تزكية النفس

تاريخ الإضافة 22 سبتمبر, 2020 الزيارات : 4867

خلق الله الخلق لعبادته ، وأعظم ما يعين المرء على عبادة الله والسير إليه تزكية النفس .

ما معنى التزكية ؟

التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه، ولها معنيان:
المعنى الأول : التطهير، يقال زكيت هذا الثوب أي طهرته.
والمعنى الثاني : هو الزيادة، يقال زكى المال يزكو إذا نمى ومنه الزكاة لأنها تزكية للمال وزيادة له.
وعلى أساس المعنى اللغوي جاء المعنى الاصطلاحي لتزكية النفوس

،فتزكية النفس شاملة لأمرين :
أ – تطهيرها من الأدران والأوساخ.

ب – تنميتها بزيادتها بالأوصاف الحميدة

وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها، قال الله تعالى : “قد أفلح من تزكى “ الأعلى: 14:15

وقال سبحانه “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها” الشمس: 7 وما بعدها

و المعنى : قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله ، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة.

“وقد خاب من دساها” التدسيس هو الإخفاء أي دسسها وأخملها ووضع منها بخذلانه إيّاها عن الهدى، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل.

فحقيقة التزكية هي الاستجابة الكاملة لأمر الله ورسوله والتخلص من اتباع الشيطان وهوى النفس ، وكلما تخلص العبد من رق الشيطان والنفس كان أزكى نفسا وأنقى دينا وأطوع لربه.

أقسام تزكية النفس:
تنقسم تزكية النفس إلى قسمين رئيسين هما: التخلية، والتحلية .
فالتخلية: يقصد بها تطهير النفس من أمراضها وأخلاقها الرذيلة .
وأما التحلية: فهي أن تملأ النفس بالأخلاق الفاضلة وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة بعد أن خليت منها.
فهي كالطفل تماماً كما يقول الشاعر:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على ** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فإذا عامل الإنسان نفسه على هذا النحو ملكها واستطاع توجيهها نحو الخير، فإذا دعاها إلى عبادة انقادت لـه واستسلمت، وإن دعيت إلى شر وجدت تأبياً ونفوراً عنه، أما الذي لا يعالج نفسه هذا العلاج ولا يجتهد في مجاهدتها عما تهوى وتحب، فإنه إذا دعاها إلى العبادة نفرت، وإذا رأت أنه سيحملها على طاعة من الطاعات شردت .

والأخلاق الرذيلة مثل : الشرك والرياء، والعجب، والكبر، والبغض والحسد، والشح والبخل، والغضب، والحرص على الدنيا وحبها لذاتها وإيثارها على الآخرة، والفضولية وعدم الجد في الحياة….
والأخلاق الفاضلة مثل الإخلاص والصبر، والتوكل والإنابة، والتوبة، والشكر، والخوف والرجاء، وحسن الخلق في التعامل مع الناس، والشفقة عليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ونفعهم بقدر المستطاع.
إذن فلا بد للإنسان أن يتعرف على الأخلاق الذميمة وعلى أسبابها ويعلم أنها موجودة لديه حتى يمكنه التخلص منها فإن من لم يشعر بالمرض ويتعرف على أسبابه لا يمكنه علاجه.

أهمية تزكية النفس :
1- التأكيد المتكرر في نصوص الكتاب والسنة على ذلك :

حيث أقسم الله عز وجل في كتابه أحد عشر قسماً على فلاح من زكى نفسه وعلى خسران من أهمل ذلك، قال تعالى: “والشمس وضحاها..”.. إلى قوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها” الشمس 1: 10

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن لله آنية من أهل الأرض ، و آنية ربكم قلوب عباده الصالحين ، و أحبها إليه ألينها و أرقها )حسنه الألباني
-2 من مقاصد مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – تزكية النفوس :

لما دعا إبراهيم عليه السلام ربه طالباً من يخلفه في الدعوة إلى الله من ولده قال:

( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) البقرة : 129

فحدد الخليل إبراهيم عليه السلام مهمة الرسول:

– تلاوة آيات الله

-تعليم الكتاب و الحكمة

-التزكية

وقد استجاب الله هذا الدعاء بل و امتن به على المؤمنين في ثلاثة مواضع من القرآن :

في سورة البقرة:

( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة : 151]

وسورة آل عمران:

( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) [آل عمران : 164]

وسورة الجمعة:

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) الجمعة : 2

هل لاحظنا شيئا ؟!!

نعم نلاحظ ترتيب الخليل إبراهيم في وظيفة الرسول هو: تلاوة الآيات ثم تعليم الكتاب والحكمة ثم التزكية .

أما ترتيب الله جل و علا في الثلاث آيات هو: يتلو عليكم آياتنا ثم ويزكيهم ثم ويعلمهم الكتاب و الحكمة ؛ فقدم التزكية قبل العلم .

 

3-أوامر الشريعة جاءت لتزكية النفس :

– فالصلاة تزكية: قال سبحانه و تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت : 45

 

– والزكاة تزكية:  قال سبحانه و تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) التوبة : 103

– والصيام تزكية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 183

وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني أمرؤ صائم ) متفق عليه

 

– والحج تزكية: قال الله تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) البقرة : 197

4- التزكية غذاء الروح :

الإنسان عبارة عن جسد و روح .

والجسد من تراب و طين أما الروح فقد قال الله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) الإسراء : 85

والجسد عندما يجوع يأكل من تراب فالطعام مرده إلى الأرض ، عندما يظمأ نسقيه من ماء الأرض ، لأن الإنسان مرده إلى الأرض لذا دائماً الطعام و الشراب مردوده إلى الأرض.

وكما أن الجسد يجوع و يأكل من شيء مردوده إلى الأرض ، ويظمأ فنسقيه من شيء مردوده إلى الأرض ، ويتعرى فنكسيه من شيء مردوده إلى الأرض ، ويتعب فينام على الأرض ، كذلك الروح تظمأ و تجوع و تتعرى و تتعب و تمل ، لكن علاجها ليس من شيء مردوده إلى الأرض كالجسد !!

يأتي بعض الناس قائلاً : أنا تعبان .

تسأله : ما بك ؟

يرد : متضايق ، مخنوق

تسأله : هل تحتاج مالاً ؟هل يوجد مشاكل مع زوجتك ؟هل هناك مشاكل في عملك ؟

يرد : لا ولكن لا أدري ما هو السبب ؟

إن هذا التعب هو تعب الروح ، ما يشتكي منه هذا الشخص ليس جسده إنما هي الروح ، إن روحه من الداخل تصرخ ، إنها جوعانة ظمآنة ، ولكنه لا يدري فيظل يبحث في الماديات في الطعام في الشراب في الملابس في السماع في الضحك لكنه يضحك من فمه و فقط ليس من قلبه !!

فالروح تحتاج علاجاً من المكان الذي أتت منه ، قال الله تعالى : (… مِنْ أَمْرِ رَبِّي …) الإسراء : 85

وصدق الشاعر حينما قال :

يا خادم الجسم  كم  تسعى  لخدمته        أتعبت  نفسك  فيما   فيه   خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها        فأنت  بالنفس  لا  بالجسم   إنسان

5- كثرة الفتن والشبهات والشهوات:

فالمسلم في هذا الزمن الذي يعج بالفتن وكثرة الشبهات والشهوات مفتقر إلى تزكية نفسه والمداومة عليها لا سيما إذا كان يقيم في بلد تشيع فيه المنكرات وتستباح فيه المحرمات ويغلب على الحياة البعد عن منهج الإسلام وتعاليمه ، ولا يستطيع المحافظة على دينه والثبات عليه إلا بتخصيص وقت يخلو فيه بربه ويناجيه ويتفقد قلبه ويرفع مستوى إيمانه ، ويحرص على مرافقة الصالحين وأهل العلم والفضل وغير ذلك مما يجلي بصيرته ويؤنس وحشته ويثبته على الحق.
6 –  الثواب الجزيل الذي أعده الله لمن زكى نفسه بالطاعات وجنبها الفواحش والمنكرات قال تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) طه: 76.

وقال سبحانه : ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى َفإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) النازعات: 40 – 41
كيف نزكي نفوسنا؟
للوصول إلى تزكية النفس ينبغي اعتماد الوسائل الآتية :

1. التوحيد الخالص لله تبارك وتعالى: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]

– 2 فعل الطاعات وترك المحرمات والصبر على ذلك كله:

ففي الطاعات نور القلب وانشراح الصدر وهمة الجوارح وفي المحرم ظلمة القلب وضيق الصدر وكسل الجوارح وعجزها.

قال الشاعر :

رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ        وقد  يورثُ   الذلَّ   إدمانها
وتركَ الذنوب حياةُ القلوب        وخيرٌ    لنفسك    عصيانها

3. طلب العلم الشرعي على يد أهله العارفين بعيوب النفس وتزكيتها وفق نهج الأنبياء :

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: “وتزكيةُ النفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدَّ، فمن زكَّى نفسه بالرياضةِ والمجاهدة والخلوةِ التي لم يجيءَ بها الرسل، فهو كالمريضِ الذي يعالجُ نفسَه برأيِه، فالرسلُ أطباءُ القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم والتسليم لهم”. 

4. محاسبتها ومجاهدتها للتغلب على الهوى والشيطان والدنيا:

وقد دل على وجوب محاسبة النفس قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد”

وقوله صلى الله عليه وسلم: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”

دان نفسه: أي حاسبها.
وأخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية”.

وقال ميمونُ بنُ مهران – رحمه الله تعالى -: (لا يكونُ الرجلُ من المتقين حتى يحاسبَ نفسَه أشدَّ من محاسبةِ شريكهِ، حتى يعلمَ من أين مطعمُه، ومن أين ملبسُه، ومن أين مشربُه أمِنْ حلالٍ ذلك أم من حرام). 

5. الصحبة النافعة :

التي تعين على تربية النفس وتزكيتها والبعد عن كل ما يضرها ويهلكها .
6-الدعاء:

فهو سلاح المؤمن، بأن يلجأ الإنسان إلى الله دائماً أن يقيه شر نفسه وأن يعينه على طاعة الله.

وكان من دعائه – صلى الله عليه وسلم -: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)

وعلم صلى الله عليه وسلم حصين بن عبيد أن يقول “اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي”.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 5
  • 2٬820
  • 2٬267
  • 4٬507
  • 3٬509
  • 3٬471٬498
  • 402٬178
  • 179
  • 2