هل الخلاف الفقهي خير أم شر؟

تاريخ الإضافة 13 نوفمبر, 2022 الزيارات : 88

هل الخلاف الفقهي خير أم شر؟

 هذا اللقاء موصول باللقاء السابق الذي كنا نتكلم فيه عن موضوع: (هل يلزم المسلم أن يكون له مذهب فقهي؟)

هل الحق يتعدد؟ أليس من المفترض أن يكون الحق بجانب إمام من أئمة الفقه دون إمام آخر؟

هل إذا اتبعت إماما في فتوى خاطئة أكون على باطل ومعصية؟ أم أكون على حق وصواب؟

التنوع في العقول والأفكار:

وللتفصيل أقول: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق نوّع في العقول والأفكار، وهذا التنوع الذي نراه بالكون هو سبب دوران عجلة الحياة.

ولو أوتي الناس جميعا فهما واحدا لتوقفت الدنيا، لأن الكل يفهم كل شيء فقسم الله تعالى الفهم والإدراك والوعي كما قسم الأرزاق.

ليس هناك إنسان يفهم كل شيء، لكن من منح الله وهباته أن يمنحك الفهم في تخصص من التخصصات، وهذا سبب التنوع في التخصصات الكثيرة في دنيانا، فتجد إنسانا نابغا في الطب، وثانِ نابغا في الهندسة، وثالث نابغا في التدريس وطرق التدريس والتربية، وشخص رابع في الفقه والشريعة وعلوم الشريعة، إلى آخر ذلك من المهن والحرف.

وهذا التنوع أراده الله وقدره، وقسمه بين عباده بهذا الشكل لتدور عجلة الحياة، ولو أوتي الناس الفهم التام في كل شيء لما صار لأحد حاجة لأحد، وهذه سنة التدافع، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 251]

 وعلماء الشريعة هم جزء من البشر، آتاهم الله تعالى فهما وحجب عنهم أشياء، وآتى الله عالما آخر غير الذي آتاه الأول والثالث والرابع والعاشر، وهكذا

العلماء النوابغ:

هل تعتقدون أن ذاكرة كذاكرة الإمام البخاري الذي يحفظ الأحاديث بأسانيدها ومتونها، ويحفظ الصواب ويحفظ الخطأ ويحفظ الصحيح ويحفظ الضعيف المكذوب، هل هذه ذاكرة طبيعية؟

هل هذه ذاكرة متوفرة في جميع البشر؟

 هذا النبوغ أراده الله تعالى في البخاري وأمثاله من علمائنا الأجلاء ليحفظوا لنا سنة رسول الله .

 حينما تقف أمام تاجر الذهب ويمسك منك بالخاتم فيرمي به على قطعة الرخام هذا التاجر بحكم خبرته إذا سمع رنة الخاتم على الرخام يفهم منها أنه مزيف أو أنه ذهب حقيقي.

 خبراء الصرافة يمسك التاجر بالعملة بيده هكذا، ومن ملمسها، يقول هذه مزورة أو أنها حقيقية.

 فكان علماؤنا الأجلاء كذلك، يشم أحدهم رائحة الكذب في الحديث، حينما يمر الحديث أمامه يقول هذا من رواية فلان عن فلان عن فلان وفيه كذا وكذا…. هذا الحديث فيه خمس علل…. هذا الحديث فيه راو ساقط، أو مجهول، هذا الحديث فيه كذا، هذا الحديث فيه كذا……

فكانوا يعرفون هذه الأمور بحكم خبرتهم الطويلة مع الأحاديث وأسانيدها.

 قالوا للإمام عبد الله بن المبارك لقد كثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثر الوضع في الأحاديث، قال يعيش لها الجهابذة من العلماء.

فهؤلاء العلماء النوابغ ما كانوا طلاب هوى أو طلاب دنيا، وأنا أحسب أن انتشار علمهم بهذا الشكل الذي نراه إلى يومنا هو من بركات الإخلاص الذي رزقه الله هؤلاء العلماء، فتح الله لهم القلوب وهيأهم لأن يكون أحدهم عالما يرجع الناس إليه في قوله أوفي مذهبه أو في فتواه.

 هذا الفتح وهذا القبول بين العباد لا يفرض بالسلطان أو بالمال؛ هذا فتح من الله جل في علاه.

الاختلاف في الفهم طبيعة البشر:

الأمر الثاني : أن الاختلاف في الفهم طبيعة البشر، نعرف جميعا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيح وغيره، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ: “لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ”، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ

وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة»

فأراد النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على السير والإسراع إليها، فلما مشوا، حضر وقت العصر وهم في الطريق وقبل أن يصلوا إلى بني قريظة، فذكر بعضهم أنه لن يصلي العصر مع دخول وقته إلا في بني قريظة، عملا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النزول معصية للأمر الخاص بالإسراع، فخصوا عموم الأمر بالصلاة أول وقتها بما إذا لم يكن عذر، وأن يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت الصلاة عن فضيلتها في أول الوقت، تمسكا بحدود نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الآخرون أنهم سيصلونها؛ نظرا إلى المعنى لا إلى ظاهر اللفظ، وقالوا: «لم يرد منا ذلك»، أي: إن وصيته صلى الله عليه وسلم بذلك إنما هي على سبيل الحث لهم في السير، كما فهم بامتثال ما أمر به، فلما دخل عليهم وقت العصر، وعرفوا مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ رأوا أن ينالوا فضيلة الصلاة في وقتها، وأن يذهبوا إلى بني قريظة ممتثلين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوصول إليها، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ما حدث من الطائفتين، فلم ينكر على  أحد منهم؛ لا التاركين، ولا الذين فهموا أنه كناية عن العجلة، وهو إقرار منه صلى الله عليه وسلم لفعلهم.

وفي الحديث إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للخلاف فيما يشرع فيه الاجتهاد، واحتمالية النص لهذا الخلاف.

الحقيقة والمجاز في اللغة:

تجد مثلا على سبيل التطبيق في اللغة العربية هناك ما يعرف في اللغة بالحقيقة والمجاز، حينما يكون الجو حارا شديد الحرارة نقول الجو نار، هذا اسمه مجاز مبالغة، لكن لما أرى نار بعيني تشتعل في مكان، أقول هذه نار، فهذا معنى حقيقي.

فالقرآن الكريم نصوص قولية لفظية، وغالب السنة كذلك أقوال ونصوص لفظية، وهذه النصوص القرآنية والنبوية يجري عليها ما يجري على كل نص لغوي عند فهمه وتفسيره، ذلك أنها جاءت على وفق ما تقتضيه طبيعة اللغة في المفردات والتراكيب، ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز.

 كما حدث حينما سألت زوجات النبي من أسرع نسائك لحوقاً بك؟ فقال: أطولكن يداً ….

فلما مات جعلت كل واحدة ذراعها على الحائط يقسن أذرعهن فكانت أطولهن ذراعاً (سودة بنت زمعة) لكنهن فوجئن بأن أولهن زينب بنت جحش (التي كانت تلقب بأم المساكين لكثرة إحسانها عليهم)؛ فعلمن أن الرسول ما أراد اللفظ على حقيقته وإنما أراد المجاز فكنى بطول اليد إشارة إلى كثرة الإنفاق.

 وهذا ما فهمه العلماء من آيات وأحاديث كثيرة مثل قول الله تعالى في آية الوضوء والتيمم: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) لمس المرأة بدون حائل ما معناه في الآية؟

أقوال العلماء: في فهم الآية:

القول الأول: ـ وهو مذهبُ أحمد ومالك أن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، أما بغير شهوة فلا ينقض واستدلُّوا:

بقوله تعالى: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) المائدة: 6 وفي قراءة: «أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ» والمسُّ واللمس معناهما واحد، وهو الجسُّ باليد أو بغيرها، فيكون مسُّ المرأة ناقضاً للوُضُوء.

فإن قيل الآية ليس فيها قيدُ الشَّهوة، إذ لم يقل الله «أو لامستم النساء بشهوة»، فالجواب: أن مظنَّةَ الحدث هو اللمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك حديث عائشةُ (كنت أنام بين يدي النبيَّ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي) وهذا الحديث في الصحيحين.

وروى مسلم عن عائشة (فقدت النبي ذات ليلة فجعلت أطلبه فوقعت يداي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) فلو كان مجردُ اللَّمس ناقضاً لانتقض وضوءُ النبيِّ واستأنفَ الصَّلاة.

القول الثَّاني: أنه ينقضُ مطلقاً، ولو بغير شهوة، أو قصد وهو قول الشافعية واستدلُّوا: بعموم الآية.

وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرَّسول كان يمسُّها بظُفره، والظُّفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدَّليل إِذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به، وفي هذا الجواب تكلف.

القول الثَّالث: قول أبي حنيفة: لا ينقض مسُّ المرأة مطلقاً، ولو بشهوة إذ أن المقصود من قوله تعالى (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ). بأن المُراد بالملامسة الجماع لما يلي:

1أن ذلك صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الله حيي كريم يكني بما يشاء عما يشاء إنما هو الجماع.

2أنَّ في الآية دليلاً على ذلك فالسياق فيه بيان ما يبيح التيمم فعبر عن الحدث الأصغر بقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) ثم عبر عن الحدث الأكبر بقوله (أو لامستم النساء)

فالرَّاجح: أن مسَّ المرأة، لا ينقضُ الوُضُوءَ مطلقاً إِلا إِذا خرج منه شيءٌ فيكون النَّقضُ بذلك الخارج.

وبهذا انسجم السياق معنى الآية مع الفهم الذي تسمح به اللغة العربية.

 ونفس الكلام في مسائل فقهية كثيرة مثلا:

(وامسحوا برؤوسكم) ما نوع الباء هنا؟ اقرأ كلام العلماء في نوع الباء؟

هل الباء في قوله “برؤوسكم” تفيد الإلصاق أو التبعيض أو هي زائدة؟

وقد اتفق الفقهاء على أن الأفضل استيعاب الرأس بالمسح، غير أنهم اختلفوا هل هذا الاستيعاب واجب أم لا؟

فذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب مسح الرأس كله، واستدلوا بـقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) وهذا يتناول جميع الرأس.

وذهب الحنفية والشَّافعية إلى أنه يكفي مسح بعض الرأس، واستدلوا بقوله تعالى (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم) قالوا: والباء للتبعيض، فكأنه قال: (وامسحوا بعض رؤوسكم)

وأعجبني قول لبعض العلماء قال في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم) قالها الله، وأطلقها فأي مسح بالرأس هو تحقيق للفريضة، إذا مسح بعض الشعرات مسح بالرأس، وإذا مسح الربع أو مسح النصف أو مسح الكل حقق معنى قول الله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم)

فهذا الفهم المتعدد يرجع فيه إلى فهم اللغة العربية وفهم السياق القرآني، وقد يحدث الصواب وقد يحدث الخطأ في الاجتهاد.

أمثلة للفهم السقيم:

لو أخذنا النصوص بظواهرها دون ربط بينها سنهلك … يعني أضرب مثالا لذلك أو عدة أمثلة حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

الصحابة رضوان الله عليهم خرجوا في سفر، هذا الحديث يرويه جابر بن عبد الله. فسقط حجر من جبل على رأس رجل فشجه (الشجة يعني هو الجرح الغائر الذي يحتاج إلى خياطة الآن) وسبحان الله!!! الرجل تداوى وربطوا الجرح… في هذه الليلة احتلم.

إذن يجب عليه الغسل فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة؟

هل من الممكن أن أصلي دون أن أغتسل؟

قالوا لا ليس لك رخصة، فاغتسل الرجل فمات.

كأن الجرح تسمم أو الماء دخل إلى المخ. اغتسل الرجل فمات.

فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله. ماذا قال؟

قال قتلوه قتلهم الله. هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال.

العي يعني عدم الفهم الصحيح.

 يعني الرجل في أزمة في المسألة. الرجل عنده جرح شديد في رأسه. الغسل تعميم البدن بالماء. هل إذا احتلم يجب عليه أن يغتسل أم هنالك رخصة فقالوا له لا نجد لك رخصة فمات الرجل. سبحان الله!

مثال للفهم الصحيح:

اجتهاد الصحابي عمرو بن العاص لما كان في إحدى السرايا اسمها (ذات السلاسل) فاحتلم وكان هو أمير السرية وكانت ليلة شاتية باردة فخاف على نفسه فتيمم وصلى بالناس إماما …. بعد الصلاة أخبر الناس أنه حدث له كذا وكذا …. فاختلفوا ، قال أبو بكر من ولّاه علينا؟

قالوا رسول الله. قال نسأل رسول الله إذا رجعنا.

فلما رجعوا إلى رسول الله وأخبروه. قال ما حملك على ذلك يا عمرو؟

قال يا رسول الله كنا قريبين من العدو فخشيت أن أوقد نارا فيعلمون قلة عددنا (يوقد نار يعني لتدفئة الماء) وخشيت أن أغتسل بالماء البارد وتذكرت قول الله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم) فتيممت. فأقره رسول الله على اجتهاده.

من هذا الأمر أيضا ربط النصوص والمقاصد الشرعية ببعضها:

الرسول أرسل سرية (سرية يعني فرقة من الجيش للاستطلاع وهو عمل المخابرات الآن) فأمير السرية غضب منهم، فعلوا شيئا أغضبه  فقال اجمعوا لي حطبا. فجمعوا حطبا… قال أشعلوا فيه النار…. أشعلوا النار…. قال ألقوا بأنفسكم فيها. …نعم!

ألقوا بأنفسكم فيها، ألست أميركم؟

بلى. ألم يأمركم رسول الله بطاعتي؟

قالوا بلى. قال فألقوا بأنفسكم فيها.

فنظر بعضهم إلى بعض يعني ماذا سنفعل؟

فهدى الله أحدهم فقال: والله ما اتبعنا رسول الله إلا لنخرج منها (يعني نحن اتبعنا الرسول لكي نفر من النار) لا أظن أن الأمر النبوي الذي جاء لهداية الناس ونجاتهم من النار يأتي بالعكس (ادخلوا النار).

فهدأ الرجل وهدأ غضبه.

فلما رجعوا وذكروا ذلك لرسول الله قال: (إنما الطاعة في المعروف والله لو دخلوها ما خرجوا منها) إشارة إلى أنهم سيكونون قد قتلوا أنفسهم أي ماتوا منتحرين.

فالرسول قعد قاعدة: الطاعة للأمير أو المسؤول أو كذا لكن في المعروف وليست طاعة مطلقة. هذا ليس إلهنا الذي يأمرنا. هذا بشر.

وهذا أيضا يرجع لمن يستغلون الآيات، كقوله تعالى : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  [النساء: 58-59]

، طبعا أولي الأمر هنا فيها تفسيرين، الحكام والعلماء، لأن أولي الأمر من يلون أمور الناس، فالذين يلون أمور الناس الحكام باعتبار سياسة الدنيا والعلماء باعتبار سياسة الدين.

 الله تعالى قال : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، عند أولي الأمر لم يقل وأطيعوا أولي الأمر لماذا قال وأولي الأمر؟

لان طاعة أولي الأمر مستمدة من طاعة الله ورسوله، طيب اذا كان الأمر من أولي الأمر فيه عصيان فلا طاعة له.

 إنما اتبعنا رسول الله لننجو من النار، فقعد النبي هنا قاعد أن ولي الأمر سواء كان عالما جليلا له مكانة يأمر بمنكر أو بمعصية أو بباطل فلا نسمع له، لأن الأصل طاعة الله ورسوله.

 أبو بكر الصديق لما تولى الخلافة، أول خطاب سياسي له قال فيه: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني)

إذا يا إخواني، فالفهم في دين الله يحتاج ألا يكون فهما مستقلا عن علمائنا من أهل التخصص وألا يكون فهما مصادما للنصوص.

أن آتي بآية وأصادمها بحديث أو آية وأصادمها بآية أخرى أو قول أحد العلماء أو ما شابه ذلك ثم تقول هذا هو الدين!!!

لا يا أخي خرج الدين كله من مشكاة واحدة من مصدر واحد لا تصادم ولا تضاد.

المشكلة في عقلي أنا في قصور فهمي أنا…. لكن إذا كنت تريد أن تحمل الناس على شيء فهذا خطؤك أنت.

 ما هي دلالة النص ؟

إذا هنا فهم النص أن البعض ربما يأخذ النص هكذا ويقول قال الله تعالى نعم قال الله تعالى نص محكم من كلام الله، لكن ما هو فهمك لهذا النص؟ ما هي دلالة النص؟

يعني لما رب العالمين يقول: (كتب عليكم الصيام)

 ما هي دلالة النص هنا؟

لفظة كتب بمعنى فرض وما كتبه الله فهو شيء لازم يجب تنفيذه، فهذا فيه دلالة على وجوب الصيام،

 لكن لما رب العالمين يقول: (وإذا حللتم فاصطادوا)

 هل معنى ذلك أن الصيد بعد الإحرام واجب؟

لا، لأنه إباحة لما كان محظورا على المحرم انه لا يصيد ولا يصاد له.

 كيف نفهم هذا؟

 نفهم هذا من خلال فهمنا للإطار العام للشريعة لكتاب والسنة)، إنما واحد ينتزع نص قرآني أو نص نبوي بعيدا عن السياق ويضرب القرآن بعضه ببعض أو السنة بعضها ببعض فهذا خلل في الفهم.

 ولذلك هنا مسألة مهمة وهي: أن كلام العلماء يستدل عليه ولا يستدل به، لان العالم ليس معصوما، العالم ليس نبيا يوحى إليه، العالم بشر يصيب ويخطئ، ومعنى هذا انه لا يحل لمسلم أن يوالي شيخا أو إماما يوالي عليه ويعادي عليه، يعني أنا شافعي المذهب كل من يخالف الشافعية فهو على ضلال مبين، أنا حنبلي المذهب كل من يخالف المذهب الحنبلي فهو مبتدع هذا كله جهل، وحماقة وقلة علم بديننا العظيم.

الخوارج وأساس فتنتهم:

أنا أضرب أمثلة حتى تكون الصورة واضحة للجميع، لكن سوء الفهم عن الله وعن رسوله أدى إلى مصائب كبيرة، هل تعلمون أن هناك طائفة اسمها الخوارج؟ خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وحكموا عليه أنه كافر؟

 هل تتخيلوا سوء الفهم كيف أدى بهم؟

 ماذا قال الرسول عن هؤلاء؟ قال: ( يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم )

إنهم حناجر فقط تقرأ القرآن زي الهاتف أو زي الراديو لكن هل الراديو سيأتي يوم ويخشع ويبكي من خشية الله أو من سماع القرآن ولا من تلاوة القرآن؟ هل الهاتف سيرق قلبه؟

 كلا فهؤلاء عبارة عن آلات تقرأ القرآن فقط، بدون فهم .

ماذا يريد النبي منا؟ يريد أن نفهم كلام الله، عز وجل فهما صحيحا.

 الإمام أبو حنيفة من ذكائه مرة تعرضوا له، وكانوا إذا تعرضوا لأحد وقالوا ما دينك؟

يقول مسلم، فيقتلوه، لماذا؟ لأن كل من سواهم كافر، فالإمام أبو حنيفة تعرضوا له في الطريق قالوا من أنت؟

 قال مشرك مستجير، مشرك يطلب الحماية، فجاء أحد فقهائهم فقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [التوبة: 6]

 فأمنوه وأخرجوه آمنا سالما.

 فالإمام أبو حنيفة كان عنده فطنة لو قال لهم أنا مسلم … إذن تعالى نقتلك، سبحان الله العظيم! لكن مشرك مستجير لك الأمان!!

 هذا تطبيق أعور للدين … سبحان الله عبر التاريخ كله هذا موجود في جماعات ومدارس ومذاهب وأمور أضلوا الناس تحت اسم القرآن وتحت اسم السنة، وهذا كله يجانبه الصواب.

فلما يأتي علي ابن أبي طالب المبشر بالجنة ابن عم رسول الله زوج ابنته الخليفة الرابع الراشد ويقال عنه إنه كافر ماذا تتوقع في شأن بقية الأمة؟ فسوء الفهم والخلل في الفهم والتعامي عن النصوص الشرعية هذا مصيبة.

 المفكر الإسلامي:

ولذلك نحن ابتلينا في زماننا بما يعرف بالمفكرين الإسلاميين وأنا لست ضد أن رجلا يكون عنده فكر إسلامي وفهم لكن يكون على علم، نحن عندنا أساتذة وعلماء أجلاء ما شاء الله يعني يمكن أشهرهم الدكتور محمد عمارة من يقرأ للدكتور محمد عمارة هذا مفكر بمعنى الكلمة، هذا مفكر إسلامي بحق عنده فهم لأبعاد وعمق الإسلام، وهو بشر طبعا يصيب ويخطئ، والشيخ محمد الغزالي أيضا له عمق وتفكير، وآراء وغيرهم كثير.

حتى لا يطول المقام اقصد أن هذا رجل عنده متانة في العلم وفهم في العلم إنما واحد لا ندري عنه شيئا هل يحفظ القرآن أم لا؟ هل يفهم اللغة العربية أم لا؟ هل ثم ويفتي في كلام الله وفي سنة رسول الله بما لا علم له به، سؤال ما هي مؤهلاتك حتى تكون مفكرا إسلاميا أو شيخا أو عالما، ليس له مؤهلات !!

مؤهلاته الوحيدة أنه مرضي عنه من أصحاب هذه القناة، القناة التي استضافته رضوا عنه وعن أفكاره، لأن هذه الأفكار ستجلب لنا إعلانات ومشاهدات عالية ونسبة انتشار وهذا ما يريدونه.

 أي قناة على وجه الأرض بلا استثناء لم يقم أصحابها بإنشائها صدقة جارية أبدا، كلهم يتاجرون بك، هذه قاعدة وضعها البعض قال: إذا رأيت شيئا مجانا فاعلم انك أنت البضاعة، أنت المقصود، أنت السلعة التي يروج بها.

 فلما يأتي بواحد لن يأتي بواحد يعلمك صحيح الدين والفقه وإنما سيأتي بواحد كما قلت يعكس الأمور يقوم بعمل ضجة جلبة يأتي ليقول الخمر ليست حرام الحجاب عادة بدوية عربية لابد من هذه الفرقعات حتى يستطيع جذب المشاهدين أكثر.

أي علم من العلوم يحترم الدارسون فيه أهل التخصص….. في الطب لا نفهم الأشياء على وفق معلوماتنا المحدودة…. إنما نفهمها من خلال أرباب الطب أهل التخصص.

نفس الكلام في كل علم من العلوم…. لا يعقل أنه واحد خرج من بطن أمه مهندسا، وآخر خرج شيخا، وثالث خرج طبيبا. هذا غير معقول.

فالعلم يكون بالتعلم، والتعلم يكون من أهل التخصص والواحد فينا أيا كان تخصصه دائما ما يفخر بأساتذته ويفخر بجامعته فيقول: أنا تربيت على يدي الأستاذ فلان… الدكتور فلان… البروفسير…. فلان. …أنا خريج جامعة كذا….

هذا فخر للناس الآن لأنه يعلم أنه بمجرد أن يذكر اسم جامعة كذا فمعنى ذلك أنه يعني عنده شهادة بدون أي كلام عن جودة التعليم وجودة المعلمين وجودة المنهج إلى غير ذلك. …. طيب هؤلاء اللقطاء الذين يخرجون علينا بين الحين والآخر ليسمي نفسه مفكر إسلامي، أو يسمي نفسه مجتهد، أو يسمي نفسه أيا ما كان….  ويريد أن يغير الدين إلى دين جديد على حسب فهمه ووعيه السقيم، فانتبهوا لهؤلاء يرحمكم الله ، وخذوا دينكم من أفواه العلماء الثقات.

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم

شرح صحيح البخاري

قطوف وروائع

كيف اصطلحت مع ربك؟

قيل لمعروف الكرخي: كيف اصطلحت مع ربك؟ فقال: بقبولي موعظة ابن السماك رحمه الله. قيل له: وكيف؟ قال: كنت ماراً بالكوفة، فدخلت مسجداً أبتغي صلاة العصر، وبعد الصلاة وجدت رجلاً يعظ الناس، فقلت في نفسي : لأجلسن وأستمع فكان مما قال : من كان مع الله تارة وتارة = كان الله معه تارة وتارة، ومن

تاريخ الإضافة : 11 أغسطس, 2022 عدد الزوار : 3282 زائر

جديد الموقع