قوانين السعادة
(6) كن حليما لا تغضب

الغضب، انفعال طبيعي، قد يكون له دور في بعض الأحيان، لكن عندما يتحول إلى حالة مستمرة أو رد فعل مبالغ فيه، يصبح سجنًا يقيد الروح ويحجب نور السعادة؛ فهو يستهلك طاقتنا، ويشوه رؤيتنا للعالم، ويدمر علاقاتنا.
عندما نستسلم للغضب، نصبح عبيدًا له، تدفعنا انفعالاتنا دون وعي، ونفقد القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية وحكيمة.
تَمُرُّ بالإنسان مواقفُ كثيرةٌ في حياته؛ في بيته وأسرتِه، ومسجده وعمَلِه، في سوقه وطريقِه ووظيفتِه، مواقفُ قد يتعرض فيها للإساءة والاسْتِفزاز، أو سبٍّ أو شتم أو قلةِ أدَبٍ واحترام؛ مما يجعله يغضب، ولو اتَّبَع الإنسان غضبه لَأوْقَعَه في الهلاك؛ لأن الغضب أساسُ كثير ممَّا نعيشه من المشكلات:
- فكم من رجل طلَّق زوجته ثم يعتذر بعدها بأنه كان في لحظة غضب!
- وكم من رجل اعتدى على أخيه بالسَّبِّ والضرب، ثم يعتذر بعدها بأنه كان غاضبًا!
- وكم من إنسان في السجون بسبب جريمة القتل، ولو سألته عن السبب لقال: كنت في لحظة غضب!
فاحتاج المسلم إلى هذا الخُلُق الكريم؛ لكي يَحدَّ من شرِّ الغضب ويُوقفَه، ويـَمنعَه ويحبِسَه، ويقابلَ من أساء إليهِ بالإحسان، ويقابلَ من جهِل عليه بالسلام، ويعفوَ ويتسامحَ، ويتجاوزَ ويتصافح.
والله سبحانه وتعالى قال في وصف عباده المتقين: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (آل عمران: 134).
وكظم الغيظ المقصود به هنا حبس آثار هذا الغضب، لأن الإنسان حينما يغضب ينفعل، ويتدفق الدم في الشرايين بصورة عالية ويصل إلى الرأس فيغلي، فيؤدي إلى انفلات الأعصاب وإطلاق اللسان والسب …الخ.
وجاءَ جاريةُ بنُ قدامة رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ، فقال: (يا رسول الله، أَوْصِنِي، قَالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لا تَغْضَبْ(
يعني هو يريد وصية ثانية فردد النبي ﷺ قال: (لا تغضب). فلما أعاد مرة ثالثة، قال: (لا تغضب ولك الجنة).
ما معنى ذلك؟
أي تحكم في نفسك عند غضبك، فالغضبان قد يصل إلى ارتكاب أفعال فيها حماقة، يحدث بعدها ما يحدث من خراب بيت بالطلاق، أو بالاعتداء على نفس بالضرب أو القتل، أو بإتلاف شيء أو ما شابه ذلك.
فإذا ملكت لسانك، وملكت جوارحك عندما تغضب، فإنك بذلك تنجو من آثام وكبائر ربما تقع فيها بسبب غضبك، فتؤدي بك إلى غضب الله عز وجل.
فإذا نجوت من هذا الفعل السيء، فإنك بذلك تكون من أهل الجنة. “لا تغضب ولك الجنة”.
أنواع الغضب:
والغضب منه ما هو محمود، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مذموم.
- الغضب المحمود
الغضب المحمود هو غضب رسول الله “ﷺ، لأنه كان إذا غضب لا يغضب لنفسه، إنما يغضب إذا انتهكت محارم الله.
وكان النبي ﷺ بين حاجبيه عرق يدره الغضب (يعني عرق هنا إذا غضب ينتفخ) فكان إذا غضب احمر وجهه، وظهر هذا العرق، فكان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله، وله في ذلك مواقف عديدة، مثل غضبه على أسامة لما جاء يستشفع له في المرأة التي سرقت، وقال “ﷺ: “لقد هلك من كان قبلكم، إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”.
- الغضب المباح
الغضب المباح هو الغضب الطبيعي: إذا اعتدي عليك أحد ، إذا أُوذيت، إذا أُخذ حقك، إذا وجدت استخفافًا بك من بعض الأشخاص، فمن الطبيعي أن تغضب، لكن ليكن هذا الغضب غضبا عاقلا؛ لا يصل بك إلى مرحلة ارتكاب الحماقات، وتقع في أمور تندم عليها.
- الغضب المذموم
- غالب الحوارات بين الزوجين فيها حدة وغضب شديدين تؤدي إلى خراب البيت.
- عندما يسبك أحدهم مثلاً فتسبه أضعاف ما سبك.
- عندما يستفزك أحدهم فتعتدي عليه فتحدث له إصابة، أو ربما يصل الأمر إلى القتل.
ولذلك النبي ﷺ لما استب رجلان أمامه (استبوا يعني شتموا بعض) فرأى أحدهما وقد احمر وجهه وانتفخت أوداجه (عروق الرقبة في الجانبين انتفخت علامة على الانفعال الشديد) فقال النبي “ﷺ: “إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد”. قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.
هذه حالات الغضب الثلاث: الغضب المحمود الذي يكون لله، الغضب المباح الذي تعبر فيه عن حقك، أوعن رأيك، تطالب بما سلب منك أو انتقص منك، ترد كرامتك، أما الغضب المذموم فهو أن تتجاوز حد الانفعال الطبيعي إلى حد الانفعال الذي فيه حماقة، فتقع في أمور كثيرة تندم عليها.
تعريف الحِلم
الحِلم هو: ضبط النفس عند الغضب، وكفّها عن الانفعال والاندفاع.
فالحِلم ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل هو قوّة داخلية، وامتلاك زمام النفس ساعة الغضب.
ولهذا قال النبي ﷺ:(ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )متفق عليه
فضل الحلم وكظم الغيظ:
قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:134].
وقال ﷺ: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) متفق عليه.
كيف تمنع نفسك من الغضب؟
1- التفكر في أجر الكاظمين الغيظ وما أعد الله لهم من المنزلة العظيمة.
باستحضار ما أعده الله تعالى للذين يكظمون الغضب، قال تعالى في ذكر أصناف أهل الجنة: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: 134).
أيضًا قول النبي ﷺ: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين فيزوجه أيها شاء).
2- الاستعاذة بالله من الشيطان:
قال ﷺ: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) متفق عليه.
3-السكوت:
قال ﷺ: “إذا غضب أحدكم فليسكت” رواه أحمد.
لماذا؟ لأن الكلمات والشتائم والسب والطعن وكل ما يخطر ببالك من نيل من خصمك (أيًا كان) سيأتي على بالك وعلى لسانك، والشيطان ينزغ، قل كذا … لا تسكت، رد عليها، أدبها ..اضربها.
4- تغيير الحال:
قال ﷺ: “إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع” رواه أبو داود
5-الوضوء:
قال ﷺ: “إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ” رواه أحمد.
لماذا؟ لأن الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار؛ فأنت مع الغضب يتدفق الدم في العروق فتحتاج إلى أن تهدأ، الماء البارد يهدئك، يلطف حرارة جسمك، فلا يتسلط عليك الشيطان ويوجهك عند الغضب لارتكاب مالا تحمد عقباه.
6-اترك المكان:
هي ليست معركة أو مباراة لابد أن يكون فيها أحد الخصمين فائزًا.
إنه موقف كلا الطرفين فيه خسران! فإذا غضبت على زوجتك مثلا وحدثت مشادة كلامية فاترك البيت واخرج حتى تهدأ.
ربما أحد الزوجين عنده حماقة، ليكن الطرف الآخر عنده العقل فينسحب في الوقت المناسب حتى لا نقطع خط الرجعة، ونحاول حل المشكلة ومعالجة الأمور.
أبو الدرداء رضي الله عنه يقول لزوجته: إذا غضبت فرضيني. وإذا غضبت أرضيك وإلا لن نصطحب.
7- تذكر العواقب:
فكم من كلمة أوقعت طلاقًا، أو فرّقت بين أخوين، أو أشعلت فتنة، كلها من لحظة غضب.
8-الإكثار من الدعاء أن يرزقك الله الحلم والسكينة:
وكان من دعاء النبي ﷺ: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. ) رواه مسلم
9-مخالطة الحلماء، فالأخلاق تُكتسب بالصحبة:
10-الحوار بين الطرفين:
المشاكل كلها تحتاج إلى الحوار، والهدوء، والشورى، وتحل بالحكمة.
ثمرات الحلم
- محبة الله: لأن الله يحب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.
- السعادة القلبية: الحليم يعيش مطمئنًا، لأنه يطفئ الفتن فيعيش في بيئة هادئة آمنة.
- محبة الناس: فالحليم قريب من قلوبهم، محمود بينهم.
- راحة البال والطمأنينة، فالغاضب يحرق نفسه بالندم والقلق، بينما الحليم يعيش ساكن القلب.
- التخلص من أمراض الغضب: كالضغط النفسي والعصبية الزائدة.
- الحِلم سبب للسعادة: لأن الحليم يملك زمام نفسه فلا يندم على كلمة أو فعل.
نماذج من الحلم
- النبي ﷺ: لما جاءه أعرابي فجبذه بردائه حتى أثّر في عنقه، ثم قال: أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ﷺ وضحك ثم أمر له بعطاء [متفق عليه].
- علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما قاتل رجلاً فصرعه، جلس على صدره، فبصق الرجل في وجهه، فتركه علي وقال: إنما قاتلتك لله، فلما بصقت غضبت لنفسي فتركتك.
- الحسن بن علي رضي الله عنهما : كان له غلام أخطأ، فغضب عليه، فقال الغلام: يا مولاي، إن الله يقول: (والكاظمين الغيظ) قال: قد كظمت غيظي.
قال: (والعافين عن الناس). قال: عفوت عنك.
قال: (والله يحب المحسنين). قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
- وشتم رجلٌ الشعبيَّ، فقال له: (إنْ كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذبًا فغفر الله لك).
- ويروي عن الحسن أن رجلاً قال : إن فلاناً قد اغتابك ، فبعث إليه طبقاً من الرطب ، وقال : بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك ، فأردت أن أكافئك عليها ، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام.
- وقال رجل لحكيم يا قبيح الوجه فقال :ما كان خلق وجهي إلى فأحسنه!!!
- وقال علي بن يزيد: أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناً طويلاً ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً
- وسب رجل أبا بكر رضي الله عنه فقال: ما ستر الله عنك أكثر.
هذه النماذج تبين أن الحلم لا يعني ضعفًا، بل هو قوة حقيقية وسيطرة على النفس.
نسأل الله أن يرزقنا الحلم والعلم والتواضع وسعة الصدر