12- (مِنْ حُسْنِ إسلام المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ)

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:( مِنْ حُسْنِ إسلام المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ) [1]
منزلة هذا الحديث
قال العلماء هذا الحديث أصل في تأديب النفوس وتهذيبها بعدم تضييع الأوقات فيما لا جدوى ولا فائدة منه، وطبيعة الإنسان أنه اجتماعي مرتبط بمن حوله، فقد يتساءل بدافع الفضول عن أشياء لا تفيده، يعني معرفتها لا تنفعه ولا تضره، فعلمنا النبي ﷺ أن من مظاهر حسن الإسلام وكماله أن تترك ما لا يعنيك.
شرح الحديث
(من حسن إسلام المرء) من كمال إسلامه.
(تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ) ما لا يعنيه: ما لا يُهِمُّه، من العناية وهي الاهتمام بالشيء، عناه الامر احتاج اليه واهتم به وتعلق به، إذن فمن حسن إسلام المرء أن تكون أقواله وأفعاله فيما فيه فائدة، وما ليس فيه فائدة ولا احتياج ولا ينبني عليه عمل يتركه ولا يتكلفه.
وهذا يشمل كل ما لا يعنيك يعني الشيء الزائد عن المطلوب، بأن أسأل شخص عن حاله وعن عمله وراتبه وبكم اشتريت هاتفك أو سيارتك، وماذا اكلت، وماذا شربت؟ كل هذا يدخل في باب الفضول يعني الشيء الزائد عن الحد، ويشمل كل ما كان زائدا في الكلام، أو في الافعال أو في الاستماع، وفي كل ما لا ينبني عليه فائدة.
يقول تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ﴾ [ طه: 131]: يقول الشيخ السعدي في التفسير «أي: لا تمد عينيك معجبا، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها – بقطع النظر عن الآخرة – القوم الظالمون، ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارا، ليعلم من يقف عندها ويغتر بها، ومن هو أحسن عملا» [2]
ومفهوم المخالفة من الحديث أن من يتدخل في أمور غيره وفيما لا يعنيه فهذا من سوء إسلامه، فمن حسن الإسلام ترك ما لا يعنيك، ومن سوء الإسلام السؤال عما لا يعنيك،
وقال ابن القيم رحمه الله: (وقد جمع النبي ﷺ الورع كله في كلمة واحدة، فقال: (من حسن إسلام المرء: تركُه ما لا يعنيه)، فهذا يعم الترك لما لا يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه كلمة شافية في الورع) [3]
وينبغي أن يُعلم أن الضابط الصحيح لترك ما لا يعني هو الشرع، لا مجرد الهوى والرأي، لذلك جعله النبي ﷺ أمارة على حسن إسلام المرء، فإن البعض يدع أمورا قد دلّت عليها الشريعة، بدعوى أنها تدخّل في شؤون الآخرين، فيعرض عن إسداء النصيحة للآخرين، ويترك ما أمره الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحجة احترام الخصوصيات، وكل هذا مجانبة للشرع، وبعد عن هدى النبوة؛ فإنه ﷺ كان تاركا لما لا يعنيه، ومع ذلك كان ناصحا مرشدا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، عاملا بأمر الله في حلّه وترحاله.
وتكلم المسلم فيما لا يعنيه يؤدي إلى عواقب وخيمة منها:
1- أنه يتنافى مع حسن إسلام المرء:
فالمسلم الحق هو الذي يترك ما لا يعنيه في القول والفعل؛ فذلك دليل على حسن إسلامه.
2- أنه يؤدي بالإنسان إلى التجسس والغيبة:
فاهتمام المرء بما لا يعنيه يجعل من الفضل عنده حب التجسس على الناس وتتبع عوراتهم، بل إلى اغتيابهم، ولقد حذرنا الله تعالى من ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]ع
وعن نافع عن ابن عمر قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، قال ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.)[4]
3- أنه يؤدي بالإنسان إلى قساوة القلب ووهن البدن وتعسير الرزق.
قال مالك ابن دينار: إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك فاعلم بأنك تكلمت بما لا يعنيك فكلام الشخص فيما لا يعنيه يقسى القلب ويوهن البدن ويعسر أسباب الرزق.
وعن الفُضَيْل بن عياض رضي اللّه عنه قال: مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه.
وقال الإِمامُ الشافعيُّ رحمه اللّه لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها.
4- أنه يُسمع الإنسان ما لا يرضيه:
وقال الناس قديما: ” من تتدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه”
ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكانت أول خطبة خطبها ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن أحداً، ولا يعترض فيما لا يعنيه. فانقشع الشعراء والخطباء وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله. [5]
5- يجعل المرء مبغضا من الناس ثقيلا عليهم:
فالناس لا تحب من يدس أنفه في خصوصياتهم ، فيكون ثقيلا عليهم ، لا يتحملون مجالسته ، ولا ينصتون إلى حديثه، فينبغي عدم إيذاء الناس بالأسئلة الفضولية، لأن من الناس يهتم بخصوصيته، فإذا سألته فهو مخير بين أمرين، أما أن يغلظ عليك ويقول هذا ليس شأنك فأنت يصيبك في نفسك شيء وتحزن، أو أنه يكذب وهذا طبعا غير مراد، حتى قال العلماء إن من أسباب فتور العلاقات بين الناس وتنافرها هذه المسألة، وهذا الأمر موجود بكثرة عند النساء أكثر من الرجال للأسف، فهذه المسائل تؤدي إلى الفتور في العلاقات ، لأن الناس تكره الشخصية الفضولية، فيبتعدون عنه حتى يصل الحال إلى ضعف العلاقات بين المسلمين.
6- فيه مضيعة للوقت فيما لا يفيد:
فمن حسن إسلام المرء إعراضه عما لا منفعة له فيه دينا ولا دنيا، إعراضه عن ذلك تركه ما لا يعنيه، وهذا يجري في كل التصرفات في الكلام، لا تتكلم ولا تفعل إلا ما فيه خير ومنفعة، فالاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا خير له فيه، وما لا مصلحة فيه، هو من الاشتغال بما لا يعنيه، فيه ضياع وقت.
وخلاصة القول:
الحديث فيه إرشاد لما فيه حفظ وقت الإنسان من الضياع، ودينه من الصوارف التي تصرفه عن المسارعة في الخيرات، والتزود من الصالحات، مما يعين العبد على تزكية النفس، وتربيتها على معاني الجد في العمل، نسأل الله تعالى أن يعيننا على حسن استغلال الأوقات، وأن يجنبنا فضول الملذات، إنه جواد كريم.
الفوائد من الحديث:
- ينبغي للمسلم أن يترك ما لا يعنيه؛ لأن ذلك أحفظ لوقته، وأسلم لدينه، وهذا عام في الأقوال والأفعال.
- ترك اللغو والفضول دليل على كمال إسلام المرء.
- الحث على استثمار الوقت بما يعود على العبد بالنفع.
- البُعد عن سفاسف الأمور ومرذولها.
- التدخل فيما لا يعني يؤدي إلى الشقاق بين الناس.
- الحديث أصل عظيم للكمال الخلقي، وزينة للإنسان بين ذويه وأقرانه.
- التوسع في الدنيا هو من الاشتغال فيما لا يعني، وإنما يأخذ منها ما يحتاج إليه مما يغنيه عن الناس، فلا يكون محتاجاً إليهم.
- إن التدخل فيما لا يعني يهدر ماء الوجه، ويقلل من قيمة الإنسان الأخلاقية ويحط من كرامته كإنسان في مجتمعه، ويسبب بغض الناس له.
- من حسن إسلام المرء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الدين النصيحة فإذا رأيت شيئا فيه منفعة لأخيك أن تنفعه به وأن تنصحه به، هذا من حق المسلم على أخيه، (وإذا استنصحك فأنصحه.)
- حرص النبي ﷺ على تعليم أمته الاخلاق الفاضلة.
[1] سنن الترمذي في كتاب الزهد باب ما جاء في ترك ما لا يعنيه حديث رقم 2318 وأخرجه سنن ابن ماجه في كتاب الفتن باب كف اللسان حديث رقم 3976 وقال الترمذي حديث حسن وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[2] «تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن» (ص516)
[3] مدارج السالكين (2/ 22).
[4] أخرجه سنن الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في تعظيم المسلم حديث رقم 2032 وأخرجه سنن أبي داود في كتاب الأدب باب في الغيبة حديث رقم 4880 وقال الترمذي حديث حسن غريب وصححه الألباني في صحيح الترمذي وصحيح أبي داود.
[5] الكامل في التاريخ 2/371.