القول الحق في عيسى بن مريم

تاريخ الإضافة 29 ديسمبر, 2020 الزيارات : 6407
القول الحق في عيسى بن مريم
يصطفى الله من شاء من عباده من الأنبياء والصالحين ، وممن فَضَّلَ الله واصطفى: آل عمران  قال تعالى : “إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ , ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ “[آل عمران34] والمراد بعمران في هذه الآية هو عمران والد مريم البتول الذي هو جَدُّ عيسى من جهة أُمه .
هذا ولقد نَصَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ على اسم والد مريم في قوله تعالى : “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا” [التحريم12]
ولا خلاف أن مريم من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاةِ بني إسرائيل في زمانه ، وكانت أُمها من الصالحات العابدات ، وكان زكريا نبيُ ذلك الزمان زوج خالتها.
“إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً “
ثم قال تعالى مبيناً كيف حملت أم مريم بمريم وأن الله تعالى أجاب دعاءها ، حيث اشتهت الولد فلما تحققت من الحمل نذرت أن يكون محرراً أي خالصاً مفرغاً لعبادة الله وخدمة بيته قال سبحانه : “إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ,فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأنثى “[آل عمران36]
والمعنى: ليس الذكر كالأنثى في هذا المجال، لأن خدمة بيت الله، والتفرغ للعبادة في بيت الله لا يتساوى فيه الذكر والأنثى، فهو يحتاج إلى مزيد من الجهد، والقوة والجلد والتحمِل والصبر، وليس الذكر كالأنثى في هذا المجال، فالأنثى قد لا تقدر على أداء ذلك بصورة جيدة.
وتأملْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾، حيث لم يقُل: وليست الأنثى كالذكر، إنه كلامُ اللهِ المعجزُ، ومن الحكمة في ذَلك أَنْ نَعْلمَ أَنَّ هَذِهِ الْأُنْثَى لهَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَكَانَةِ وَالْمَزِيَّةِ، مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ الذَّكَرِ الَّذِي أَرَادَتهُ امْرَأَة عِمْرَانَ، بلْ هَذِهِ الْأُنْثَى ستَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ الذي تمنته .
حماية الله لعيسى من الشيطان بدعوة جدته:
“وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ” [آل عمران36ٍ] أي عَوّذتها بالله عز وجل وحَصّنتها به سبحانه من شر الشيطان المطرود من رحمة الله ، وعوّذت ذريتها كذلك ، فكانت دعوة الجدة دعوة مستجابة ظهرت آثارها في مريم وفي ولدها عيسى، فولد عيسى بعيداً عن مس الشيطان، ولم يستطع أن يصل إليه بسوء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها عيسى عليهما السلام) وفي رواية : (ما من مولودٌ إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة : [ واقرءوا إن شئتم: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) [آل عمران:36]].
وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب)
ما معنى هذا الحديث؟
الشيطان له أصبع كما هو ثابت في الحديث، كما أن له قرنان، والشمس تطلع بين قرني شيطان، وله لسان، والدليل: أن النبي عليه الصلاة والسلام خنقه في الصلاة حتى وجد برد لسانه على يده، وكل مولود يولد يتعرض له إبليس بالأذى، نكاية في بني آدم، فماذا يفعل الشيطان؟ يطعن في خاصرة كل مولود بأصبعه، فيصرخ الولد، لماذا؟
يقول الأطباء لا يوجد سبب للصراخ، لكن عندنا جواب في السنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٌ إلا ويمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً) فإذا انطعن بأصبع إبليس يصرخ المولود من مس الشيطان، والاستثناء حصل على مريم وولدها لأن الأم الصالحة قالت في الدعاء:  وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  [آل عمران:36]
فأعاذ الله مريم وولدها من الشيطان الرجيم، وما طعن مريم ولا ولدها، وإنما ذهب يطعن فطعن في الحجاب، قال ابن حجر في فتح الباري : أي في المشيمة التي ولد فيها الولد، قال القرطبي رحمه الله: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها ببركة دعوة أمها حيث قالت:  وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى.
والاستهلال هو: الصياح، وجعل الله تعالى دون الطعنة حجاباً فأصاب إبليس الحجاب ولم يصبهما.
فاستجاب الله دعاء امرأة عمران كما تقبّلَ نذرها {فَتَقَبَّلَهَا رَبُُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}آل عمران37
فسوّى خلق مريم فولدت بلا إعاقة ولا مرض ، ويَسّرَ لها أسباب القبول ، وقرنها بالصالحين تتعلم منهم العلم والدين فلهذا قال : { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}[آل عمران37] فجعل الله زكريا  ـ عليه السلام ـ كافلاً لها لِيُتْمِها وإنما تمت له كفالتها بالاقتراع بين شيوخ بني إسرائيل أيهم يكفل مريم لتخاصمهم في ذلك لشدة حرصهم عليها بسبب ما ألقاه الله عز وجل في قلوبهم من حبها وتكريمها قال عز وجل : {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }آل عمران44
فوقعت القرعة لزكريا وهو نبي كريم ورسول عظيم كان زوج أختها أو خالتها وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم بأنهما ابنا الخالة كما في الصحيحين .
اصطفاء الله لمريم عليها السلام :
هذا وقد أنزل زكريا مريمَ في أكرمِ غرفةٍ فكانت تعبد الله وتقوم بما يجب عليها من خدمة بيت الله إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلَها ونهارَها حتى صارت يضربُ بها المثلُ بعبادتها في بني إسرائيل ، وعُرفت بطهارتها وقنوتها لله رب العالمين قال تعالى : {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }التحريم12 .
ووصفها الله سبحانه بأنها صديقة في قوله تعالى : {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ….. }المائدة75

وجد عندها رزقاً:

هيَّأ لمريم الحياة والعيش تحت كنف ورعاية نبيٍّ كريم هو زكريا عليه السلام، وقدَّم لها الرزق المنوَّع الشامل وهي في المحراب تكريماً لها.
وقد لاحظ زكريا أنه كلما دخل عليها المحراب أي الغرفة التي تتعبد فيها وجد عندها رزقاً قال بعض المفسرين : وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ، والصحيح أن الرزق يشمل أكثر من الفاكهة قال تعالى : {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }آل عمران37 .

يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ:

وأخبر ـ جلَّ وعز ـ أن الملائكة كانت تكلمها وبشرتها باصطفاء الله لها من بين سائر نساء العالمين في زمانها وأنه طهرها قال تعالى : {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ,يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }آل عمران43 .

ونفهم من الآية أن الاصطفاء حدث مرتين:

– الاصطفاء الأول: بمعنى الاجتباء والانتقاء، فالله اجتبى مريم وانتقاها من بين النساء.

– والاصطفاء الثاني: (واصطفاك على نساء العالمين) وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهَا فَلَمْ تُذْكَرِ امْرَأَةُ في كتابِ اللهِ باسْمِهَا سِوَاهَا؛ وَشَهِدَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّهَا خَيْرُ نِسَاءِ الدُّنْيَا، فمَا أَكْرَمَهَا مِنْ شَهَادَةٍ حيث قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ» رواه البخاري

وهذا الاصطفاء ثمرة للاصطفاء الأول، ونتيجة له، فعندما اجتبى الله مريم واختارها من بين نساء العالمين، فقد فضلها على باقي نساء العالمين، فلا تكرار في الآية.

(وطهَّرك) أي طهرك من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة.

وكَمُلَتْ في عقلها ، وَقَدْ عَزَّ في النِّساءِ الكَمَالُ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَملَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» رواه البخاري
ثم تأتي طلائع البشائر للصديقة البتول مريم بولدها المسيح عليه السلام :
{ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين . قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون . ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل ..” [آل عمران 45:48]
ولا غرابة في خطاب الملائكة لمريم، مع أنها ليست نبيّة؛ لأن هذا كان بأمر الله، فالله يرسل الملائكة لتخاطب الأنبياء، وهذا معروف وقد يرسل ملائكة لتخاطب صالحين وصالحات كما خاطبت امرأة إبراهيم عليه السلام، وأزالت استغرابها من حملها بإسحاق وهي عجوز عقيم.
فمريم عليها السلام رأت أمامها ملائكة، ولعلها رأتهم بعد ما تحولوا من صورتهم الملائكية إلى صورة بشرية، وأخبرت الملائكة مريم باصطفاء الله لها وتطهيرها واصطفائها على نساء العالمين.
كيفية حمل مريم بعيسى عليهما السلام:
خلق الله بني آدم على أربعة أنواع: فمنهم من خلقه من أبٍ وأم كسائر البشر، ومنهم من خلقه بلا أبٍ ولا أم: وهو آدم، ومنهم من خلقه من أمٍ بدون أب: وهو عيسى، ومنهم من خلقهم من ذكرٍ بلا أنثى: وهي حواء.
فإذاً: كان عيسى نموذجاً فريداً في البشرية أن يخلق بغير أب، فجاء جبريل فتمثل لها في هيئة البشر، وكانت قد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، شرقي المسجد، فأتاها جبريل على هيئة بشر، وكانت امرأة عفيفة فلما رأت أمامها رجلاً فزعت واستعاذت بالله منه:  “قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ” [مريم:18] إن كنت تخاف الله ابتعد عني:  “قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ” [مريم:19-20] لست بغياً ولا بذات زوج، فمن أين يأتي الولد؟!  “قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ” [مريم:9]
فماذا فعل جبريل؟ 
“فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا”  [الأنبياء:91] فالنفخة خرجت من جبريل، نفخ في جيب درعها -فتحة الفستان أو القميص عند الرقبة- فدخلت النفخة إلى الرحم بقدرة الله فحملت، وهذا على الله يسير، فالذي خلق كل هذا الكون لا يعجزه أن يخلق إنساناً بغير أب، وهكذا خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا هو عيسى عليه السلام.
و لما استدعى النجاشي المسلمين الذين جاءوا إليه وسألهم ماذا تقولون في عيسى؟ قال له جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاء به نبينا؛ هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض -أي: أخذ منها عوداً- ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود.
و هذا من إيمان النجاشي ، قال: ما وصفتم به عيسى هو الحق، وما تعديتم الحق، فتناخرت بطارقته حوله حينما قال ما قال، فقال: وإن نخرتم .
يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟
وذكر غير واحد من السلف أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عُباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من عبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج، فعرَّض لها ذات يوم في الكلام.
فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟
قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول.
ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟
قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.
قال لها: فأخبريني خبرك.
فقالت: إن الله بشرني ” بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ” ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا، والله أعلم.
قال عز وجل : {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا } فلقد عرفت أنها ستبتلى وتُمتحنُ بهذا المولود الذي لا يَحْمل الناسُ أمرها فيه على السداد ، ولا يُصَدّقونها في خبرها ، وبعد ما كانت عندهم عابدةً ناسكةً ، تصبحُ عندهم فيما يظنون عاهرةً زانية وحاشاها من ذلك .
وروى عن مجاهد قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني.

حقيقة كون عيسى كلمة الله وروح الله:

ولد عيسى عليه السلام من مريم بدون أب، ولأن عيسى مخلوق بكلمة الله: (كن) سمي بـ (كلمة الله) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه البخاري .
فإذاً: عيسى خلق بالكلمة: (كن) فكان، ولذلك يسمى عيسى بـ(كلمة الله).
ولماذا يسمى روح الله؟
سمي بذلك من باب إضافة التشريف وإضافة المخلوق إلى الخالق، كما نقول: (ناقة الله، بيت الله) ولأن عيسى نفس منفوسة خلقها الله عز وجل بالكلمة: (كن) فكان، ولذلك عيسى كلمة الله وروح الله، وقد جاء في الحديث روح الله.
فما معنى: وروحٌ منه؟
معناه: أن عيسى روحٌ من الله، خلقه الله عز وجل، فلذلك يسمى عيسى كلمة الله، وروح الله، وروحٌ من الله، وليست: (من) هنا للتبعيض، أي: أن عيسى جزء من الله تعالى الله عن ذلك.
والنصارى قد يدخلون هذه الشبهة ويحاجون بها، كما حصل في مجلس بعض الخلفاء: أن أحد النصارى قال له الخليفة: لماذا لا تسلم؟ قال: أنا مقتنع بالإسلام والقرآن، ولكن هناك آية التبست عليَّ، وأنا أرى أن فيها تأييداً لنا ولعقيدتنا نحن النصارى. قالوا: ما هي؟ قال: إن عيسى عندكم في القرآن مكتوب عنه: ” وروحٌ منه” فهو جزء من الله وهذا ما نحن نقوله: (ابن الله).
فالتفت الخليفة إلى من عنده من العلماء، فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين! إن الله يعلم أن هذا الرجل سيستشهد بهذه الآية، وسيأتي بهذه الآية ليستشكل، والأمر كما قال الله تعالى في الآية الأخرى:  وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ  [الجاثـية:13] فهل الأرض جزء من الله؟! و(منه) هي سؤال عن مصدر خلقها وإيجادها، وكذلك عيسى مصدر خلقه هو الله عز وجل، وكلمته لأنه مخلوق بكلمة (كن)؛ ولأنه حجة الله على عباده، وآية من آيات الله.

هل المسيح ولد في الصيف وليس في الشتاء ؟

ليس في شرعنا ما يثبت تحديد ولادة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، لا السنة ، ولا الشهر ، ولا اليوم .
والخلاف في أن وقت ميلاد المسيح كان صيفا أم شتاء  يرجع فيه الأمر إلى فهم قوله تعالى : ( وهزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً )مريم 25
فقد اختلف العلماء هل كان وقت ميلاد عيسى عليه السلام في ” الصيف ” لكون ذلك الوقت موسم الرطب ، أو كان الأمر كرامة من الله تعالى في إيجاد تلك الثمرة في غير موسمها ، كما أجرى الله تعالى الماء من تحت أمه مريم وقت ولادة ابنها عيسى عليه السلام ، وكما أنطق الله تعالى ابنها وهو طفل صغير ؟! خلاف بين العلماء في التفسير.
ومما يعزز القول بأن المسيح ولد في الصيف ما ورد في إنجيل ” لوقا ” حكاية عن ميلاد المسيح عليه السلام : ” وكان في تلك الكورة رعاة متبدين ، يحرسون حراسات الليل على رعيتهم ، وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب حولهم ، فخافوا خوفاً عظيماً ، فقال لهم الملاك : ” لا تخافوا ، فها أنا أبشركم بفرح عظيم ، يكون لجميع الشعب ، إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح ” .( إنجيل ” لوقا ” ، إصحاح 2 ، عدد 8-9-10-11 ) .
ومعنى ذلك : أن الميلاد كان في وقت يكون الرعي فيه ممكناً في الحقول القريبة من ” بيت لحم ” المدينة التي ولد فيها المسيح عليه السلام ، وهذا الوقت يستحيل أن يكون في الشتاء ؛ لأنه فصل تنخفض فيه درجة الحرارة – وخصوصاً بالليل – بل وتغطي الثلوج تلال أرض ” فلسطين “
والنصارى أنفسهم مختلفون في يوم الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح، فالنصارى الغربيون (الكاثوليك والبروتستانت) يحتفلون يوم 25 ديسمبر والنصارى الشرقيون ( الأرثوذكس) يحتفلون يوم 7 يناير من كل عام.
ويسمون الاحتفال بالإنجليزية «الكريسماس» وبالفرنسية «بيغ نويل».
وعلى كل حال : ليس ثمة ما يُجزم به ، وليس هذا من العلم النافع الذي ينبني عليه عمل  .
نطق عيسى في المهد:

ثم حدثت المعجزة التالية عندما تكلم عيسى عليه السلام في المهد، وكان رضيعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة وذكر منهم: عيسى بن مريم)

{ فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا } ناداها عيسى وهو الذي ما مضى على ولادته إلا لحظات مطمئنا لها ألا تحزني والسري هو النهر الذي تشرب منه.

فأخذت عيسى { فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا } أي أمراً منكراً عظيماً .

فجاءت به تحمله، واستنكر قومها عليها ذلك، من أين جاءت بولدٍ وليست بذات زوج وأسرتها أسرة طيبة .. كيف خرجت هذه المرأة هكذا؟!! 

لماذا قالوا لها [ يا أخت هارون ]؟
وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين :
1- فذهب بعضهم إلى أنه لا يراد بها الأخوة الحقيقية، وإنما الأخوة التشبيهية، فأرادوا تشبيهها بهارون شقيق موسى عليهما السلام، تشبيهها به في العبادة والعفة والصلاح، والمعنى: يا شبيهة هارون النبِي في العبادة من أين هذا الوليد؟
2- وذهب الجمهور إلى أن الأخوة هنا أخوة حقيقية، وأنَّها شقيقة لَهارون، وهارون المذكور هنا، ليس النبِي الكريم شقيق موسى عليهما السلام، فبينهما عدة قرون، وإنما هو هارون آخر.
والراجح قول الجمهور : لما روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة  قال : ( لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرءون ( يا أخت هارون ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال : إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ) فهذا الحديث الصحيح صريح في أن هارون أخ شقيق لمريم سماه أبواه باسم هارون النبِي عليه السلام .
عيسى يبرأ أمه فينطق في المهد :
ولما سمعت مريم كلام قومها، عزِ عليها اتهامهم الضمني لَا، ولو تكلمت فقد لا يسمعون لها ثم هي ناذرة للرحمن صوماً عن الكلام. وبما أنَّها سمعت كلام وليدها لَها فور ولادته، فإنَّها أحالت الجواب عليه.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾: أشارت إلى وليدها ، وكأنَّها تقول لَهم لا تسألوني أنا، بل اسألوه وكلموه.
وفهم القوم إشارتها، إنَّها تدعوهم لسؤاله هو فزاد استغرابهم وتعجبهم وغيظهم، إنَّهم يسألونَّها مستنكرين، وهي تسخر منهم وتقابل سؤالَهم بصمت، وتشير إلى وليد لم تمر على ولادته إلا ساعات ليتولى هو الكلام معهم، ولَذا سألوها مستنكرين؟ كيف نسأل طفلاً وهل يفهم سؤالنا؟ وإذا فهم سؤالنا هل يقدر أن يجيبنا؟ ﴿كَيْفَ نُكَلِِمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:29 ] 
والمعنى: كيف نكلم من وجد في المهد صبياً؟ والمراد بالمهد هنا حجر أمه، لأنَّهم يشاهدونَّها وهي تحمله. والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ .
وكان عيسى عليه السلام وهو في حضن أمه لم تمر على ولادته إلا عدة ساعات يعي ما يجري حوله، ويسمع كلام القوم إلى أمه ، وكان هذا الوعي والسماع معجزة من الله، ولما سمع سؤالَهم لأمه “كيف نكلم من كان في المهد صبياً” كان يعلم أن أمه لن تجيب
على السؤال؛ لأنه هو الذي طلب منها ألا تجيب عن أيِ سؤال، فتطوع هو للَإجابة، وقدم نفسه إلى القوم وعرفهم على نفسه وعلى ما سيكون منه في المستقبل.
وفتح القوم عيونَّهم مبهورين مما يشاهدون وأصغوا سمعهم مشدوهين مما يسمعون، وسيطرت المفاجأة على كيانَّهم كله، أهذه حقيقة أم خيال؟ أحقاً يشاهدون طفلاً يتكلم؟ أحقاً هذا صوت طفل عمره ساعات يدخل آذانَّهم ومسامعهم؟ أم هم متخيلون واهمون؟
إنَّها حقيقة قاطعة، وإن كلام هذا الطفل معجزة، يسمعه هؤلاء القوم .
 فقال عيسى : { قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا . وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا . وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا . والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا  } وهذا على تقدير المستقبل: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبياً، والمراد بالكتاب هنا الإنجيل، الذي سيؤتيه الله إياه ويجعله مصدقاً للتوراة قبله.
لم يتكلم عيسى الوليد بهذا الكلام من نفسه وإنما كان بإلَهام من الله، ألَهمه أن يقول هذا القول، وأخبره أن سينزل عليه الإنجيل، وسيجعله نبياً رسولاً.
وهذا إثبات منه لعبوديته لله عز وجل ، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعثُ كسائر الخلائق ، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد ، صلوات وسلامه عليه .
صفة عيسى وشمائله وفضائله
صفة عيسى الخِلقية:
لقد جاء وصف عيسى عليه السلام في الأحاديث الصحيحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقيت ليلة أسري بي عيسى -فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال:- ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس).
وكذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعدٌ عريض الصدر).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجلٌ آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رَجِلُ الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح بن مريم).
وفي رواية: (بينما أنا أطوف في الكعبة فإذا رجلٍ آدم سبط الشعر، يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء، أو يهراق رأسه ماء، فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم)
ما معنى هذه الأوصاف؟
أما بالنسبة لقوله عليه الصلاة والسلام عن عيسى: (إنه رجلٌ آدم) فإن المعنى أنه أبيض مشرب بحمرة.
(ربعة) يعني: مربوع؛ ليس بطويلٍ جداً ولا بقصير جداً.
وقوله: (كأنه خرج ديماس) الديماس يعني: الحمام الذي يغتسل فيه، والمراد بذلك وصف عيسى بصفاء اللون، فهو كمن يخرج من الحمام صافياً نقياً نظيفاً، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بنقاء اللون، ونضارة الجسم، وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في حمام فخرج منه ينطف رأسه ماء، وهذا يزيد في نضارة الوجه.
 (إنه رجلٌ سبط) نعتٌ لشعر رأسه يعني: ليس بجعد الشعر، والرواية الأخرى فيها أن عيسى جعد، والجعود عكس السبوطة، فكيف يكون الجمع؟ قالوا: هذه الجعودة في الجسم وليست في الشعر ، الشعر سبط ولكن الجعودة في جسمه، يعني: جسمه مجتمع مكتنز.
ومعنى: (لمته بين منكبيه) اللمة شعر الرأس، وقد جاوزت المنكبين وألمت به.
(رجل الشعر) قد سرحه ودهنه.

ورسولا إلى بني إسرائيل :

ولما بلغ عيسى عليه السلام أشدُّه أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل وأيّده بالمعجزات وبجبريل عليه السلام كما قال تعالى : { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } وأعطاه الله الإنجيل قال تعالى : { وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة .. } .
وكان مما أيده الله به وأعطاه إياه ما ذكره في قوله سبحانه :{ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه [ وهو الذي يولد أعمى ] والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } أي يخبر الواحدَ منهم بما أكل في يومه وما ادخره في بيته لغده { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }
{ ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبيّنَ لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون . إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم . فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب أليم } [ الزخرف ] .
ولما أقام عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ على قومه الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفةً صالحة فكانوا له أنصاراً وأعواناً ، قاموا بمتابعته ونصرته وذلك حين هَمَّ به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم ، وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك خاطئون ، وللحق مكابرون ، وسَلّم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون . قال تعالى : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157 .

الاعتقاد الصحيح في عيسى :

قال صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) رواه البخاري ومسلم .
هذا ولقد تعنت اليهود في شأن عيسى وفَرّطوا وسعوا إلى قتله فخابوا ولم يمكنوا منه، وزعموا عياذاً بالله أن عيسى ولد زنا  فردَّ الله عليهم وفضح إفكهم في مواضع من القرآن،  ومن ذلك قوله تعالى : {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً }النساء156 .
وقابل هذا غُلُوَّ النصارى في شأن عيسى حيث زعم بعضهم أنه الله ، وقال البعض منهم أنه ابن الله [ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ] .
قال الله سبحانه : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }المائدة72 .
وقال : {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }المائدة75 .
يقول ابن القيم :
أعبـاد المسيـح لنـا سـؤال ……. نريـد جوابـه ممـن وعـاه:
إذا مات الإلـه بصنـع قـوم…. أماتـوه فمـا هـذا الإلــه؟
وهل أرضاه مـا نالـوه منـه…….. فبشراهـم إذا نالـوا رضـاه؟
و إن سخط الذي فعلـوه فيـه …. فقوتهـم إذا أوهـت قــواه؟
وهل بقي الوجـود بـلا إلـه ……. سميع يستجيـب لمـن دعـاه؟
و هل خلت الطباق السبع لمـا…… ثوى تحت التراب و قد علاه؟
و هل خلت العوالم مـن إلـه….. يدبرها و قـد سُمّـرَتْ يـداه؟
و كيف تخلت الأمـلاك عنـه ……. بنصرهم و قد سمعـوا بكـاه؟
و كيف أطاقت الخشبات حمل…… إله الحـق شـد علـى قفـاه؟
و كيف دنا الحديد إليـه حتـى…….. يخالـطـه و يلـحـقـه أذاه؟
و كيف تمكنـت أيـدي عـداه…. و طالت حيث قد صفعوا قفاه؟
و هل عاد المسيح إلـى حيـاة …. أم المحيي لـه ربـك سـواه؟
و يا عجبـا لقبـر ضـم ربـاً ….. و أعجب منه بطن قد حـواه!
أقام هناك تسعاً مـن شهـور ….. لدى الظلمات من حيض غذاه.
و شق الفرج مولوداً صغيـراً …… ضعيفـاً فاتحـاً للثـدى فـاه.
و يأكل ثم يشـرب ثـم يأتـي…. بـلازم ذاك هـل هـذا إلـه؟
تعالى الله عن إفك النصـارى …… سيسـأل كلهـم عمـا افتـراه
وقد يرد هذا السؤال: قال الله تعالى:  إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  [آل عمران:55] فكيف يقال: إنه لم يمت؟
للإجابة على هذا عدة مسالك منها:
المسلك الأول: أن في الكلام تقديمٌ وتأخير والتقدير: إني رافعك إلي ومطهرك، ثم تنزل، ثم إني متوفيك.
المسلك الثاني: وهو قويٌ: أن (متوفيك) معناها قابضك وحائزك، فإن العرب تقول: توفيت ديني من فلان، يعني: قبضته وأخذته، فمتوفيك ليس معناها: أنزع روحك من جسدك، وإنما متوفيك أي: حائزك إليّ ورافعك وقابضك، وسآخذك إليَّ بروحك وجسدك، لأن توفى معناها أخذ، واستوفى الدين يعني: أخذ الدين.
المسلك الثالث : الوفاة هنا إلقاء النوم عليه إلى أن رفعه الله إلى السماء ببدنه وروحه ولقد سمى سبحانه النومَ وفاة في قوله : {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ …. } الأنعام60 أي ينيمكم بالليل ويعلم ما اكتسبتم بالنهار .
وأما قوله تعالى : في شأن عيسى عليه السلام : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }النساء159
فالمعنى والله أعلم : على ما ذكره كثيرٌ من المفسرين : أن جميع أهل الكتاب يصدقون بعيسى إذا نزل في آخر الزمان لقتل الدجال فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية ( دين إبراهيم عليه السلام )  فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب عند نزوله في آخر الزمان ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم ولهذا قال : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}النساء159
أي قبل موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }النساء159
أي : بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض.
أين مكانه الآن ؟
قال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج: (فأتينا السماء الثانية، فقيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ صلى الله عليه وسلم، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء ، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحباً بك من أخٍ ونبي) فإذاً عيسى في السماء الثانية.
نزول عيسى في آخر الزمان :
وذلك بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض ويكون نزول عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .
ونزوله من أشراط الساعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسنة الصحيحة المتواترة ففيه من الأحاديث أكثر من ثلاثين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولعلَّ من الحكمة في نزول عيسى دون غيره :
أن في هذا ردّاً على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبيّن الله كذبهم وأنه أي عيسى هو الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال .
وإذا نزل فإنه يحكم بالشريعة المحمدية ويكون من أتباع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم  .
ويكون زمن عيسى زمن أمن وسلام ورخاء تخرج الأرض ثمرتها وبركتها كما ثبت في صحيح مسلم .
ويبقى عيسى في الأرض بعد نزوله سبع سنين ليس بين اثنين عدواه [ وهذا كله ثابت في الصحيح ] ثم يُتوفى بعد ذلك .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء قد سمع

شرح الأربعين النووية

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس ومحاضرات

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 2
  • 3٬151
  • 2٬035
  • 3٬653
  • 2٬337
  • 3٬856٬705
  • 682٬263
  • 197
  • 2