، فلما جاوز الجذع ، خار حتى تصدع وانشق !!!

 فنزل رسول الله ﷺ لما سمع صوت الجذع ، فمسحه بيده حتى سكن ، ثم رجع إلى المنبر ، وكان إذا صلى ، صلى إليه ، فلما هدم المسجد وغير ، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب ، وكان عنده في بيته حتى بلي ، فأكلته الأرضة وعاد رفاتا. رواه ابن ماجة وحسنه الألباني

ولما روى الحسن البصري هذا الحديث قال: (يا معشر المسلمين! أيكون الجذع أشد حنيناً للنبي ﷺ منكم؟ خشبة تكون أكثر حنيناً للنبي ﷺ منكم؟!!!

7 – وعن أنس قال: (دخل علينا رسول الله ﷺ: فقال عندنا أي: نام عند الظهر نوم القيلولة فعرق عليه الصلاة والسلام في نومه، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها تأخذ من عرق جبين الرسول وتضعه في القارورة.

 فاستيقظ الرسول ﷺ، فقال: يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وإنه أطيب الطيب) الصحيحين

لأن عرق الرسول ﷺ كان أطيب من جميع أنواع الطيب، كان له رائحة مثل رائحة المسك بل أشد.

 8- قصة أبي أيوب مع النبي ﷺ
عندما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مهاجراً؛ فإنه نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهذه القصة في صحيح مسلم ، وكان لدار أبي أيوب طابقان، فقال النبي ﷺ لأبي أيوب بعدما عرض عليه أن يسكن في أعلى البيت: (يا أبا أيوب السُفل أرفق بنا يغشاني أصحابي)، السُفل: أي المكان الأسفل أرفق بنا، بحيث أن أي رجل يريد النبي عليه الصلاة والسلام لا يدخل على بيت أبي أيوب ، ثم يصعد إلى فوق.

قال أبو أيوب : (وكنا نرسل إليه الطعام، فعندما نأكل نسأل من أين أكل؟ فنتحرى موضع أصابعه فنأكل منه، وكذلك إذا شرب نتحرى موضع الشرب فنشرب منه، قال: فأرسلتُ له يوماً طعاماً فيه ثوم فرده ولم تظهر يده فيه، قال: ففزعت، ونزلت، فقلت: يا رسول الله، أحرام هو؟

قال: لا لكني أنُاجى والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، قال أبو أيوب : لا جرم أن أكره الذي تكره).

قال أبو أيوب : (وانكسر لنا إناء، قال: فجففت الماء بلحافي ولحاف امرأتي، وما لنا غيره خشية أن تنزل نطفة من الماء على النبي ﷺ، فقال لامرأته: انزوي وانزووا جميعاً في ركن البيت حتى لا يمشيان على سقيفة تحتها رسول الله ﷺ، فلما أصبح الصباح نشده أن يصعد، وقال: (لا أعلو سقيفةً أنت تحتها)

9 – وقال علي بن أبي طالب : كان رسول الله – ﷺ – أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا وأحبّ إلينا من الماء البارد على الظمأ.

ثالثا/ كيف الوصول إلى محبة الرسول ؟

1- اتباعه وطاعته في كل ما أمر به :

قال تعالى :﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54]

وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]

والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ أو بفعل، وقال ابن عباس (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة)

وقال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي – ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل يا رسول الله، ومن يأبى؟

قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري

ومعناه أن أمته التي تطيعه وتتبع سبيله تدخل الجنة، ومن لم يتبعه فقد أبى، فاتباعه – ﷺ من أسباب محبة الله للعبد، ومن أسباب المغفرة، ومن أسباب دخول الجنة. أما عصيانه ومخالفته فذلك من أسباب غضب الله ومن أسباب دخول النار.

2- توقيره واحترامه وتعظيمه بعد وفاته
قال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]

يقول ابن تيمية:التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه.

 والتوقير : اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال ، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.

كذلك محبة الرسول ﷺ تقتضي توقيره عليه الصلاة والسلام واحترامه، وتعظيمه حتى بعد وفاته، وذلك عند ذكره عليه الصلاة والسلام، وعند سماع اسمه وسيرته، ولذلك كره العلماء رفع الصوت في مسجد النبي ﷺ، وكذلك عند قراءة حديثه وسيرته، وعند سماع القرآن أو تفسيره؛ وكان من سنة السلف أنهم كانوا يخفضون أصواتهم وينصتون عندما تقرأ عليهم الأحاديث.

وعندما ناظر الخليفة أبو جعفر الأمام مالك قال مالك للخليفة: لا ترفع صوتك يا أمير المؤمنين في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوماً، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]

ومدح قوماً فقال:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 3]

وذم قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر ، أي نزل عند نصح الإمام مالك.

وكان الصحابة يحترمون الرسول أيما احترام، فكان باب بيته ﷺ يقرع بالأظافير كما ورد في الحديث الصحيح، حتى باب بيت الرسول ما كانوا يطرقونه طرقاً، كانوا يضربون عليه بالأظافير!!

 انظروا إلى الحساسية المرهفة التي تعامل فيها الصحابة مع نبيهم ﷺ

3- كثرة الصلاة عليه ﷺ

ومن علامات محبة رسول الله: كثرة الصلاة عليه ﷺ، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها:

  • (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) صحيح
  • (من كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة ( حديث حسن.
  • أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد! أما يرضيك أن ربك عز وجل يقول: إنه لا يصلي عليك من أمتك أحد صلاة، إلا صليت عليه بها عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك تسليمة إلا سلمت عليه بها عشرا، فقلت: بلى أي ربي) رواه أحمد وهو حديث صحيح.
  • وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت من عند ربي عز وجل، فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها) رواه أحمد
  • ولأجل هذه النعمة التي أنعم الله بها على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد سجد عليه السلام شكرا لربه عليها كما جاء في الحديث الصحيح، وأخبر عليه السلام أيضا، بقوله: (ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة، مادام يصلي علي، فليقل العبد من ذلك أو ليكثر) حديث حسن.
  • وخص الله ملائكة معينين وظيفتهم السياحة في الأرض لتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم سلام أمته عليه، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أحمد وغيره: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)

4- إيثار أمره على هوى أنفسنا :

ويطلق الهوى في الشرع على ميل النفس إلى مخالفة الشرع وإلى ما تدعو إليه الشهوات، وهذا هو المعروف في استعمال الهوى غالبًا.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنِ عمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ) [1]

ورغم أن الحديث ضعيف من حيث السند، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ إذ أن تحقيق الإيمان الكامل يتطلب أن يوافق هوى الإنسان ما جاء به النبي ﷺ من الشرع، وهذا مدعوم بنصوص أخرى من القرآن والسنة، كقوله تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (سورة النساء: 65).

فشرط التحقق بصفة الإيمان الكامل هو الخضوع لأحكام الشرع والتسليم لإرادة الله دون أدنى تردد.

ومن استحسن شيئًا برأيه المجرَّد، ومالت إليه نفسه، ولو كان مخالفًا للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد ينتفي الإيمان بالكلية إن كان هواه لا يكون تابعًا لما جاء به الرسول ﷺ في كل الدين.

وقد ربط النبي ﷺ كمال الإيمان بجعل الهوى تابعًا لما جاء به.

(حَتَّى يَكُونَ هَواهُ) أي: يستمر عدم الإيمان الكامل إلى صيرورة هواه تابعًا لما جاء به النبي ﷺ.

إذن فالإيمان الكامل مرتبط بالاتباع القلبي والعملي لما جاء به النبي ﷺ.
 ويجب على كل مسلم أن يقدم الوحي على كل رأي شخصي أو ميل نفسي.

الخلاصة:

  1. محبة الرسول ﷺ واجبة ومقدمة على محبة النفس والأهل والمال، وهي شرط أساسي لكمال الإيمان.
  2. للوصول إلى هذه المحبة العظيمة، يجب على المسلم اتباع هذه الخطوات:
  3. اتباع سنته وطاعته: محبة الرسول ﷺ ليست مجرد عاطفة، بل هي اتباع لأوامره واجتناب لنواهيه.
  4. توقيره وتعظيمه: يجب احترام النبي ﷺ وتوقيره في حياته وبعد وفاته، سواء عند ذكر اسمه أو سماع سيرته، وخفض الصوت عند تلاوة حديثه.
  5. كثرة الصلاة عليه: الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يدل على محبته.
  6. تقديم أمره على هوى النفس: يجب أن يكون هوى المسلم تابعاً لما جاء به النبي ﷺ، فكمال الإيمان مرتبط بتقديم أوامر الشرع على الرغبات الشخصية.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم

من الذين يحبون رسول الله حق المحبة،

وأن يرزقنا شفاعته،

وأن يرزقنا الالتقاء به في جنة الفردوس،

وأن يرزقنا الأخذ بسنته صغيرها وكبيرها،

ونسأله سبحانه وتعالى أن ينعم علينا وعليكم

باتباع طريقة رسول الله ظاهراً وباطناً.

اللهم آمين


[1] ذكر الحديث الإمام النووي في خاتمة كتابه الأربعين النووية وقال عنه: حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. وأشار ابن حجر في فتح الباري إلى ضعف الحديث بسبب ضعف أحد رواته وهو نعيم بن حماد. وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال أن الحديث من رواية نعيم بن حماد، وبيَّن أن فيه كلاماً. وحكم الألباني عليه في السلسلة الضعيفة (حديث رقم 78) بالضعف.

Visited 289 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع