فقه البيوع :9- حكم المعاملات البنكية المتنوعة

تاريخ الإضافة 29 أغسطس, 2023 الزيارات : 2105

فقه البيوع :9- حكم المعاملات البنكية المتنوعة

 ما المراد بكلمة مصرف أو بنك:

المصرف هي الكلمة العربية المترجمة للكلمة اللاتينية (البنك) أصلها كلمة إيطالية كلمة (بنكو) الإيطالية، ومعناها الطاولة التي يجري عليها التبادل، وسبب هذه التسمية أن المصارف كانت في نشأتها في القرون الوسطى لما ظهرت في أوربا تقريبًا في القرن السابع عشر كانت قد نشأت عن طريق الصيارفة الذين كانوا يجرون المعاملات المصرفية عن طريق طاولات يجرون فيها عمليات صرف النقود، فأطلق على هذه الأعمال (بنك) التي هي بمعنى الطاولة، بدأ هؤلاء الصيارفة يتعاملون بالمعاملات المصرفية بشكل مبسط عن طريق تحرير الإيصالات يعني يتقبلون الودائع من الناس من الذهب والفضة وغيرها، ويضعونها عندهم ويعطونهم قسائم أو إيصالات موثقة من عندهم، فكان الناس يتعاملون بهذه الإيصالات، وبدأت تظهر عملية الإيداع لدى هؤلاء الصيارفة، والناس يأخذون هذه الأوراق ويعتمدون عليها ثم تطورت الأعمال البنكية حتى أصبحت الحكومات تضبط عمليات الصرف هذه، فكانت بسيطة عن طريق الإيداع، ثم تطورت إلى عمليات التمويل.

ومن هنا نعرف المصرف في واقعِنا المعاصر أنه:

 تعريف البنك:

مؤسسة مالية متخصصة في اقتراض النقود وتمويلها للأفراد والشركات.

من خلال هذا التعريف يتضح لنا أهم سمات المصرف أنه أول مؤسسة مالية متخصصة؛ تتعامل بالأموال، وليست مؤسسة زراعية ولا تجارية ولا صناعية، وإنما هي تصنف كمؤسسة مالية.

الأمر الثاني: أن عملها ونشاطها قائم على أنها تتلقى النقود، تقترض النقود من الناس عن طريق الأفراد، عن طريق الودائع، فهي تتلقى النقود من الناس ثم تقوم بضخها في البلد، فهي تتلقى ثم تضخ عن طريق التمويل، هذا التمويل في الغالب يكون بالإقراض وما شابه الإقراض، فهي تتلقى النقود عن طريق الاقتراض ثم تضخها في البلد أو في الأوساط التجارية والمالية والشركات والأفراد عن طريق الأفراد، فهنا عمل البنك يقوم على الاقتراض والإقراض، فالبنك وسيط بين طرفينبين المودعين الذين يقرضون البنك، وبين جهات التوظيف التي تستثمر الأموال التي لدى البنك وتقترضها، هذا تعريف البنك.

الأعمال المصرفية:

يمكن أن تصنف الأعمال المصرفية إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: مجموعة الخدمات المصرفية.

والمجموعة الثانية: مجموعة الخدمات الائتمانية.

والمجموعة الثالثة: مجموعة الخدمات الاستثمارية.

البنك يتلقى النقود، فالخدمات المصرفية هي في الحقيقة نقطة البداية لعمل البنك، فيبدأ البنك في تلقي النقود عن طريق الخدمات المصرفية، ثم يضخ النقود في البلد عن طريق الخدمات الائتمانية، الخدمات الائتمانية سنشرحها فيما بعد بمعنى الاقراضية، التي تكون فيها إقراض، فهذا في الحقيقة الخدمات المصرفية والخدمات الائتمانية هي الخدمات التي تحتكرها البنوك، لا تستطيع أي مؤسسة أخرى أن تقدم هذين النوعين من الخدمات: الخدمات المصرفية، والخدمات الائتمانية، بينما الخدمات الاستثمارية خارجة عن عمل البنك، ولذلك في البنوك لا تدخل الخدمات الاستثمارية في مركزها المالي، وإنما يقدمها البنك كنوع من الخدمة للعملاء، وإلا هي في الأصل ليست عملًا من عمل البنك، بل إنه في بعض الدول كالولايات المتحدة تمنع البنوك من أن تزاول النشاط الاستثماري (الخدمات الاستثمارية) لأنهم يعتبرون إن البنك بما أن الأموال متكدسة عنده لا يحق له أن يزاحم التجار في الاستثمار.

مثلًا في كثير من الدول العربية كانوا يمنعون إلى فترة قريبة البنوك أن تقدم الخدمات الاستثمارية لكن سمح لهم أخيرًا في العقود الأخيرة أن تقدم هذه الخدمات لكن على نطاق محدود عن طريق ما يعرف بالصناديق الاستثمارية، فالصناديق الاستثمارية أصلًا ليست من خصائص عمل البنك، ولا يحتكرها البنك، ولذلك من الممكن أن تقوم شركات أخرى غير بنكية بإنشاء محافظ وصناديق استثمارية، لكن لا تستطيع أن تذهب إلى أي مؤسسة وتودع نقود غير البنوك، لماذا؟ لأن الخدمات المصرفية تحتكرها البنوك.

إذًا: عندنا ثلاثة أنواع من الخدمات:

خدمات مصرفية، خدمات ائتمانية، خدمات استثمارية.

بالخدمات المصرفية: البنك يتلقى النقود، وبالخدمات الائتمانية البنك يضخ النقود.

أما الخدمات الاستثمارية: فهي خارجة عن نطاق العمل البنكي وإن كانت البنوك تقدمها كخدمة كمالية من أعمال البنك، هذه الخدمات، لكن كل هذه الخدمات تسمى أعمالًا مصرفية.

المجموعة الأولى/ الخدمات المصرفية :

هي الخدمات التي تخدم العميل في حساباته لدى البنك، بحيث إن البنك يسهل للعميل فتح الحساب، وسهولة حصوله على أمواله المودعة لدى البنك، فيدخل في ذلك أعمال الصيرفة الاعتيادية كفتح الحسابات والحوالات والشيكات وإعطاؤه بطاقة الصراف الآلي (Debit card) التي يستطيع بها أن يسحب من رصيده، وإجراء عمليات المقاصة، واستيفاء الشيكات ونحو ذلك.

والمُقاصة: هي أن يتم خصم جزء من الدين الأعلى قيمة بين جهتين كلاهما دائن ومَدين فإذا افترضنا مثلا أن شخصا باع سيارة بملغ بمائة ألف وكان البائع مدينا بستين ألف للمشتري، في هذه الحالة يخصم مبلغ الستين ألف من المائة ألف.

 فهي أعمال صيرفة عادية ترتكز على الطريقة التي يسهل بها البنك للعميل في أن يودع أمواله لدى البنك، فيعطيه الوسائل التي تسهل له الإيداع، ومن خلال هذه الوسائل يستطيع العميل أن يتعامل مع رصيده.

تشتمل الخدمات المصرفية على أعمال متعددة هي ثمانية أعمال :

الأمر الأول: هو الحسابات المصرفية.

والثاني: هو الحوالات.

والثالث: هو عمليات المقاصة.

والرابع: هو بطاقات الصرف الآلي.

والخامس: إصدار الشيكات المصدقة.

والسادس: صرف العملات.

والسابع: صناديق الأمانات.

والثامن: الاتصال المصرفي.

أول هذه الخدمات هي (الحسابات المصرفية)

يعني: أن المصرف يتيح لعملائه أن يفتحوا حسابات لديه، وهذه الحسابات المصرفية على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الحسابات أو الودائع الجارية:

ويقصد بها: المبالغ التي يودعها أصحابها لدى البنوك وتكون هذه المبالغ حاضرة التداول وتحت طلب العاملين في أي لحظة متى أرادها العميل يستطيع أن يسحب من رصيده.

وسميت ” الحسابات الجارية ” لأنها غير ثابتة وإنما هي متحركة ، كما أنها سميت تحت الطلب لأنها جاهزة في أي لحظة يريدها العميل يستطيع أن يسحب من تلك الحسابات سواء كان في نفس البلد – بلد المصرف – أو في بلد آخر في الليل أو في النهارعن طريق الصراف الآلى (ATM).

اختلف الباحثون المعاصرون في التكييف الشرعي لهذا النوع من الحسابات وهنا اتجاهان:

الاتجاه الأول: من الباحثين المعاصرين من يرى أن هذا النوع من الحسابات ما هو إلا ودائع فيكيفه على أنه وديعة وِفق أحكام الوديعة المعروفة شرعًا، وممن ذهب إلى هذا القول الدكتور (حسن الأمين) في كتابه الودائع المصرفية، واستند إلى هذا القول في أن العميل أصلًا ما وضع هذه الأموال لدى البنوك إلا بقصد حفظها يريد أن يحفظها وهذا هو المقصود من عقد الوديعة شرعًا فبناءً على ذلك قال إن هذه الودائع والحسابات تُكَيَّف على أنها ودائع حقيقية التي يسميها الفقهاء الأمانات.

وهناك اتجاه آخر: وهو ما عليه المجامع الفقهية وعامة هيئات الفتوى المعاصرة، وأكثر الباحثين المعاصرين: يكيفون هذا النوع من الحسابات على أنه قروض ؛ العميل مُقْرِض والبنك مُقْتَرِض ويقولون: إن تسمية هذه الحسابات بالودائع لا يغير من حقيقتها الشرعية شيئًا؛ لأن القاعدة الشرعية في المعاملات أن العبرة في العقود بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني فإذا كانت تنطبق على العقد صفات القرض فهو قرض وإن سمي وديعة.

قالوا: والقرض شرعًا يختلف عن الوديعة في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: في القرض الآخذ الذي يأخذ المال يضمن ذلك المال على كل حال يده يد ضمان فهو يضمن المال على كل حال سواء تلف هذا المال بِتَعدٍ منه أو تفريط أو لم يكن بتعد منه أو تفريط فهو يضمنه في كل حال هذا بالنسبة للقرض.

بينما الوديعة: المودَع الذي يأخذ المال يده يد أمانة فهو لا يضمن إلا في حال التعدي أو التفريط وهذا هو الفرق بين يد الأمانة ويد الضمان.

يد الضمان: تضمن على كل حال لو أن شخصًا أخذ مالًا ويده يد ضمان كالمقترِض مثلًا شخص اقترض مالًا من آخر عشرة آلاف دولار أول ما أخذها وضعها في صندوق أمين وفي حرز(مكان يحفظ فيه عادة كالخزينة)، ثم حصل حريق في البيت مثلًا واحترقت هذه النقود هل يضمن المقترض هذه الأموال للمقرض ؟ نعم لأن يده يد ضمان، بمعنى أن يضمن المال في أية حال فلو تلف هذا المال بتعد منه أو تفريط أو بغير تعد منه ولا تفريط فإنه يضمنه.

بخلاف المودَع: لو جاء شخص وأعطاك عشرة آلاف دولار وديعة لتحفظها ووضعتها في حرز مثلها، وأَمَّنْتَ عليها – وضعتها في مكان أمين – ثم سُرقت هذه الأموال أو احترقت بغير تعد منك ولا تفريط فهل يضمن المودَع؟ لا يضمن إلا في حال التعدي أو التفريط.

التعدي: أن يفعل ما لا يجوز له شرعًا؛ مثلًا لنفرض أنه أعطي وديعة ساعة يحفظها ثم أخذ هذه وبدأ يتجمل بها أمام الناس، وصاحبها لم يأذن بذلك.

 نقول: في هذه الحال لو فقدت هذه الساعة أو تلفت أو سرقت أو ضاعت أو صار لها أي شيء فإنك تضمنها لأنك متعد.

والتفريط: أن يترك شيئًا يجب عليه شرعًا مثلًا أعطي الساعة ليحفظها فلم يضع الساعة في حرز مثلها – مثلًا ساعة ثمينة جدًّا – ووضعها في السيارة على (الطبلون) ثم جاء شخص رأى هذه الساعة ففتح النافذة وسرق تلك الساعة.

 نقول: في هذه الحال هل يضمن المودَع؟ نعم يضمن لصاحبها لأنه فرط في حفظها .

الفارق الثاني: بين عقدي القرض وعقد الوديعة: أنه في عقد القرض الآخذ قد أذن له باستعمال القرض فهو يأخذ المال لينتفع به ولهذا الفقهاء يعرفون القرض بأنه دفع مالٍ إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله.

فالمقصود من عقد القرض أن ينتفع المقترض بينما في الوديعة الأصل أن المودع لا يُؤذَن له باستعمال الوديعة فإنه إنما أعطي الوديعة ليحفظها.

الفارق الثالث: أن محل القرض يكون في الأشياء التي تستهلك باستعمالها يعني عند استعمالها تفنى تلك الأشياء مثل مواد الغذاء -المأكولات مثلًا-، مثل النقود كذلك تستهلك باستعمالها لأن الشخص الذي يريد أن يستعمل الريالات يصرفها مباشرة تستهلك، بينما الوديعة محلها في الأشياء التي تبقى مع استعمالها وإنما تحفظ هذا من حيث الأصل لكن قد تكون في أشياء تستهلك لكن القرض لا يكون إلا في الأشياء التي تستهلك.

فالآن هذه الفوارق الثلاثة نطبق هذه الأمور الثلاثة على عقد الوديعة المصرفية:

الأمر الأول: إذا نظرنا في الحسابات الجارية نجد أن البنك أولًا يضمن المال المودع في الحسابات الجارية على أية حال فيده يد ضمان، ولذلك تجد في أي عقد للحساب الجاري تجد مكتوب في نفس العقد أن البنك يضمن تلك الحسابات فيده يد ضمان.

الأمر الثاني: أن البنك قد أذن له باستعمال الأموال المودعة وكل واحد يودع أمواله في الحسابات الجارية قد أذن إما لفظًا أو كتابةً أو عُرْفًا للبنك بأن يستعملها والبنك أصلًا ما فتح الحسابات الجارية للناس تبرعًا وإرفاقًا بهم وإنما ليستغلها لنفسه ويستثمرها في مجالات الاستثمار المتعددة لديه.

فلذلك نقول: إن البنك أولًا يضمنها وثانيًا يستثمرها وثالثًا الآن النقود هل هي تستهلك بالاستعمال أو لا تستهلك؟

هي تستهلك بالاستعمال.

 فإذًا نظرنا إلى هذه الأمور الثلاثة تَحَدَد لنا أو تبين لنا أن العقد في الحقيقة هو عقد قرض وليس عقد وديعة وإن سمي وديعة جارية.

وتسميته وديعة: في الحقيقة إنما جاء لأن هذه الأموال أول ما ظهرت فكرتها إنما كانت عن طريق الودائع كما قلنا أن الصيارفة كان لهم طاولات فيأتيهم الناسُ ويودعون عندهم السبائك من الذهب والدنانير والدراهم ونحو ذلك ويعطونهم إيصالات على ذلك فكانوا يسمونها في البداية ودائع فمن هنا استمرت هذه التسمية، وإلا فالتسمية الحقيقية الشرعية لهذه الأموال -الحسابات الجارية- أنها قروض.

لكن من هو المقرض ومن هو المقترض؟ العميل هو المقرض والبنك هو المقترض.

بناءً على هذا التكييف يترتب عدة أمور:

الأمر الأول: أن يد البنك يد ضمان فهو يضمن تلك الأموال على أية حال سواء فرط أو تعدى أو لم يفرط ولم يتعد.

الأمر الثاني: أنه لا يجوز للبنك أن يعطي العميل فوائد على تلك الحسابات، لأنه إن أعطاه فائدة فهذا يدخل في ربا القروض، فلذلك لا يجوز.

الأمر الثالث: نأتي إلى ما يعرف بالهدايا؛ الهدايا التي يقدمها البنك لعملائه من المعروف أن البنوك تقدم هدايا لعملائها كل فترة تعطيهم أحيانًا ساعات وأحيانًا تعطيهم أقلامًا أو أجندة تحمل اسم البنك إلى غير ذلك.

فما الحكم الشرعي لتلك الهدايا؟

–  نقول الهدايا التي يقدمها البنك لعملائه على نوعين:

النوع الأول: الهدايا التي تكون من قبيل التسويق والدعاية للبنك بحيث إن البنك يقدم تلك الهدايا لجميع الناس سواء من كان لهم حسابات جارية أو من لم يكن لهم حسابات جارية، ولا يراعي البنك عند تقديمه لتلك الهدية رصيد العميل؛ فقبول مثل هذه الهدايا جائز ولا يترتب عليه محظور شرعي ولا يعد من القرض بفائدة.

النوع الثاني: الهدايا الخاصة بأصحاب الحسابات الجارية والتي يراعى فيها رصيد العميل فإذا كان رصيد العميل كبيرًا أعطي هدية كبيرة وإذا كان رصيد العميل قليلًا أعطي هدية خفيفة على قدر رصيده.

فما الحكم؟

الفقهاء تكلموا عن هدية المقترض للمقرض قبل السداد لأنه ما دام للعميل حساب لدى البنك فما زال مدينًا للعميل فالبنك في ذمته للعميل ذلك القرض، وقد ذهب عامة الفقهاء إلى تحريم إهداء المقترض للمقرض قبل السداد إلا أَنْ يحتسبها من دينه وهذا لا يكون في الحسابات الجارية، لشبهة المحاباة في ذلك لأنه قد يقصد من ذلك المحاباة ولأن ذلك يؤدي إلى القرض بمنفعة لأن المقرض سيكون قد انتفع بذلك القرض وقد جاء في صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام قال لأبي بُرْدَةَ بْنِ أَبي موسى الأَشْعَري قال له: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ – يقصد أرض العراق – فَإِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ(نبات) فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا.

من الآثار المترتبة على التكييف السابق:

الحكم الشرعي للخدمات التي يقدمها البنك لعملائه أحيانًا.

 يقدم البنك خدمات لا تعتبر هدايا وإنما كَنَوع مِنْ الخدمة التي تساعد العميل، أو تسهل له الحصول، أو الوصول إلى رصيده مثل: أن يعطيه دفتر شيكات مجانًا:

من المعلوم أن البنك يتكلف في إصدار الشيكات مبالغ فالبنك قد يتحمل تلك الرسوم ويبذل الشيكات مجانًا للعميل.

وأحيانًا يعطيه البطاقة المصرفية كارت البنك (Debit card) مجانًا، مع أن البنك يتحمل رسومًا لإصدارها فما حكم هذه الخدمات؟

الأقرب والله أعلم أن هذه الخدمات ليست من الفائدة في القرض وأنها جائزة لماذا؟

– لأنها في الحقيقة تسهل للعميل الوصول إلى حقه فهو يستحق أن يصل إلى ماله فأي خدمة يقدمها البنك لِعَمِيلِهِ ليسهل له الوصول إلى رصيده فهذه الخدمة جائزة.

ننتقل بعد ذلك إلى النوع الثاني من أنواع الحسابات المصرفية وهي “حسابات التوفير “.

حسابات التوفير، أو ما يعرف بودائع التوفير، ويطلق عليها في بعض البنوك “الودائع الادخارية” هذه الودائع هي مبالغ مودَعة لدى البنك عبارة عن: مبالغ مودعة في المصرف لحساب العملاء، أو المستفيدين إلا أن العميل، أو المودع يتخلى عن استخدام تلك المبالغ لفترة مِنْ الزمن لا يحتاج تلك المبالغ، وفي مقابل ذلك يدخل في برنامج ادخاري لدى البنك بحيث إِنَّ البنك يَقُوم بِاستثمار تلك الأموال له ، ويعطيه أرباحًا أو فوائد يسيرة جدًّا على هذه المبالغ .

لكن هذه المبالغ هي أيضًا تحت الطلب يستطيع في أي لحظة أن يأخذ منها لكن البنوك عادة إذا بدأ العميل يأخذ من تلك المبالغ من حسابات التوفير يحسب له الأرباح أو الفوائد على أقل رصيد.

النوع الثالث – من الحسابات المصرفية أو الودائع المصرفية – هي ” الودائع الآجلة “

وتسمى في بعض البنوك بـ “ودائع الاستثمار”.

الودائع الآجلة هي ودائع مرتبطة بأجل لا يحق لصاحب الوديعة أن يسحبها في أي وقت حتى يمضي الأجل المتفق عليه بينه وبين البنك، قد يكون الأجل ثلاثة أشهر، ستة أشهر، تسعة أشهر، سنة.. إذا مضت تلك المدة يستطيع أن يسحب رصيده وأحيانًا تكون هذه الودائع لا بد فيها من إخطار البنك ، يقال للعميل إذا أردت أن تسحب من رصيدك فعليك أن تخبرالبنك قبل السحب بأسبوع على الأقل.

التكييف الشرعي للنوعين الثاني، والثالث: الودائع الادخارية، والودائع لأجل:

نقول: إِنَّ التكييف الشرعي لهذين النوعين يختلف بحسب طبيعة العقد والعلاقة بين البنك والعميل، وهنا يفرق بين حالين:

الحالة الأولى: إذا كان البنك يضمن للعميل الوديعة بكاملها أو يضمن له جزءًا منها أو يضمن له الوديعة وربحًا معلومًا عليها فالعلاقة بينهما تعتبر مضاربة أو قرض؟

– تعتبر قرض لأن البنك قد ضمنه فهو بما أنه قد ضمن فإنه يعتبر مقترضًا وعلى هذا إذا كانت العلاقة قرضًا فهذه الودائع تكون “محرمة “؛ لأن المقرض الآن – العميل – سيأخذ فوائد مقابل هذا القرض فهي محرمة لأن العلاقة الآن تُكيف على أنها قرض وهذا هو المطبق في البنوك التقليدية يسمونها الودائع لأجَل، أو ودائع التوفير، أو الودائع الادخارية ويعطون أصحاب هذه الودائع فوائد.

فالعلاقة التي تحكم الطرفين هنا هي علاقة قرضية لأن البنك يضمن لهم رأس المال فالعلاقة تعتبر قرضًا ولا يجوز أخذ فائدة عليها.

الحالة الثانية: إذا كان البنك لا يضمن رأس المال ولا جزءًا منه ولا يضمن للعميل ربحًا وإنما يقول نستثمر لك الأموال – هذه المودَعة – فإن تحقق شيء من الأرباح فلك مثلًا عشرة بالمئة من تلك الأرباح وللبنك تسعون بالمئة منها فالعلاقة الآن بينهما هي علاقة مشاركة أي مضاربة فالبنك في الحقيقة أصبح عاملًا في عقد المضاربة والعميل هو رب المال فالعقد بينهما عقد مضاربة وعلى هذا فالربح أو الزيادة التي يأخذها العميل في مثل هذه الودائع جائزة؛ لأنها من أرباح الشركات والأصل في عقود الشركات هو الحل.

الفرق بين عقد القرض وعقد المضاربة:

في القرض، والمضاربة كلاهما فيهما رب مال وآخذ، صاحب مال يعطي آخذًا يعني المقرض ورب المال في المضاربة كلاهما عنده المال فيعطيه الطرف الآخذ والآخذ في كلا العقدين في المضاربة وفي القرض قد أُذِنَ له باستثمار المال.

 ما الفرق بينهما؟

في القرض الآخذ – الذي هو المقترض – يضمن للمقرض ماله، ومن هنا أصبح أي زيادة فيه محرمة؛ لأنها من القرض بفائدة.

بينما في المضاربة: العامل لا يضمن لصاحب المال سلامة رأس المال فهو يستثمر هذا المال قد يربح وقد يخسر وهذا هو الفرق بينهما.

البنوك عادةً تُصْدِر لهذه الحسابات؛ الحسابات الادخارية أو الحسابات الآجلة، تصدر شهادات تسمى ” شهادات استثمار “.

ما الحكم الشرعي لهذه الشهادات؟

نقول: الحكم الشرعي لهذه الشهادات ينبني على نوع الوديعة الادخارية، أو الوديعة الاستثمارية فإن كانت الوديعة على شكل مضاربة فهي جائزة وإن كانت على شكل قرض فهي محرمة وإن سميت شهادة استثمارية.

حاليا في البنوك الربوية يعطون شهادات في عقود قروض لا يسمونها شهادات قروض وإنما يسمونها ” شهادات استثمار ” يقولون: شهادات استثمار؛ كنوع تسويق حتى لا ينفر الناس من هذه التسمية كما أنهم يسمون الربا الذي في البنوك فوائد.

وهذا نوع من التلبيس في المصطلحات، وفي الحقيقة من المهم جدًّا أن ننتبه للحقائق حقائق العقود وحقائق الأشياء وألا نَغْتَر بالمصطلحات فتسميتها فائدة لا يغير من حقيقتها الشرعية شيئًا وتسميتها مثلًا شهادة استثمارية لا ينقلها من كونها قرضًا وهكذا.

ننتقل بعد ذلك إلى النوع الثاني من الخدمات التي تُقَدِّمها البنوك وهي ” الحوالات المصرفية “

يُقْصَد بالحوالات المصرفية أي: إجراء التحويلات النقدية الداخلية والخارجية، البنك يقوم بنقل النقود للعميل.

والحوالات المصرفية على نوعين:

1- الحوالات الآلية ويترجمها البعض (المبرقة)إشارة إلى سرعة التحويل .

2- الشيكات المصرفية.

النوع الأول، وهو الحوالات الآلية أو المبرقة ففيها يقوم العميل بتوكيل البنك بأن يحول مبلغًا من المال إلى حساب آخر لدى بنك آخر في نفس الدولة، أو في دولة أخرى ليقوم العميل باستيفائه من ذلك الحساب بنفسه أو يستوفيه غيره هناك.

تفصيل المسألة: مثلًا يأتي شخص معه ألف دولار إلى أحد البنوك ويقول : أطلب منك أن تحول هذه الألف دولار إلى حساب لي في بنك كذا بمصر، أو إلى حساب لي في بنك مثلًا في أمريكا، ونحو ذلك، فالبنك يقوم بعملية التحويل هذه إلكترونيًّا عن طريق الحسابات عن طريق ما يُعرف بـ (السويفت) تمر عبر آلية من خلال البنوك فيما بينها.

النوع الثاني من الحوالات المصرفية هي الشيكات المصرفية (Certified bank checks)وهي أوامر بالدفع صادرة من المصرف المحيل إلى المصرف المحال عليه بناءً على طلب العميل بحيث يتسلم العميل الشيك ويستطيع أن يصرفه بنفسه أو يصرفه المستفيد بنفسه من البنك المحال عليه.

والبنك له ثلاثة أنواع من العوائد التي يحسبها في عمليات التحويل:

النوع الأول من العوائد: هي عمولة يستحقها المصرف على هذه العملية فهو في العادة يستحق عمولة على عملية التحويل.

النوع الثاني من العوائد: مصاريف الاتصالات والمراسلات لأن هناك بنك مراسل له وهناك اتصالات سيجريها البنك فيأخذ أيضًا تلك المصاريف.

النوع الثالث من العوائد: أجور تحويل المبلغ المرسل لأنه في استخدامه الشبكة الدولية لتحويل تلك النقود هناك أجور يدفعها للبنوك الوسيطة في هذه العملية فكل هذه العوائد البنك لن يتحملها بنفسه وإنما سيحملها على العميل طالب التحويل.

نأتي الآن إلى التكييف الشرعي للحوالات المصرفية.

 أولًا: الحوالات الآلية أو المبرقة:

اختلف الباحثون المعاصرون في التكييف الشرعي للحوالات المصرفية ولهم في ذلك أقوال الراجح منها أن الحوالات المصرفية تخرج على أنها نوع من الوكالة بأجر فالبنك في الحقيقة وكيل عن العميل بأجر في نقل النقود، والأجرة التي يأخذها البنك أو العمولة هي مقابل توكله في نقل النقود، وهذه العمولات تجوز شرعًا ، سواء كانت تلك العمولات بمبلغ مقطوع كأن يقول مثلًا ثلاثين دولارا عن كل عملية تحويل أو كانت بالنسبة؛ بنسبة من المبلغ المُحَوَّل، لو قال عن كل مبلغ سأحوله سآخذ – مثلًا – نصف بالمئة من ذلك المبلغ كلاهما جائز شرعًا، لأن هذه العمولة مقابل الوكالة، والوكالة يجوز أن يأخذ عليها أجرًا بالنسبة، أو بمبلغ ثابت.

النوع الثاني من الحوالات : الشيكات المصرفية:

تُكَيَّف العلاقة هنا على أنها عقدُ قرض مبادلة نقد بنقد؛ النقد الذي يقدمه العميل والشيك الذي يقدمه البنك، فالعلاقة هنا صرف؛ فيشترط في هذه الحال أن تتحقق شروط الصرف وعلى هذا فإذا كان المبلغ الذي يقدمه العميل بنفس عُمْلَة الشيك المصرفي جاء العميل بألف دولار والبنك سيعطيه شيك بالدولارات فماذا يشترط الآن؟

– يشترط شرطان:

الشرط الأول: التقابض في الحال.

والتقابض يتحقق بأن يسلم العميل البنك المبلغ تسليمًا فعليًّا في الحال، أو يخصم من رصيده فورًا الآن، والطرف الآخر وهو البنك يسلم النقود في صورة الشيك فيجب أن يتسلم العميل الشيك في نفس المكان.

الشرط الثاني: لا بد من التساوي، التماثل، فإذا كان المبلغ الذي قدمه العميل ألف دولار فيجب أن يكون الشيك بألف دولار لا يزيد ولا ينقص، لكن من المعلوم أن البنوك تأخذ أجورًا مقابل عملية إصدار الشيك.

فنقول: إن هذه الأجور التي يأخذها البنك جائزة بشرطين.

الشرط الأول: أن تكون مبلغًا مقطوعًا ثابت لا يزيد بزيادة المبلغ المدون بالشيك.

الشرط الثاني: أن تكون هذه الأجور بقدر التكلفة الفعلية التي تكبدها البنك لإصدار الشيك، فهو يستحق مثلًا أن يأخذ تلك الأجور لتغطية مصاريفه لإصدار الشيك أما أن يربح في عملية إصدار الشيك هنا فهذا لا يجوز.

هذا إذا كان المبلغ الذي قدمه العميل بنفس عملة المبلغ المدون بالشيك أما إذا اختلفت العملة لو جاء شخص بريالات ويريد شيك بدولارات فهنا مع اختلاف العملة يشترط شرط واحد، وهو: التقابض في الحال.

ننتقل إلى الخدمة الثالثة من الخدمات المصرفية وهي: ” بطاقات الصرف الآلي “

وهي البطاقات المعروفة التي يستخدمها الشخص في السحب من رصيده، وسنرجئ الحديث عن هذه البطاقات إلى حديثنا عن أنواع البطاقات المصرفية والبطاقات الائتمانية؛ لأن لها صلة بها، فلذلك نرجئ الحديث عنها.

الخدمة الرابعة: هي التحصيل والمُقَاصَّة:

بمعنى: أن البنك أحيانًا يتوكل عن العميل في استيفاء الأوراق التجارية المستحقة له.

 فعلى سبيل المثال: لنفرض أن شخصًا قد حُرِّر له شيك مسحوب على البنك س، لكن هذا الشخص المستفيد من الشيك – الذي دُوِّن الشيك لصالحه أو حُرِّر الشيك لصالحه – حساباته في بنك ص، فيأتي يأخذ هذا الشيك ويذهب إلى بنك فيقول هذا الشيك مسحوب على البنك س ، ماذا يعمل بنك ص ؟ يأخذ هذا الشيك ويتوكل عن العميل في تحصيل قيمة الشيك من البنك س، يسمى هذا: تحصيل ومقاصة.

بعض البنوك قد تأخذ رسومًا مقابل هذه الخدمة، فما حكم هذه العمولات التي يأخذها البنك؟

نقول: هذه العمولات جائزة؛ لأنها مقابل توكله عن العميل في استيفاء قيمة الشيك، فليس فيه قرض ولا محظور شرعي، وإنما هو وكالة مجردة.

الخدمة السادسة من الخدمات المصرفية هي ” صرف العملات “.

بحيث إن البنك يقوم بعمليات بيع وشراء العملات المختلفة.

يشترط في هذه العملية شروط الصرف؛ لا بد من التقابض في الحال، أما التساوي فلا يشترط هنا.

الخدمة السابعة من الخدمات المصرفية هي ” صناديق الأمانات “أو (الخزائن الحديدية.)

وأغلب البنوك لديها خزائن ، عبارة عن صناديق يستطيع أي شخص أن يستأجر تلك الصناديق ويحفظ في تلك الصناديق ما يشاء من الأشياء الثمينة أو الصكوك التي عنده أو الأوراق الهامة له ؛ شهادات عقود ذهب يحتفظ بها في الخزائن الحديدية أو حتى يحتفظ بنقود ، ومن مزايا تلك الخزائن أن البنك لا يستطيع أن يلمس تلك الأشياء المودعة المحفوظة في تلك الخزائن، هناك مفتاحان مفتاح مع الموظف ومفتاح مع العميل ، ولا ينفتح الصندوق إلا بالاثنين – بالمفتاحين – مفتاح الموظف ومفتاح العميل .

ففيها ميزة، وفيها عيب: ميزتها أن البنك لا يستطيع أن يتصرف في تلك الأموال أو الأشياء المودعة في تلك الصناديق، لكن عيبها أن الشخص لا يستطيع أن يتعامل معها إذا كان بعيدًا عن ذلك البنك ولا يستطيع أن يأتي مثلًا بالليل ويطرق البنك ليلًا ليفتح صندوقه الخاص به وإنما يأتي في أوقات الدوام الرسمي للبنك ، ولذلك نجد القليل من الناس الذين يستفيدون من تلك الخدمة .

بالنسبة لهذه الخزائن العقد فيها يكيف على أنه عقد إجارة لأنه إيجار منفعة وهو جائز.

النوع الثامن من الخدمات المصرفية هي ” خدمة الاتصال المصرفي “.

ويشمل الطرق الحديثة للاتصال بالحساب يعني أي طريقة أو وسيلة اتصال يعطيها البنك لعملائه حتى يصلوا إلى حساباتهم.

وتتعدد وسائل الاتصال المصرفي، فمن الوسائل مثلًا خدمة الهاتف المصرفي من خلال تطبيق على الهاتف (application)  مجانًا؛ حتى يستطيع العميل أن يتعامل مع رصيده ومع حسابه عن طريق الهاتف قد يعطيه خدمة الاتصال بالإنترنت، قد تكون هذه الخدمات مجانًا وقد تكون برسوم ، وعمومًا التكييف الشرعي إن كانت مجانًا فهي تبرع من البنك ، وإن لم تكن مجانًا وإنما برسوم فالعقد فيها يكيف على أنه جَعَالة فالبنك يستحق مكافأة أو جُعل مقابل الخدمة التي قدمها للعميل وهذه الخدمات والرسوم التي تؤخذ عليها جائزة .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر مشرف الموقع

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 364 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم