حكم قول “الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه”

تاريخ الإضافة 23 أغسطس, 2023 الزيارات : 4238

حكم قول “الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه”

سمعتك شيخنا تقول في أحد دروسك : “الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه” هل هذه العبارة تعتبر صحيحة؟
نعم يجوز قول: “الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه”؛ لأنها صيغة يراد منها المبالغة في حمد الله تعالى، وقد وردت في السنة عدة صيغ فيها مبالغة في حمد الله تعالى، من ذلك ما ورد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» أخرجه مسلم في “صحيحه”.
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رُفِعَ الْعَشَاءُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه البيهقي في “الدعوات الكبير”.
وعَنْهُ أيضًا عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ، وَالْحَمْدُ لله مِلْءَ مَا خَلَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَمْدُ لله مِلْءَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَسُبْحَانَ اللهِ مِثْلَهَا، فَأَعْظِمْ ذَلِكَ» أخرجه أحمد في “مسنده”.قال الإمام النووي في مقدمة كتابه “منهاج الطالبين وعمدة المفتين” في الفقه الشافعي (ص: 7، ط. دار الفكر): [أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في “مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج” (1/ 93، ط. دار الكتب العلمية) عند شرحه لهذا النص المذكور سابقًا من كلام النووي: [(أَحْمَدُهُ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ وَتَفَضَّلَ (أَبْلَغَ حَمْدٍ) أَنْهَاهُ (وَأَكْمَلَهُ) أَتَمَّهُ (وَأَزْكَاهُ) أَنْمَاهُ (وَأَشْمَلَهُ) أَعَمَّهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ عُمُومُ الْحَمْدِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ النِّعَمُ لَا يُتَصَوَّرُ حَصْرُهَا كَمَا مَرَّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُنْسَبَ عُمُومُ الْمَحَامِدِ إلَيْهِ تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الْإِجْمَالِ بِأَنْ يَعْتَرِفَ مَثَلًا بِاشْتِمَالِهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحَمْدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَمْدٌ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ بِرِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ، وَذَاكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَهِيَ الْمَالِكِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ الْأَبْلَغِيَّةُ بِأَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ فَذَاكَ الْبَعْضُ أَعَمُّ مِنْ هَذِهِ الْوَاحِدَةِ لِصِدْقِهِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا الْكَثِيرِ، فَالثَّنَاءُ بِهَذَا أَبْلَغُ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا، نَعَمْ الثَّنَاءُ بِالْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهُ، أَيْ تَعَيُّنُهُ، أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ هَذَا، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ أَبْلَغَ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ اُفْتُتِحَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْدَ فِيهِ لِمَقَامِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعْيِينُ لَهُ أَوْلَى] اهـ.
وقال الإمام ابن الصلاح في “مقدمته في علوم الحديث” (ص: 145، ط. دار المعارف): [الحمد لله الهادي من استهداه، الواقي من اتقاه، الكافي مَن تحرى رضاه، حمدًا بالغًا أمَدَ التمام ومنتهاه، والصلاة والسلام الأكملانِ على نبينا والنبيين وآل ِ كلٍّ، ما رجا راجٍ مغفرته ورُحْماه. آمين آمين] اهـ.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “النكت على كتاب ابن الصلاح” (1/ 223، ط. عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية- المدينة المنورة): [قوله (ص): (حمدًا بالغًا أمد التمام ومنتهاه): اعترض عليه بأن هذه دعوى لا تصح وكيف يتخيل شخص أنه يمكنه أن يحمد الله حمدًا يبلغ منتهى التمام؛ والفرض أن الخلق كلهم لو اجتمع حمدهم لم يبلغ بعض ما يستحقه تعالى من الحمد فضلًا عن تمامه؛ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ»، مع ما صح عنه في حديث الشفاعة: “أن الله يفتح عليه بمحامد لم يسبق إليها”. والجواب: أن المصنف لم يدَّع أن الحمد الصادر منه بلغ ذلك، وإنما أخبر أن الحمد الذي يجب لله هذه صفته، وكأنه أراد أن الله مستحق لتمام الحمد، وهذا بيِّن من سياق كلامه، ومن هذا قول الشيخ محيي الدين في “خطبة المنهاج” وغيره: (أحمده أبلغ حمد وأكمله)، فمراده بذلك أَنْسبُ إلى ذاته المقدسة أبلغ المحامد، وليس مراده أن حمدي أبلغ حمد. وقد قال الأصحاب: إن أجل المحامد أن يقول المرء: الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده] اهـ.

والله سبحانه وتعالى أعلم.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر مشرف الموقع

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 344 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم