13- (لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ)

عَنْ أَبِيْ حَمْزَة أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَادِمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَن النبي ﷺ قَالَ: (لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري ومسلم[1]
شرح الحديث
الحديث السابق كان عن حسن إسلام المرء، أما هذا الحديث فعن كمال الايمان، فعدم التدخل في شأن الاخرين والفضول من حسن الاسلام، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك هذا من كمال الايمان.
قول الرسول ﷺ: (لا يؤمن) هذا نفي لكمال الايمان، يعني لا يبلغ الدرجة الكاملة من صور الايمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفي رواية ابن حبان توضيح لهذا المعنى: (لا يبلغ العبد حقيقة الايمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)[2].
فالمقصود من قوله ﷺ (لا يؤمن) المبالغة، والحث على هذا الفعل، فلن تبلغ أعلى درجات الايمان، حتى يفيض الحب من قلبك على إخوانك، بأن تحب لهم ما تحب لنفسك.
وطبيعة النفس البشرية حب الذات، وهذه غريزة فينا وليست عيبا فأنت تحب نفسك لتلبي احتياجاتها، من الطعام والشراب والملابس …الخ.
لكن أنت لا تعيش في المجتمع وحدك أنت تعيش مع الناس، والحياة المادية الجافة من أكبر سلبياتها: تمجيد الأنا، وتضخيم الذات أو ورم الذات، (الأنانية)
ولهذا يجب أن تربي أولادك على أن يحب بعضهم بعضا، ولا يجوز لك أن تخص أحدهم بهدية دون الآخر، أو تعطي للذكر دون الأنثى، وكن كالمرأة الأعرابية لما سألوها أي أبنائك أحب اليك؟ قالت: هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها.
فكن مع أولادك كلهم على مسافة واحدة منهم، وربهم على العطاء، فالأخ يهادي أخاه، أو يشركه في اللعبة، وفي الحلوى.. الخ، فلا ينشأ الابن على أنه أناني، لا يعرف إلا ذاته، فإذا نشأ على العطاء كإنسان محب لغيره فإنه يكون بذلك مؤمنا حقا.
أسعد الناس في الدنيا:
والإسلام علمنا أن أسعد الناس في هذه الدنيا من يسعد غيره، حتى الأطباء النفسيين الآن يقولون إن من أسباب علاج الاكتئاب العمل الخدمي بزيارة المرضى والعناية بكبار السن أو عمل طعام للفقراء والمشردين.
فأنت إذا أسعدت نفسك فهذا أمر لا يتجاوزك، فإذا أسعدت خمسة، فسعادتك خمسة أضعاف، فإذا أسعدت عشرة فسعادتك عشرة أضعاف، وهكذا.
ولذلك في الغرب لما اكتشفوا هذا الأمر بدأوا يهتمون بالجوانب الانسانية كثيرا، لأن الغرب يدير دفته الرأسمالية والمادية وكل شيء لا بد له من سعر؟ فبدأوا يفكرون في هذا الموضوع، وبدأوا يمجدون المعاني الإنسانية، ويتحدثون عنها إعلاميا.
فأقول: جرب بنفسك أن تدخل ابتسامة على وجه الطفل، جرب أن تسعد جارك، صديقك، أخاك…. جرب هذا ستجد لها مردودا طيبا، لو قلت كلمة طيبة فيها تطييب خاطر لغريب أو حبيب أو بعيد، الكلمة الطيبة لها أثر نفسي كبير.
والرسول ﷺ قال: (أعظم الأعمال سرور تدخله على قلب مسلم) [3] أعظم الاعمال، تخيل! لم يقل أعظم الأعمال أن تصلي كذا وتصوم كذا وتقرأ القرآن كذا … كلا
وقالﷺ :(أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وأن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.) [4]
بعض الناس عنده العكس، أعظم انجازاته أن يدخل الحزن على الناس، ما عنده غير أسوأ الأخبار، سبحان الله، يقول لك فلان مات… حصلت كارثة … في مصيبة، يا أخي كن من المبشرين أنشر ما فيه منفعة للناس.
وتكره لأخيك ما تكره لنفسك:
مفهوم الموافقة في الحديث: أنه كما تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أن تكره لأخيك ما تكره لنفسك.
يعني إذا رأيت ضررا يعود على أخيك تحذره وتنصحه وتبين له، إذا رأيت شيئا سيؤذي الناس تحرص على معالجة هذا الأذى.
والرسول ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له) متفق عليه.[5]
لو أنك وجدت حفرة وقمت بإصلاحها رجاء أن تمنع الأذى عن غيرك أنت لك مكانة عند الله.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)،[6]
وقال: (صاحب المعروف لا يقع ، وإن وقع وجد متكأ) [7]
ولنا في رسول الله ﷺ خير أسوة في حب الخير للغير، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يدّخر جهدا في نصح الآخرين، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرنّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم )[8]
وسلفنا الصالح رحمهم الله، حملوا على عواتقهم هذه الوصية النبويّة، وكانوا أمناء في أدائها على خير وجه، فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ” إني لأمر على الآية من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم “[9]
فالذي يقدر على هذه الخصلة ويقوى عليها المسلم الذي رزق سلامة الصدر وكان قلبه خاليا من الغل والغش والحسد، فمن كان كذلك سره ما سر أخاه وساءه ما ساء أخاه، أما من كان يحمل في قلبه الغل فإنه يمنع من هذا الخير لمنافاته لما في قلبه من السوء، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز عن الناس بفضائله وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير غير أن ينقص منه شيء.
محبة الخير لغير المسلمين:
ويتسع معنى الحديث، ليشمل محبة الخير لغير المسلمين، فيحب لهم أن يمنّ الله عليهم بنعمة الإيمان، وأن ينقذهم الله من ظلمات الشرك والعصيان، ويدل على هذا ما جاء في الحديث، قال ﷺ: (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما) [10]
فليس معنى الحديث منع من فعل المعروف مع غير المسلم بل نفعل الخير للجميع، المسلم أو غير المسلم المسالم، فيجمعنا رباط الإنسانية.
قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9]
الطماطم الفاسدة قتلت ابنه:
حدثني رجل كان يعمل في قرية، اعتاد أهلها الزراعة داخل الصوبات ليؤمِّنوا الخضرة للناس طوال العام.
وفي صباحٍ يوم، لفت نظره مشهدٌ غير عادي.
رجلٌ في منتصف العمر، أمامه كميات كبيرة من الطماطم الناضجة، يمسك بخشبةٍ غليظة، ويهوي بها عليها واحدةً تلو الأخرى، حتى تتساقط مهروسة على الأرض.
توقف مشدوهاً… أمعقول هذا؟
اقترب منه وقال بلهجةٍ امتزج فيها الغضب بالدهشة: يا رجل، حرام عليك! إن لم تردها فدعها للفقراء والمساكين، لماذا تُفسد رزق الله؟
لم يرفع الرجل رأسه، وقال ببرودٍ بحسرة: خليك بحالك، أنت لا تعرف شيئًا.
ازداد استغرابه وألحّ عليه قائلا: كل هذه الكميات تفسدها؟ والله حرام عليك!!!
تنهّد الرجل متوجعا، وأسند الخشبة إلى الأرض، ثم قال بصوتٍ خافت كأنه يعترف بذنبٍ ثقيل:
أنا صاحب هذه الصوبة… وهذه الطماطم كنا نعالجها بمادة كيميائية، ليتغيّر لونها بسرعة إلى اللون الأحمر لتباع في أول الموسم بسعرٍ أعلى.
سكت قليلاً، ثم تابع وعيناه تلمعان بالدمع: لم نكن نعلم… أو كنا نتغافل… أن هذه المادة تُسبب السرطان.
خفض رأسه وقال: كنت أبيعها للناس… وأُدخلها إلى بيتي… حتى أصيب ابني بالسرطان منها.
لم نكتشف الحقيقة إلا متأخرًا، حين كان المرض قد انتشر في جسده، وتدهورت حالته فمات!!
هل فهمت الآن لم أقوم بإفساد الطماطم؟
فوائد الحديث:
- من تمام الايمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك.
- تربية أولادنا على نكران الذات وعدم الانانية.
- أسعد من حولك يسعدك الله.
- البذل والعطاء للغير سبب لمنع الحسد.
- الحث على التواضع.
- التحذير من الحسد، لأن الحاسد لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل يتمنّى زوال نعمة الله عن أخيه المسلم.
- من ثمرات العمل بهذا الحديث العظيم أن ينشأ في الأمة مجتمع فاضل، ينعم أفراده فيه بأواصر المحبة، فنكون كالجسد الواحد القوي المتماسك، فتتحقق للأمة سعادتها وعزها.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 13)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 45)
[2] أخرجه أحمد في المسند (مسند أنس بن مالك رضي الله عنه)، والترمذي في سننه (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 2515)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[3] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ (أحبُّ الأعمالِ إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلم)، وله شواهد يتقوّى بها، وقال المنذري: إسناده لا بأس به، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم 176.
[4] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (مسند ابن عمر رضي الله عنهما)، والطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه في صحيح الجامع (حديث رقم 176) وفي السلسلة الصحيحة.
[5] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المظالم، باب إماطة الأذى عن الطريق، حديث رقم 2472)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل إماطة الأذى عن الطريق، حديث رقم 1914)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والمعجم الأوسط من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ (صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوء)، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، وتعقّبه الذهبي بأن فيه مقال، وقال المنذري: له طرق يشدّ بعضها بعضًا، وحسّنه الألباني بمجموع طرقه في صحيح الجامع (حديث رقم 3795).
[7] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ (صاحبُ المعروفِ لا يقعُ، وإن وقعَ وجدَ مُتَّكأً)، وقال الهيثمي: فيه ضعف، وقال المنذري: إسناده لا يخلو من مقال، وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع، ومعناه صحيح تشهد له نصوص الشرع في فضل صنائع المعروف.
[8] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، حديث رقم 1826)
[9] أخرجه الدارمي في سننه (كتاب فضائل القرآن، باب من بلّغ علماً)، وهو أثر مشهور ثابت عنه، يدل على كمال نصحه وحبه الخير للناس.
[10] أخرجه أحمد في المسند (مسند الشاميين من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه)، والطبراني في المعجم الكبير، قال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (حديث رقم 1207).