“وإنك لعلى خلق عظيم”

تاريخ الإضافة 17 أكتوبر, 2022 الزيارات : 273
“وإنك لعلى خلق عظيم”

 نعيش في هذا اللقاء مع قول الحق جل وعلا: ( وإنك لعلى خلق عظيم)

هذه الآية المباركة خاطب الله تعالى بها نبينا صلى الله عليه وسلم مثنيا عليه في خُلُقه، وثناء الله جل في علاه على عبد من عباده هذا شرف أيما شرف.

وفي دنيا الناس عندما يعطي أحد الملوك أو أحد الرؤساء لقبا لأحد الناس يكون له درجة وتشريف وحضور ومكانة .

وكان في القديم أيام الخلافة العثمانية لقب الباشا، ولقب الأعيان في بعض البلاد العربية، وفي إنجلترا لقب اللورد، وهذه ألقاب يسعد بها الناس ويشرفون بها، وتكون لهم مكانة اجتماعية وسياسية في بلادهم، فما بالك وهذا اللقب وهذا الوسام العالي من رب العالمين جل جلاله لنبينا صلى الله عليه وسلم؟!!

وثناء الله تعالى على نبينا إشارة إلى مكانته عند رب العالمين، ومدح الله لنبيه في أخلاقه هو لفت لأنظارنا لنسأل ما هي أخلاقه العظيمة التي أثنى عليه الله بها؟

النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الليل حتى تتورم قدماه…. وجاهد في سبيل الله مبلّغا دعوته في مكة ، وفي المدينة في ثلاث وعشرين سنة ….. جهاد دائم متواصل بلا انقطاع، فلماذا خص الله عز وجل الثناء عليه بأخلاقه؟

لأن الأخلاق هي ثمرة العبادات، فالهدف من العبادات تنقية القلب وتزكيته وتطهيره، فإذا زكي القلب وطهر فإن ذلك ينتج أخلاقا طيبة.

ولذلك حينما تجد إنسانا في جانب العبادة ما شاء الله وفي جانب الأخلاق أعوذ بالله ، لابد وأن نتساءل هل عباداته فعلا صحيحة؟

هل عنده نية مدخولة؟ (يعني عنده رياء أو مرض في القلب )

لأن العلماء دائما يقولون : إن النتائج تنسجم مع المقدمات ، فالمقدمة عبد طائع لله… يصلي الجماعة ، يقرأ القرآن،  يصل الرحم كذا كذا. النتيجة تحسن أخلاقه.

قال تعالى : (إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ)[العنكبوت 45]، وقال : (خُذۡ مِنۡ أَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا )[التوبة 103] ،

ولما قالوا: ( يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها؟ قال: هيَ في النَّارِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ.) صحيح الترغيب

“وتَتصَّدَّقُ بأَثْوارٍ”، أي: القِطَعِ مِن الأَقِطِ، وهو اللَّبنُ المُجفَّفُ.

فهذا إشارة إلى معنى هام وهو أن العبادات ثمرتها الصحيحة أخلاق، عبادات مقبولة، علامة قبولها أخلاق بين الناس.

وهذا الذي أشار إليه نبينا -صلى الله عليه وسلم- عندما قال :(إنَّكم لن تَسَعُوا النَّاسَ بأموالِكم ولكنْ يَسَعُهم منكم بسطُ الوجهِ وحُسنُ الخُلُقِ) سنده ضعيف

ما السر في ذلك؟

السر هو أن العبادة بيني وبين الله، كل واحد فينا لن ينتفع من عبادة الآخر، هذا شأن بيني وبين الله -عز وجل-.

أما الأخلاق فهي المحك الذي يدور عليه تعاملات الناس، فأنت لما تعاملني بالصدق يصبح عندي ارتياح وطمأنينة، لكن لما تعاملني بالغش والكذب فأنا لن آمنك على شيء قليل أو كثير، ونفس الحال في أمور كثيرة في حياتنا.

ولو أردنا أن نتكلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقدره ومكانته عند رب العالمين لطال بنا المقام.

لكن يكفيك أن تعلم أنه خير خلق الله، سيد ولد آدم، رفعه الله في مكان لم يصله مخلوق، (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) [النجم 14:16]

ومع هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفيض رحمة وتواضعا بين الناس بشكل لا تتخيله، فقد درج الناس أن الملوك والرؤساء والسادة يكون لهم وضعية في التعامل وفي الخطاب ، وفي الحركة وكل شيء بحضرتهم يكون بحساب، وكل كلمة بحساب، أما نبينا -صلى الله عليه وسلم- فكان يخالط أصحابه ، ويكلمهم لا يتعالى، ولا يترفع ، ولا يجعل لنفسه حاجزا بينه وبين الناس، وكان إذا دخل المسجد يجلس حيث ينتهي به المجلس، فيدخل الداخل ويقول أيكم محمد؟ أين محمد؟

هم اعتادوا في مجتمعهم حتى رؤساء القبائل أو شيوخ القبائل كان لهم وضعية في المجلس.

أما هذا خير خلق الله يجلس مع أصحابه واحد منهم، وكان إذا أراد أن يجلس للطعام مع أصحابه يقول إنما أنا عبد اجلس كما يجلس العبد وأكل كما يأكل العبد، وكان إذا أقبل صلى الله وسلم قام إليه صحابته احتراما وإجلالا له- وحق له صلوات ربي وسلامه عليه- فيقول لا تفعلوا كما يفعل الأعاجم، ونهاهم أن يقوموا له أبدا.

 وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا هيبة، كساه الله جلالا وهيبة لدرجة أن عمرو بن العاص (أسلم سنة 7هجرية) قال ( وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه)

ورأى رجل النبي-صلى الله عليه وسلم- فجأة ارتعد فقال -صلى الله عليه وسلم-: هون عليك يا أخي ، فإنما أنا ابن امرأة من مكة كانت تأكل القديد. ) لا تظن اني هبطت من كوكب آخر أو من عالم آخر، أنا واحد منكم.

والقديد هو اللحم الذي يقطعونه شرائح ثم يعرضونه للشمس وكانت وسيلة من وسائل الحفظ، فلما يجف يحتفظون به ثم بعد ذلك إذا أرادوا تناوله يقومون بغليه في الماء كما هو المعتاد، وهذا كان طعام عامة الناس لأن اللحم لم يكن طعام الأغنياء كما هو متبادر إلى بعض الأعراف هنا لكن كان هو القوت الموجود عند الكثير من الناس.

وهذا معاذ ابن جبل رضي الله عنه لمَّا قدِمَ  منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ ما هذا يا مُعاذُ قالَ: أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ( فلا تفعَلوا فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها ) صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.

ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدمٍ حشوها ليف… فرأى أثر الحصير في جنبه، فبكى؛ فقال: (ما يبكيك؟) فقال له: “يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله” فقال عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) متفق عليه.

وسادة من أدم: الأدم هو الجلد.

وفي رواية أخرى : “..ثم رفعت بصري في بيته فو الله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر غير أُهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله”، وكان متكئا فقال: ( أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا ) متفق عليه.

ها هو النبي صلى الله عليه وسلّم نائمٌ في حجرته، وسريره -إن جاز لنا أن نسمّيه سريراً- ليس سوى قطعة حصيرٍ بالية تكاد تلتصق بالأرض، وعليها وسادة جلديّة محشوّة بالليف، أهذا هو سرير خير الخلق وأعلاهم منزلة؟ وبينما كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه غارقاً في تأمّلاته إذ قام النبي -صلى الله عليه وسلم- من حصيره وقد أثّر على جنبه، عندها تفجّرت مآقي الدمع من عيون عمر رضي الله عنه، ولم يستطع أن يحتمل أكثر من ذلك.

كان بكاء عمر رضي الله عنه مفاجئاً للنبي -صلى الله عليه وسلم-، الأمر الذي جعله يتساءل عن سرّ بكائه، فقال: “يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله” أَوَ هذا الذي يُبكيك يا عمر ؟، دع طغاة الأرض وملوكها منغمسين في ترفهم فهو متاع قليل.

ولو شاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجرى الله بين يديه ألوان النعيم، ولكان له من ذلك أوفر الحظّ والنصيب، لكنّه كان راضياً بالقليل، قانعاً باليسير، واضعاً نُصب عينيه قول الحقّ تبارك وتعالى: { ورزق ربك خير وأبقى} (طه : 131).

ويروي لنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن نفسه: (إن عبداً عُرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة) رواه أحمد ، ونزل إليه ذات مرّة ملكٌ من السماء فقال له: ” إن الله يخيّرك بين أن تكون عبداً نبيّاً، وبين أن تكون ملكاً نبيّا “، فأجاب: (بل أكون عبداً نبياً) رواه البخاري في تاريخه.

وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) متفق عليه.

قول الله تعالى : (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين):

خلق الله مخلوقا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل رحمته تفيض على العالمين إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.

رحمته في منهجه وفي اخلاقه وفي دعوته، رحمة بالصغير والكبير، كان يلاعب الصبيان وكان يحملهم، وكانت الجارية تأخذ بيده حيث شاءت من المدينة ليقضي لها النبي حاجتها، وكان يدخل الى الصلاة يحمل حفيدته أمامة فيصلي بها.

وكان يصلي يوما فاعتلى ظهره الحسن حفيده، فما زال ساجدا صلى الله عليه وسلم حتى انتهى الحسن، ونزل من على ظهر جده، وقال إن ابني هذا ارتحلني.  (من يركب الجمل يسمى مرتحل) إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله…. كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتدل من سجوده، فهذا طفل صغير لا يتماسك ربما انقلب على رأسه فأصابه مكروه، فظل ساجدا ليعلم الصحابة الرحمة بالصغير والكبير.

أراد صلى الله عليه وسلم أن يصلي يوما فيطيل، فسمع بكاء طفل صغير فقصر القراءة والصلاة وقال : ( إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي ، كراهية أن أشق على أمه » أخرجه البخاري.

هكذا كان صلوات ربي وسلامه عليه رحمة تفيض على الكبير والصغير.

أخ كريم وابن أخ كريم:

الذين يتكلمون عن الإسلام ويقولون إنه دين الوحشية وكذا وكذا …..

نقول لهم لقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد ثمان سنوات من هجرته وهم الذين آذوه وفعلوا ما فعلوا به ، وكان أهل مكة في هذا الوقت في وضع  الانهزام ، وقف النبي حوله عشرة آلاف رهن إشارته، فقال لأهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم!!!

الآن وهو في وضع القوة صار أخا كريما؟! ومن قبل كان مجنونا وساحرا وشاعرا، وقالوا ما قالوا فيه -صلى الله عليه وسلم- ، لكنه كان لا يعرف الانتقام لنفسه، ما كان يعرف الدماء ولا الوحشية.

إنما قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء وتمثل كلمة يوسف لإخوته: ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)لا تثريب أي يعني لا لوم ولا عتاب.

لم يمسكهم واحدا واحدا يحاسبهم، ويقول أنت قلت يوم كذا فيا كذا وأنت فعلت كذا وأنت كذا إنما عفا عن الجميع ووسعهم بعفو الإسلام وسماحته؛ فدخل الناس في دين الله أفواجا، والدليل على ذلك أنه في فتح مكة جيش المسلمين كان عشرة آلاف هذا في رمضان سنة 8 هجرية ، في شهر رجب سنة 9هجرية خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك ، وكان قوام الجيش ثلاثين ألفا. 

تخيل الجيش يتضاعف ثلاثة أضعاف في أقل من عام، وهذا يبين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم برحمته وبأخلاقه مع أعدائه ومع المؤمنين ومع الناس والكبير والصغير دان له الناس.

فهذا بيان كيف أن الإسلام انتشر بهذه الأخلاق الكريمة وأن الإسلام عقيدة ندين بها لله، لا تفرض بإغراء مادي، ولا باكراه على قتل أو أذى أو ضرب، إنما من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

إن رب العالمين أراد أن تتجسد الاخلاق العظيمة في نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم. وأشار الى هذا المعنى بهذه الآية المباركة لنكون إن شاء الله تعالى خير خلف لخير سلف، ونتخذ نبينا قدوة في رحمته في تواضعه في عفوه في حلمه في سعيه لهداية الناس، صلوات ربي وسلامه عليه .

هذه إشارات سريعة والموضوع أوسع من ذلك بكثير ولكن المقام لا يتسع لذلك ،وفيما ذكر الفائدة إن شاء الله.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق اتباعه صلى الله عليه وسلم وأن يقبضنا على ملته وأن يحشرنا إلى الجنة معه في زمرته اللهم امين.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم

شرح صحيح البخاري

قطوف وروائع

من كلام السلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 من كلام السلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال‏:‏ الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه‏.‏ وقال بلال بن سعد‏:‏ إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة وقال سعيد بن جبير‏:‏ إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه

تاريخ الإضافة : 10 ديسمبر, 2022 عدد الزوار : 10272 زائر

جديد الموقع